العدالة الانتقالية تعود إلى الواجهة: من وراء العودة ولماذا؟
ما الذي يفسر عودة النقاش حول انتهاكات سنوات الجمر والرصاص بالتزامن مع التحولات السياسية التي يشهدها المغرب؟ وهل يتعلق الأمر بمجرد تداعيات استقبال محمود عرشان بمقر حزب الأصالة والمعاصرة خلال مشاورات تشكيل الحكومة، أم أننا أمام إعادة فتح ملف العدالة الانتقالية في سياق سياسي يتجاوز الأشخاص والحسابات الحزبية الظرفية؟
آراء أخرى
من في مصلحته إثارة قضايا التعذيب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي طالت عدداً من الضحايا خلال سنوات الجمر والرصاص، بالتزامن مع تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للمشهد الانتخابي وتكليفه بقيادة الحكومة، في سياق تعيين الملك لمنسقته الوطنية، فاطمة الزهراء المنصوري، وفق المقتضيات الدستورية ذات الصلة بالفصل 47 من دستور المملكة؟
وهل كان استقبال محمود عرشان بمقر حزب الأصالة والمعاصرة، خلال مشاورات تشكيل الحكومة، رفقة ابنه عبد الصمد وآخرين، مجرد محطة عادية ضمن اللقاءات السياسية التي تسبق تشكيل الحكومات، أم أن لهذا الاستقبال دلالات تتجاوز طابعه البروتوكولي؟وما الذي يفسر التصريح الذي أدلى به عرشان داخل البرلمان، وما أعقبه من حوار إعلامي مع الصحافي حميد المهداوي؟ وهل كان فتح هذا الأخير لقناته أمام عدد من الوجوه اليسارية والحقوقية والمدنية مجرد ممارسة لحق الرد، وإتاحة الفرصة لضحايا سنوات الجمر والرصاص للتعبير عن مواقفهم إزاء تصريحات عرشان، أم أن الأمر يتعلق بإعادة تحريك نقاش سياسي وحقوقي أوسع؟
إنها أسئلة مشروعة، ليس لأنها تستهدف شخصاً بعينه، وإنما لأنها تلامس واحدة من أكثر القضايا حساسية في التاريخ السياسي والحقوقي المعاصر للمغرب: قضية الحقيقة والإنصاف والمصالحة، وما تحقق فيها، وما تعثر، وما ظل عالقاً من أسئلة لم تجد طريقها بعد إلى التسوية المؤسساتية الكاملة.
من موقع التجربة المؤسساتية: الإنصاف والمصالحة بين الإنجاز والتعثر.
أجدني معنياً بهذا النقاش من موقع تجربة شخصية ومهنية، وليس فقط من موقع المتتبع أو المعلق على الأحداث السياسية.
فقد كنت من بين الأقلام التي اهتمت، على امتداد سنوات، بقضايا العدالة الانتقالية، وكتبت كثيراً حول ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وحول فلسفة طي صفحة الماضي وبناء شروط المصالحة الوطنية. بل إنني انخرطت، من داخل الإطار المؤسساتي الرسمي للدولة في المجهود الحكومي الرامي إلى تسوية عدد من الملفات المرتبطة بجبر الضرر، في إطار تفعيل توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة والتوجيهات الملكية ذات الصلة.
ومن خلال هذه التجربة، يمكن القول إن المغرب راكم رصيداً مهماً في مجال العدالة الانتقالية، وقدم تجربة ذات خصوصية في محيطه الإقليمي، من خلال إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة، وتنظيم جلسات الاستماع العلنية، والاعتراف الرسمي بوقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، والاشتغال على جبر الضرر الفردي والجماعي، والبحث عن الحقيقة، ورد الاعتبار للضحايا، ووضع ضمانات مؤسساتية تحول دون تكرار الانتهاكات.
غير أن الاعتراف بالمنجز لا ينبغي أن يحجب حجم الصعوبات التي واجهت تنزيل التوصيات، ولا سيما في شقها المتعلق بجبر الضرر الجماعي للمناطق التي صنفها تقرير الهيئة ضمن المناطق المتضررة من التهميش والإقصاء، نتيجة عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وتاريخية متراكمة.
