نجيب محفوظ من حيّ الدّرب الأحمر إلى كبريات حواضر العالم
في الثلاثين من شهر أغسطس الفارط من العام الجاري 2026، مرّت عشرون عامًا على رحيل أحد أقطاب الرواية العربية، نجيب محفوظ، وهو الأديب العربي الوحيد الحاصل على جائزة نوبل العالمية في الآداب. وعلى الرغم من مرور عقدين من الزمان على رحيله، ما فتئت رواياته تحظى ببالغ الاهتمام والعناية الفائقة من طرف بني طينته والعالم الناطق بلغة سيرفانتيس على وجه الخصوص، وما انفكّت تتوالى ترجماتها إلى هذه اللغة، حيث أصبحت تحتل مكانة مرموقة في الأوساط الأدبية، سواء في إسبانيا أو في مختلف بلدان أميركا اللاتينية الناطقة باللغة الإسبانية.
آراء أخرى
بمناسبة هذه الذكرى، أعيد نشر بعض أعماله الروائية المترجمة إلى بعض اللغات الحية المعاصرة، كما نُظمت العديد من التظاهرات واللقاءات والندوات الثقافية والأدبية في بلده مصر وفي بعض البلدان العربية والأجنبية، ونشرت دراسات نقدية وأبحاث تحليلية لأعماله، والحالة هذه، جدير بنا أن نتساءل: كيف يرى النقاد في إسبانيا وفي بلدان أميركا اللاتينية الأعمال الروائية لهذا القاص المبدع، بعد أن تمّت مؤخرًا ترجمة روايات أخرى جديدة له إلى اللغة الإسبانية، وأصبح كاتبًا ذا شهرة واسعة، مألوفًا ومعروفًا لدى القراء والنقاد على حدّ سواء في هذه اللغة وفي مختلف اللغات الحيّة الأخرى؟
وجدير بنا كذلك أن نتساءل عن السرّ الكامن وراء هذا الانتشار الذي حظيت به أعمال صاحب ثلاثية القاهرة، التي نُقلت إلى اللغة الإسبانية تحت العناوين التالية: «بين القصرين» Entre dos palacios، و«قصر الشوق» Palacio del deseo، و«السكّرية» La azucarera، وحققت هذه الثلاثية نجاحًا واسعًا في هذه اللغة وفي العالم الناطق بلغة سيرفانتيس وفي بلدان أخرى تنأى عن الموطن الأصلي لكاتب هذه الأعمال، الذي كان مصدر وحي وإلهام لمبدعها.
زقاق المدقّ: عالم سفلي متناوش
من أهم روايات محفوظ التي حظيت باهتمام النقاد «زقاق المدقّ»، التي تُرجمت إلى العديد من اللغات العالمية، بما فيها اللغة الإسبانية، وعنها يقول الناقد الإسباني «مانويل بيامور»: «إنّ أوّل ما يلاحظه قارئ هذه الرواية في الغرب هو تعدّد وتنوّع وكثافة شخصياتها التي تفرض نفسها عليه، والتي تبدو كأنّها تطلّ بهامتها من بين سطور الرواية، وتصبح في ما بعد كأنّها قضايا حقيقية قائمة، بحيث توحي الرواية للقارئ أنه أمام أحداث واقعية يرويها له راوٍ مُتمرّس عايش ولامس واحتكّ بالفعل بملابسات وظروف ووقائع جميع أفراد شخصيات هذه الرواية».
