ما فائدة الانتخابات؟
توطئة:
آراء أخرى
في إطار الحاجة إلى تفكيك “وهم الاختيار” الذي ينتاب البعض من المواطنين عند اقتراب موعد كل استحقاق انتخابي بالمغرب، وبصفتي مواطنا يحترم حقه السياسي في التصويت في الانتخابات التي تنظمها بلادنا منذ ما يقرب ثلاثة عقود من السياسة الانتخابية عمليا، وبصفتيى – أيضا – كباحث يطلع – ومطلع – على العديد من النظريات والأدبيات السياسية للانتخابات علميا، أجد نفسي اليوم، ونحن على مشارف استحقاقات 23 شتنبر 2026، أمام حتمية طرح السؤال الصادم، المباشر والمزعج في آن واحد: ما فائدة الانتخابات؟
هذا التساؤل الإشكالي – في نظرنا – لم يعد حِكرا على طاولات المقاهي أو النقاشات الشعبية العابرة عبر الشارع العام أو في تجمعات الأزقة المتقاربة أو في قمرية الدواوير البعيدة؛ بل، أصبحت له وجاهة، تفترض طرحه ضمن الإشكالية الديمقراطية في المغرب بصفة عامة.
ويمثل هذا التساؤل، بالنسبة لي، ومن خلال طرحه في هذه الظرفية التي تتسم بالتنافس الشديد عبر الحملات الانتخابية للأحزاب السياسية التي تستعد لدخول معترك صناديق الاقتراع ليوم 23 شتنبر 2026، تساؤلا مصيريا مركبا ومعقدا، إذ يفتح الباب على مصراعيه، ونحن نتبنى التحليل النقدي الرصين، ضد الخطاب التقليدي الذي يختزل العملية الديمقراطية في صناديق الاقتراع وتوزيع المقاعد وقياس نسب المشاركة السياسية في الاستحقاقات الانتخابية فقط.
ومن هذا المنطلق، نعتمد في هذه المقالة البسيطة، إشكالية تنطلق من محاولة لفهم التوتر الحاد بين الشرعية الانتخابية التي تفرزها الصناديق والشرعية الإنجازية التي غالبا ما تصنع خارج الصناديق؛ وذلك، من خلال طرح التساؤل الإشكالي الآتي: هل لا تزال الانتخابات في المغرب تشكل آلية حقيقية للتداول على السلطة السياسية ولتغيير السياسات العامة أم أنها انزلقت لتصبح مجرد طقس دوري لتجديد النخب وإعادة إنتاج مشروعية النسق السياسي بوجوه جديدة؟
إننا نسعى، من خلال هذه المحاولة، عموما، إلى النبش – إن صح التعبير – في الأسباب العميقة التي تجعل المواطن المغربي، يتساءل: لماذا يجب أن أصوت إذا كانت مخرجات السياسات العامة والقرارات الاستراتيجية، محددة سلفا؟ وكيف ينعكس هذا الخلل على العقد الاجتماعي والأخلاقي الذي يربط الدولة بالمجتمع (المواطنين)؟
أولا: هل نحن أمام سياسة بلا سلطة تحاول أن تضبط أكثر مما تدبر؟
من الزاوية المؤسساتية، وفي تحليلنا للنسق السياسي المغربي، نسجل أن العملية الانتخابية تخضع لما يمكن أن نسميه بـ هندسة الضبط. فالقوانين الانتخابية، وعلى رأسها القاسم الانتخابي على أساس المسجلين، لا ينبغي قراءتها كتقنيات قانونية محايدة، وإنما قراءتها كأدوات سياسية بامتياز، تمت هندستها بدقة لمنع أي هيمنة حزبية مفرطة مع ضمان “بلقنة” الخريطة السياسية التي ستفرزها الانتخابات. هذه البلقنة – في نظرنا – ستفرض تشكيل تحالفات حكومية هجينة ستفتقد للتجانس الإيديولوجي؛ الأمر الذي سيسهل عملية توجيهها والتحكم في إيقاعها من طرف مؤسسات الدولة العميقة.
ولعل أخطر ما نرصده، في هذا الصدد، هو تنامي ثنائية السياسي والتكنوقراطي. فنحن نشهد مسارا حثيثا نحو إفراغ المؤسسات المنتخبة من سلطتها الفعلية لصالح فاعلين تكنوقراط أو لجان استراتيجية عليا غير منتخبة. وهذا الوضع، هو ما سيحول الفاعل السياسي المنتخب إلى مجرد منفذ أو مدافع عن سياسات لم يشارك في صياغتها، مما يقد يسقط الجدوى من البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية التي تتحول إلى مجرد واجهات لا تملك سلطة القرار على الملفات الاستراتيجية.
