مشروع قانون المحاماة في سياق إعادة تشكيل العدالة...
لماذا يحتاج المغرب إلى رقابة مجتمعية على السياسة القضائية؟
مقدمة
آراء أخرى
ليست القوانين مجرد نصوص تقنية تنظم المهن أو تضبط الإجراءات، بل هي تعبير عن اختيارات الدولة في إدارة السلطة وتوزيع الأدوار بين المؤسسات. ولذلك، فإن أي إصلاح يطال منظومة العدالة لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي والمؤسساتي الذي ولد فيه، ولا عن الفلسفة التي تحكم توجهاته.
ومن هذا المنطلق، يبدو من الصعب التعامل مع مشروع قانون المحاماة باعتباره مجرد قانون ينظم مهنة المحاماة. فقراءته في ضوء مشروع المسطرة الجنائية، والتطور الذي عرفته السياسة الجنائية، والممارسة القضائية خلال السنوات الأخيرة، تثير تساؤلاً مشروعاً حول ما إذا كانت هذه النصوص تعكس إصلاحات متفرقة، أم أنها تشكل حلقات متكاملة في مسار يعيد رسم موازين القوة داخل منظومة العدالة.
لقد قامت العدالة الحديثة على توازن ثلاث قوى رئيسية: قضاء مستقل، ونيابة عامة تمارس الدعوى العمومية باسم المجتمع، ودفاع مستقل يمثل الضمانة الأساسية لحماية الحقوق والحريات. ولم يكن هذا التوازن ترفاً مؤسساتياً، بل كان ثمرة تطور طويل انتهى إلى الإقرار بأن الحرية لا يحميها القاضي وحده، كما لا يحققها الدفاع وحده، وإنما يحميها التوازن بين جميع الفاعلين.
غير أن المتأمل في مسار الإصلاحات الأخيرة يلاحظ اتجاهاً مختلفاً. فمن جهة، تتوسع سلطات النيابة العامة في مختلف مراحل الدعوى العمومية، وتتزايد صلاحيات أجهزة البحث والتحري، بينما يتراجع الحضور الفعلي للدفاع في المراحل الحاسمة التي تتشكل فيها عناصر الملف الجنائي. ومن جهة أخرى، يأتي مشروع قانون المحاماة ليطرح أسئلة عميقة حول مستقبل استقلال الدفاع ومكانته داخل منظومة العدالة.
ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن امتيازات مهنية، لأن أول المتضررين من إضعاف الدفاع ليس المحامي، وإنما المواطن الذي يجد نفسه في مواجهة سلطة جنائية تمتلك من الوسائل والإمكانات ما لا يملكه الفرد العادي. فكلما اختل التوازن بين سلطة الاتهام وحقوق الدفاع، تراجعت ضمانات المحاكمة العادلة، مهما بلغت جودة النصوص القانونية.
إن هذا المقال ينطلق من فرضية مفادها أن إصلاح العدالة لا ينبغي أن يقاس بمدى تقوية مؤسسة على حساب أخرى، وإنما بمدى الحفاظ على التوازن الدستوري بين جميع مكوناتها. كما ينطلق من قناعة بأن استقلال السلطة القضائية، باعتباره مكسباً دستورياً، لا يتعارض مع الرقابة المجتمعية الرصينة، بل يحتاج إليها حتى يظل وفياً لرسالته الدستورية في حماية الحقوق والحريات وترسيخ الثقة في العدالة.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يطرحه هذا المقال ليس: هل يحتاج قانون المحاماة إلى تعديل؟ وإنما: أي نموذج للعدالة نريد للمغرب؟ وهل يمكن بناء قضاء قوي ومحترم من دون دفاع مستقل وفعال، ومن دون فضاء مجتمعي وأكاديمي يتابع السياسات القضائية ويقيمها ويقترح سبل تطويرها، كما هو الشأن في عدد من الديمقراطيات التي نجحت في بناء الثقة بين القضاء والمجتمع؟
بهذا المعنى، فإن مشروع قانون المحاماة يتجاوز حدود المهنة، ليصبح مدخلاً لنقاش وطني حول مستقبل العدالة المغربية، وحول ضرورة الانتقال من إصلاح النصوص إلى إصلاح السياسة القضائية ذاتها، بما يحقق التوازن بين فعالية العدالة، وضمانات المحاكمة المنصفة، واستقلال الدفاع، وحق المجتمع في المتابعة والتقييم والمساءلة في إطار احترام استقلال القضاء.
المحور الأول
المسطرة الجنائية… من توازن الخصوم إلى مركزية سلطة الاتهام
إذا كانت العدالة الجنائية في الفكر الدستوري الحديث تقوم على مبدأ التوازن بين سلطة الاتهام وحقوق الدفاع، فإن هذا التوازن لا يتحقق بمجرد النص عليه، وإنما بترجمته إلى ضمانات إجرائية فعلية تسمح لكل طرف بأداء وظيفته الدستورية في ظروف متكافئة.
