الدولة القابضة: النظام السلطوي الهجين والمؤسسات غير المنتخبة وهندسة المعارضة في المغرب
من البصري إلى عالي الهمة: من الدولة الأمنية إلى شبكات القرب والمستشارين والاقتصاد والأمن وإدارة المجال السياسي
آراء أخرى
ليست هذه المقالة محاولة لإعادة إنتاج مفهوم «الدولة العميقة» كما شاع في الأدبيات السياسية والإعلامية، ولا محاولة لإسقاط نموذج جاهز على الحالة المغربية، وإنما هي محاولة لبناء مفهوم تحليلي أكثر ملاءمة لما يمكن تسميته «الدولة القابضة»؛ أي الدولة التي لا تعتمد في إدارة المجال السياسي على جهاز واحد أو مؤسسة واحدة، وإنما تمارس قدرتها على الإمساك بالمجال عبر تداخل الملكية، والإدارة الترابية، والأمن، والقضاء، والاقتصاد، والدين، والإعلام، والأحزاب، وشبكات القرب، والمؤسسات المنتخبة وغير المنتخبة، والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين.
ومن هنا يصبح السؤال أقل بساطة من سؤال: من يحكم المغرب؟ فالسؤال الأكثر دقة هو: كيف تتوزع القوة داخل الدولة؟ وكيف تنتقل من مؤسسة إلى أخرى، ومن الأشخاص إلى الشبكات، ومن الأجهزة إلى القواعد، ومن القواعد إلى الموارد، ومن الموارد إلى الشرعية؟
هذه المقاربة تفرض الجمع بين المنهج الدياكروني Diachronique الذي يتتبع تحول السلطة عبر الزمن، والمنهج السنكروني Synchronique الذي يفحص كيفية اشتغال البنية في لحظة معينة. ومن هنا تأتي أهمية الملاحظة المنهجية التي تدعو إلى عدم الاكتفاء بالسرد التاريخي، بل الانتقال إلى تحليل البنية والعلاقات والمجال، وهو ما يجعل استدعاء بول باسكون في تحليل المجتمع المغربي والمجال، وإيف لاكوست في الجغرافيا السياسية، مفيداً، مع الاستفادة في الوقت نفسه من المقاربات الأنجلوسكسونية حول الأنظمة السلطوية التنافسية والأنظمة الهجينة، ومن أعمال Juan Linz وSteven Levitsky وLucan Way وAndreas Schedler، إلى جانب غرامشي وفوكو وبورديو وأرندت وغوفمان وكاستلز، ثم علم النفس السياسي والدراسات المستقبلية.
أولاً: من الدولة الأمنية إلى الدولة القابضة؛ البصري والهمة وإعادة توزيع السلطة بين المؤسسات المنتخبة وغير المنتخبة وشبكات القرب
يصعب فهم التحول السياسي المغربي دون المرور من مرحلة إدريس البصري، لا باعتبارها مجرد مرحلة تاريخية انتهت، وإنما باعتبارها نموذجاً لنمط معين من ممارسة السلطة. فقد ارتبطت وزارة الداخلية في تلك المرحلة بإدارة التراب، والانتخابات، والأمن، والنخب المحلية، والرقابة على المجال السياسي، بحيث بدت الإدارة الترابية والأمنية من أهم مفاتيح إنتاج التوازن السياسي.
ولا ينبغي أن يعني ذلك اختزال تلك المرحلة في شخص البصري وحده، لأن ما كان قائماً كان بنية مؤسساتية وسياسية أوسع منه. كما أن توثيق الانتهاكات السياسية خلال سنوات الرصاص، ثم الإفراج عن عدد من المعتقلين وإغلاق تازمامارت في أواخر عهد الحسن الثاني، يكشف أن الدولة نفسها دخلت تدريجياً في مسار لإعادة صياغة علاقتها بالمعارضة وبالمجتمع.
