ما وراء الهروب الكبير إلى الشمال!
لنتفق من البداية، وقبل الخوض، تلميحاً أو تصريحاً، في أسباب وخلفيات هذا النزوح الجماعي المغربي الهائل نحو مدينة سبتة المحتلة، ولاحقاً نحو الثغر الآخر المحتل مليلية، على أن هذا الهروب الكبير للمغاربة، الذي حدث يومي الأربعاء والخميس الماضيين (29 و30 يوليوز 2026)، هو رسالة غير مشفرة وواضحة القراءة، وجواب مزدوج إلى الدولة والحكومة:
آراء أخرى
أولاً، إلى الدولة، بينما رمزها الأول، ملك البلاد، يحتفي ومعه الشعب المغربي قاطبة بالذكرى 27 لتوليه الحكم، وهو القائل سابقاً إن المغرب يمشي بسرعتين، معلقاً على التنمية التي لا تشمل كل نواحي البلاد وكل الشعب المغربي، وهو المبشر أيضاً في خطاب ذكرى عيد العرش الحالية بإطلاق “دورة جديدة في المسار التنموي بعد الانتخابات المقبلة وتشكيل حكومة جديدة”، يكون شعارها “تحصين المكاسب ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى”، كما قال الملك في خطاب يوم العرش لهذه السنة.
ومن المتفق عليه والمؤكد أن لا إصلاحات تكون معتبرة وذات فائدة على المواطن ما لم تكن تستهدف عيشه وأمنه الاجتماعي والاقتصادي ومستقبله، وهو ما لن يتحقق دون عدالة اجتماعية وتوزيع عادل للثروة.
ثانياً، الجانب أو الوجه الآخر من رسالة النزوح الكبير للمغاربة نحو الثغور المحتلة يستهدف الحكومة الوشيكة المغادرة، والتي يترأسها رجل أعمال، وتضم العديد من أمثاله من أصحاب البزنس، بمن فيهم الطارئون الذين دخلوا عالم رجال الأعمال بمجرد استوزارهم أو بالموازاة مع ذلك.
وهي الحكومة التي لم يتوانَ أعضاؤها، وأولهم الباطرون الأول (الرئيس)، في الاستغلال السيئ للمنصب/السلطة، والجمع بين هذه الأخيرة والثروة، وتفويت مشاريع وصفقات عمومية إلى شركات شخصية وعائلية، بل والدفاع عن ذلك بكل صفاقة ومن تحت قبة البرلمان.
فنجح أعضاء هذه الحكومة نجاحاً باهراً في الاستفادة من الريع الحكومي، بينما فشلوا فشلاً ذريعاً في خلق أي ثروة أو فرص شغل كافية للمواطنين، لترتفع البطالة وتضيق آفاق الشباب وتتحول أحلامهم إلى يأس وكوابيس، في تهديد صارخ للسلم الاجتماعي.
إن الحكومة، أو الحكومات التي فشلت، ومنذ سنوات، في تنظيم حتى فرص الشغل الموجودة ـ رغم عدم كفايتها في استيعاب جيوش العاطلين ـ كما هو الحال، مثلاً، في قطاع الأمن الخاص الذي يشغل آلاف الشباب مقابل أجور زهيدة وغير قانونية، وفي ظروف قاسية (12 ساعة في اليوم)، وبدون الحد الأدنى من الحقوق الاجتماعية، كالحق في الضمان الاجتماعي والعطل وغير ذلك…
وكما هو الشأن أيضاً بالنسبة لشركات “الكابلاج” (أسلاك وأجزاء السيارات) التي تشغل هي الأخرى آلاف الشباب في ظروف وشروط عمل مزرية، مع الحرمان من العديد من الحقوق…
هذه الحكومة العاجزة أو المتهاونة أو الفاشلة حتى في تقنين الموجود من إمكانيات وفرص تشغيل الشباب، هي حتماً حكومة لن تقود الشباب إلا إلى اليأس والإحباط، وإلى البحث عن فرص شغل وأفق أرحب فيما وراء البحار، وحتى لو وصلوا إلى ذلك عبر المخاطرة بركوب البحر سباحة.
ولذلك، فإن أحداث الاقتحام الجماعي للحدود الوهمية لمدينة سبتة يومي الأربعاء والخميس، ولاحقاً ما شهدته أيضاً حدود مليلية، تبرز إلى أي حد تعيش شرائح واسعة من المواطنين المغاربة، في مغرب الهامش وبعيداً عن مغرب المشاريع والإصلاحات الكبرى التي تشهدها البلاد على علاتها؛ لتبقى هذه الفئات المجتمعية على أهبة مغادرة أرض الوطن، وتتحين فقط الفرصة المواتية، ولا يهم كيف ومتى يتم ذلك.
