انتخابات 23 شتنبر.. خريطة الدوائر والقاسم الانتخابي ومقاعد النساء ترسم معركة المقاعد
يتوجه المغاربة في 23 شتنبر إلى صناديق الاقتراع لانتخاب مجلس النواب المقبل، في استحقاق تجري فيه المنافسة على 395 مقعدا، موزعة بين 305 مقاعد في 92 دائرة محلية و90 مقعدا في 12 دائرة جهوية.
وتبدو الانتخابات، في ظاهرها، منافسة بين الأحزاب الكبرى على صدارة المشهد، لكنها في تفاصيلها أكثر تعقيدا.
فعدد الأحزاب المشاركة أقل مما كان عليه في 2021، بينما ارتفع عدد اللوائح والمرشحين، وتقلص عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية بأكثر من مليوني شخص.
كما أن طريقة احتساب القاسم الانتخابي تجعل الفارق في الأصوات لا يتحول بالضرورة إلى فارق مماثل في المقاعد.
وبذلك لا تبدو انتخابات 2026 معركة وطنية واحدة بقدر ما تبدو مجموعة من المعارك المحلية المتزامنة، لكل دائرة فيها موازينها ومرشحوها وقواعدها الانتخابية.
أحزاب أقل.. مرشحون أكثر
بلغ عدد لوائح الترشيح المقدمة للانتخابات التشريعية 1850 لائحة تضم 7288 مرشحا ومرشحة، بمعدل يزيد على 18 ترشيحا لكل مقعد.
وفي الدوائر المحلية الـ92، بلغ عدد اللوائح 1615 لائحة تضم 5505 مرشحين، مقابل 1472 لائحة و5046 مرشحا في انتخابات 2021.
أما الدوائر الجهوية الـ12، المخصصة للنساء، فقد قدمت فيها 235 لائحة تضم 1783 مرشحة، مقابل 1769 مرشحا ومرشحة في 2021. وبلغ مجموع الترشيحات النسائية في الاستحقاق الحالي 2658، أي 36.47 في المائة من مجموع الترشيحات.
وتكشف المقارنة مع انتخابات 2021 عن مفارقة لافتة حيث انخفض عدد الأحزاب المشاركة من 31 إلى 28، بحسب المعطيات المتاحة، لكن عدد اللوائح ارتفع من 1704 إلى 1850، وعدد المرشحين من 6815 إلى 7288.
أي أن المنافسة أصبحت أكثر ازدحاما، رغم أن عدد القوى السياسية المشاركة أقل.
وعلى مستوى الانتشار، تمكن التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال والتقدم والاشتراكية والعدالة والتنمية من تقديم لوائح في جميع الدوائر المحلية الـ92. وتراجع الانتشار إلى 90 دائرة للاتحاد الاشتراكي، و86 للحركة الشعبية، و85 لتحالف اليسار، و74 للاتحاد الدستوري.
ولا تعني التغطية الكاملة، في حد ذاتها، أن الحزب يملك فرصا متساوية للفوز في جميع الدوائر، لكنها تعكس قدرته على خوض المنافسة في مختلف أنحاء البلاد.
مقاعد متأرجحة ودوائر متقلبة
يضم النظام الانتخابي المغربي دوائر محلية متعددة المقاعد، وهو ما يجعل استخدام مفهوم “الدائرة الآمنة” أو “الدائرة المتأرجحة” على الطريقة المتداولة في الأنظمة التي ينتخب فيها مقعد واحد أقل دقة.
فالدائرة التي تضم ثلاثة أو أربعة مقاعد، مثلا، قد يكون فيها مقعد أو مقعدان أقرب إلى الحسم، بينما يبقى المقعد الأخير مفتوحا بين عدة لوائح.
لذلك فإن التعبير الأدق في الحالة المغربية هو “مقعد متأرجح داخل دائرة متعددة المقاعد” أكثر من “دائرة متأرجحة”.
وتظهر نتائج 2021 هذه الفوارق بوضوح. ففي دائرة الرباط شالة، التي تضم ثلاثة مقاعد، كان الفارق بين الأول والثاني أكثر من ثلاثة آلاف صوت، وبين الثاني والثالث نحو 1700 صوت، بينما لم يتجاوز الفارق بين الثالث والرابع 440 صوتا.
وهذا يعني أن الدائرة لم تكن بالضرورة متأرجحة بكاملها، لكن المقعد الثالث كان شديد الحساسية لأي تغير في توزيع الأصوات.
وفي دوائر أخرى كانت الفوارق أكبر، ما يمنح بعض المرشحين أفضلية أولية، من دون أن يجعل النتيجة محسومة مسبقا.