ويوضح «بيامور» أن «مردّ ذلك يؤول إلى المقدرة الروائية الهائلة التي يتميّز بها نجيب محفوظ في إتقان فنّ السرد، ذلك أن الحكايات والطرائف اليومية العادية والمتواترة عنده تتحوّل إلى مادة أدبية ثريّة آسرة، فأقلّ الأحداث وأبسطها تُعالج في هذه الرواية بعمق تحليلي يثير الدهشة والفضول والتساؤل، حيث يغدو ما نقرأه بالتالي تحليلات ذكية لنماذج بشرية يمكن أن توجد في أيّ بقعة من بقاع العالم. وهكذا يتحوّل القلم في يد الروائي محفوظ إلى مشرط أو مِجهر يجسّد لنا به ذلك العالم السفلي الهائل المتنوّع والمتناوش، الغارق في طيّات الزمن وتناقضاته، ومجاهل المكان. هذا المكان ليس من الضرورة أن يكون زقاقًا من أزقّة القاهرة، أو دربًا ضيقًا من دروبها، بل يمكن أن يكون كذلك أيّ زقاق من أزقّة العالم وقد اجتمعت فيه العناصر التالية: الحبّ، والكراهية، والكسل، والصّبر، والفضول، والطموح، والإخفاق، والرغبة، والطمع، والجشع، والسوقية، والعجرفة، والابتذال، والتواضع، والتسكّع والهجران… إلخ، كل هذه النعوت والأوصاف والطبائع التي هي عناصر لها وجود في كلّ مكان نجدها في هذه الرّواية مجسّدة في أناس يبدون وكأنهم موجودون فعلاً، والذين يمثّلون شرائح اجتماعية سفلى في وسط معيّن من قاع المدينة، مثل بائعة الخبز، والزّوج صاحب المقهى، والحلاق، وبائع الحلويات غليظ الجثّة، وسواها من شخوص هذه الرواية الغريبة الأطوار… إلخ».
إنّ المقدرة المبهرة للمبدع عندما تكون ذات أصالة، فإنّه لا ينتقي بالضرورة المواضيع الكبرى، بل إنه لا يلجأ إلى اقتناص الشّخصيات المهمّة لكي يعكس لنا حقيقة العالم، بل إنّه يكتفي بزقاق ضيّق في دهاليز مدينة ما ليقدّم لنا تحليلاً دقيقًا ومعمّقًا، وأوصافًا حيّة ومفصّلة لنماذج إنسانية ذات سمات مشتركة في مجتمع يمكن أن يحدث فيه أيّ شيء، ويمكن أن ينتظر منه أيّ شيء. في هذه الرقعة الضيّقة والمحدودة نجد هذه الشخصيات التي تجلبنا وتجذبنا إليها بقوّة بواسطة أحداث تبدو للوهلة الأولى وكأنّها ليست ذات معنى، وهكذا تتوالى وتترى الشّخصيات في سياق الحكي وتصاعد الرواية باستمرار، وكلما حاولت شخصية ما ترسيخ خاصّية البطولة فيها لا تلبث أن تحلّ محلّها شخصية أخرى بفضل الموهبة الأصيلة التي تطبع وتميّز كتابات نجيب محفوظ في هذا القبيل».
تقارب الأدبين العربيّ والإسبانيّ
يقول الناقد «بيامور» إن «قارئ رواية زقاق المدقّ يشعر وكأنّه أمام نوع من الأدب الجديد، خاصّة بعد أن طفق جيلنا يتخلّص رويدًا رويدًا من رواسب حكايات موروثة شفويًا تدور حول كلّ ما هو خيالي وهمي، وأسطوري وخرافي. هذه الحكايات المتوارثة استحوذت على الذاكرة الشعبية لمدّة قرون. إن هذا النوع من الأدب يخلق فينا متعة أدبية رائعة لا تقودنا أو تفضي بنا إلى كتابة رواية بليغة ليس لها وجود سابق في اللغة فحسب، وإنما هي أُنشئت إنشاءً مثل الرواية التي نحن بصددها، المستوحاة من الحقيقة والواقع المعاش».
إنّ وقائع وأحداثًا مثل حدث طبيب الأسنان وشريكه وهما يضبطان متلبّسين بسرقة طاقم الأسنان لأحد الموتى حديثًا، وأحداثًا أخرى غريبة في الرواية، تبدو لنا وكأنّها قد انتُزعت انتزاعًا من كتاب «أرثيبريستي دي هيتا» الذي يحمل في اللغة الإسبانية العنوان التالي: El Libro del buen amor، أو من إحدى الروايات الصعلوكية الإسبانية المتوارثة الأخرى»**.