لكن قراءة مرحلة البصري باعتبارها «الدولة الأمنية» فقط تظل ناقصة إذا لم نسأل: ماذا حدث بعد ذلك؟ فالمسألة ليست بالضرورة اختفاء القوة، وإنما تغير شكلها.
إذا كانت الدولة الأمنية تعتمد بدرجة كبيرة على مركزية الجهاز، فإن الدولة القابضة، كما نقترحها هنا، يمكن أن تعتمد بدرجة أكبر على تشابك المؤسسات والأشخاص والشبكات والموارد. ومن هنا يصبح الانتقال من البصري إلى عالي الهمة انتقالاً يستحق الدراسة باعتباره انتقالاً من مركزية الجهاز إلى تعدد شبكات التأثير، لا باعتباره انتقالاً بسيطاً من «السلطوية» إلى «الديمقراطية».
تقدم تجربة عالي الهمة مادة غنية لهذا التحليل. فلا يتعلق الأمر بإطلاق حكم بأن شخصاً واحداً أصبح «الحاكم الفعلي»، فهذا استنتاج يتطلب أدلة مستقلة لا توفرها الصحافة أو الدراسات السياسية وحدها، وإنما يتعلق بتحليل المسار الذي جمع بين المدرسة المولوية، والقرب من الملك، ووزارة الداخلية، والبرلمان، وحركة لكل الديمقراطيين، ثم تأسيس الأصالة والمعاصرة والعودة إلى الديوان الملكي.
وقد وصفت Carnegie في تحليلها المبكر لتأسيس الأصالة والمعاصرة كيف تمكن فؤاد عالي الهمة، وهو مسؤول سابق بوزارة الداخلية وصديق مقرب للملك، من بناء موقع سياسي سريع، وكيف انجذبت إليه شخصيات ونواب من أحزاب مختلفة. وفي تحليل آخر، ربطت المؤسسة بين تأسيس الحزب سنة 2008 وبين إعادة ترتيب المشهد السياسي ومنافسة العدالة والتنمية.
لكن القيمة الحقيقية لهذه الوقائع ليست في إثبات «نظرية المؤامرة»، وإنما في طرح سؤال سوسيولوجي: ماذا يحدث عندما يصبح القرب من مركز القرار مورداً سياسياً؟
هنا يصبح بيير بورديو مفيداً. فالسلطة لا تقوم فقط على الرأسمال الاقتصادي أو المنصب الرسمي، وإنما على الرأسمال الاجتماعي والرمزي، وعلى القدرة على الوصول إلى الأشخاص والمعلومات والموارد. وقد يكون القرب نفسه شكلاً من أشكال الرأسمال السياسي.
ومن زاوية ميشيل فوكو، لا ينبغي تصور السلطة باعتبارها شيئاً يمتلكه شخص أو جهاز فقط؛ إنها تعمل داخل شبكة من العلاقات والمعارف والمؤسسات والممارسات. لذلك فإن انتقال السلطة من الجهاز إلى الشبكة لا يعني بالضرورة انخفاضها، بل يمكن أن يعني إعادة تشكيلها.
ومن هنا يصبح مفهوم «الدولة القابضة» مختلفاً عن «الدولة العميقة». فالدولة العميقة تفترض وجود دولة خفية داخل الدولة الرسمية. أما الدولة القابضة، وفق الفرضية التي تقترحها هذه المقالة، فلا تفترض بالضرورة وجود دولة سرية، بل تفترض وجود شبكة من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية والموارد والعلاقات تسمح لمركز الدولة بالحفاظ على قدرة عالية على توجيه المجال السياسي.
وهنا تدخل أدبيات «النظام الهجين» و«السلطوية التنافسية». فدراسة J.N.C. Hill حول المغرب تستفيد من نموذج Levitsky وWay لتحليل قدرة النظام على الاستمرار، وقوته التنظيمية، وطريقة تعامله مع تعدد الأحزاب. كما تصف دراسة Konrad-Adenauer لسنة 2026 المغرب بأنه نظام هجين تتعايش داخله المؤسسات الانتخابية والبرلمان مع استمرار تركيز القرارات الاستراتيجية حول المؤسسة الملكية.