غير أن المتتبع لتطور السياسة الجنائية بالمغرب يلاحظ أن مسار الإصلاح اتجه، خلال السنوات الأخيرة، إلى تعزيز فعالية أجهزة البحث والمتابعة، باعتبارها المدخل الأساسي لمواجهة الجريمة وتحقيق الأمن القانوني. وهو توجه مشروع في حد ذاته، لأن الدولة مطالبة بحماية النظام العام ومكافحة الإفلات من العقاب، لكن الإشكال يبرز عندما يتم هذا التعزيز دون أن يقابله تعزيز موازٍ لحقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة.
فالبحث التمهيدي، الذي يشكل المرحلة الأكثر حساسية في الدعوى الجنائية، أصبح يتم في ظل إشراف واسع للنيابة العامة على أعمال الشرطة القضائية، من خلال توجيه الأبحاث، والإذن بالإجراءات، وتقييم نتائجها، ثم اتخاذ القرار النهائي بشأن الحفظ أو المتابعة. وبهذا أصبحت سلطة الاتهام حاضرة منذ اللحظة الأولى لتشكل الملف الجنائي، وتملك تأثيراً مباشراً في تحديد مساره.
في المقابل، يظل الدفاع، في كثير من الحالات، بعيداً عن هذه المرحلة المفصلية، أو يحضر بحضور محدود لا يسمح له بالتأثير الحقيقي في مجريات البحث أو في تكوين الأدلة. وبذلك يصبح المحامي مطالباً بالدفاع عن ملف لم يشارك في بنائه، ومناقشة وقائع تشكلت خارج حضوره، في وقت تكون فيه أغلب القرارات الحاسمة قد اتخذت بالفعل.
ولا يقتصر الأمر على مرحلة البحث التمهيدي، بل يمتد إلى المحاكمة ذاتها، حيث يلاحظ، من خلال عدد من الممارسات القضائية، أن النقاش أصبح ينصب في كثير من الأحيان على تدبير الملف أكثر من انشغاله بإعادة التوازن بين أطراف الدعوى. وهنا يثار السؤال الجوهري: هل يكفي احترام الشكل الإجرائي للمحاكمة حتى تتحقق المحاكمة المنصفة، أم أن العدالة تقتضي أيضاً تمكين الدفاع من وسائل فعلية لمواجهة سلطة الاتهام؟
إن المحاكمة العادلة لا تبدأ داخل قاعة الجلسات، بل تبدأ منذ لحظة الاشتباه، ومنذ أول استماع، ومنذ أول إجراء يمكن أن يؤثر في مصير الشخص وحريته. ولذلك فإن أي اختلال يقع في بداية المسطرة يصعب تداركه لاحقاً، مهما اتسعت صلاحيات المحكمة أثناء المحاكمة.
ومن هنا، فإن النقاش حول مشروع المسطرة الجنائية لا ينبغي أن ينحصر في تفاصيل تقنية، بل يجب أن ينصب على الفلسفة التي تحكمه. فإذا كانت أغلب التعديلات تتجه نحو توسيع سلطات الاتهام، دون توفير ضمانات موازية للدفاع، فإن النتيجة الطبيعية ستكون اختلالاً في ميزان العدالة، حتى وإن ظل الإطار القانوني يرفع شعار المحاكمة العادلة.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى إضعاف النيابة العامة أو الحد من دورها، فهي مؤسسة دستورية تضطلع بوظيفة أساسية في حماية المجتمع وتطبيق القانون. غير أن قوة النيابة العامة لا ينبغي أن تقاس باتساع صلاحياتها فقط، بل كذلك بوجود دفاع مستقل وقادر على مراقبة مشروعية الإجراءات، وبقضاء يضمن التوازن بين طرفي الدعوى، وبسياسة تشريعية تجعل الحرية والأمن في مستوى واحد من الحماية.
ولعل أخطر ما يمكن أن يترتب عن اختلال هذا التوازن هو تحول العدالة الجنائية، من فضاء للتوازن بين السلطة والحرية، إلى منظومة يغلب عليها منطق الاتهام. وعندما تصبح كل مراحل الدعوى تدور داخل دائرة واحدة، بينما يتراجع الدور الفعلي للدفاع، فإننا لا نكون أمام تعديل إجرائي بسيط، وإنما أمام تحول في فلسفة العدالة نفسها.
ومن هنا، لا يمكن فصل مشروع قانون المحاماة عن هذا السياق العام، لأنه يأتي في مرحلة يشهد فيها موقع الدفاع داخل العدالة نقاشاً غير مسبوق. ولذلك فإن تقييم هذا المشروع لا ينبغي أن يتم بمعزل عن مسار إصلاح السياسة الجنائية، بل باعتباره جزءاً من صورة أشمل تعيد رسم العلاقة بين النيابة العامة، والقضاء، والدفاع، والمجتمع.