ويضيف الناقد: «هذا الصّنف من الأدب العربي لهو أقرب بشكل خاص من إسبانيا أكثر من أيّ بلد آخر، الأمر الذي يبيّن بوضوح مدى تأثيره البليغ فينا، هذا التأثير الذي يكاد أن يصبح نسيًا منسيًا في معظمه، إلاّ أنه في الواقع ما فتئ يقبع في أعماق آدابنا الإسبانية، سواء في شبه الجزيرة الإيبيرية أو في مختلف بلدان أميركا اللاتينية الأخرى. إن كلّ ما هو عربي بالخصوص له سمات وخصائص جدّ متشابهة ومتقاربة مع كلّ ما هو إسباني، ابتداءً من القرون الوسطى ثم في عصر النهضة».
ويستمرّ الناقد الإسباني في تأكيده لهذا الاتجاه، مشيرًا إلى أنّ «هناك مظاهر مشتركة بيننا لا يمكن أن تقدّمها لنا آداب شرقية أخرى، مثل الآداب الصينية أو الهندية أو اليابانية، حيث لا علاقة ولا صلة لبلداننا بها. وهذا أمر غريب ومثير وغير مفهوم بالنسبة للقرّاء الغربيين».
إننا واجدون في هذه الرواية نزعات إنسانية أساسية بإمكان المرء أن يقتل من أجلها، وهي فوق كلّ اعتبار، هذه النزعات أو الأهواء هي مدفوعة بشكل تلقائي فطري، وهي تبيّن لنا مدى عمق وأبعاد ثقافة تلك الشخصيّات المتمثّلة والمتأصّلة بالخصوص في شخوص زقاق المدقّ مثل عبّاس، والحلاّق، وحميدة، وفي شخصيات روايات نجيب محفوظ الأخرى. هنا
«ثلاثية القاهرة» بين مصر والمكسيك
وترى الكاتبة المكسيكية «نعيمة أتاموروس» من جهتها أنّ «نجيب محفوظ يُعتبر من كبار الكتّاب في مصر والعالم العربي، وعلى الرّغم من مرور عقدين من الزّمان على رحيله فإنه ما زال يحظى إلى اليوم باهتمامات الأوساط الأدبية في المكسيك وفي مختلف بلدان أميركا اللاتينية الأخرى، على الرغم من حصوله على جائزة نوبل في الآداب عام 1988، ومن وفاته عام 2006». وتضيف الكاتبة المكسيكية: «لقد تعرّفنا بواسطة كتاباته على كثير من العادات والتقاليد العربية، بل إنّه نقل إلينا صورًا حيّة عن ذلك الشقّ النّائي من العالم». وتشير في السياق نفسه إلى أن روايته «السكّرية»، وهي آخر ثلاثية القاهرة «بين القصرين» و«قصر الشوق»، اعتُبرت قمّة إبداعاته الأدبية التي تمّ نقلها إلى اللغة الإسبانية، ليس في بلدها المكسيك وحسب، بل في معظم بلدان أميركا اللاتينية وإسبانيا.
وتقول الكاتبة إن «السكّرية»، التي نُشرت في القاهرة أوّل مرّة عام 1957، والتي تعالج الجيل الثالث لأسرة عبد الجواد، «نجد فيها الكثير من المظاهر السياسية والاجتماعية في مصر بين 1935-1944». وتضيف أن «صورة عبد الجواد وأسرته في هذه الرواية هي انعكاس واضح وتصوير دقيق للعديد من الأسر المصرية التي عاشت في ذلك الإبّان».
وفي الإطار نفسه، يشير الكاتب المكسيكي «ألبرتو روي سانشيز» إلى أن «أدب نجيب محفوظ يتعمّق في استكناه واستبطان واستغوار الكائن البشري ويحلّله تحليلاً دقيقًا أبعد ممّا يمكن أن يقوم به أيّ أخصّائي في علم الاجتماع أو أيّ مؤرّخ. إن ما كتبه نجيب محفوظ عن مدينة القاهرة يبدو وكأنّه كتب عن مدينة مكسيكو سيتي المترامية الأطراف».
ويضيف: «إنّنا واجدون في أعماله البحث الدائم والمستمر عن “الهويّة المصريّة” بواسطة وصفه الدقيق للحياة اليومية في القاهرة في زمانه، كما أنه يتميّز في هذه الأعمال بدعوته الملحّة إلى مبدأ التسامح الديني، مثلما هو عليه الشأن في روايته الأخرى التي تحمل عنوان “أولاد حارتنا”، ممّا عرّضه في العديد من المرّات إلى تهديده بالموت».