وهذا مهم لأن النظام الهجين لا يعني غياب المؤسسات الديمقراطية، بل يعني وجودها داخل بيئة سياسية لا تتوزع فيها القوة بالتساوي بين المؤسسات.
ومن ثم لا يصبح السؤال: هل المغرب ديمقراطي أم سلطوي؟ فقط، بل يصبح السؤال: كيف تعمل المؤسسات الديمقراطية داخل بنية تكون فيها الملكية صاحبة الوزن الأكبر في المجالات الاستراتيجية؟
وهذه هي النقطة التي يمكن أن يضيف فيها مفهوم «الدولة القابضة» شيئاً إلى مفهوم «النظام الهجين»: الأول يهتم ليس فقط بطبيعة النظام، وإنما بآليات إمساكه بالمجال.
ثانياً: من اليسار التاريخي إلى 20 فبراير والحركات الاجتماعية؛ من المعارضة التنظيمية إلى المعارضة الشبكية
لا يمكن فهم علاقة الدولة بالمعارضة المغربية من خلال الحديث عن «اليسار» بصيغة مفردة، لأن اليسار المغربي كان دائماً فسيفساء من التجارب والتنظيمات والتيارات.
هناك الحزب الشيوعي المغربي، ثم حزب التحرر والاشتراكية، والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وتجارب 23 مارس، وإلى الأمام، والحركة الماركسية اللينينية المغربية، واليسار الجديد، وحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، والمؤتمر الوطني الاتحادي، والحزب الاشتراكي الموحد، والنهج الديمقراطي، إلى جانب الحركة الطلابية والنقابية ومختلف التعبيرات اليسارية والحقوقية والاجتماعية.
لكن قراءة تاريخ هذه التنظيمات من زاوية القمع وحده ستكون ناقصة. فالقمع والاعتقال والمنع والمراقبة والمحاكمات كانت عوامل مؤثرة، لكن إلى جانبها كانت هناك الانقسامات الداخلية، والخلافات النظرية والتنظيمية، والتحولات الاجتماعية، ونهاية الحرب الباردة، وأزمة النموذج الماركسي، وتحول الطبقات الوسطى، وتغير علاقة الشباب بالحزب والنقابة، ثم انتقال قطاعات من اليسار إلى المؤسسات.
وهنا يمكن الاستفادة من غرامشي الذي جعل الهيمنة أوسع من القمع؛ فالسلطة المستقرة ليست تلك التي تعاقب فقط، وإنما تلك التي تستطيع إنتاج أشكال من القبول أو الاعتياد أو الاعتقاد بأن البدائل القائمة غير قابلة للتحقق.
لكن الدولة نفسها لم تكن فاعلاً ثابتاً. فقد تغيرت أدواتها، وانتقلت من الصدام المباشر مع قطاعات من المعارضة إلى أشكال من الاستيعاب والاحتواء وإعادة الترتيب.
ومن هنا يمكن فهم مرحلة التناوب ليس باعتبارها مجرد انتقال حكومي، وإنما باعتبارها لحظة إعادة صياغة لعلاقة المعارضة التاريخية بالدولة.
ثم جاءت 20 فبراير لتفتح مرحلة جديدة. فقد جمعت الحركة يساريين وإسلاميين ومستقلين وحقوقيين وشباباً وفاعلين اجتماعيين، ونجحت لفترة في تجاوز الحدود التنظيمية التقليدية.
وهنا ننتقل من «المعارضة التنظيمية» إلى «المعارضة الشبكية».
إن أعمال Manuel Castells حول مجتمع الشبكات تساعد في فهم هذا التحول. فالتنظيم لم يعد بالضرورة يحتاج إلى هرم قيادي مركزي؛ يمكن أن يتشكل من شبكات رقمية واحتجاجات محلية ومجموعات مستقلة تتقاطع مؤقتاً حول مطلب معين.