المحور الثاني
مشروع قانون المحاماة… إصلاح تنظيمي أم امتداد لتحول السياسة القضائية؟
إذا كان من المشروع أن تعيد الدولة النظر في القوانين المنظمة للمهن القانونية حتى تواكب التحولات الدستورية والاجتماعية، فإن الإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بتحديث النصوص، وإنما بمدى تعزيزه للضمانات الدستورية التي تقوم عليها العدالة.
ومن هذا المنطلق، فإن النقاش الذي أثاره مشروع قانون المحاماة لم يكن راجعاً إلى رفض مبدأ الإصلاح، وإنما إلى التساؤل حول الفلسفة التي تحكم هذا الإصلاح، وحول الموقع الذي يراد أن تحتله المحاماة داخل منظومة العدالة في المرحلة المقبلة.
فالوظيفة الدستورية للمحامي لا تختزل في الترافع أمام المحاكم، ولا في تقديم الاستشارات القانونية، وإنما تتمثل أساساً في كونه الضامن العملي لحق الدفاع، والشريك الضروري في تحقيق المحاكمة العادلة. ولذلك فإن أي تشريع يمس استقلال المحاماة أو يحد من هامش حريتها، لا ينعكس على المهنة وحدها، بل يمتد أثره إلى حق المواطن في الإنصاف القضائي.
إن القراءة المتأنية لمشروع القانون، مقرونة بالتحولات التي تعرفها المسطرة الجنائية، تسمح بالقول إن الإشكال لا يتعلق بكل مقتضى على حدة، وإنما بالاتجاه العام الذي ترسمه هذه الإصلاحات مجتمعة. فبينما تتجه السياسة الجنائية إلى توسيع مجال تدخل سلطة الاتهام، يأتي مشروع قانون المحاماة – بحسب قراءة عدد من المهتمين – دون أن يقدم ضمانات موازية لتعزيز استقلال الدفاع أو توسيع أدواره داخل منظومة العدالة.
وهنا يطرح سؤال جوهري: هل أصبح الإصلاح التشريعي ينظر إلى المحامي باعتباره شريكاً في صناعة العدالة، أم باعتباره مجرد فاعل مهني يخضع للتنظيم والرقابة والتقنين؟
إن التجارب الديمقراطية الحديثة اتجهت إلى تقوية مؤسسات الدفاع كلما توسعت صلاحيات أجهزة الدولة، لأن التوازن بين السلطة والحرية لا يتحقق إلا بوجود دفاع مستقل وقادر على ممارسة وظيفته دون تأثير أو تضييق. أما عندما يصبح همّ التشريع منصباً على تنظيم الدفاع أكثر من تمكينه، فإن العدالة تفقد أحد أهم عناصر التوازن.
وليس المقصود بذلك منح المحامي امتيازات استثنائية أو وضعه فوق القانون، فالمحاماة، كغيرها من المؤسسات، تخضع للمساءلة القانونية والأخلاقية. غير أن مساءلتها شيء، وتجريدها تدريجياً من أدوات استقلالها شيء آخر. فالمحامي الذي يخشى القيود أكثر مما يتمتع بالضمانات، لن يكون قادراً على أداء رسالته في الدفاع عن الحقوق والحريات.
إن أخطر ما يمكن أن يفرزه هذا المسار هو الانتقال من نموذج العدالة التشاركية، التي يتقاسم فيها القاضي والنيابة العامة والدفاع مسؤولية حماية الحقوق، إلى نموذج تصبح فيه سلطة الاتهام هي الفاعل الأكثر تأثيراً في جميع مراحل الدعوى، بينما يتحول الدفاع إلى عنصر يلتحق بالملف بعد أن تكون أغلب معالمه قد رُسمت.
ولذلك، فإن مشروع قانون المحاماة ينبغي أن يُناقش باعتباره جزءاً من السياسة القضائية للدولة، لا باعتباره قانوناً مهنياً معزولاً. فالقوانين لا تعمل منفردة، بل تتفاعل فيما بينها، وقد تؤدي، إذا اتجهت جميعها في الاتجاه نفسه، إلى تغيير عميق في فلسفة العدالة دون أن يعلن ذلك صراحة.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه النقاش العمومي ليس: هل يحتاج المحامون إلى قانون جديد؟ بل: هل تحتاج العدالة المغربية إلى دفاع أكثر استقلالاً وفعالية، أم إلى دفاع أكثر خضوعاً للتنظيم والقيود؟ لأن الجواب عن هذا السؤال هو الذي سيحدد شكل العدالة التي ستفرزها هذه الإصلاحات، وسيحدد أيضاً طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن في المجال الجنائي.
