نحو مصفوفة وطنية للمساءلة عن النزاهة
مقدمة
آراء أخرى
لا تكمن المعضلة الأساسية في مكافحة الفساد في نقص الخطاطات والخطابات، ولا في غياب المبادرات التشريعية والمؤسساتية، بل في قدرة الدولة على تحويل الالتزامات المعلنة إلى إصلاحات قابلة للتنفيذ والتقييم والمساءلة، تنعكس على تدبير المال العام وجودة الخدمات العمومية وثقة المواطنين في المؤسسات.
من هذه الزاوية، يكتسب بيان الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة «ترانسبرانسي المغرب»، الصادر اليوم 28 أكتوبر 2026، أهمية تتجاوز طابعه الترافعي، لأنه يعيد طرح أسئلة جوهرية بشأن الإصلاح التشريعي، وتجريم الإثراء غير المشروع، وتنازع المصالح، وحماية المبلغين، والصفقات العمومية، وشروط المشاركة المدنية في مكافحة الفساد. وهي أسئلة تتصل مباشرة بمدى قدرة الالتزامات الحكومية على الانتقال من مستوى الإعلان إلى مستوى الممارسة الفعلية. وتتضاعف أهمية هذه الأسئلة عند ربطها بإطلاق الاستراتيجية الخماسية للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها للفترة 2025–2030، قبل حوالي سنة من الآن (ديسمبر 2025)، إضافة إلى النقاش المحتدم الذي أثاره الإعلان عن تعبئة نحو 280 مليار درهم خلال خمس سنوات لدعم القدرة الشرائية. فهذه الملفات، على اختلاف طبيعتها، تلتقي عند سؤال واحد: كيف يمكن إثبات أن الالتزامات والموارد والسياسات العمومية أفضت فعلاً إلى نتائج ملموسة؟
إن الأطروحة الأساسية تتمثل في أن استراتيجية الهيئة تتيح فرصة لبناء مرجعية مشتركة للعمل الوطني من أجل النزاهة، لكن نجاحها لن يُقاس بعدد المشاريع المعلنة أو بجودة تصميمها، بل بقدرتها على تحفيز المؤسسات على العمل المنسق، وتوضيح المسؤوليات، وإنتاج نتائج قابلة للتحقق، وتصحيح الاختلالات عند ظهورها.
من مساءلة النوايا إلى مساءلة التنفيذ
تتمثل القيمة الأساسية لبيان ترانسبرانسي المغرب في ربط مصداقية الالتزامات المعلنة بضرورة ترجمتها إلى إصلاحات تشريعية ومؤسساتية واضحة، تخضع للتتبع والتقييم. فالإعلان عن مكافحة الفساد لا يثبت تحقق النزاهة، كما أن إصدار قانون جديد لا يعني بالضرورة تغير الممارسات التي يستهدفها.
إن المعيار الحقيقي هو مدى قدرة الإصلاحات على تقليص فرص الفساد، وتحسين كشف المخالفات، وضمان التطبيق الفعلي للقانون، وتعزيز شفافية القرارات المالية والإدارية، واسترداد الأموال العامة عند الاقتضاء. وفي هذا الإطار، لا ينبغي النظر إلى التصريح بالممتلكات، وتنازع المصالح، وحماية المبلغين، والصفقات العمومية باعتبارها ملفات منفصلة، بل حلقات متكاملة ضمن منظومة للوقاية والكشف والمساءلة. فالتصريح بالممتلكات، مثلاً، يفقد جانباً مهماً من فعاليته إذا اقتصر على إيداع التصريحات دون التحقق من المعطيات ورصد التغيرات غير المبررة وفق قواعد قانونية واضحة. كما أن شفافية الصفقات العمومية لا تتحقق بمجرد نشر الإعلانات والنتائج، بل تستلزم إمكانية تتبع الصفقة من تحديد الحاجة إلى تنفيذ العقد وتسلم الأشغال أو الخدمات وتقييم جودتها. وبالمثل، لا تكفي إتاحة التبليغ عن الفساد ما لم تقترن بقنوات آمنة، وضمانات ضد الانتقام، وآليات واضحة لمعالجة البلاغات، مع احترام سرية الأبحاث وحقوق الأطراف المعنية.