ولهذا يمكن النظر إلى الخريطة الانتخابية من خلال خمس درجات؛ دوائر ذات أفضلية قوية، ودوائر تميل إلى حزب أو مرشح، ودوائر مفتوحة، ومقاعد متأرجحة، ثم دوائر شديدة التقلب.
وهو تصنيف تحليلي، وليس توقعا لنتائج الانتخابات.
90 مقعدا جهويا مخصصة للنساء
أما 90 مقعدا أخرى، فتُنتخب عبر 12 دائرة جهوية مخصصة للنساء، بمعدل يختلف بحسب عدد سكان كل جهة.
وتتنافس المرشحات ضمن لوائح حزبية، وليس بشكل فردي، وتُوزع المقاعد بحسب عدد الأصوات التي تحصل عليها كل لائحة. وفي انتخابات 2026، قدمت الأحزاب 235 لائحة جهوية تضم 1,783 مرشحة.
وتُحتسب هذه المقاعد بشكل مستقل عن المقاعد المحلية الـ305، أي أن الحزب لا يحصل عليها تلقائيا بسبب فوزه في الدوائر المحلية. وتكون النتيجة مرتبطة بقدرة كل لائحة على جمع الأصوات داخل جهتها، ما يجعل المنافسة الجهوية معركة انتخابية قائمة بذاتها.
وبالمقارنة مع انتخابات 2021، لم يتغير عدد المقاعد الجهوية المخصصة للنساء، إذ ظل 90 مقعدا ضمن مجلس النواب البالغ عدد مقاعده 395. غير أن عدد اللوائح والمرشحات في 2026 يعكس اتساع المنافسة على هذه المقاعد، التي أصبحت جزءا أساسيا من معركة الأحزاب لرفع حضورها النسائي داخل البرلمان.
القاسم الانتخابي يغير قواعد اللعبة
أحد أهم مفاتيح فهم انتخابات 2026 هو القاسم الانتخابي الذي اعتمد بصيغته الحالية منذ انتخابات 2021.
ويحتسب القاسم في الدائرة بقسمة عدد الناخبين المقيدين فيها على عدد المقاعد المخصصة لها، ثم توزع المقاعد المتبقية وفق قاعدة أكبر البقايا. وقد نصت المحكمة الدستورية صراحة على اعتماد عدد الناخبين المقيدين أساسا لاحتساب القاسم.
ويختلف هذا النظام عن الصيغة التي كانت تعتمد الأصوات الصحيحة المعبر عنها أساسا لاحتساب القاسم.
والنتيجة العملية أن الحزب الذي يتصدر الأصوات لا يستطيع بالضرورة تحويل تفوقه إلى احتكار لمقاعد الدائرة. فعدد المقاعد، وحجم القاسم، وعدد اللوائح، والفوارق بين الأصوات، كلها تدخل في تحديد النتيجة النهائية.
ولهذا لا يكفي السؤال عن الحزب الذي سيحصل على أكبر عدد من الأصوات، بل يجب أيضا السؤال عن كيفية توزيع هذه الأصوات بين اللوائح، ومن سيحصل على المقعد الأخير.
ولا يعني ذلك أن القاسم الانتخابي وضع فقط “لتشتيت الأصوات”، كما يقال أحيانا، لكن النظام الحالي يجعل من الصعب على الحزب المتصدر أن يحول تفوقه في الأصوات إلى هيمنة آلية على مقاعد الدائرة.
وهذا ما يجعل الانتخابات المغربية مختلفة عن أنظمة المقعد الواحد، حيث يكفي احتلال المرتبة الأولى للفوز بالمقعد.
15.8 مليون مسجل.. بانخفاض يتجاوز مليوني شخص
تجري انتخابات 2026 أمام هيئة ناخبة أصغر بشكل واضح من تلك التي شاركت في انتخابات 2021.
فقد بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، بعد حصرها في 10 يوليوز، 15,801,162 ناخبا، مقابل 17,983,490 في انتخابات 2021، أي بانخفاض قدره نحو 2.18 مليون مسجل، أو ما يزيد قليلا على 12 في المائة.
ورغم أن وزارة الداخلية حاولت تفسير شطب هذا العدد الهائل من الأصوات من اللوائح الانتخابية، بعملية التحيين والتصحيح، إلا أن المعطيات الرسمية المنشورة التي قدمتها لا تسمح بإرجاع كامل الفارق بين 2021 و2026 إلى سبب واحد هو عمليات تشطيب وتحيين مختلفة. هذا العلم أن عملية المراجعة الاستثنائية لسنة 2026 أسرفت عن تسجيل نحو 391 ألف ناخب جديد.
