المغرب وقضية الصحراء: المرونة التي تسند الحزم
تعود جذور قضية الصحراء المغربية إلى التوسع الاستعماري الإسباني بشمال إفريقيا خلال القرن التاسع عشر، الذي انطلق سنة 1884، وإلى مسار تصفية الاستعمار الذي تعقّدت مآلاته بفعل تضارب المطالب والمواقف والتنافسات الإقليمية. وبالنسبة إلى المغرب، يندرج استرجاع الصحراء ضمن مسلسل استكمال وحدته الترابية، الذي انطلق مع حصوله على الاستقلال سنة 1956، وشمل إعادة إدماج طنجة في السنة نفسها، واسترجاع طرفاية سنة 1958، ثم سيدي إفني سنة 1969.
آراء أخرى
غير أن قضية الصحراء، التي أُدرجت منذ سنة 1963 ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي لدى الأمم المتحدة، سلكت مسارات أكثر تعقيداً، تميزت بظهور جبهة البوليساريو سنة 1973، وبالدعم الجزائري لمشروعها الانفصالي. وفي سنة 1975 أقرت محكمة العدل الدولية في لاهاي بوجود روابط قانونية للبيعة بين سلطان المغرب وبعض قبائل الصحراء، وهو ما شكّل سنداً قانونياً للمطالب السيادية المغربية، دون أن يقدم حلاً نهائياً للنزاع. وقد مكّنت المسيرة الخضراء واتفاقيات مدريد والانسحاب الإسباني سنة 1976 الرباط من المضي قدماً في استرجاع أقاليمها الصحراوية، وإن كانت تلك الخطوات لم تؤدي الى إنهاء النزاع بشكل كلي. كما أسهمت الحرب وانسحاب موريتانيا سنة 1979 في إطالة أمد النزاع على الصعيد الدولي.
في خضم هذه التحولات، وجد المغرب نفسه أمام وضع بالغ التعقيد، استدعت إدارته قدراً كبيراً من الحنكة والمهارة الدبلوماسية، للتوفيق بين الحزم في الدفاع عن مطالبه الوطنية المشروعة، واحترام القانون الدولي، والتحلي بالمرونة اللازمة لإحراز تقدم نحو حل تفاوضي، بما يعزز مكانته داخل المجتمع الدولي باعتباره دولة حديثة ومعتدلة.
وانطلاقاً من هذه الخلفية، يكشف تطور المواقف المغربية عن سياسة دولة تكمن إحدى أبرز نقاط قوتها في الجمع بين الثبات على مبدأ الوحدة الترابية، باعتباره خياراً غير قابل للتنازل، والمرونة التفاوضية الضرورية للإسهام في إيجاد تسوية للنزاع. وتفسر هذه المعادلة قدرة المغرب على التمسك بمطالبه على امتداد عقود، مع تكييف مقترحاته، في الوقت نفسه، مع جهود الوساطة الدولية.
ويستند هذا الثبات في الموقف المغربي إلى مرتكزات تاريخية وسياسية عميقة. فمنذ عهد محمد الخامس، ارتبط استرجاع الأراضي المغربية باستكمال الوحدة الترابية. وفي عهد الحسن الثاني، ترسخت قضية الصحراء بوصفها قضية وطنية أولى وجامعة، استطاعت توحيد مختلف الحساسيات والتيارات السياسية. أما في عهد محمد السادس، فقد تجسدت هذه الاستمرارية في دبلوماسية تربط الدفاع عن السيادة الوطنية ببلورة حل تفاوضي للنزاع. وقد أضفى هذا الالتزام المتواصل قدراً كبيراً من الانسجام على السياسة الخارجية للمملكة، ومكّن شركاءها الدوليين من إدراك المكانة المركزية التي تحتلها هذه القضية ضمن اختياراتها الاستراتيجية.
لم يكن الحزم المغربي، في أي مرحلة، نقيضاً للاستعداد لاستكشاف آليات مختلفة للتسوية. فقد شكّل قبول الحسن الثاني بمبدأ الاستفتاء في نيروبي سنة 1981، وانخراط المغرب في مقترحات التسوية لسنة 1988، دليلين على حسن نوايا الرباط واستعدادها للمشاركة في الجهود الدولية الرامية إلى تسوية النزاع، دون التفريط في ثوابتها، ودون الانغلاق على نفسها أو رفض التفاوض. وقد جاء وقف إطلاق النار سنة 1991 وإحداث بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) في سياق هذا المسار، الذي كان ينص على تنظيم استفتاء يتيح الاختيار بين الاستقلال والاندماج في المغرب. وتندرج هذه الالتزامات ضمن مسار طويل من الانخراط المغربي في البحث عن مخرج للنزاع.
غير أن تعثر الآلية الاستفتائية، ولا سيما بسبب الخلافات المتعلقة بتحديد الهيئة الناخبة وشروط إجراء الاستفتاء، فرض إعادة النظر في جدواها السياسية وإمكانية تنفيذها. وأصبح البحث عن بديل يستجيب لضرورة تجاوز مسطرة لم تنجح في توفير الشروط الكفيلة بتفعيلها. ومن ثم، اقتضت المسؤولية الدبلوماسية تقديم مخرج قادر على إعادة تحريك مسلسل التسوية.