عودة إلى روايته «زقاق المدقّ» والشّاشة الكبيرة
وبالإضافة إلى العناية الفائقة التي خصّت بها السينما المصرية أعمال الكاتب نجيب محفوظ في موطنه، حيث أخرجت العديد من الأفلام انطلاقًا من نصوص رواياته على اختلافها، فقد نقلت كذلك بعض أعماله الروائية إلى السينما خارج بلاده، بخاصة في العالم الناطق باللغة الإسبانية، وعلى وجه التحديد في المكسيك. وهكذا كان المخرج المكسيكي «خورخي فونس» قد نقل عام 1994 رواية نجيب «زقاق المدقّ» إلى السينما، بعد إجراء تغيير طفيف على عنوان الفيلم باللغة الإسبانية، وهو «زقاق المعجزات»، أي Callejón de los milagros، وذلك حسب الترجمة التي وُضعت لعنوان هذه الرواية في اللغة الإسبانية. وقد جعل المخرج أحداث الرواية تتماشى وتتأقلم مع أحداث ووقائع الوسط الشعبي في المكسيك.
وتجدر الإشارة في هذا القبيل إلى أن هذا الفيلم قد حصل على جائزة «غويا» السينمائية الإسبانية، وهي أعلى وأرقى تكريم يمنح في عالم الفنّ السابع في هذا البلد. كما كان المخرج المكسيكي أرتورو ريبشتاين كذلك قد نقل عام 1993 رواية نجيب محفوظ «بداية ونهاية» إلى السينما أيضًا.
وقد تُرجمت إلى اللغة الإسبانية في إسبانيا وأميركا اللاتينية ما ينيف على ثلاثين رواية لنجيب محفوظ، منها: «السّراب»، و«بداية ونهاية»، و«خان الخليلي»، و«بين القصرين»، و«قصر الشوق»، و«اللصّ والكلاب»، و«أولاد حارتنا»، و«خمّارة القط الأسود»، و«زقاق المدقّ»، و«حبّ تحت المطر»، و«القاهرة الجديدة»، و«ليالي ألف ليلة وليلة»، و«السماء السابعة»، و«رحلة ابن فطّومة»، و«حديث الصباح والمساء»، و«المرايا»، و«مقهى الكرنك»، و«ميرامار»، و«همس الجنون»، و«صباح الورد»، وسواها من الروايات والأعمال الإبداعية الأخرى الشهيرة.
ودعنا نختم هذه العجالة عن هذا الأديب المصري الكبير بالتساؤل العميق، والمُوفي البليغ الذي طرحته الكاتبة الدكتورة «أماني فؤاد» في مقال قيّم لها عن ذكرى رحيل هذا الرّوائي المبدع نشرته صحيفة «المصري اليوم»، حيث جاء فيه: «في ذكرى رحيل نجيب محفوظ، علينا أن نتساءل لو أنّ ما تركه من أدب وسرد بما احتواه من حراك فكري ووجداني يعيش بأذهاننا وذائقتنا، ويتجسّد بحيوية في التعليم الأساسي، هل كان بإمكان المنظور الواحد، بكل ما ينتج عنه من عيوب، أن يسيطر على الأذهان ويأكلها؟ أم إن تدريس ومناقشة تلك النصوص عالية الجودة والقيمة الفنية والفكرية لمحفوظ ولغيره من مبدعين كانت ستفتح أذهان قرائها ودارسيها على الحياة بمعناها الشامل، متعدّد الرؤى؟»
• كاتب وباحث ومترجم من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية الأميركية للآداب والعلوم–بوغوطا، كولومبيا.
** كاتب إسباني من مواليد ألكالا دي إيناريس، «قلعة النّهر»، وهي المدينة التي وُلد فيها كذلك ميغيل دي سيرفانتس، صاحب الرواية الشهيرة «دون كيشوت»، اسمه الحقيقي خوان رويث، واشتهر بـ«أرثيبريستي دي هيتا». مؤلّفه الوحيد الذي يحمل عنوان «كتاب الحبّ الطيّب» يعتبر من أهم الأعمال الأدبية التي كتبت في القرون الوسطى، ليس في إسبانيا وحسب، بل في أوروبّا على وجه العموم.