وهذا يجعل هندسة المعارضة أكثر صعوبة. فالدولة التي كانت تستطيع التعامل مع قيادة حزب أو نقابة تجد نفسها أمام شبكات لا تملك مركزاً واحداً.
لكن 20 فبراير لم تستمر كتنظيم سياسي دائم، ولم تتحول إلى حزب موحد، بينما دخل جزء من المجال السياسي الذي فتحته الحركة إلى مسار الإصلاح الدستوري والانتخابي والمؤسساتي.
ثم جاءت احتجاجات الريف وجرادة وغيرها لتؤكد أن المعارضة الاجتماعية لم تختف، وإنما تغيرت طبيعتها.
وفي السنوات الأخيرة أصبح البعد الشبابي والرقمي أكثر وضوحاً. فقد تناولت Carnegie حركة GenZ212 بوصفها حركة شبابية مرتبطة بمطالب اقتصادية واجتماعية وبالعدالة وبالخدمات العامة، وأشارت إلى انتقال الاحتجاج إلى فضاءات رقمية جديدة.
وهنا تظهر إحدى النتائج المهمة: لم تعد الدولة تواجه «معارضة واحدة»، بل تواجه تعدداً من الاحتجاجات: الحزبية، والنقابية، والمجالية، والهوياتية، والرقمية، والشبابية.
وبالتالي تصبح «هندسة المعارضة» أكثر تعقيداً مما كانت عليه في مرحلة البصري.
ثالثاً: الإسلاميون والدولة؛ من الشبيبة الإسلامية إلى العدل والإحسان والعدالة والتنمية
يمثل المسار الإسلامي حالة مختلفة، ولذلك لا ينبغي دمجه كلياً مع تاريخ اليسار.
من الشبيبة الإسلامية وعبد الكريم مطيع إلى عبد السلام ياسين والعدل والإحسان، ثم تجربة عبد الكريم الخطيب والعدالة والتنمية وبنكيران، تشكلت علاقة مركبة بين الحركة الإسلامية والدولة.
العدل والإحسان اختارت البقاء خارج المؤسسات الانتخابية، واحتفظت بهوية تنظيمية وفكرية مستقلة، بينما اختارت العدالة والتنمية طريق المشاركة المؤسساتية.
وهنا تبرز مسألة جوهرية: هل المشاركة في المؤسسة تؤدي إلى تغيير المؤسسة، أم تؤدي المؤسسة تدريجياً إلى تغيير الحركة المشاركة فيها؟
لا توجد إجابة واحدة، لأن المسار يختلف بحسب طبيعة النظام وقدرة الحزب على التحكم في موارده وتحالفاته.
وقد أشارت Carnegie إلى أن المغرب عرف تعددية حزبية واسعة، لكن الأحزاب قبل 2011 كانت تمارس قدرة محدودة على اتخاذ قرارات مستقلة عن القصر، كما وصفت الأصالة والمعاصرة بوصفها حزباً تأسس سنة 2008 على يد عالي الهمة، في سياق سياسي كان العدالة والتنمية أحد منافسيه الأساسيين.
أما العدل والإحسان فتمثل حالة أكثر تعقيداً، لأنها تجمع بين التنظيم القوي، والمرجعية الإسلامية، والعمل خارج المؤسسات الانتخابية، مع قدرة على بناء شبكات اجتماعية تتجاوز الحزب السياسي التقليدي.
وقد كشفت 20 فبراير عن إمكانية التعاون المرحلي بين تيارات متباينة أيديولوجياً. وهذا يقود إلى سؤال أكبر: هل تستطيع الدولة احتواء المعارضة عندما تكون مقسمة أيديولوجياً، لكنها تواجه صعوبة أكبر عندما تتقاطع التيارات حول مطالب مشتركة؟
إن الشرعية الدينية للملكية، باعتبار الملك أمير المؤمنين، تجعل الحقل الإسلامي المغربي مختلفاً عن حالات أخرى. فالدولة لا تواجه منافساً على السلطة فقط، بل تدير أيضاً المجال الديني نفسه.