وقد كشفت النقاشات التي أثيرت حول مقترحات جيمس بيكر، بصورة أوضح، حدود التفاوض وإمكاناته بالنسبة إلى المغرب. فبعد خطة سنة 2003، التي قبلتها جبهة البوليساريو في نهاية المطاف، أكد الرد المغربي لسنة 2004 أن الحكم الذاتي ينبغي أن يشكل حلاً نهائياً في إطار سيادة المملكة. وهكذا حددت الرباط نطاق التزامها التفاوضي، مبدية استعدادها للتفاوض بشأن توزيع واسع للصلاحيات وإقرار تنظيم ترابي خاص، مع الحفاظ على وحدة الدولة باعتبارها مرجعية ثابتة لا تقبل التنازل. وقد أتاح هذا التوضيح توجيه العمل الدبلوماسي المغربي نحو مقترح أكثر تحديداً ووضوحاً.
وشكّلت مبادرة الحكم الذاتي، التي قدمها المغرب إلى الأمم المتحدة في 11 أبريل 2007، التعبير الأكثر نضجاً وتكاملاً عن هذه السياسة. فقد نص المشروع على إحداث مؤسسات جهوية تشريعية وتنفيذية وقضائية، تتمتع باختصاصات وموارد تمكّنها من تدبير شؤونها الذاتية، مع احتفاظ الدولة بصلاحياتها السيادية الأساسية، ولا سيما في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والاختصاصات الدستورية للمؤسسة الملكية. كما نص على عرض النظام الأساسي للحكم الذاتي، بعد التفاوض بشأنه، على استشارة ديمقراطية للسكان المعنيين. وبذلك قدم المغرب صيغة مؤسساتية تسعى إلى التوفيق بين صيانة وحدته الترابية وممارسة التدبير الذاتي، مع إتاحة المجال للتعبير عن إرادة السكان.
وتكمن أهمية هذه المبادرة في طبيعة الالتزام السياسي الذي تنطوي عليه. فبالنسبة إلى دولة تعتبر الإقليم جزءاً لا يتجزأ من وحدتها الوطنية، فإن القبول بنظام حكم ذاتي تفاوضي يعني فتح مجال واسع للتكيف المؤسساتي. ويحوّل المقترح الخصوصية الصحراوية إلى موضوع للتنظيم السياسي، بما يتيح مناقشة توزيع الاختصاصات، وآليات التمثيلية، والتمويل، والضمانات المؤسساتية. وهنا تحديداً تكمن قوته، إذ يمنح التفاوض مضموناً ملموساً، ويوفر للوساطة الدولية أرضية صلبة وعملية يمكن البناء عليها لإيجاد مخرج نهائي لهذا النزاع المفتعل الذي طال أمده، مع ما شكله من عبء سياسي ومالي في وجه المسار التنموي المغربي.
وتكتسب المرونة، في هذا السياق، مدلولاً دقيقاً ومحدداً، يتجلى في الاستعداد للتفاوض حول صيغ التدبير الذاتي، وطبيعة العلاقة بين المؤسسات الجهوية والوطنية، وشروط التوصل إلى اتفاق دائم. وتتوقف فعالية هذه المرونة على وضوح الإطار السيادي الذي يدافع عنه المغرب، وعلى مدى اتساع الحلول التي يبدي استعداده لتطويرها داخله. فالحزم يضمن الاستمرارية والثبات، بينما تتيح المرونة تحويل هذا الثبات إلى مشروع سياسي قابل للتحقق. ومن بين المؤشرات الدالة على تطور هذه المرونة، تراجع حضور العبارة التي كانت تقدم الحكم الذاتي باعتباره «أقصى ما يمكن أن يقدمه المغرب من تنازلات» في الخطاب الرسمي خلال السنوات الأخيرة، بعدما شكلت إحدى الصيغ البارزة في المرحلة الأولى من طرح المبادرة سنة 2007. ويمكن قراءة هذا التحول الخطابي باعتباره تعبيراً عن توجه دبلوماسي يمنح هامشاً أوسع للتفاوض حول مضامين الحكم الذاتي وآليات تنزيله، دون المساس بثابت السيادة الوطنية والوحدة الترابية، ويجنب المغرب التأويلات المغرضة كطرف متعنت لطرحه.
وتجسد إعادة توجيه السياسة الإفريقية للمملكة القدرة نفسها على التطور والتكيف. فبعد انسحاب المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1984، احتجاجاً على قبول عضوية ما يسمى «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية»، عاد سنة 2017 إلى شغل مكانه داخل الاتحاد الإفريقي، رغم استمرار عضوية الكيان المذكور. وقد مكّن هذا القرار المملكة من الدفاع عن موقفها من داخل المنظمة، وتوسيع فرص الحوار والتواصل مع الدول الأعضاء. ويمكن اعتبار هذا التحول تعبيراً عن نضج دبلوماسي، قوامه الاقتناع بأن الانخراط في مؤسسة تضم أطرافاً تختلف معها في قضايا جوهرية قد يكون أكثر نجاعة في بناء التحالفات والتأثير في النقاشات والقرارات.