إن بيان الجمعية، بهذا المعنى، يمثل آلية للمساءلة المجتمعية، لأنه ينقل النقاش من عموميات مكافحة الفساد إلى مطالب محددة يمكن تقييم مدى الاستجابة لها. غير أن الانتقال من المطالب إلى السياسة العمومية يقتضي، فضلاً عن وضوح الأهداف، تحديد الجهات المسؤولة والآجال والموارد ومؤشرات التنفيذ والنتائج. وهنا تبرز أهمية وضع هذه المطالب في علاقة عملية مع استراتيجية الهيئة الوطنية للنزاهة 2025–2030.
استراتيجية الهيئة: فرصة لتوحيد الجهود لا لتعويض المؤسسات
تقوم الاستراتيجية الخماسية للهيئة، وفق المعطيات المعروضة عند إطلاقها، على ستة محاور و99 مشروعاً، مع اعتماد مؤشرات لقياس الأداء والمخرجات والأثر، والتوجه نحو التدبير بالنتائج، وتعزيز الوقاية واليقظة، وتطوير الرقمنة والشراكات مع المؤسسات العمومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والإعلام والباحثين. وتكمن أهمية هذا التوجه في إمكان الانتقال من مبادرات متفرقة إلى مقاربة أكثر تكاملاً، تقوم على وضوح المسؤوليات، وتبادل المعلومات، وتنسيق التدخلات، والتقييم المستمر. فالوقاية من الفساد لا يمكن أن تنجح إذا ظلت الإصلاحات التشريعية منفصلة عن آليات التنفيذ، أو بقيت التوصيات الرقابية دون متابعة، أو لم تتوافر المعطيات الضرورية لقياس النتائج.
لكن من الضروري التمييز بين استراتيجية الهيئة واستراتيجية وطنية شاملة لمكافحة الفساد. فالهيئة لا تحل محل الحكومة في تنفيذ السياسات القطاعية، ولا محل البرلمان في التشريع والرقابة، ولا محل القضاء في البت في القضايا، ولا محل أجهزة الرقابة والتفتيش في ممارسة اختصاصاتها. وتكمن قيمتها المضافة، في حدود صلاحياتها القانونية، في الإسهام في توجيه سياسات النزاهة، وتوحيد المرجعيات، وتحفيز التنسيق، وتطوير أدوات القياس، وتعزيز الشراكات. لذلك، ينبغي ألا يظل التقاطع بين محاور الاستراتيجية ومطالب المجتمع المدني مجرد انسجام نظري بين الوثائق. المطلوب هو تحويله إلى التزامات عملية، تحدد ما يتعين إنجازه، ومن يتحمل مسؤوليته، وفي أي أجل، وبأي مؤشرات يمكن التحقق من تقدمه.
ويظهر هذا التحدي بوضوح في ثلاثة مجالات مترابطة:
أولها الإصلاح القانوني والمؤسساتي. فتجريم الإثراء غير المشروع، مثلاً، يقتضي نقاشاً تشريعياً يوازن بين فعالية مكافحة الفساد والضمانات القانونية، بما فيها قرينة البراءة وحقوق الدفاع والرقابة القضائية. كما يتطلب ربط أي مقتضيات جديدة بمنظومة فعالة للتصريح بالممتلكات والتحقق من المعطيات ورصد تنازع المصالح وتحديد الجهات المختصة بالتحري والإحالة. فالعبرة ليست بصدور النصوص وحده، بل بقدرتها على إحداث تغيير قابل للقياس في الممارسة.
وثانيها حماية المبلغين وتعزيز المشاركة المدنية. ويستدعي هذا المجال التمييز بين حق التبليغ عن شبهة فساد، واختصاص تحريك الدعوى العمومية، وشروط الانتصاب طرفاً مدنياً. والمطلوب هو تقييم مدى وضوح القواعد القانونية وضرورتها وتناسبها، وأثرها على وصول المعلومات إلى الجهات المختصة، دون الخلط بين تنظيم الإجراءات وإضعاف الرقابة المجتمعية المستقلة. وإذا كانت الاستراتيجية تراهن على الشراكات، فإن نجاحها يقتضي إتاحة مشاركة فعلية للمجتمع المدني، مع الحفاظ على استقلاليته وحقه في النقد.