إن قوة الدولة الديمقراطية لا تقاس بقدرتها على تنظيم المهن القانونية، وإنما بقدرتها على ضمان استقلالها عندما تكون هذه المهن جزءاً من منظومة حماية الحقوق والحريات. فالدفاع المستقل ليس امتيازاً للمحامي، بل هو حق للمواطن، وضمانة للقاضي، وعنصر أساسي في بناء الثقة في العدالة.
ولذلك، فإن مستقبل المحاماة لا يمكن فصله عن مستقبل القضاء، كما لا يمكن فصل مستقبل القضاء عن مستقبل دولة القانون نفسها. فكلما كان الدفاع مستقلاً، كانت العدالة أكثر توازناً، وكلما ضعفت مكانته، ازداد خطر اختلال الميزان بين سلطة الدولة وحقوق الأفراد.
المحور الثالث
استقلال القضاء لا يكتمل إلا بالرقابة المجتمعية… دروس من الديمقراطيات الناشئة
يعد استقلال السلطة القضائية أحد أعظم المكاسب الدستورية التي كرستها الوثيقة الدستورية لسنة 2011، وهو مبدأ لا يجوز المساس به أو الانتقاص منه، لأنه يشكل الضمانة الأساسية لحماية الحقوق والحريات وصيانة سيادة القانون. غير أن التجارب الدستورية المقارنة أثبتت أن استقلال القضاء لا يعني انغلاقه على نفسه، كما لا يعني إعفاء السياسة القضائية من النقاش العمومي والتقييم العلمي.
فالتمييز واجب بين الأحكام القضائية التي لا يجوز التأثير عليها أو التدخل فيها، وبين السياسة القضائية باعتبارها سياسة عمومية تخضع، شأنها شأن باقي السياسات العمومية، للنقاش والتقييم والمساءلة الديمقراطية. فاستقلال القاضي في إصدار الحكم شيء، وتقييم التشريعات، والسياسات الجنائية، وجودة العدالة، ومدى احترام ضمانات المحاكمة العادلة، شيء آخر مختلف تماماً.
لقد أبانت تجارب الانتقال الديمقراطي أن القضاء يزداد قوة عندما يكون منفتحاً على المجتمع، وأن الثقة في العدالة تبنى بالشفافية والحوار أكثر مما تبنى بالصمت والانغلاق.
ففي جنوب أفريقيا، وبعد سقوط نظام الفصل العنصري، لم يقتصر الإصلاح على إعادة تنظيم المحاكم، بل رافقته عملية وطنية واسعة لتقييم أداء العدالة، شاركت فيها الجامعات، ونقابات المحامين، والمنظمات الحقوقية، ومراكز الأبحاث، باعتبار أن العدالة الجديدة لا يمكن أن تنجح دون رقابة مجتمعية واعية تحافظ على استقلال القضاء، وفي الوقت نفسه تمنع عزلته عن المجتمع.
وفي إسبانيا، بعد الانتقال الديمقراطي، لم يعد القضاء شأناً مغلقاً على رجاله، بل أصبح موضوعاً دائماً للنقاش الأكاديمي والتقييم المؤسساتي، وأضحت الجامعات ومراكز الدراسات القانونية تصدر تقارير دورية حول جودة العدالة، ومدة التقاضي، وضمانات المحاكمة، وأثر التشريعات الجديدة على الحقوق والحريات.
أما تشيلي، فقد أدركت أن إصلاح العدالة الجنائية لن ينجح إذا ظل حكراً على المؤسسات الرسمية، فتم إشراك الجامعات، والجمعيات المهنية، وخبراء القانون المقارن، ومنظمات حقوق الإنسان، في تقييم نتائج الإصلاح واقتراح التعديلات اللازمة بصورة دورية.
وتكشف هذه التجارب أن استقلال القضاء لم يكن يوماً نقيضاً للرقابة المجتمعية، بل إن هذه الرقابة كانت أحد أهم أسباب نجاح الإصلاحات، لأنها وفرت للمؤسسات القضائية تقييماً مستقلاً، بعيداً عن الحسابات السياسية والإدارية.
ومن هنا، فإن المغرب، وهو يواصل ورش إصلاح العدالة، يبدو في حاجة إلى الانتقال من مرحلة إصلاح النصوص إلى مرحلة تقييم أثر الإصلاحات. فليس كافياً إصدار قوانين جديدة، بل ينبغي التساؤل: هل عززت هذه القوانين ثقة المواطنين في العدالة؟ هل حققت توازناً أفضل بين سلطة الاتهام وحقوق الدفاع؟ وهل رفعت من جودة المحاكمة العادلة، أم أنها أفرزت اختلالات جديدة تستوجب المراجعة؟
إن هذه الأسئلة لا ينبغي أن تظل حكراً على المؤسسات الرسمية، لأنها تمس المجتمع بأكمله. فالعدالة ليست مرفقاً إدارياً عادياً، وإنما هي الضامن الأول للحقوق والحريات، ومن ثم فإن المجتمع، عبر مؤسساته العلمية والمهنية والحقوقية، يملك مصلحة مشروعة في تقييم السياسة القضائية، واقتراح سبل تطويرها، دون أن يشكل ذلك أي مساس باستقلال القضاء أو تدخلاً في عمل القضاة.