لقد تخلت الأحزاب السياسية عن أدوارها الدستورية والتاريخية في التنشئة السياسية والتأطير المجتمعي، وتحولت إلى آلات انتخابية براغماتية، تستيقظ من سباتها أشهرا قليلة قبل الاقتراع، لتعود إلى ثلاجة التجميد بمجرد إغلاق المكاتب وإعلان النتائج، تاركة المواطن في مواجهة مباشرة مع الدولة. وهو ما ينتج عنه مباشرة أزمة في الوساطة.
ثانيا: هل أضحت الانتخابات اليوم تنظر إلينا بصفة الزبون عوض صفة المواطن؟
في إحدى بحوثنا السابقة على مستوى دائرة انتخابية بالمغرب العميق، خرجنا بخلاصة مفادها أن علاقة الناخب بالمنتخب تحكمها حلقة مفقودة من آليات الوساطة القيمية والأخلاقية والإنسانية التي من المفترض أن تنتصر للمواطنة بدل الانتصار لنظرة تكرس الزبونية اللحظية أو الزمنية. ففي الميدان، تتضح لنا صورة أخرى أشد تعقيدا. إننا نشهد تحولا بنيويا في طبيعة الفعل الانتخابي، حيث يتم الانتقال تدريجيا من مفهوم المواطن الذي يصوت بناء على قناعات فكرية ومشاريع مجتمعية وبرامج حزبية موضوعية ومعقولة، من المفترض أن تتضمن مقترحات الاستجابة لحاجيالته ومطالبه إلى مفهوم الزبون الذي يصوت بناء على منافع آنية.
لقد أفرز هذا التحول ظاهرة عودة الأعيان وخصخصة السياسة الحزبية بشكل كبير والسياسة العمومية بشكل أكبر. وقد أضحى الفاعل الحزبي، مع هذه الحالة، يبحث عن رجل الأعمال أو العراب المحلي الذي يمتلك الرصيد المالي والشبكات الزبونية والعشائرية لضمان المقعد، بدلا من المناضل المتدرج في صفوف الحزب. هذا الاختراق المالي للسياسة حوّل الانتخابات من صراع إيديولوجي حول كيفية تدبير الشأن العام إلى سوق لتوزيع الموارد والمنافع المحلية. بل، ووضعنا أما اقتصاد للسياسة يوزن بمقدار المنفعة المحققة من جرعات الزبونية والمحسوبية والرشوة.
وفي مقابل هذا “الزبائنية”، إن صح التعبير، يبرز سلوك اللا-مشاركة أو العزوف الانتخابي، خاصة لدى الشباب والطبقة المتوسطة في المجالات الحضرية أكثر. وكباحثين مهتمين بمجالات علم اجتماع السياسة، لا نعتبر هذا العزوف مجرد لامبالاة أو نقص في الوعي، بل نقرأه كفعل سياسي بامتياز، وكتصويت عقابي صامت واحتجاج عقلاني على قواعد اللعبة السياسية المغلقة حزبيا وعموميا.
ولهذا، تجدر الإشارة إلى أنه عندما يتأكد الناخب من أن صوته لن يغير من واقعه المعيشي شيئا، فإنه سيختار الانسحاب كطريقة لسحب الشرعية من عرض سياسي لا يمثله. وهكذا – في نظرنا – ستتراجع بعض سرديات التصويت العقائدي (سواء للإسلام السياسي أو لليسار) لصالح التصويت المصلحي الضيق ما لم نشهد انسحابا كليا من الحقل السياسي الرسمي، ولاسيما للشباب والنساء.
ثالثا: هل نفتقد إلى تعاقد ديمقراطي بمنطق الأخلاق السياسية؟
لا يمكننا كباحثين أن نكتفي بالتحليل الهيكلي والسوسيولوجي، دون التوقف عند بعد غالبا ما يتم تهميشه، وهو الأخلاق السياسية. إن الإجابة عن سؤال: ما فائدة الانتخابات؟ يصطدم اليوم أيضا بانهيار مريع في منظومة القيم التي تؤطر الفعل السياسي والحزبي في المغرب.