بعد أحداث 2003، أعيد تنظيم المجال الديني، وتوسعت مركزية المؤسسات الدينية الرسمية، وأعيد ضبط عدد من قنوات إنتاج الخطاب الديني.
وهكذا أصبح الإسلاميون جزءاً من سؤال أوسع: كيف تدير دولة ذات شرعية دينية ملكية حركة سياسية تستخدم المرجعية الإسلامية دون أن تسمح لها بأن تتحول إلى مصدر شرعية منافسة؟
رابعاً: الاقتصاد والمجال والموارد؛ من شبكات النفوذ إلى الماء والطاقة والتنمية الترابية
هنا يصبح استدعاء بول باسكون ضرورياً، لأنه نقل دراسة المغرب من الوصف السطحي إلى تحليل البنيات الاجتماعية والاقتصادية والمجالية. كما أن إيف لاكوست يسمح بقراءة المجال باعتباره علاقة بالقوة والصراع على الموارد، وليس مجرد خريطة.
فالاقتصاد ليس منفصلاً عن السياسة. والموانئ والطرق والقطارات والمناطق الصناعية والطاقة المتجددة والمشاريع الكبرى لا تمثل مجرد بنية تحتية؛ إنها تعيد توزيع القيمة والفرص داخل المجال.
ومن منظور بورديو، لا يدخل الأفراد والمناطق والمؤسسات المجال السياسي بالرأسمال نفسه. هناك رأسمال اقتصادي واجتماعي وثقافي ورمزي، ومن يمتلكه يستطيع الوصول إلى الموارد بصورة مختلفة عن غيره.
وهنا تظهر مشكلة التنمية غير المتوازنة. فالنمو الكلي لا يعني بالضرورة شعوراً متساوياً بالعدالة.
الماء هو المثال الأكثر وضوحاً. فالمغرب يواجه ضغوطاً متزايدة مرتبطة بالجفاف وندرة المياه وتغير المناخ. والبنك الدولي يضع معالجة ندرة المياه والجفاف، وتعزيز مقاومة الفيضانات، وإزالة الكربون ضمن أولوياته الأساسية للمغرب، ويقدر أن الانتقال إلى مسار منخفض الكربون وقادر على الصمود حتى خمسينيات هذا القرن يحتاج إلى نحو 78 مليار دولار بالقيمة الحالية.
وهذا يعني أن الماء لم يعد ملفاً تقنياً فقط. إنه قضية اقتصادية واجتماعية وسياسية ومجالية.
فمن يحصل على الماء؟ ومن يتحمل تكلفة ندرته؟ وكيف توزع الدولة الموارد بين الزراعة والصناعة والمدن والمناطق القروية؟ وكيف يمكن أن يتحول الجفاف إلى ضغط اجتماعي؟
وهنا يعود لاكوست: المجال ليس محايداً؛ توزيع الموارد داخل المجال هو في ذاته توزيع للقوة.
ولذلك فإن الدولة القابضة في المستقبل لن تختبر فقط في قدرتها على إدارة الأحزاب، وإنما في قدرتها على إدارة الندرة.
خامساً: من القمع المباشر إلى هندسة المجال العمومي؛ القانون والإعلام والرقمنة والمراقبة وصناعة الصورة
إذا كان نموذج البصري مرتبطاً في الذاكرة السياسية بالقوة المباشرة والمرئية، فإن أدوات السلطة في القرن الحادي والعشرين أصبحت أكثر تعدداً.
لا يعني ذلك أن أدوات القمع التقليدية اختفت، وإنما أن أدوات جديدة أضيفت إليها: الإعلام، السمعة، الوصم، القانون، المراقبة الرقمية، الضغط الاجتماعي، إدارة المعلومات، وصناعة صورة الدولة والمعارضة.
وهنا يصبح فوكو أساسياً: السلطة الحديثة لا تنتظر دائماً وقوع الفعل حتى تعاقبه، بل تستطيع أن تعمل من خلال المراقبة والانضباط والتصنيف وإنتاج المعرفة.