وفي عهد الملك محمد السادس، حققت هذه الاستراتيجية مكاسب دولية مهمة. فقد شكّل الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء، المعلن عنه في دجنبر 2020، ودعم إسبانيا لمقترح الحكم الذاتي سنة 2022، والموقف الفرنسي المعلن في يوليوز 2024، الذي يعتبر أن حاضر الإقليم ومستقبله يندرجان في إطار السيادة المغربية، ثم الدعم البريطاني للحكم الذاتي في يونيو 2025، باعتبار المقترح المغربي الأساس الأكثر مصداقية وواقعية وبراغماتية للتوصل إلى حل دائم، مؤشرات على تطور دولي يصب في مصلحة الرباط. ورغم اختلاف الطبيعة القانونية والسياسية لهذه المواقف ومدى تأثيرها، فإن تقاربها يعزز المصداقية الدبلوماسية للمبادرة المغربية ووجاهتها.
ويشكل القرار رقم 2797، الذي اعتمده مجلس الأمن الدولي في 31 أكتوبر 2025، أبرز محطة معبرة عن هذا التطور. فمن خلال اتخاذ المقترح المغربي للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات، والإقرار بأن حكماً ذاتياً حقيقياً يمكن أن يمثل حلاً يتسم بقدر كبير من الواقعية وقابلية التطبيق، منح مجلس الأمن دعماً سياسياً مهماً للمقاربة التي تدافع عنها الرباط. وفي هذا الإطار التفاوضي تحديداً تتجلى أهمية التقدم الذي أحرزه المغرب.
وفي تقديري، يمثل هذا القرار انتصاراً للسياسة المغربية في تدبير النزاع. وتكمن أهميته في أن الصيغة التي طورتها المملكة أصبحت تحتل موقعاً محورياً ضمن المسار الأممي للتسوية. فقد أفضى الجمع بين الاستمرارية الاستراتيجية والقدرة على تقديم المبادرات إلى تحقيق نتيجة دبلوماسية ملموسة. واستطاع المغرب تعزيز موقعه التفاوضي من خلال عرض تسوية توافقية تنسجم مع مبدأ الوحدة الترابية الذي يعتبره غير قابل للتفاوض.
إن أبرز ما يميز هذه السياسة هو نجاحها في الربط بين الدفاع عن الوحدة الترابية والإسهام الفعلي في الجهود الدولية الرامية إلى إيجاد حل للنزاع. فالحكم الذاتي يوفر للوسطاء الدوليين مجالاً للتفاوض، ويتيح للأطراف إمكانية مناقشة تسوية مؤسساتية. ومن هذا المنظور، فإن التقدم الذي أحرزه الموقف المغربي لا يعود فقط إلى استمرار تمسك المملكة بمطالبها، بل يرتبط أيضاً بقدرتها على صياغة بديل سياسي ومؤسساتي لحالة الجمود التي طبعت مسار التسوية في بعض الفترات.
غير أن هذا الانتصار يفتح، في المقابل، أفقاً لمسؤولية سياسية مهمة، تتمثل في تطوير إمكانات الحكم الذاتي وإحاطته بضمانات تعزز الثقة والمشاركة والمصالحة. ومن شأن حماية الهوية الثقافية الصحراوية، وضمان تمثيلية مختلف الحساسيات، وفتح آفاق العودة ولمّ شمل الأسر، أن تعزز قوة المقترح المغربي وتوسع نطاق قبوله. كما أن المرور قدما في تنزيل ورش إرساء الجهوية المتقدمة في تدبير شؤونه الترابية من شأنه إكساب المغرب قوة أكبر في الدفاع عن مقترحه ويعزز الموقع التفاوضي للمملكة المغربية.
لقد أظهر المسار الذي سلكه المغرب أن الدفاع الثابت عن مبدأ الوحدة الترابية يمكن أن يقترن بتطور الأدوات الدبلوماسية والمقترحات المؤسساتية. ويأتي القرار الأممي رقم 2797 ليمنح هذا المسار دعماً سياسياً واضحاً. وهنا تكمن نقطة القوة الأساسية في السياسة المغربية: التمسك بالوحدة الترابية باعتبارها التزاماً وطنياً لا يقبل التنازل، مع تطوير المرونة اللازمة، انطلاقاً من هذا الثبات نفسه، لجعل الحل التفاوضي الدائم أمراً ممكناً.
وبذلك، فإن الحزم والمرونة ليسا خيارين متعارضين في الدبلوماسية المغربية، بل ركيزتان متكاملتان لاستراتيجية واحدة، تجعل من الثبات على المبادئ منطلقاً للانفتاح على الحلول، ومن القدرة على التكيف وسيلة لترسيخ الموقف الوطني وتعزيز حضوره ومصداقيته على الساحة الدولية.