وهو ما نقلته مقاطع الفيديو التي انتشرت كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي، وتظهر مواطنين حفاة عراة، وآخرين يصطحبون أبناءهم معهم، ومنهم حتى من أركب على ظهره والدته العجوز، متجهين إلى المجهول، ولكن إلى حيث اعتقدوا ويعتقدون أنه قد يكون ملاذاً لهم من أوضاع صعبة يعيشونها في بلادهم.
وبكل أسف وحزن، ومن سريالية المشهد المغربي، فإنه عندما كان الملك محمد السادس يلقي خطابه مساء الأربعاء بمناسبة الذكرى 27 لتربعه على العرش بالمملكة، ويتابعه ملايين المغاربة، بمن فيهم المسؤولون عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المزرية لملايين المغاربة، كان ملايين آخرون من المغاربة يتابعون مشهداً دراماتيكياً على الحدود الوهمية مع سبتة المحتلة، يُظهر آلاف المغاربة يقتحمون السياجات الفاصلة مع الجانب الآخر الإسباني، هرباً من أوضاعهم الصعبة، وأملاً في غد أفضل لم توفره لهم حكوماتهم المتعاقبة.
والأنكى والأمر أن خطاب الملك لهذه السنة تضمن الحديث عن الأمل واليأس بين المغاربة، عندما قال: “إننا نعيش اليوم مرحلة فاصلة في المسار التنموي ببلادنا، حيث يجب أن تسود روح الثقة والتفاؤل، على خطابات اليأس والإحباط”، وهو ما ذكره الملك أيضاً في خُطب سابقة، ما يعني أحد أمرين؛ إما أن الأجهزة الأمنية الخاصة لا ترفع التقارير على حقيقتها إلى رئيس الدولة/الملك، وإما أن الجهات المختصة، ومنها المؤسسات الدستورية، كالمندوبية السامية للتخطيط والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، تقدم للرأي العام تقارير يغلب عليها اللون الرمادي القاتم الذي يرغم الناس على التشاؤم، بينما تقدم نفس المؤسسات للملك تقارير أخرى معدلة ووردية لا تعكس الواقع؛ لأن الأرقام الرسمية المتوفرة لا تدعو الشباب إلى الاطمئنان والعيش على أمل تحسين أوضاعهم.
ومن بين ذلك ما أعلنت عنه المندوبية السامية للتخطيط من أن معدل البطالة، مثلاً، في صفوف الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 سنة بلغ 29,2%، وفقاً لآخر بيانات المندوبية الصادرة في شهر ماي 2026 والمتعلقة بالفصل الأول من السنة الجارية.
وهي نفس المؤسسة الرسمية التي تميط أرقامها اللثام عن أن نحو 2.9 إلى 4 ملايين شاب (بين 15 و29 سنة) يتواجدون خارج منظومات التعليم والشغل والتكوين.
وفي نفس السياق أيضاً، كشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في تقارير حديثة له عن أن هناك أزمة اندماج اجتماعي في صفوف الشباب المغربي، مشدداً على ضيق آفاق العمل والتعليم الجيد كعوائق رئيسية تحول دون تحقيق أحلام الاستقلالية المادية والاستقرار لهؤلاء.
فالملاحظ والمؤكد، وما تؤكده الأرقام، هو أن الإصلاحات الاقتصادية الكبرى التي يقوم بها المغرب، وما يتحقق من أرقام إيجابية في مجالات البنية التحتية والاستثمار والنمو الاقتصادي، لا ينعكس بالإيجاب على كافة شرائح المجتمع، بل إنما يزيد من حجم الهوة بين فئات المواطنين المختلفة، فيوسع أكثر فئات الأثرياء، ولاسيما منهم القريبون والمستفيدون من ريع السلطة، في مقابل توسيع أيضاً قاعدة المهمشين المبعدين من الانخراط في تنمية البلاد والاستفادة، بالنتيجة، من ثرواتها.
وإذا كان هذا هو الجانب الأكثر سهولة ويسراً للقراءة، والذي لا يتطلب كثير عناء في تفسير النزوح الكبير للمغاربة عشية عيد العرش وفي يوم الذكرى، فإن الجانب الخفي من الأزمة التي اندلعت على الحدود الوهمية مع سبتة ومليلية يتطلب منا تركيب عناصر مختلفة لفهم المشهد ككل، لا سيما أمام صمت القبور الذي أبانت عنه الحكومة المغربية، حيث لم يصدر عنها أي بيان أو توضيح للرأي العام لما جرى يومي الأربعاء والخميس، وحتى ليلة السبت-الأحد، ولو من باب “إنا لله وإنا إليه راجعون” ترحماً على موتى عملية النزوح الذين بلغ عددهم زهاء الـ70.