أما غوفمان فيساعد في تحليل «الواجهة»: الدولة لا تدير السياسة فقط، بل تدير أيضاً صورتها، والمعارض لا يدير مواقفه فقط، بل يدير صورته أمام الجمهور.
ويأتي غي ديبور بمفهوم «مجتمع الفرجة» ليذكرنا بأن السياسة الحديثة أصبحت مرتبطة بالصورة، وبكيفية عرض الواقع، وبمن يملك القدرة على تحديد ما يراه الجمهور.
وهنا تصبح المعركة على السردية جزءاً من السلطة: هل الاحتجاج مطلب اجتماعي أم تهديد سياسي؟ هل المعارض ناشط حقوقي أم فاعل فوضوي؟ هل الحزب مستقل أم قريب من السلطة؟ هل الإصلاح مؤسسي أم شكلي؟
ومع الرقمنة تظهر طبقة جديدة من السلطة. فالبيانات أصبحت مورداً سياسياً، والخوارزميات تحدد ما يصل إلى الجمهور، والمنصات تمنح الدولة والمجتمع معاً قدرات جديدة.
لكن هذه الأدوات لا تعمل في اتجاه واحد. فكما تستطيع الدولة مراقبة المجال الرقمي، تستطيع الشبكات الرقمية إنتاج معارضة لا مركزية.
وقد تناولت Carnegie في 2026 التحول السوسيولوجي في الاحتجاج الشبابي المغربي، وربطته بتدهور بعض الظروف الاجتماعية والاقتصادية وبانتقال التعبئة إلى فضاءات رقمية جديدة.
ومن هنا فإن السؤال لم يعد فقط: من يملك وسائل الإعلام؟ بل: من يملك القدرة على تعريف الواقع؟
سادساً: القوة الخارجية والأمن والدبلوماسية؛ من الدولة الإقليمية إلى الدولة الجيوسياسية
لا يمكن تحليل الدولة القابضة من الداخل فقط. فقد أصبح المغرب خلال العقود الأخيرة فاعلاً إقليمياً أكثر حضوراً في إفريقيا وأوروبا، وربط السياسة الخارجية بالاستثمار والطاقة والأمن والهجرة والبنية التحتية.
وهنا ننتقل من الدولة الأمنية إلى الدولة الجيوسياسية.
الأمن لم يعد شأناً داخلياً فقط؛ أصبح مرتبطاً بالإرهاب والهجرة والطاقة والأمن السيبراني والموانئ وسلاسل الإمداد.
والاقتصاد نفسه تحول إلى أداة من أدوات القوة الخارجية. فالموانئ والصناعة والطاقة المتجددة والاستثمارات الإفريقية تخلق شبكة مصالح تتجاوز الحدود.
لكن القوة الخارجية لا تعني بالضرورة ارتفاع الثقة الداخلية.
وهنا يجب التمييز بين قوة الدولة وشرعية الدولة. فقد تكون الدولة قوية في قدرتها على اتخاذ القرار وتنفيذ السياسات، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى إنتاج القبول والثقة داخل المجتمع.
وهذه النقطة ستكون أكثر أهمية مع جيل جديد لا يقيس الدولة فقط بقدرتها على بناء الطرق والموانئ، وإنما أيضاً بقدرتها على توفير الصحة والتعليم والعمل والعدالة.
سابعاً: من 2030 إلى 2050؛ المصفوفة الاستشرافية من الدولة القابضة إلى دولة المؤسسات والثقة
الدراسات المستقبلية لا تقدم المستقبل باعتباره نتيجة حتمية، وإنما تشتغل على الاتجاهات والمتغيرات الحرجة ونقاط التحول.
لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: ماذا سيحدث للمغرب؟ بل: ما المتغيرات التي يمكن أن تغير مسار الدولة المغربية بين 2030 و2050؟
أول هذه المتغيرات هو الشباب.