ويتجلى هذا الانهيار – في نظرنا – أساسا، في ظاهرة الترحال السياسي، حيث يتنقل المرشحون بين الأحزاب (ذات التوجهات المتناقضة أحيانا) عشية الانتخابات بحثا عن التزكية أو عن الحزب الأوفر حظا للوصول إلى ممارسة السلطة السياسية. وهذا السلوك الانتهازي، يضرب في مقتل مفهوم الالتزام الحزبي، ويرفع من الكلفة الأخلاقية للعملية السياسية، مما يؤدي إلى اغتيال ما تبقى من ثقة الناخب في المؤسسات الحزبية. وهنا، المفارقة الكبيرة التي قد يفتطن إليها حتى المواطن البسيط وهو يتساءل في استغراب: كيف يمكنني أن أثق في وعود مرشح يخون مبادئ حزبه لأجل مقعد؟
إلى جانب ذلك، نرصد ظاهرة التضخم الكلامي ولغة الوعود المبالغ فيها. إن لجوء الأحزاب إلى تقديم وعود انتخابية خيالية (ملايين مناصب الشغل وزيادات خيالية في الأجور… الخ)، وهي تدرك تماما استحالة تحقيقها في ظل الإكراهات الاقتصادية وبنية الميزانية العامة، يعد إخلالا فادحا بالتعاقد الأخلاقي. وهذا السلوك يخلق – في نظرنا – حالة من اليأس السياسي كما يحول الأمل الانتخابي إلى شعور بالخديعة والخيانة بمجرد تشكيل الحكومة بصفة عامة.
إن البيئة السياسية الحالية، تمجّد الميكيافيلية وتعتبر البراغماتية المفرطة معيارا للنجاح والنجاعة على حساب المبادئ والوضوح الأخلاقي؛ وهو، ما يفرغ الديمقراطية – في نظرنا – من نبلها السياسي والأخلاقي.
رابعا: وماذا عن رهانات الاستحقاقات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026؟
إذا أسقطنا هذا التحليل النقدي على السياق القادم، فإن استحقاقات 23 شتنبر 2026 لن تكون مجرد محطة عادية، بقدر ما ستشكل مختبرا للتحولات وامتحانا عسيرا لصلابة النسق السياسي المغربي بمؤسساته ونخبه ومواطنيه.
فهذه المحطة الانتخابية المهمة، تأتي في سياق وطني مثقل بالأزمات المركبة: تداعيات التضخم وضرب القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة والفقيرة، أزمة الإجهاد المائي الهيكلية التي تهدد السلم الاجتماعي في القرى وهوامش المدن، بالإضافة إلى التحولات الديموغرافية العميقة والآثار المستمرة لإعادة الإعمار بعد زلزال الحوز وفيضانات الشمال…الخ؛ كل هذه العوامل ستشكل المزاج الانتخابي لسنة 2026.
إن التحدي الأكبر أمام العرض الحزبي الحالي هو محاولة مشاكسة السؤال الاستنكاري الآتي: هل تمتلك الأحزاب السياسية المتنافسة القدرة على ابتكار سردية جديدة تقنع المواطن المحبط بالتوجه إلى صناديق الاقتراع؟
الواقع يشير إلى صعوبة ذلك، خاصة مع تنامي قنوات التعبير البديلة. لقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا) إلى برلمان موازٍ وحقيقي، يتم فيه إسقاط قرارات وتشكيل رأي عام مع محاسبة المسؤولين بفعالية تتجاوز قبة البرلمان الرسمي.
إن السيناريوهات المحتملة والمتداولة، بصفة عامة حول الاستحقاقات التشريعية المقبلة، وبناء على المعطيات السوسيولوجية والسياسية الراهنة، تنذر بتكريس عزوف الطبقات الحضرية الواعية مع استمرار هيمنة آلة التصويت في البوادي والهوامش، حيث تلعب شبكات الأعيان والولاءات القبلية والمنافع المباشرة دورها المعتاد في حشد التأييد للمشاركة في اختيارها. وهذا السيناريو قد يفرز مؤسسات ضعيفة التمثيلية، تفتقد للشرعية الشعبية الكافية لاتخاذ قرارات مصيرية، قد تتطلبها إدارة أزمات المستقبل القريب كما المتوسط أو البعيد (كأزمة المياه أو إصلاح أنظمة التقاعد والدعم أو دعم القدرة الشرائية لأغلب الأسر المغربية).
خاتمة:
هل نحن قادرون على استعادة الثقة مرورا بتمثل المعنى وصولا إلى إعادة بناء المشروعية؟
في الختام، وبناء على ما سبق تحليله ومناقشته، يمكننا كباحثين في علم السياسة وسوسيولوجيا السياسة، تقديم إجابة مزدوجة علن سؤالنا الاستنكاري السابق: ما فائدة الانتخابات؟
– أولا، بالنسبة للنسق السياسي، الانتخابات لها فائدة كبرى؛ فهي صمام أمان، وطقس ضروري لتجديد شرعية الواجهة وإعادة ترتيب توازنات القوى بين النخب وتنفيس الاحتقان الاجتماعي عبر صناديق الاقتراع بدلا من الشارع.