كما أن ورش الحكامة الأمنية لم يستكمل، بالقدر المطلوب، كل مقتضياته المتعلقة بتعزيز الرقابة المؤسساتية على عمل الأجهزة الأمنية، وتطوير آليات المساءلة والشفافية، وترسيخ مبدأ خضوع جميع المؤسسات، دون استثناء، للقانون والمراقبة القضائية والبرلمانية، كل في حدود اختصاصاته الدستورية والقانونية.
ولا يعني ذلك إنكار ما عرفته المؤسسة الأمنية المغربية من تطور في بنياتها وأساليب اشتغالها ومقارباتها، أو ما راكمته من تحديث وتجويد للخدمات وتعزيز للتكوين في مجال حقوق الإنسان. لكن التطور المؤسساتي لا يقاس فقط بتحسين الأداء الإداري والمهني، وإنما أيضاً بمدى ترسيخ الضمانات القانونية، وفعالية آليات المراقبة والمحاسبة، والقدرة على منع الانتهاكات والتحقيق فيها وترتيب المسؤوليات بشأنها.
وهنا تكمن إحدى أهم خلاصات تجربة الإنصاف والمصالحة: إن بناء دولة القانون لا يكتمل بمجرد الاعتراف بأخطاء الماضي، وإنما يتطلب تحويل ذلك الاعتراف إلى قواعد ومؤسسات وممارسات تمنع تكرارها.
دستور 2011: لا مصالحة مع التعذيب ولا حصانة خارج القانون
من الناحية الدستورية، لم يعد من الممكن التعامل مع التعذيب باعتباره مجرد صفحة من صفحات التاريخ السياسي المغربي، أو قضية حقوقية قابلة للتداول وفق منطق التوازنات السياسية.
فالفصل 22 من دستور 2011 واضح في مقتضياته، إذ ينص على أنه لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت، كما ينص على أن ممارسة التعذيب بكافة أشكاله، ومن قبل أي أحد، جريمة يعاقب عليها القانون.
أما الفصل 23، فقد اعتبر الاعتقال التعسفي أو السري والاختفاء القسري من أخطر الجرائم، ونص على تعرض مقترفيها لأقسى العقوبات، مع تكريس ضمانات أساسية لفائدة الأشخاص المعتقلين، من بينها الحق في معرفة أسباب الاعتقال والاستفادة من المساعدة القانونية وقرينة البراءة والمحاكمة العادلة.
وتكتسي هذه المقتضيات أهمية خاصة لأنها تنقل النقاش من مستوى المواقف السياسية والأخلاقية إلى مستوى الالتزام الدستوري الملزم لجميع السلطات والفاعلين.
كما أن الفصل 117 يجعل القاضي حامياً لحقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، فيما يؤكد الفصل 118 حق كل شخص في التقاضي للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون.
ويترتب عن ذلك أن أي ادعاء يتعلق بالتعذيب أو الاختفاء القسري أو الاعتقال السري ينبغي أن يجد طريقه إلى آليات البحث والتحقيق والمساءلة التي يتيحها القانون، متى توفرت شروط تحريكها، بعيداً عن منطق الانتقائية أو تصفية الحسابات السياسية.
ولا يجوز، في المقابل، تحويل الشهادات والاتهامات المتداولة إعلامياً إلى أحكام قضائية مسبقة في حق أشخاص معينين، لأن قرينة البراءة حق دستوري، ولأن تحديد المسؤولية الجنائية يظل من اختصاص القضاء، وفق شروط المحاكمة العادلة وضمانات الدفاع.
لكن قرينة البراءة لا تعني إسكات الضحايا، كما أن الحق في السمعة لا يمكن أن يتحول إلى وسيلة لحجب النقاش حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
إن التحدي الحقيقي هو الجمع بين الحق في الحقيقة، وحق الضحايا في الإنصاف، وحقوق الأشخاص الموجهة إليهم الاتهامات، واستقلال القضاء، بعيداً عن المحاكمات الإعلامية أو محاولات الإفلات من المساءلة.