وكذلك كان أيضاً تعامل الإعلام الرسمي مع الأحداث، حيث تعمد التعتيم، علماً أن العالم بأسره تطرق إلى الموضوع، بل وذهب ساسة كبار ومسؤولون دوليون إلى تفسير ذلك بتحولات جيوسياسية مقبلة عليها المنطقة ككل.
وفي ظل ما صدر عن المسؤولين الإسبان من أخبار، والذين وحدهم جعلوا المغاربة يعلمون أن حكومتهم الصامتة الغائبة في المشهد توصلت مع نظيرتها الإسبانية إلى اتفاق استثنائي مساء الخميس يقضي بالإعادة الجماعية والفورية لجميع المهاجرين الذين دخلوا سبتة بطرق غير قانونية خلال ساعات، وهو ما يفيد، على الأقل، أن هناك مسؤولين مغاربة على قيد الحياة يعيشون بيننا وفي ديارنا.
لكن هذا الصمت القاتل والرهيب يطرح أكثر من علامة استفهام حول الأهمية والقيمة التي يمثلها المواطن المغربي بالنسبة لحكومة من المفترض أنها تمثله، لأنه هو من انتخبها وتتقاضى أجورها من المالية العامة.
إن استحضار أحداث مشابهة عرفتها السنوات القليلة الماضية، وخاصة ما تابعناه منذ العام 2021، عندما اجتاح أيضاً بضعة آلاف من المرشحين للهجرة غير الشرعية (نحو 8 آلاف)، غالبيتهم مغاربة، الأسلاك الحدودية لمدينة سبتة، قد يسعفنا في محاولة فهم ما يجري بيننا وبين الإسبان.
ففي ذاك العام، استقبلت إسبانيا رئيس جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، بهوية مزورة لتلقي العلاج من فيروس كورونا دون إخطار المغرب، وهو ما يبدو أن الاستخبارات المغربية قد سربته إلى العلن، فنشرته وسائل الإعلام المختلفة.
ما اعتُبر وقتئذ طعنة من شريك استراتيجي وتنكرًا لمصالح المغرب العليا المتعلقة بملف الصحراء، فتفجرت أزمة دبلوماسية صامتة بين الرباط ومدريد سرعان ما ظهرت إلى السطح بعد تخفيف المراقبة الحدودية ونزوح آلاف المرشحين للهجرة إلى سبتة، واضطرار مدريد إلى إعلان حالة طوارئ ونشر عناصر من الجيش بالمدينة الخاضعة للإدارة الإسبانية.
وبالرغم من التضامن الواسع والدعم الكبير الذي لقيته مدريد حينها من الاتحاد الأوروبي، الذي اعتبر أن حدود سبتة هي حدود خارجية للاتحاد، فإن المغرب لم يتردد هو الآخر وقتها في التصعيد، وكان لافتاً أن يدلي وزير خارجيته السيد ناصر بوريطة لوسائل إعلام فرنسية حينها بتصريحه الشهير بأن “المغرب ليس شرطياً لأوروبا ولا حارساً لحدودها”.
وهو التصريح الذي يعني الكثير، ولاسيما عند الأوروبيين الذين ما لبثوا أن التقطوا الرسالة المغربية الصارمة وأخذوها على محمل الجد، فأجرت مفوضة الاتحاد الأوروبي المكلفة بالبحر الأبيض المتوسط، دوبرافكا شويتسا، اتصالاً ببوريطة، أشادت على إثره بالتحرك السريع للمغرب وتعاونه الوثيق لإعادة المهاجرين غير النظاميين وفقاً للقوانين الجاري بها العمل.
لكن أكبر وأهم ما ترتب عن تلك الأزمة هو ما شهدته العلاقات بين مدريد والرباط أشهراً قليلة بعد تلك الأحداث، حيث أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في مارس 2022 عن دعم بلاده رسمياً لمبادرة الحكم الذاتي المغربية كأساس جدي وواقعي لحل نزاع الصحراء، وهو ما اعتُبر تحولاً تاريخياً في الموقف الإسباني وانتصاراً دبلوماسياً كبيراً للرباط، وبالمقابل أغضب ذلك الجزائر التي سحبت سفيرها من مدريد احتجاجاً على الموقف الإسباني الجديد.
وتكاد اليوم نفس عناصر ألوان الطيف تخيم على المشهد، وبتشابه أكثر وببعض الفوارق فقط؛ حيث تفجرت أزمة الاقتحام الحالية أياماً قليلة بعد زيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر، وهي الزيارة التي، وإن لم تتجاوز ساعات قليلة، فإنها كانت عنواناً ومنعطفاً بارزاً لعودة العلاقات بين البلدين إلى سابق عهدها لما قبل مارس 2022.