أما المجال الثالث فيتعلق بالصفقات العمومية والرقمنة. فمخاطر الفساد لا تقتصر على إسناد الصفقة، بل قد تظهر في تحديد الحاجات، وشروط المنافسة، وتعديل العقود، وتنفيذ الأشغال، والتسلم، وتتبع التوصيات الرقابية. ويمكن للرقمنة أن تعزز الشفافية من خلال إتاحة بيانات مكتملة وقابلة للتتبع، ورصد الأنماط غير المعتادة وتوجيه التدقيق نحو المجالات الأكثر عرضة للمخاطر. غير أن البيانات والمنصات لا تنتج النزاهة تلقائياً؛ إذ يتوقف أثرها على جودتها، وقدرة المؤسسات على تحليلها، ووجود آليات واضحة للتدخل والتصحيح. كما أن مؤشرات المخاطر تظل أدوات للتنبيه والتدقيق، وليست دليلاً مستقلاً على ارتكاب مخالفة أو جريمة.
280 مليار درهم: من شفافية الرقم إلى المساءلة عن الأثر
إذا كان بيان ترانسبرانسي المغرب يطرح سؤال الانتقال من الالتزامات السياسية إلى التنفيذ، فإن النقاش حول تعبئة نحو 280 مليار درهم خلال خمس سنوات لدعم القدرة الشرائية يضع المساءلة أمام اختبار مالي واجتماعي مباشر: كيف يمكن إثبات النتائج التي حققتها الموارد العمومية؟ فالرقم الإجمالي، مهما بلغت أهميته، لا يكفي وحده للحكم على نجاح سياسة عمومية أو فشلها. إذ يتطلب الأمر تفكيك مكوناته، وتحديد طبيعة التدخلات التي يشملها، والسنوات المالية المعنية، والاعتمادات المرصودة والمبالغ المؤداة فعلياً، والفئات المستفيدة، والأسس القانونية والميزانياتية لكل إجراء.
كما أن التحويلات المباشرة للأسر تختلف عن دعم الأسعار، والزيادات في الأجور تختلف عن برامج الحماية الاجتماعية. ولا يجوز التعامل مع مجموع هذه التدابير باعتباره برنامجاً واحداً متجانساً ما لم تتضح مكوناته وأهدافه ومؤشرات تقييمه. ومن هذه الزاوية، تكتسب الأسئلة التي وجهتها ترانسبرانسي المغرب إلى الوزير المكلف بالميزانية، وفق البيان الاستعجالي المؤرخ في 17 شتنبر الماضي، أهمية تتجاوز الجدل السياسي حول الرقم. فالمطلوب هو توضيح كيفية توزيع الموارد، وآليات تتبع آثارها، ومدى وصول الدعم إلى مستحقيه، وانعكاس التدخلات على الأسعار والقدرة الشرائية، وشروط الاستفادة منها، وآليات معالجة الإخلال بالالتزامات المقررة.
إن هذه الأسئلة تجسد جوهر المساءلة المجتمعية، وهو الانتقال من المطالبة العامة بالشفافية إلى طلب معطيات قابلة للتحقق بشأن استخدام المال العام ونتائج التدخلات. وهي تتقاطع مع منطق التدبير الميزانياتي القائم على البرامج والأهداف ومؤشرات نجاعة الأداء، ومع مبادئ الميزانية المفتوحة وميزانية المواطن.
فإذا كان إعداد الميزانية قد اتجه إلى ربط الاعتمادات بالأهداف، فلا ينبغي أن تتوقف المساءلة عند الإعلان عن البرامج أو تحديد المؤشرات قبل التنفيذ، بل يجب أن تمتد إلى التحقق مما تحقق فعلياً، وتفسير ما لم يتحقق، وتحديد أسباب التعثر، وبيان أثر التقييم على القرارات اللاحقة. ويقتضي ذلك اعتماد سلسلة واضحة للمساءلة: الموارد المالية، ثم التدخلات العمومية، فالمخرجات، فالنتائج الاجتماعية والاقتصادية، وصولاً إلى الأثر المستدام.
وإذا كان الهدف هو دعم القدرة الشرائية، فإن التقييم ينبغي أن يقيس مدى وصول التدخلات إلى الفئات المستهدفة، وتطور أوضاعها، وكلفة تحقيق النتائج، والتفاوتات بين الفئات والجهات. كما يجب التمييز بين أثر التدابير الحكومية وتأثير العوامل الاقتصادية الأخرى، تفادياً لنسب كل تحسن أو تدهور إلى إجراء واحد دون تحليل كافٍ. والغاية ليست إثبات النجاح أو الفشل مسبقاً، بل توفير أساس موضوعي للحكم على فعالية الإنفاق، وتحديد ما إذا كان بالإمكان تحقيق نتائج أفضل بالموارد نفسها، وما التعديلات الضرورية لتحسين السياسات العمومية.