– ثانيا، بالنسبة للمواطن وللسياسات العامة، فإن فائدة الانتخابات، تتضاءل وتتآكل يوما بعد يوم. فطالما تستمر هندسة الضبط المفرط وتغول التكنوقراطيين على حساب السياسي المنتخب مع سيطرة منطق الأعيان على الأحزاب ثم غياب الأخلاق السياسية، فإن الانتخابات ستظل مجرد وهم للاختيار.
ولهذا، فإن محطة 23 شتنبر 2026، يجب – في نظرنا – ألا تقرأ كأرقام وإحصائيات أو كنسب مئوية، بقدر ما يجب أن ينظر إليها كجرس إنذار مبكر ما لم يكن الجرس الأخير. فالديمقراطية، اليوم، ليست مجرد صناديق اقتراع، وإنما هي تعاقد يربط صوت المواطن بالتغيير الذي يخدم المصلحة العامة لكافة أبناء الوطن. أما استعادة ثقة المغاربة في العملية الانتخابية فلا أعتقد أنها ستتحقق ما بين انتخابات وأخرى، من خلال الدعوات إلى التسجيل المكثف في لوائح الانتخابات، بقدر ما ستتحقق عن طريق نظرة تقعيدية نقدية إلى الذات السياسية، تعيد بناء قناعاتها السياسية على أسس إنسانية أخلاقية ومجتمعية مواطنة وليس زبونية، فتهدف إلى إعادة المشروعية الفعلية للمؤسسات التي تنتخب باسم الشعب، مع تطهير الحقل الحزبي من تجار الانتخابات ودكاكينها اللحظية. أما ما دون ذلك، فسنكون أمام استحقاقات قد تزيد من توسع الهوة بين الدولة والمجتمع من جهة، كما ستؤكد للراعبين في اللامشاركة – أو للمقاطعين – بأن صمتهم كان أبلغ من أوراق التصويت من جهة أخرى. وأنداك، ستكون الدولة كما المجتمع، كلاهما خاسرا.
ولتفادي الخسارة التي لا يتمناها كل عاقل لأحد، وفي سبيل بناء خارطة طريق عملية تعيد المياه إلى مجاريها بين المواطن وصناديق الاقتراع، نقترح – من وجهة نظرنا – العمل على:
– أولا، إعادة الاعتبار للفعل السياسي عبر تحريره من هندسة الضبط المفرط ووصاية التكنوقراطيين. أما صانع القرار والقيادة فهما مطالبان اليوم بالانتقال من منطق التحكم في المخرجات إلى منطق الثقة في الإرادة الشعبية؛ وهو، ما يقتضي تمكين المؤسسات المنتخبة من سلطة حقيقية، تمنح ورقة التصويت وزنا فعليا في رسم السياسات العامة وتغيير واقع المواطنات والمواطنين نحو الأفضل دائما.
وبالموازاة مع ذلك، لابد من إحداث رجة عميقة داخل البنيات الحزبية لتطهيرها من زبائنية الأعيان والترحال الانتهازي مع ضرورة إعادتها إلى سكتها كمدارس للتنشئة ومؤسسات للوساطة، تفرز نخبا قادرة على صياغة تعاقدات مجتمعية، تجيب عن الأزمات الهيكلية بوضوح ومسؤولية تامة.
– ثانيا، تأسيس عقد أخلاقي جديد، ينهي النظرة التبادلية الضيقة، بين الناخب والمرشح/ المنتخب، على مستوى العملية الانتخابية عامة؛ حيث يرتقي المواطن من موقع الزبون الباحث عن منفعة شخصية آنية إلى مقام الفاعل الشريك في بناء مصير هذا الوطن العزيز.
وعندما سيحس المغاربة بأن الاستحقاقات القادمة ليست مجرد مسرحية لإعادة إنتاج نفس الوجوه والسياسات من جهة، وأنها أداة حقيقية لإحداث التغيير الإيجابي في حياتهم وواقعهم السياسي من جهة اخرى، فإن الجميع سيكون – أكيد – رابحا: فالشعب سيستعيد كرامته الديمقراطية وأمله في التغيير المؤسساتي السلمي، والنسق السياسي سيكتسب مناعة قوية تحميه من احتقان الشارع ومفاجآته، والنخب الحاكمة ستستند إلى جبهة داخلية متراصة وشرعية شعبية متينة قادرة على مواجهة كل التحديات المستقبلية والرهانات الحالية أيضا.
بعد كل هذا، لا يزال هناك – في نظرنا – تساؤل أخير: هل تمتلك النخب الحزبية والإدارية الحالية، فعلا، الإرادة السياسية الحقيقية للتخلي عن مكاسبها الضيقة وتفعيل خارطة الطريق هذه قبل فوات الأوان؟
** أستاذ القانون العام والعلوم السياسية
كلية العلوم القانونية والسياسية – أيت ملول
جامعة ابن زهر – اكادير