فجيل جديد لا يحمل الذاكرة نفسها عن البصري أو سنوات الرصاص، ولا يتعامل مع الحزب والنقابة بالمنطق نفسه الذي حكم الأجيال السابقة. إنه جيل يعيش في فضاء رقمي عالمي، ويقارن الخدمات والفرص والعدالة بصورة لحظية، ويصبح أكثر حساسية للفارق بين الخطاب والنتيجة.
وتشير تحليلات حديثة إلى وجود أزمة ثقة بين قطاعات من الشباب والمؤسسات السياسية، فيما تستعد الأحزاب المغربية لاستحقاقات 2026. وقد ربط تقرير Reuters المنشور في 17 سبتمبر 2026 بين عزوف شبابي واسع وبين البطالة وفرص العمل المحدودة وشعور قطاعات من الشباب بأن النمو الاقتصادي لم يتحول بالقدر الكافي إلى فرص محسوسة.
المتغير الثاني هو الماء والمناخ.
إذا كانت الدولة في القرن العشرين قد بنت جزءاً كبيراً من قدرتها على إدارة المجال من خلال الإدارة والأمن والبنية التحتية، فإن القرن الحادي والعشرين سيضعها أمام سؤال أكثر صعوبة: كيف تدير الندرة؟
والماء ليس مجرد مورد، وإنما علاقة بين الدولة والفلاح، وبين المركز والجهة، وبين المدينة والقرية، وبين الجيل الحالي والأجيال القادمة.
المتغير الثالث هو الاقتصاد.
فالمغرب استطاع بناء قطاعات صناعية وموانئ وبنيات تحتية كبرى، لكن السؤال الاستشرافي هو: هل تستطيع هذه الدينامية إنتاج وظائف جيدة وحركة اجتماعية صاعدة، أم ستبقى الفجوة بين النمو الكلي والإحساس الفردي بالتحسن قائمة؟
المتغير الرابع هو التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
الدولة المستقبلية لن تكون دولة الإدارات فقط، بل دولة البيانات والمنصات والخوارزميات. ومن يملك البيانات يمتلك قدرة متزايدة على تحليل المجتمع والتنبؤ بالمخاطر، لكن ذلك يفتح في المقابل أسئلة الخصوصية والرقابة والشفافية.
المتغير الخامس هو المؤسسات.
كلما بقيت الدولة تعتمد بدرجة كبيرة على الأشخاص والشبكات، أصبحت استمراريتها أكثر ارتباطاً باستمرار تلك الشبكات. أما عندما تتحول السلطة إلى قواعد مؤسساتية، فإن تغير الأشخاص لا يؤدي بالضرورة إلى تغير النظام.
ومن هنا يمكن بناء أربعة سيناريوهات تحليلية، لا باعتبارها تنبؤات:
الأول: استمرار الدولة القابضة مع تحديث أدواتها؛ حيث تستمر مركزية القرار الاستراتيجي، مع تطوير الإدارة الرقمية والمؤسسات المنتخبة وشبكات الاقتصاد الجديد.
الثاني: الانتقال التدريجي نحو دولة المؤسسات؛ حيث تتحول القوة الشخصية والشبكية تدريجياً إلى قواعد وإجراءات، ويصبح البرلمان والحكومة والقضاء والهيئات الرقابية أكثر قدرة على إنتاج القرار ومراقبته.
الثالث: سيناريو الضغط الاجتماعي؛ حيث تتقاطع البطالة والماء والمناخ والفوارق المجالية وتراجع الثقة مع جيل أكثر قدرة على التعبئة الرقمية.
الرابع: إعادة بناء العقد الاجتماعي؛ حيث يصبح الاستثمار في التعليم والصحة والتشغيل والحماية الاجتماعية والعدالة المجالية أساساً لإعادة إنتاج الشرعية عبر النتائج والثقة.
ولا ينبغي التعامل مع هذه السيناريوهات كبدائل منفصلة بالضرورة؛ فقد يجتمع بعضها، وقد تنتقل الدولة من واحد إلى آخر بحسب الظروف.