من تدبير المال العام إلى بناء فعل جماعي من أجل النزاهة
يتيح الربط بين النقاش المالي واستراتيجية الهيئة توسيع المساءلة من تقييم برنامج اجتماعي بعينه إلى بناء منظومة متكاملة للنزاهة المالية. ويمكن تصور هذا الالتقاء على ثلاثة مستويات: شفافية المعلومات المتعلقة بالبرامج والاعتمادات والمستفيدين؛ ونزاهة التنفيذ من خلال الوقاية من تضارب المصالح وتعزيز الرقابة والتبليغ والتدقيق؛ ثم قياس النتائج والأثر، بما يسمح بتقييم عدالة توزيع المنافع وكلفة تحقيقها ومدى استدامتها. وتكمن أهمية هذه المقاربة في أنها تمنع اختزال مكافحة الفساد في الملاحقة الجنائية وحدها. فالنزاهة المالية لا تعني فقط التأكد من عدم اختلاس الأموال، بل تشمل أيضاً التحقق من توجيهها إلى الأغراض المقررة، وسلامة الإجراءات، وتناسب النتائج مع الكلفة، وتنفيذ التوصيات الرقابية، وتصحيح الاختلالات المكتشفة.
لكن تحقيق هذه الأهداف لا يمكن أن يقع على عاتق مؤسسة واحدة. فالحكومة والإدارات مسؤولة عن تنفيذ الإصلاحات ونشر المعلومات؛ والبرلمان عن التشريع والرقابة ومساءلة الحكومة؛ وأجهزة الرقابة عن فحص التدبير وتتبع التوصيات؛ والقضاء عن تطبيق القانون باستقلالية؛ والمجتمع المدني عن الرصد والتبليغ والتقييم المستقل؛ والإعلام عن التحقيق المهني وإتاحة المعلومات الموثوقة؛ والقطاع الخاص عن احترام قواعد المنافسة والامتثال؛ فيما تضطلع الجامعات والخبراء بدور أساسي في تطوير أدوات القياس وتقييم الأثر.
أما الهيئة الوطنية للنزاهة، فيمكنها، ضمن اختصاصاتها، الإسهام في توحيد المرجعيات، وتحفيز التنسيق، وتطوير مؤشرات النزاهة، وتشجيع تبادل المعطيات، وربط الوقاية من الفساد بدورة السياسات العمومية. غير أن تعدد الفاعلين لا يضمن وحده نجاح العمل الجماعي. فقد يتحول إلى مصدر للتشتت وتبادل المسؤوليات إذا لم تتحدد الجهة المكلفة بكل ورش، والجهات المساهمة فيه، والآجال، وآليات تبادل المعلومات، وكيفية معالجة التعثر. كما أن الشراكة لا ينبغي أن تعني تقييد استقلالية المجتمع المدني، أو منح أي فاعل امتيازاً في تحديد السياسات، أو المساس باستقلال اختصاصات المؤسسات.
إن الفعل الجماعي الناجح ليس توافقاً على الخطاب، بل اتفاق على قواعد التنفيذ والمساءلة، مع الحفاظ على استقلالية الرقابة وحق الاختلاف.
قياس الأثر: المعيار الحاسم لاستراتيجية هيئة النزاهة
إذا كانت استراتيجية الهيئة تضم 99 مشروعاً، فإن التحدي لا يتمثل فقط في تنفيذها، بل في التمييز بين إنجاز الأنشطة وتحقيق النتائج وإحداث الأثر. فعدد الاجتماعات أو الدورات التكوينية أو النصوص المقترحة قد يعكس نشاطاً مؤسساتياً، لكنه لا يكفي لإثبات تحسن النزاهة أو تراجع مخاطر الفساد. ومن ثم، ينبغي أن يقوم التقييم على أربعة مستويات مترابطة: الموارد المتاحة لتنفيذ المشاريع؛ والإنجازات المباشرة، مثل الأدوات والإجراءات المعتمدة؛ والنتائج، مثل تحسن معالجة البلاغات وارتفاع نسبة تنفيذ التوصيات وتطور الامتثال؛ ثم الأثر، الذي يمكن أن يظهر في تراجع مخاطر الفساد، وتحسن شفافية تدبير المال العام، وارتفاع قدرة المواطنين على مساءلة المؤسسات، وتحسن جودة الخدمات والثقة العامة. ولا يجوز أن تتحول المؤشرات إلى وسيلة لتجميل الحصيلة أو نسبة جميع التغيرات إلى تدخل الهيئة. فالنزاهة تتأثر بعوامل قانونية واقتصادية ومؤسساتية متعددة، ما يقتضي تفسير النتائج في سياقها، والتحقق من المعطيات، والاستعانة بالتقييم المستقل حيثما أمكن.