ومن هذا المنطلق، أصبح من المناسب التفكير في إحداث مرصد وطني للعدالة والمحاكمة العادلة، باعتباره هيئة علمية واستشارية مستقلة، تضم قضاة سابقين، ومحامين، وأساتذة جامعيين، وخبراء في القانون الدولي وحقوق الإنسان، وممثلين عن المؤسسات الوطنية ذات الصلة، مع إمكانية الاستعانة بخبرات دولية عند الحاجة.
ولا تكون مهمة هذا المرصد مراقبة القضاة أو مراجعة الأحكام، فذلك اختصاص دستوري محفوظ للمؤسسات القضائية، وإنما تتحدد مهمته في دراسة السياسة القضائية، ورصد مؤشرات جودة العدالة، وتحليل أثر التشريعات، وإعداد تقارير سنوية حول احترام ضمانات المحاكمة العادلة، واقتراح الإصلاحات التي من شأنها تعزيز الثقة في القضاء.
كما يمكن أن يشكل هذا المرصد منصة وطنية للحوار بين القضاء، والمحاماة، والجامعة، والمؤسسات الحقوقية، بما يرسخ ثقافة الإصلاح المستمر، ويجعل العدالة مشروعاً مجتمعياً لا مجرد اختصاص إداري أو مهني.
إن الدول التي نجحت في ترسيخ استقلال قضائها لم تفعل ذلك بإبعاد المجتمع عن العدالة، وإنما بجعل المجتمع شريكاً في تطويرها. ولذلك، فإن المغرب، إذا أراد أن يجعل من إصلاح العدالة ورشاً استراتيجياً مستداماً، فهو في حاجة إلى مؤسسات جديدة تعزز الثقة، وتدعم الشفافية، وتؤسس لتقييم علمي ومستقل للسياسة القضائية، بعيداً عن التجاذبات السياسية أو الحسابات الفئوية.
المحور الرابع
من إصلاح النصوص إلى إصلاح السياسة القضائية… مقترح لهندسة مؤسساتية جديدة للعدالة
لقد انصب جانب مهم من النقاش العمومي خلال السنوات الأخيرة على تعديل القوانين المنظمة للعدالة، سواء تعلق الأمر بالمسطرة الجنائية، أو مشروع قانون المحاماة، أو غيرها من النصوص ذات الصلة. غير أن التجارب المقارنة تؤكد أن نجاح الإصلاح لا يقاس بعدد القوانين التي تصدر، وإنما بمدى وجود مؤسسات مستقلة قادرة على تقييم نتائج هذه الإصلاحات وقياس أثرها على الحقوق والحريات.
فالديمقراطيات التي نجحت في بناء عدالة قوية لم تجعل الإصلاح التشريعي غاية في ذاته، بل اعتبرته مرحلة أولى يعقبها تقييم علمي ومؤسساتي مستمر، يشارك فيه القضاة والمحامون والجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الحقوقية، حتى لا تتحول السياسة القضائية إلى شأن مغلق على المؤسسات الرسمية وحدها.
ومن هنا، فإن المغرب في حاجة إلى الانتقال من مرحلة إصلاح القوانين إلى مرحلة حكامة العدالة، أي بناء منظومة مؤسساتية تجعل تقييم السياسات القضائية عملاً دائماً، وليس مجرد رد فعل على الأزمات أو المناسبات.
ولهذا، نقترح إحداث المرصد الوطني للعدالة والمحاكمة العادلة، باعتباره مؤسسة وطنية مستقلة ذات طبيعة استشارية وعلمية، لا تمارس أي اختصاص قضائي، ولا تتدخل في القضايا المعروضة على المحاكم، وإنما تعمل على رصد وتحليل وتقييم واقع العدالة من منظور دستوري وحقوقي ومؤسساتي.
ويضم هذا المرصد نخبة من القضاة السابقين، والمحامين، وأساتذة الجامعات، والخبراء في القانون الدستوري والقانون الدولي وحقوق الإنسان، والباحثين في علم الاجتماع القضائي، والإحصاء القضائي، والسياسات العمومية، مع إمكانية الاستعانة بخبرات وطنية ودولية كلما اقتضت الحاجة ذلك.
وتتمثل اختصاصاته في:
-إعداد تقرير سنوي حول حالة العدالة بالمغرب.
-قياس مؤشرات جودة العدالة، ومدة التقاضي، واحترام ضمانات المحاكمة العادلة.
-تقييم أثر التشريعات الجديدة، ومنها قانون المحاماة والمسطرة الجنائية، على حقوق المتقاضين.