محمود عرشان وعودة الأسئلة المؤجلة
بغض النظر عن حقيقة الجرائم التي قد تنسب إلى محمود عرشان، وعن طبيعة الأدوار التي تتحدث بشأنها شهادات عدد من الضحايا، أو ما سبق أن ورد في تصريحات منسوبة إلى أحمد البخاري، الذي قدم نفسه باعتباره مطلعاً على بعض آليات اشتغال الأجهزة الأمنية خلال تلك المرحلة، فإن الحسم في المسؤوليات الفردية لا يمكن أن يتم إلا من خلال أدلة ووقائع تخضع للتقييم والتحقيق القضائيين.
وقد سبق أن تداول الرأي العام شهادات واتهامات مرتبطة بمرحلة سنوات الجمر والرصاص، من بينها ما قيل عن دور عرشان في بعض مراكز الاعتقال والاستنطاق، ومنها درب مولاي الشريف. وهذه ادعاءات، مهما بلغت خطورتها، تستدعي التعامل معها بالجدية اللازمة، دون تحويلها إلى حقائق قضائية نهائية قبل التحقق منها.
لكن السؤال الذي يهمني هنا يتجاوز شخص محمود عرشان: لماذا عادت هذه القضايا إلى الواجهة في هذا التوقيت بالذات؟
لماذا لم تتحول اللقاءات السياسية السابقة التي جمعت عرشان بفاعلين حزبيين، ومن بينهم عبد الإله بنكيران، إلى مناسبة لإثارة هذا النقاش بالحدة نفسها؟ ولماذا ارتبطت العودة القوية للموضوع باستقباله في مقر حزب الأصالة والمعاصرة؟
في تقديري، يمكن قراءة هذه التطورات من زاويتين مختلفتين.
الزاوية الأولى تفترض أن استقبال عرشان لم يكن يحمل بالضرورة أي تخطيط مسبق، وأن الرجل سبق له أن شارك في لقاءات ومشاورات سياسية مماثلة، دون أن تتحول مشاركته إلى قضية حقوقية وإعلامية بهذا الحجم.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم انزعاجه الذي عبر عنه داخل البرلمان باعتباره رد فعل شخصياً على ما اعتبره تضييقاً إعلامياً أو ممارسة للرقابة على ظهوره، وربما شعوراً بالغبن نتيجة الحرج الذي أثاره حضوره داخل مقر حزب يقود اليوم مرحلة سياسية جديدة.
وإذا صح هذا التأويل، فإننا نكون أمام واقعة سياسية وإعلامية أخذت أبعاداً أكبر من حجمها الأولي، بفعل تداخل الاعتبارات الحزبية والحقوقية والإعلامية.
غير أن هناك زاوية ثانية، أكثر عمقاً وإثارة للأسئلة، وهي احتمال أن تكون هذه الواقعة قد شكلت مناسبة لإعادة إحياء النقاش حول العدالة الانتقالية في المغرب، واستحضار الأسئلة التي لم تستطع التجربة السابقة حسمها بصورة نهائية.
وهنا لا يتعلق الأمر بالجزم بوجود جهة منظمة أو مخطط سياسي مسبق، وإنما بطرح احتمال يستحق النقاش والتحليل، بالنظر إلى طبيعة التوقيت، وتعدد الأطراف التي دخلت على خط النقاش، واتساع دائرة التفاعل الحقوقي والإعلامي معه.
الأصالة والمعاصرة: هل عادت الذاكرة المؤسسة للحزب؟
لا يمكن قراءة هذا التطور بمعزل عن الخلفية السياسية والفكرية التي ارتبطت بتأسيس حزب الأصالة والمعاصرة.