ولتحويل مطالب ترانسبرانسي المغرب ومحاور استراتيجية الهيئة إلى عمل قابل للتتبع، أقترح اعتماد مصفوفة وطنية للمساءلة عن النزاهة، تربط كل إصلاح مطلوب بالجهة المسؤولة عن تنفيذه، والأجل المحدد، ومؤشر الإنجاز، ومؤشر النتيجة أو الأثر، وآلية نشر المعطيات. ويمكن أن تشمل هذه المصفوفة الإصلاح التشريعي، والتصريح بالممتلكات وتنازع المصالح، وحماية المبلغين، والصفقات العمومية، والإنفاق الاجتماعي، والمشاركة المدنية، وتنفيذ التوصيات الرقابية، وتقييم الاستراتيجية.
وهذا مقترح تحليلي للتنزيل، لا وصف لمخطط رسمي معتمد. كما أنه لا يمنح الهيئة صلاحيات إضافية، بل يدعو إلى توظيف الاستراتيجية إطاراً للتنسيق والقياس، مع بقاء التنفيذ لدى الجهات المختصة قانوناً. ويمكن أن تشكل المصفوفة أساساً لتقرير سنوي موحد عن تقدم سياسة النزاهة، يوضح ما تحقق وما تأخر، وأسباب التعثر، والإجراءات التصحيحية، والجهات المعنية. ومن شأن ذلك أن يتيح للبرلمان والمجتمع المدني والإعلام والباحثين والمواطنين مقارنة الالتزامات بالنتائج، والانتقال من تبادل المواقف إلى نقاش عمومي يستند إلى الأدلة.
ولا ينفصل هذا المسار عن حماية الحقوق والحريات، وحرية الوصول إلى المعلومات، واستقلالية الرقابة، وفعالية قنوات التبليغ. فهذه ليست مطالب جانبية، بل شروط تساعد على كشف الاختلالات وتقييم السياسات وبناء الثقة. كما أن استقلالية الهيئة لا تعني إعفاءها من المساءلة عن أدائها، وإنما تقتضي الجمع بين الاستقلال الوظيفي والشفافية في التنفيذ ونشر النتائج والخضوع للتقييم وفق القانون.
ختاماً
يكشف الربط بين بيان ترانسبرانسي المغرب، والنقاش حول تعبئة نحو 280 مليار درهم لدعم القدرة الشرائية، واستراتيجية الهيئة الوطنية للنزاهة 2025–2030، عن ضرورة الانتقال من الالتزامات المعلنة إلى التنفيذ الفعلي، ومن شفافية الأرقام إلى شفافية النتائج. فبينما تسهم مطالب المجتمع المدني في تعزيز المساءلة، يظل الإنفاق العمومي اختباراً عملياً لمدى فعالية السياسات، وتتيح استراتيجية الهيئة إطاراً مؤسساتياً لتنسيق الجهود وتطوير آليات الوقاية والتقييم، في تكامل مع اختصاصات باقي المؤسسات.
ولن يُقاس نجاح الاستراتيجية بعدد المشاريع المنجزة، بل بقدرتها على تحسين نزاهة تدبير المال العام، وتعزيز فعالية الرقابة، وتصحيح الاختلالات، وترسيخ الثقة في المؤسسات. ويظل السؤال الجوهري: هل تستطيع الدولة تقديم حساب واضح عما أنفقته، ومن استفاد منه، وما النتائج التي تحققت، وكيف عولجت أوجه القصور؟
إن الرهان الحقيقي هو جعل النزاهة ممارسة مؤسساتية قابلة للقياس، والانتقال من المساءلة عن الإنفاق إلى المساءلة عن الأثر، ومن الالتزامات المعلنة إلى نتائج ملموسة تعزز ثقة المواطنين في المؤسسات.
باحث وخبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
مدير مجلة التدبير والرقابة على المال العام
