من بيت باشا مراكش إلى المشور السعيد.. سيرة صعود بين إرث العائلة وشبكات السلطة والمال إلى رئاسة الحكومة
حين دخلت فاطمة الزهراء المنصوري القصر الملكي بالرباط، في 29 شتنبر 2026، لتخرج منه رئيسة للحكومة، لم تكن المحامية المراكشية، البالغة خمسين عاما، تسجل فقط سابقة بوصفها أول امرأة تتولى هذا المنصب في المغرب. فقد حمل صعودها إلى قمة الجهاز التنفيذي معه تاريخ عائلة من أعيان مراكش والرحامنة، تتقاطع سيرتها، عبر أجيال، مع الأرض والإدارة والقواد والباشوات والدبلوماسية، قبل أن يتقاطع المسار السياسي للمنصوري نفسها مع فؤاد عالي الهمة، صديق الملك ومستشاره وأحد أبرز مهندسي المشروع السياسي الذي انتهى بتأسيس حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008. وبعد ثمانية عشر عاما، ستصبح المرأة التي دخلت السياسة من بوابة هذا الحزب منسقة لقيادته، وتقودها صدارته لانتخابات عرفت أضعف نسبة مشاركة في تاريخ المغرب، إلى الجلوس في مكتب رئاسة الحكومة بـ “المشور السعيد” قرب القصر الملكي في الرباط.
سيرة المنصوري، المحامية التي لم يراها أحد ترافع في محاكم المملكة، ليست قصة صعود عصامي فردي فقط، كما لا يمكن بالمقابل اختزال نجاحها في شبكة علاقات عائلية وسياسية، وإنما هي سيرة تفتح نافذة على سؤال أوسع يتعلق بكيفية استمرار شبكات النخب المغربية وإعادة تشكيل نفسها، فيما تتغير المؤسسات والألقاب وأدوات ممارسة السلطة، من القائد والباشا ومالك الأرض، إلى العمدة والوزيرة وقائدة الحزب ورئيسة الحكومة.
من الصحراء إلى الرحامنة.. تاريخ الأعيان والقواد
ولدت المنصوري سنة 1976 في مراكش، وتقدمها السير المنشورة باعتبارها ابنة عائلة من أعيان المدينة ذات جذور في الرحامنة. لكنها أضافت بنفسها بعدا آخر إلى أصولها، عندما قالت خلال لقاء انتخابي بالداخلة، مطلع شتنبر 2026، بحسب فيديو يتم تداوله في وسائط التواصل الإجتماعي: “أنا دليمية”، أي أنها نتمي إلى قبيلة أولاد دليم، القبيلة التي ينتمي إليها عراب وعمدة مدينة الداخلة ينجا الخطاط، ويتمركز وجودها بمنطقة وادي الذهب، التي تعتبر مدينة الداخلة عاصمة إقليمها. ولا يتعارض بالضرورة هذا الانتساب الصحراوي، حتى وإن جاء الاعتراف به متأخرا، وربما لدوافع انتخابية، مع الاستقرار التاريخي للأسرة في الرحامنة، بالنظر إلى حركة القبائل والهجرات والتحالفات التي أعادت، عبر القرون، تشكيل الخريطة البشرية الممتدة بين الصحراء والحوز ومراكش.
ويعيد هذا الانتساب إلى الذاكرة مرحلة تاريخية مضطربة بدأت مع دخول أحمد الهيبة مراكش سنة 1912 على رأس حركة لمقاومة التوسع الفرنسي، قبل هزيمة قواته في معركة سيدي بوعثمان. وفي الضفة المقابلة كان القائد ميلود بن الهاشمي العيادي، أحد كبار أعيان الرحامنة، الذي تفيد دراسا حديثة بأنه تعاون مع القوات الفرنسية وساهم، إلى جانب قواد آخرين، في مواجهة حركة الهيبة، قبل أن تكافئه فرنسا بوسام سنة 1919. لكن مساره عرف لاحقا منعطفا مختلفا، إذ رفض سنة 1953 السير مع التهامي الكلاوي في التحرك ضد محمد الخامس، وأدى خلافه آنذاك مع الكلاوي إلى وضعه تحت الإقامة المراقبة.