وقد أدت هذه التغييرات إلى تغيير تركيبة الهيئة الناخبة نفسها. فالرجال يمثلون 54 في المائة من المسجلين والنساء 46 في المائة، ويقيم 55 في المائة منهم في الوسط الحضري مقابل 45 في المائة في الوسط القروي.
وتمثل الفئة التي تبلغ 60 سنة فما فوق أكثر من 29 في المائة من المسجلين، بينما لا تتجاوز حصة الفئة بين 18 و24 سنة 4 في المائة.
ملايين المؤهلين خارج اللوائح
غير أن عدد المسجلين لا يمثل جميع المغاربة الذين بلغوا سن التصويت.
وقد أظهرت دراسات سابقة أن الفجوة بين عدد المواطنين المؤهلين للتصويت وعدد المسجلين في اللوائح كبيرة، خصوصا بين الشباب. ففي انتخابات 2021، قدر “معهد إلكانو” أن نحو 2.8 مليون مغربي من الفئة العمرية 18 إلى 24 سنة لم يكونوا ضمن اللوائح، وأن ملايين آخرين ممن لهم حق التصويت ظلوا خارجها.
ولا توجد، حتى الآن، إحصائية رسمية مماثلة ومحيّنة تحدد بدقة عدد المؤهلين للتصويت غير المسجلين في لوائح 2026، ولذلك لا يمكن تقديم رقم محدد باعتباره “عدد غير المسجلين” حاليا.
لكن حجم هذه الفجوة يجعل من هذه الفئة أكبر كتلة خارج العملية الانتخابية المنظمة، وهو ما يدفع البعض إلى وصفها مجازا بأنها “حزب المقاطعين”.
غير أن هذا التعبير يحتاج إلى قدر من الحذر، فعدم التسجيل ليس بالضرورة مقاطعة سياسية؛ فقد تكون وراءه أسباب إدارية أو جغرافية أو ضعف الاهتمام بالشأن العام أو عدم الثقة في الأحزاب والمؤسسات، كما أن المقاطعة نفسها ليست موقفا سياسيا واحدا.
ومع ذلك، فإن حجم هذه الكتلة يطرح سؤالا يتجاوز نتائج الأحزاب: إلى أي حد تعكس الانتخابات مواقف جميع المواطنين المؤهلين للتصويت، وليس فقط مواقف المسجلين ثم المشاركين منهم؟
من يستفيد من انخفاض عدد المسجلين؟
يكتسب انخفاض عدد المسجلين أهمية إضافية بسبب طريقة احتساب القاسم الانتخابي.
فإذا انخفض عدد المسجلين في دائرة ما، مع بقاء عدد المقاعد ثابتا، ينخفض القاسم حسابيا. وقد يجعل ذلك الوصول إلى مقعد أكثر سهولة بالنسبة لبعض اللوائح.
لكن ذلك لا يعني أن الأحزاب الصغيرة ستكون المستفيد التلقائي.
فالحزب المتصدر يمكنه أيضا الاستفادة إذا سمح له انخفاض القاسم بتحويل كتلته التصويتية إلى أكثر من مقعد، بينما يستطيع حزب أصغر الاستفادة إذا كانت لديه قاعدة انتخابية ثابتة تمكنه من الحصول على مقعد عبر القاسم أو أكبر البقايا.
لذلك قد يكون المستفيد الحقيقي، في بعض الدوائر، هو الحزب أو المرشح الذي يملك قاعدة انتخابية مستقرة وقدرة تنظيمية على إخراجها إلى التصويت.
وهنا تزداد أهمية المرشح وشبكاته المحلية، وليس فقط الشعار الحزبي.
نتائج 2021 لا تقدم خريطة جاهزة لـ2026
تدخل الأحزاب انتخابات 2026 وهي تحمل إرث نتائج انتخابات 2021، التي تصدرها التجمع الوطني للأحرار بـ102 مقعدا، يليه الأصالة والمعاصرة بـ87، والاستقلال بـ81، والاتحاد الاشتراكي بـ34، والحركة الشعبية بـ28، والتقدم والاشتراكية بـ22، والاتحاد الدستوري بـ18، والعدالة والتنمية بـ13.
لكن نتائج 2021 لا توفر خريطة جاهزة لإسقاطها على انتخابات 2026.
فبين الاستحقاقين تغيرت التحالفات، وانتقل بعض المرشحين بين الأحزاب، وعاد برلمانيون سابقون إلى المنافسة، فيما يخوض عدد من النواب الحاليين الانتخابات من جديد.
وهذا يجعل العامل الشخصي للمرشح مهما في عدد من الدوائر، إلى جانب قوة الحزب.