-إصدار آراء ودراسات استشارية بشأن مشاريع القوانين المرتبطة بمنظومة العدالة.
-إعداد دراسات مقارنة مع التجارب الدولية، خاصة الدول التي عرفت انتقالاً ديمقراطياً.
-تنظيم حوار وطني دوري بين القضاء والمحاماة والجامعة والمجتمع المدني.
كما يمكن التفكير، في إطار نقاش دستوري ومؤسساتي واسع، في إنشاء مجلس استشاري أعلى للسياسة القضائية، تكون مهمته تقديم الرأي في التوجهات الكبرى لإصلاح العدالة، دون أن يحل محل المجلس الأعلى للسلطة القضائية أو ينتقص من اختصاصاته الدستورية.
ويكون هذا المجلس فضاءً وطنياً للحوار الاستراتيجي، يجمع ممثلين عن المؤسسات الدستورية، والجامعة، وهيئات المحامين، والمؤسسات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان، والخبراء المستقلين، بما يسمح بتبادل الرؤى حول مستقبل العدالة المغربية، واستشراف التحديات التي تواجهها.
إن هذا المقترح لا يروم خلق سلطة موازية للسلطة القضائية، وإنما يسعى إلى ترسيخ مفهوم حديث لحكامة العدالة، يقوم على أن استقلال القضاء لا يتعارض مع التقييم العلمي، وأن قوة المؤسسات تزداد عندما تنفتح على المجتمع، وتقبل الحوار، وتستفيد من الخبرة الأكاديمية والمهنية.
ولعل من المفيد أيضاً التفكير في أن تُرفع التقارير السنوية لهذا المرصد إلى جلالة الملك، بصفته الضامن لاستقلال السلطة القضائية وحسن سير المؤسسات، وإلى البرلمان والحكومة والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، حتى تشكل أرضية للنقاش الوطني حول تطوير العدالة، لا أداة للمحاسبة السياسية أو للتأثير في القضايا المعروضة على القضاء.
فالمغرب، وهو يرسخ مكانته كدولة دستورية، يحتاج اليوم إلى الانتقال من منطق إدارة العدالة إلى منطق حكامة العدالة؛ أي إلى منظومة تجعل الشفافية، والتقييم، والبحث العلمي، والرقابة المجتمعية المسؤولة، جزءاً من البناء المؤسساتي، لا مجرد مطالب ظرفية تثار كلما برزت أزمة أو صدر مشروع قانون مثير للنقاش.
إن مستقبل العدالة لا تصنعه المحاكم وحدها، ولا المحامون وحدهم، ولا السلطة التنفيذية وحدها، وإنما تصنعه رؤية وطنية مشتركة، تجعل العدالة مشروعاً مجتمعياً دائماً، وتضع الإنسان وحقوقه في قلب كل إصلاح تشريعي أو مؤسساتي.
المحور الخامس
السياسة القضائية… المفهوم الغائب في التشريع والحاضر في التجارب الديمقراطية
يكشف النقاش العمومي الذي يرافق إصلاحات العدالة بالمغرب عن مفارقة لافتة، تتمثل في التركيز المكثف على النصوص القانونية، مقابل غياب النقاش حول السياسة القضائية باعتبارها إطاراً يوجه هذه النصوص ويحدد فلسفتها وأهدافها. فالقوانين ليست سوى أدوات، أما السياسة القضائية فهي الرؤية التي تحدد كيفية توظيف تلك الأدوات لتحقيق العدالة.
وفي الديمقراطيات الحديثة، لم يعد إصلاح العدالة يقتصر على تعديل القوانين، بل أصبح جزءاً من سياسة عمومية متكاملة، تخضع للتخطيط والتقييم والقياس، وتشارك في صياغتها مؤسسات الدولة والجامعات والهيئات المهنية والمجتمع المدني.
فالسياسة القضائية تجيب عن أسئلة جوهرية، من قبيل: هل يشعر المواطن بأن العدالة منصفة؟ هل يتمتع الدفاع بوسائل حقيقية لممارسة رسالته؟ هل تحترم مراحل البحث والتحقيق والمحاكمة مبدأ تكافؤ الفرص بين الخصوم؟ وهل تحقق التشريعات الجديدة التوازن بين حماية الأمن العام وصون الحقوق والحريات؟
إن الاقتصار على سن القوانين دون تقييم آثارها يجعل الإصلاح عملية غير مكتملة، لأن نجاح أي سياسة عمومية يقاس بنتائجها العملية، لا بحسن صياغتها فقط. وقد أثبتت تجارب عديدة أن النصوص قد تكون متقدمة، لكن الممارسة تكشف عن اختلالات تستوجب المراجعة.