ولا يوجد، ما يتبث اليوم أن أسلاف المنصوري من “أولاد دليم” كانوا ضمن جيوش الهيبة التي تفرق بعض عناصرها بعد الهزيمة في نواحي مراكش، ولذلك يظل هذا الربط فرضية تاريخية تحتاج إلى توثيق. لكن الجغرافيا نفسها تستعيد دلالتها مع فؤاد عالي الهمة، الذي تحدث سنة 2008 في العيون عن انحداره من قبيلة البرابيش الصحراوية، موضحا أن فرعا منها انتقل إلى المغرب واستقر في الرحامنة.
وكان الهمة قد عاد إلى الرحامنة بعد مغادرته وزارة الداخلية سنة 2007، ليترشح للبرلمان ضمن لائحة ضمت فتيحة العيادي وحميد نرجس. وفتيحة العيادي هذه، سفيرة المغرب اليوم في الدنمارك، ليست سوى حفيدة القائد العيادي، وتشير بعض الأبحاث الأكاديمية إلى أن جدي الهمة كانا من المتعاونين معه، وأن إرث القائد جرى استحضاره خلال الحملة الانتخابية. وبذلك حملت لائحة 2007، بشكل أو بآخر، ذاكرة شبكة محلية يعود تاريخها إلى زمن أقدم بكثير من الحزب الذي سيخرج من رحم تلك التجربة.
من إرث الكلاوي إلى حزب الهمة
تدخل عائلة المنصوري إلى هذا التاريخ من أكثر من باب، فالمصادر تختلف حتى في اسم أحد أجداد رئيسة الحكومة؛ إذ تسميه بعض المصادر الثانوية أحمد المنصوري وتربطه بالقائد العيادي والكلاوي، بينما تقدم رواية عائلية نقلتها “الأسبوع الصحفي” عن الكولونيل عبد الله المنصوري اسما آخر هو الحاج حسن المنصوري، التاجر والفلاح المراكشي، وتقول إنه دخل في نزاع مع بعض أبناء العيادي قبل تدخل التهامي الكلاوي، لتتطور لاحقا علاقة بين المنصوري والكلاوي. لذلك لا تسمح المادة المتاحة بالجزم بالرواية التي تقدم جد المنصوري باعتباره متعاونا مع الاستعمار ضد المقاومة.
أما الصلة بالباشا الكلاوي، عميل الاستعمار في مراكش، فقد أعاد تحقيق نشره “لوديسك” في شتنبر 2026 توثيقها من زاوية أكثر وضوحا، ويتعلق الأمر بالإرث العقاري. فبتتبع سلسلة ملكية “دار المزوار”، وهي بناية تاريخية عند مدخل جامع الفنا، خلص الموقع إلى وجود عائلة المنصوري ضمن أصحاب حقوق متفرعة عن تركة مرتبطة بباشا مراكش التهامي الكلاوي، عبر شبكة من الإرث والوصايا والمصاهرات وانتقال الحصص. غير أن هذه المعطيات تثبت صلة ملكية وإرث، ولا تثبت أن آل المنصوري كانوا متعاونين مع باشا الاستعمار التهامي الكلاوي.
وبين عالم الباشوات القديم والمسار السياسي للابنة يقف والدها عبد الرحمن المنصوري، الذي جمع بدوره بين القانون والإدارة والدبلوماسية؛ فقد كان محاميا ونقيبا للمحامين، ثم باشا لمراكش لنحو ثماني سنوات، قبل أن يصبح سفيرا للمغرب لدى الإمارات. وعندما دخلت ابنته السياسة سنة 2009، عادت العائلة إلى واجهة تدبير المدينة التي مارس فيها الأب سلطة الباشا، لكن هذه المرة عبر الانتخابات والمجلس الجماعي.
وكان الهمة حاضرا في تلك اللحظة المفصلية، فقد روى “لوديسك” أن الهمة حضر إلى منزل الأسرة لتقديم التعازي بعد وفاة عبد الرحمن المنصوري، وشجع ابنته على الاستمرار في السباق نحو عمودية مراكش قائلا لها، بحسب الرواية التي نقلها الموقع: “عليك أن تخوضيها”. وبعد أيام، أصبحت المنصوري، وهي في الثالثة والثلاثين، عمدة للمدينة. كما تشير المصادر إلى مصاهرة بين العائلتين، عبر زواج عبد الإله المنصوري، ابن عمها، من شقيقة الهمة. ولا تثبت هذه المصاهرة أن الهمة صنع مسار المنصوري، لكنها تضع بدايتها السياسية داخل بيئة اجتماعية وسياسية كان فيها مؤسس المشروع الحزبي الجديد حاضرا بقوة.