فالحزب ارتبط، في بداياته، بنقاشات سياسية ومجتمعية كبرى، من بينها تقرير الخمسينية وتقرير هيئة الإنصاف والمصالحة، وما تضمناه من تشخيص لأعطاب الدولة والمجتمع، ومن دعوات إلى الإصلاح السياسي والمؤسساتي، وتعزيز دولة القانون، وترسيخ الديمقراطية، ومعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
وهذا ما يجعل عودة ملف سنوات الجمر والرصاص إلى محيط الحزب تطرح سؤالاً سياسياً مشروعاً: إلى أي حد ما زالت المرجعيات التي ارتبطت بتأسيسه حاضرة في ممارسته السياسية ومواقفه المؤسساتية؟
وهل يمكن لحزب ارتبط جزء من خطابه التأسيسي بتوصيات الإنصاف والمصالحة أن يتعامل مع هذا الملف باعتباره مجرد موضوع تاريخي انتهت صلاحيته السياسية، أم أن وصوله إلى موقع المسؤولية يفرض عليه استحضار التزاماته السياسية والأخلاقية تجاه الذاكرة الحقوقية الوطنية؟
إن المسؤولية السياسية لا تعني فقط تدبير الحاضر، بل تقتضي أيضاً تحمل مسؤولية الذاكرة الجماعية، وعدم التعامل مع الملفات الحقوقية بمنطق الحسابات الظرفية.
ومن هذه الزاوية، قد يكون النقاش الذي أثارته واقعة استقبال عرشان مناسبة لإعادة مساءلة الحزب حول علاقته بالمرجعيات التي شكلت جزءاً من خطابه السياسي، وحول مدى قدرته على تحويل تلك المرجعيات إلى سياسات عمومية وممارسات مؤسساتية.
هل يتعلق الأمر بتهيئة انتقال جديد أم بإعادة ترتيب ملف المصالحة؟
ثمة فرضية أخرى تستحق التوقف عندها، وهي أن إعادة تحريك النقاش حول سنوات الجمر والرصاص قد تكون لها ارتباطات أوسع بالتحولات السياسية والمؤسساتية التي ينتظر أن يعرفها المغرب.
فالمغرب، بحكم طبيعة نظامه الدستوري والسياسي، وبالنظر إلى التحديات المرتبطة باستمرارية المؤسسات وضمان الاستقرار، يظل معنيّاً بتدبير التحولات الكبرى وفق منطق التراكم والاستمرارية والإصلاح المؤسساتي.
ومن هنا يمكن التساؤل عما إذا كانت إعادة فتح النقاش حول العدالة الانتقالية ترمي، ضمن سيناريو محتمل، إلى توفير أرضية حقوقية وسياسية جديدة لمعالجة بعض الملفات التي ما زالت عالقة، ومن بينها ملفات معتقلي الحراكات الاجتماعية، وبعض الملفات المرتبطة بالمعتقلين على خلفية قضايا التطرف والإرهاب، في إطار مقاربة جديدة للإنصاف وإعادة الإدماج والمصالحة.
وقد يذهب التحليل أبعد من ذلك إلى التساؤل عما إذا كان إحياء خطاب المصالحة الوطنية يرتبط، بصورة غير مباشرة، بالاستعداد لاستحقاقات مؤسساتية وسياسية كبرى، أو بتهيئة شروط انتقال سلس للعرش، بما يضمن استمرارية الدولة ومؤسساتها.
لكن هذه الفرضية، على أهميتها السياسية، تظل في حاجة إلى قرائن ومعطيات موضوعية، ولا يجوز تقديمها باعتبارها مخططاً ثابتاً أو قراراً سياسياً مؤكداً.
ومع ذلك، فإن طرحها ليس خارجاً عن النقاش السياسي المشروع، ما دام مرتبطاً بتحليل طبيعة التحولات التي تعرفها الدولة، وبالسؤال عن موقع العدالة الانتقالية ضمن مشاريع الإصلاح والاستمرارية المؤسساتية.
والأهم من ذلك أن أي انتقال سياسي أو مؤسساتي، مهما كانت دوافعه أو أهدافه، لا يمكن أن يستمد مشروعيته من مجرد إغلاق ملفات الماضي، وإنما من قدرته على تعزيز دولة القانون، وتوسيع ضمانات الحقوق والحريات، وتكريس الثقة بين المواطن والمؤسسات.
العدالة الانتقالية ليست عفواً جماعياً ولا نسياناً مؤسساتياً
من بين الإشكالات التي تستحق إعادة النقاش، طبيعة النموذج الذي اختاره المغرب لمعالجة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
لقد قامت تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة على مقاربة تجمع بين الكشف عن الحقيقة، والاعتراف بالانتهاكات، وجبر الضرر، وإعادة الاعتبار للضحايا، ووضع ضمانات عدم التكرار، مع اعتماد المصالحة الوطنية مدخلاً لتجاوز إرث الماضي.