وفي بعض المناطق يمكن لمرشح ذي حضور محلي قوي أن ينافس مرشحا لحزب أكبر، بينما يمكن لتغيير مرشح أو انتقاله من حزب إلى آخر أن يعيد ترتيب موازين القوى التي أظهرتها انتخابات 2021.
دون أن ننسى ظاهرة حزب “العدالة والتنمية” الذي عاد بقوة إلى الساحة بخطاب معارضة قوي، وهو تجسده اليوم تجمعاته الانتخابية التي تنبئ بأن نتائج الحزب قد تحمل مفاجئات غير متوقعة.
الرهان ليس فقط على الحزب الأول
لهذا السبب يصعب اختزال الانتخابات المقبلة في سباق على المركز الأول وطنيا.
قد يتصدر حزب معين مجموع الأصوات أو المقاعد، لكن الفوارق بين الأحزاب في عدد المقاعد قد تتقرر في عشرات الدوائر عبر المقاعد الأخيرة.
وهنا تصبح المشاركة عاملا حاسما، فالحزب الذي يملك قاعدة انتخابية منظمة وقادرة على التصويت قد يستفيد من ضعف المشاركة أكثر من حزب يعتمد على ناخبين مترددين أو على توسيع قاعدة التصويت.
وتزداد أهمية ذلك مع تراجع عدد المسجلين وتغير تركيبة الهيئة الناخبة.
فالانتخابات لا تجري في دائرة وطنية واحدة، وإنما في 92 دائرة محلية، لكل واحدة منها عدد مختلف من المقاعد، وتركيبة سكانية خاصة، ومرشحون وشبكات انتخابية وموازين قوى مختلفة.
من 102 مقعد إلى سؤال الأغلبية
تظل نتيجة انتخابات 2021 نقطة الانطلاق لفهم السباق الحالي، لكنها لا تحدد نهايته.
فالأحرار يدخلون الانتخابات بوصفهم الحزب الذي تصدر انتخابات 2021، بينما يسعى الأصالة والمعاصرة والاستقلال إلى الحفاظ على مواقعهم أو تعزيزها، وتخوض أحزاب مثل الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري معارك للحفاظ على حضورها البرلماني.
أما العدالة والتنمية، الذي كان قد تصدر انتخابات 2016 بـ125 مقعدا، فيسعى إلى استعادة جزء من حضوره بعد تراجعه الحاد في 2021 إلى 13 مقعدا.
لكن السؤال الأكبر لا يتعلق فقط بمن سيتصدر، بل بكيفية توزع المقاعد بين القوى الرئيسية وما إذا كانت النتائج ستبقي موازين الأغلبية الحكومية الحالية أم ستعيد تركيبها.
انتخابات أقل مسجلين وأكثر مرشحين
تقدم انتخابات 23 شتنبر مفارقة واضحة؛ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية انخفض بأكثر من 12 في المائة مقارنة بـ2021، بينما ارتفع عدد اللوائح والمرشحين، رغم انخفاض عدد الأحزاب المشاركة.
ففي 2021 كان هناك 31 حزبا و1704 لوائح و6815 مرشحا، بينما تضم انتخابات 2026 نحو 1850 لائحة و7288 ترشيحا.
وتكشف هذه الأرقام عن انتخابات أكثر ازدحاما من حيث المنافسة، لكنها تجري داخل هيئة ناخبة أصغر، وفي ظل نظام انتخابي يجعل توزيع الأصوات لا يقل أهمية عن حجمها.
لهذا فإن الخريطة الحقيقية للانتخابات لن تظهر فقط من خلال ترتيب الأحزاب على المستوى الوطني، وإنما من خلال 92 معركة محلية، بعضها أكثر استقرارا وبعضها الآخر مفتوح حتى الساعات الأخيرة قبل إغلاق صناديق الاقتراع.
وقد لا يكون الفارق بين الفوز والخسارة في عدد من الدوائر كبيرا. فقد تحسم مئات الأصوات، وربما أقل في بعض الحالات، هوية المقعد الأخير.
وفي النهاية، فإن انتخابات 23 شتنبر ليست فقط اختبارا لشعبية الأحزاب، بل اختبار لقدرتها على تحويل هذه الشعبية إلى أصوات، وتحويل الأصوات إلى مقاعد.
ومن هنا سيكون السؤال الأكثر دلالة ليلة النتائج ليس فقط؛ من تصدر الانتخابات؟ بل؛ أين تغيرت موازين القوى، ومن انتزع المقاعد الأخيرة، ومن استطاع أن يحول قاعدة انتخابية محدودة إلى حضور برلماني أكبر؟