في جنوب أفريقيا، أصبح تقييم أثر السياسات القضائية جزءاً من مسار العدالة الانتقالية، حيث اعتمدت تقارير دورية ودراسات أكاديمية لقياس مدى احترام الحقوق الدستورية، ولم يُنظر إلى ذلك باعتباره تدخلاً في القضاء، بل دعماً لاستقلاله وتعزيزاً لثقة المواطنين فيه.
وفي إسبانيا، يشكل النقاش الأكاديمي حول العدالة والسياسة القضائية عنصراً دائماً في تطوير المنظومة القانونية، إذ تصدر الجامعات والمعاهد المتخصصة دراسات وتقارير تُناقش داخل الفضاء العام، وتستفيد منها المؤسسات عند إعداد الإصلاحات.
أما تشيلي، فقد جعلت من تقييم إصلاح العدالة الجنائية سياسة دائمة، تستند إلى مؤشرات علمية، وإلى مساهمة القضاة والمحامين والباحثين، بما أتاح مراجعة عدد من الاختيارات التشريعية بعد اختبارها في الواقع العملي.
وتبين هذه التجارب أن قوة العدالة لا تقاس بعدد القوانين أو بحجم الصلاحيات، وإنما بقدرتها على مراجعة نفسها، والاستفادة من النقد العلمي، والتفاعل مع المجتمع.
ومن هذا المنطلق، فإن المغرب في حاجة إلى ترسيخ مفهوم السياسة القضائية باعتباره مجالاً مستقلاً للدراسة والتقييم، لا يهدف إلى التدخل في الأحكام القضائية أو التأثير في استقلال القضاة، وإنما إلى تحليل الاختيارات التشريعية والمؤسساتية، وقياس أثرها على جودة العدالة، وحقوق الإنسان، وثقة المواطنين في القضاء.
إن الاعتراف بالسياسة القضائية بوصفها سياسة عمومية سيؤدي إلى تغيير عميق في طريقة التفكير في العدالة. فبدلاً من الاكتفاء بالسؤال: “هل صدر القانون؟”، سيصبح السؤال: “هل حقق القانون أهدافه؟ وهل عزز المحاكمة العادلة؟ وهل حافظ على التوازن بين سلطة الاتهام وحقوق الدفاع؟”
وهنا يبرز الدور الذي يمكن أن يضطلع به المرصد الوطني للعدالة والمحاكمة العادلة، ليس فقط كمؤسسة للرصد، بل كمختبر وطني لإنتاج المعرفة القضائية، يجمع بين البحث الأكاديمي والخبرة المهنية والمعايير الدولية، ويقدم لصناع القرار مؤشرات موضوعية تساعد على تطوير السياسة القضائية على أسس علمية.
إن مستقبل العدالة المغربية لن يتوقف على جودة النصوص وحدها، بل على قدرتها على بناء ثقافة مؤسساتية جديدة، تؤمن بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ بالنقد المسؤول، ويتعزز بالتقييم المستقل، ويترسخ بالحوار الدائم بين مؤسسات الدولة والمجتمع. فحين تصبح السياسة القضائية موضوعاً للنقاش العمومي الرصين، يتحول إصلاح العدالة من حدث تشريعي عابر إلى مشروع وطني مستدام، يضع الإنسان وكرامته وحقوقه في صلب كل اختيار تشريعي أو مؤسساتي.
الخاتمة والتوصيات
لا يهدف هذا المقال إلى معارضة مشروع قانون المحاماة لذاته، ولا إلى انتقاد مؤسسة دستورية بعينها، وإنما إلى إثارة نقاش وطني حول الاتجاه الذي تسير فيه السياسة القضائية بالمغرب، وحول مدى حفاظ الإصلاحات المتعاقبة على التوازن الذي يشكل جوهر المحاكمة العادلة.
فلا أحد يجادل في ضرورة تحديث التشريعات، ولا في أهمية تمكين النيابة العامة من الوسائل القانونية الكفيلة بحماية المجتمع ومكافحة الجريمة، كما لا أحد ينازع في المكانة الدستورية للسلطة القضائية واستقلالها. غير أن قوة هذه المؤسسات لا ينبغي أن تتحقق على حساب مؤسسة الدفاع، لأن العدالة ليست علاقة ثنائية بين القاضي والنيابة العامة، وإنما هي منظومة متكاملة لا تستقيم إلا باستقلال كل مكوناتها.
إن التجارب المقارنة تؤكد أن الدول التي نجحت في ترسيخ استقلال القضاء لم تكتف بتحريره من السلطة التنفيذية، بل أحاطته أيضاً بضمانات الشفافية، والتقييم العلمي، والانفتاح على الجامعة والمجتمع المدني والهيئات المهنية. فالاستقلال الحقيقي لا يخشى النقد المسؤول، ولا يرفض التقييم الموضوعي، لأن الثقة في العدالة تُبنى بالحوار أكثر مما تُبنى بالصمت.