وهو ما ترجمه عملياً قرار الجزائر بالزيادة في نسبة إمدادات الغاز لإسبانيا، حيث اتفق المسؤول الإسباني مع الرئيس الجزائري على رفع حجم صادرات الغاز إلى إسبانيا بنسبة تتراوح بين 10% و15%، وكانت مدريد تطمح إلى زيادة تتراوح بين 20% و25%، إلا أن القدرة الإنتاجية للجزائر لم تسعف في ذلك.
مع الاتفاق أيضاً على الرفع من السعر، ولكن بسقف لا يتجاوز 10%. وطبعا، بالنسبة لبعض التأويلات، لن يكون هذا السخاء الجزائري هباءً منثوراً ومن دون مقابل، وإنما لابد من مكافأة إسبانية ورد التحية بمثلها أو أفضل منها.
وبالنسبة للنظام الجزائري، لا يهمه رفع ضخ الغاز ولا العائد المالي أكثر من إعادة النظر في الموقف من الصحراء، بالرغم من أن الرئيس الجزائري نفسه صرح لوسائل إعلام بلاده بعد زيارة رئيس الحكومة الإسبانية بأن مدريد لم تتخل عن موقفها من الصحراء، وأن كلاً من الجزائر وإسبانيا تحتفظان بموقفهما من هذا النزاع.
بيد أن حدثاً عرفته المنطقة مؤخراً قد يكون ألقى بظلاله على العلاقات بين إسبانيا والمغرب، ويتعلق الأمر بالتوقيع منتصف شهر يوليوز الماضي على اتفاقية معاهدة جبل طارق بين كل من وزير خارجية إسبانيا ورئيس وزراء جبل طارق ومفوض الاتحاد الأوروبي للتجارة ووزير الدولة البريطاني لشؤون أوروبا.
وقد بدأ التطبيق المؤقت والفعلي للاتفاقية وإزالة السياج الحدودي بين إسبانيا وجبل طارق رسمياً عند منتصف ليلة الأربعاء 15 يوليوز 2026؛ وهي المعاهدة التي جاءت تتويجاً لاتفاق سياسي مبدئي واسع النطاق كان قد أُبرم وتوصل إليه الأطراف في 11 يونيو 2025، بعد مفاوضات شاقة استمرت لسنوات عقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وتقضي المعاهدة بإلغاء وتفكيك السياج الحدودي الفاصل بين جبل طارق وإسبانيا نهائياً، لوضع حد لطوابير الانتظار الطويلة وتسهيل حركة العبور اليومية.
وأبرز ما تضمنه الاتفاق هو إدراج جبل طارق (رغم التبعية البريطانية) ضمن منطقة شنغن للأمن والحرية، ويهدف هذا التغيير الجذري إلى حماية مصالح نحو 15 ألف عامل يعبرون الحدود يومياً، وتحويل المنطقة إلى “ساحة ازدهار اقتصادي مشترك”.
ولكن المثير أكثر في هذه المعاهدة، والذي قد يكون المغرب قد أخذه على محمل القياس والمقارنة مع وضع الجيبين المحتلين سبتة ومليلية، لا سيما في ظل تشابه وضعهما التاريخي مع وضع جبل طارق، هو أن معاهدة جبل طارق الموقعة في يوليوز 2026 نصت صراحة على الفصل التام بين الإجراءات العملية لإدارة الحدود وبين ملف السيادة التاريخية.
وهو ما حافظ على المواقف المبدئية للبلدين دون تغيير؛ حيث تتمسك بريطانيا وحكومة جبل طارق بالسيادة البريطانية الكاملة على الإقليم، والاتفاق لا يغير الوضع القانوني أو الدستوري للصخرة، وتظل القواعد العسكرية البريطانية هناك تحت إدارة لندن الحصرية.
في مقابل أن إسبانيا اعتبرت من جانبها أن المعاهدة هي ترتيب عملي لخدمة الاقتصاد والعمال، وليست اعترافاً بشرعية الوجود البريطاني.
فهل يريد المغرب العمل على دفع إسبانيا إلى تغيير الوضع القائم بمدينتي سبتة ومليلية بفرض اتفاقية أو معاهدة على هذا المنوال، لا تعيد المدينتين إلى المملكة المغربية التي ما فتئت تطالب بهما، ولكن على الأقل لتحريك المياه الراكدة ودفع مدريد لتجاوز مرحلة الجمود والتجاهل؟!
*صحافي وباحث في الاتصال السياسي