وهنا تعود أفكار أرندت حول التمييز بين السلطة والعنف؛ فالسلطة القائمة على القبول تختلف عن القوة التي تقوم على الإكراه. ويعود غرامشي إلى مفهوم الهيمنة بوصفها قدرة على إنتاج القبول، بينما يذكرنا بورديو بأن الدولة لا تدير الموارد فقط، وإنما تدير أيضاً الرموز والتصنيفات والشرعيات. ويعيد فوكو طرح سؤال انتقال السلطة من العقوبة إلى المراقبة والتنظيم.
أما علم النفس السياسي فيضيف أسئلة الثقة والخوف والامتثال والانتماء: لماذا يثق المواطن؟ ولماذا يفقد ثقته؟ ومتى يتحول فقدان الثقة إلى انسحاب سياسي؟ ومتى يتحول إلى احتجاج؟
ومن هنا تصبح الأطروحة المركزية لهذه المقالة أكثر وضوحاً: الدولة القابضة ليست بالضرورة دولة سرية، وليست بالضرورة دولة أمنية بالمعنى التقليدي، وإنما هي بنية تستطيع الحفاظ على مركزية القرار عبر تعدد المؤسسات والشبكات والموارد، مع السماح بدرجات متفاوتة من التنافس السياسي والمؤسساتي.
ولهذا فإن الانتقال من البصري إلى عالي الهمة لا ينبغي أن يقرأ باعتباره انتقالاً من «القمع» إلى «الديمقراطية»، وإنما باعتباره انتقالاً في تقنيات ممارسة القوة: من الجهاز إلى الشبكة، من الرقابة المباشرة إلى إدارة المجال، من احتواء التنظيم إلى إدارة التعدد، ومن السيطرة على المعارضة إلى إعادة تشكيل البيئة التي تتحرك فيها المعارضة.
لكن مستقبل هذه البنية لن تحدده فقط قدرة الدولة على الإمساك بالمجال السياسي؛ ستحدده أيضاً قدرتها على إدارة الماء والمناخ والبطالة والتعليم والصحة والذكاء الاصطناعي والعدالة المجالية وتوقعات الشباب.
ومن ثم فإن السؤال الذي يطرح نفسه في أفق 2050 ليس فقط: من يحكم المغرب؟ وإنما: كيف تُحكم الدولة؟ ومن يراقب من يحكم؟ وكيف تتحول السلطة من الأشخاص إلى المؤسسات؟ وهل تستطيع الدولة أن تنتقل من إنتاج الاستقرار عبر الإمساك بالمجال إلى إنتاج الاستقرار عبر الثقة؟
إن الفرق بين النموذجين ليس لغوياً. فالدولة التي تستطيع أن تمسك بالمجتمع تستطيع أن تنتج الاستقرار؛ لكن الدولة التي تستطيع أن تبني الثقة تستطيع أن تجعل الاستقرار أكثر قابلية للاستمرار عندما تتغير الأجيال والأشخاص والظروف.
ومن هنا فإن «الدولة القابضة» ينبغي أن تظل فرضية تحليلية قابلة للاختبار، لا حكماً مغلقاً. فإذا أثبتت الوقائع أن المؤسسات تتحول تدريجياً إلى مراكز مستقلة للقرار والمساءلة، فإن المفهوم يحتاج إلى إعادة صياغة. وإذا استمرت الشبكات غير الرسمية في لعب دور حاسم فوق المؤسسات الرسمية، فإن المفهوم سيظل صالحاً لفهم جانب من بنية السلطة.
وفي الحالتين، فإن المسألة الأعمق ليست اكتشاف «دولة خفية»، وإنما فهم الدولة المرئية وغير المرئية معاً، الدولة القانونية والدولة الشبكية، المؤسسات والأشخاص، الاقتصاد والسياسة، المركز والهامش، الماضي والمستقبل.
باحث قانوني وفاعل حقوقي