ومن هنا، فإن إصلاح العدالة بالمغرب أصبح في حاجة إلى مرحلة جديدة، لا يكون عنوانها تعديل النصوص فقط، بل بناء سياسة قضائية تشاركية، تجعل جميع الفاعلين شركاء في تطوير العدالة، لا مجرد متلقين لنتائج الإصلاح.
التوصيات
أولاً: مراجعة مشروع قانون المحاماة ومشروع المسطرة الجنائية في ضوء المبادئ الدستورية والالتزامات الدولية للمملكة، بما يضمن تعزيز استقلال الدفاع، وتكريس حضوره الفعلي منذ المراحل الأولى للدعوى العمومية، وتحقيق توازن حقيقي بين سلطة الاتهام وحقوق الدفاع.
ثانياً: اعتماد آلية لتقييم الأثر التشريعي لكل إصلاح يمس منظومة العدالة، بعد مرور فترة زمنية محددة على دخوله حيز التنفيذ، مع نشر نتائج هذا التقييم للرأي العام، حتى تصبح جودة التشريع معياراً موضوعياً للإصلاح.
ثالثاً: إحداث المرصد الوطني للعدالة والمحاكمة العادلة، كمؤسسة وطنية مستقلة ذات طبيعة علمية واستشارية، تضم قضاة سابقين، ومحامين، وأساتذة جامعيين، وخبراء في القانون الدستوري والقانون الدولي وحقوق الإنسان، وباحثين في علم الاجتماع القضائي والسياسات العمومية، تكون مهمته إعداد تقارير دورية حول واقع العدالة، ورصد مؤشرات المحاكمة العادلة، وتقييم أثر التشريعات، واقتراح الإصلاحات.
رابعاً: إطلاق نقاش وطني حول إمكانية إحداث مجلس استشاري أعلى للسياسة القضائية، يضم شخصيات قضائية وأكاديمية وحقوقية مستقلة، يتولى إبداء الرأي في التوجهات الاستراتيجية الكبرى لإصلاح العدالة، وإصدار تقارير ودراسات استشرافية، مع احترام الاختصاصات الدستورية للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة وسائر المؤسسات.
خامساً: تشجيع الجامعات المغربية على إنشاء مراكز متخصصة في دراسات العدالة والسياسة القضائية، وربط البحث العلمي بصناعة التشريع، حتى تصبح الجامعة شريكاً حقيقياً في إصلاح العدالة، كما هو معمول به في عدد من الديمقراطيات الحديثة.
سادساً: إشراك هيئات المحامين، والمؤسسات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان، والجمعيات المهنية، ومراكز البحث، في تقييم مشاريع القوانين المرتبطة بالعدالة قبل اعتمادها، بما يعزز جودة التشريع ويكرس الديمقراطية التشاركية التي أقرها دستور 2011.
سابعاً: إصدار تقرير سنوي وطني حول “حالة العدالة بالمغرب”، يتضمن مؤشرات موضوعية حول جودة الأحكام، وآجال التقاضي، واحترام حقوق الدفاع، وتنفيذ الأحكام، وثقة المواطنين في العدالة، ويكون مرجعاً لصناع القرار والباحثين والرأي العام.
إن المغرب لا يحتاج اليوم إلى عدالة قوية فحسب، بل إلى عدالة متوازنة؛ عدالة يكون فيها القاضي مستقلاً، والنيابة العامة قوية في إطار القانون، والمحامي حراً في أداء رسالته، والمواطن مطمئناً إلى أن حقوقه مصونة، وأن المجتمع يملك، عبر مؤسساته العلمية والحقوقية، الحق في تقييم السياسة القضائية واقتراح تطويرها.
فالعدالة التي تُراقَب علمياً لا تُضعف، والسلطة التي تُقيَّم موضوعياً لا تنتقص هيبتها، والمؤسسات التي تنفتح على المجتمع تزداد احتراماً وثقة. ولذلك، فإن الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس إصدار مزيد من القوانين، وإنما بناء ثقافة جديدة للعدالة، قوامها التوازن، والشفافية، والاستقلال، والمساءلة، والانفتاح على المجتمع.
إن مستقبل دولة الحق والقانون لن يُحسم داخل قاعات المحاكم وحدها، بل سيُبنى أيضاً في الجامعات، وهيئات المحامين، ومراكز البحث، والمؤسسات الحقوقية، وكل فضاء يؤمن بأن العدالة ليست حكراً على مؤسسة، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة. وإذا كان دستور 2011 قد أسس لاستقلال السلطة القضائية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تؤسس لثقافة الحكامة القضائية، حيث يلتقي استقلال القضاء مع استقلال الدفاع، وتلتقي هيبة المؤسسات مع حق المجتمع في المعرفة والتقييم والنقد المسؤول، في إطار من الاحترام الكامل للدستور وسيادة القانون.
محامي بهيئة المحامين بطنجة