وقد شكل هذا الاختيار تجربة ذات أهمية سياسية وحقوقية، لكنه لم ينه النقاش حول العلاقة بين الإنصاف والمصالحة من جهة، والحقيقة والمحاسبة من جهة أخرى.
فثمة أصوات حقوقية ظلت تعتبر أن المصالحة لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن المساءلة، وأن الكشف عن الحقيقة يظل ناقصاً ما لم يرتبط بتحديد المسؤوليات الفردية والمؤسساتية، وضمان حق الضحايا في معرفة ما وقع، والبحث عن مصير المختفين، وترتيب الآثار القانونية على الانتهاكات التي يثبت ارتكابها.
وهنا ينبغي التمييز بين العدالة الانتقالية باعتبارها مساراً شاملاً لإصلاح المؤسسات وجبر الضرر وضمان عدم التكرار، وبين العدالة الجنائية باعتبارها آلية قضائية لتحديد المسؤوليات الفردية وترتيب الجزاءات وفق القانون.
فالمصالحة لا تعني بالضرورة إلغاء المساءلة، كما أن جبر الضرر لا يلغي حق الضحايا في الحقيقة، والاعتراف بالانتهاكات لا ينبغي أن يكون نهاية المطاف إذا بقيت بعض جوانب الحقيقة مجهولة.
بل إن اتفاقية مناهضة التعذيب التي صادق عليها المغرب، إلى جانب البروتوكول الاختياري الملحق بها، يضعان على الدولة التزامات تتعلق بمنع التعذيب والتحقيق في ادعاءاته ومكافحة الإفلات من العقاب.
كما أن إحداث الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب لدى المجلس الوطني لحقوق الإنسان بموجب القانون رقم 76.15، تفعيلاً للالتزامات الدولية للمملكة، يمثل خطوة مؤسساتية مهمة في اتجاه تعزيز الرقابة على أماكن الحرمان من الحرية، والوقاية من التعذيب وسوء المعاملة.
وهذا يؤكد أن الوقاية من الانتهاكات ليست مجرد امتداد أخلاقي لتجربة الإنصاف والمصالحة، بل التزام قانوني ومؤسساتي مستمر.
من الحق في الحقيقة إلى ضمانات عدم التكرار
إن إعادة فتح النقاش حول سنوات الجمر والرصاص ينبغي ألا تتحول إلى مجرد سجال بين شخصيات سياسية وحقوقية، أو إلى مواجهة إعلامية بين أطراف متعارضة.
فالقضية أعمق من ذلك بكثير.
إننا أمام ضرورة إعادة تقييم تجربة العدالة الانتقالية، والوقوف على ما تحقق من توصياتها وما تعثر منها، وإعادة طرح سؤال جبر الضرر الجماعي، ولا سيما في المناطق التي عانت من التهميش والإقصاء، فضلاً عن تقييم مستوى تقدم ورش الحكامة الأمنية، ومدى تفعيل توصيات الهيئة المتعلقة بإصلاح المؤسسات وتعزيز ضمانات عدم التكرار.
كما أن من الضروري التفكير في كيفية معالجة الملفات الحقوقية التي ظهرت بعد تجربة الإنصاف والمصالحة، بما فيها قضايا الحراكات الاجتماعية، وضمان احترام حقوق الأشخاص المعتقلين، وتكريس التناسب بين الأفعال والعقوبات، واحترام شروط المحاكمة العادلة، وتعزيز فرص إعادة الإدماج.
فلا يعقل أن نتحدث عن المصالحة الوطنية بمعناها الواسع، بينما تظل بعض الملفات الاجتماعية والحقوقية مصدراً للتوتر وانعدام الثقة بين المواطنين والمؤسسات.
ولا يمكن أن نعتبر أن العدالة الانتقالية قد اكتملت بمجرد انتهاء عمل الهيئة أو صرف التعويضات أو تنظيم جلسات الاستماع، لأن جوهر هذه التجربة يتمثل في بناء دولة لا يتكرر فيها ما حدث، وليس فقط في معالجة آثار ما حدث.