ومن تجربة الهمة في الرحامنة سنة 2007 ولدت “حركة لكل الديمقراطيين”، ثم حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008. وبعد عام واحد دخلت المنصوري السياسة باسمه، قبل أن تصبح عمدة ووزيرة، ثم منسقة لقيادته الجماعية سنة 2024. أما الهمة فكان قد انتقل سنة 2011 إلى الديوان الملكي مستشارا للملك. ولا توجد أدلة منشورة تثبت أنه ظل يدير الحزب من القصر، لكن يصعب فصل تاريخ “البام” عن دوره التأسيسي، مثلما يصعب فصل بداية المنصوري السياسية عن الحزب الذي أسسه. وبعد ثمانية عشر عاما، تصدر الحزب انتخابات 2026 بـ97 مقعدا، لتتولى إحدى أبرز الشخصيات التي صعدت داخله رئاسة الحكومة.
الأرض والشركات.. الوجه الاقتصادي للعائلة
يكاد العقار يشكل خيطا ثابتا في تاريخ أسرة المنصوري، من أملاك الأجداد إلى الشركات العائلية، وصولا إلى توليها وزارة إعداد التراب والتعمير والإسكان. وفي ماي ويونيو 2026، نشر “لوديسك” سلسلة تحقيقات حول أراضي تسلطانت بضواحي مراكش، قال فيها، استنادا إلى وثائق، إن المنصوري وشقيقيها باعوا سنة 2023 نحو 66 هكتارا من الأراضي الزراعية مقابل حوالي 266 مليون درهم. وربط الموقع الملف بمشروع تصميم للتهيئة كان سيصنف المنطقة ضمن الأراضي الزراعية المحمية، وقال إن المنصوري ساهمت في تعطيل إخراجه.
غير أن هذه خلاصات تحقيق صحافي وليست أحكاما قضائية، فقد رفض محيط المنصوري الاتهامات، وقدم شقيقها زهير ومديرة ديوانها في مجلس مراكش وثائق ورواية مضادة لـ “لوديسك”، مؤكدين أن الأراضي ملك عائلي خاص وأن الإجراءات تمت في إطار القانون. كما نفت المنصوري اتهامات تضارب المصالح وأعلنت اللجوء إلى القضاء. ولذلك فإن الجمع بين مسؤوليتها الحكومية عن التعمير وامتلاك عائلتها مصالح عقارية واسعة يطرح سؤال تضارب المصالح للنقاش العام، لكنه لا يثبت، في ذاته، وجود مخالفة قانونية.
ويظهر الحضور الاقتصادي للعائلة أيضا في ملف “دار المزوار”، فبحسب الوثائق التي استند إليها “لوديسك”، كانت المنصوري تملك 19 في المائة من شركة “دمنات فونسيير”، مقابل 38 في المائة لكل من شقيقيها زهير وسعد، قبل أن تنقل حصتها إلى شقيقها زهير بهبة في يناير 2025. وفي هذا التحول يمكن رؤية صورة مصغرة لتغير أدوات النفوذ نفسها؛ فما كان في بداية القرن الماضي أرضا ومصاهرات ونفوذا محليا أصبح اليوم شركات وحصصا ورسوم ملكية واستثمارات، فيما ظلت الأرض في قلب الثروة العائلية.
مراكش وإسرائيل.. من علاقات الجالية إلى سياسة التطبيع
ثمة جانب آخر في سيرة المنصوري يرتبط بعلاقتها بالطائفة اليهودية في مراكش. فبعد تعيينها رئيسة للحكومة، تحدث جاكي كادوش، رئيس الطائفة، إلى موقع “واي نت” الإسرائيلي قائلا عنها: “لقد نشأت بيننا”. وروى أنه اصطحب عدة وفود إلى منزلها عندما كانت عمدة وأنهم كانوا يشعرون “كما لو كانوا في بيتهم”، كما استعاد حضورها احتفالا بيوم الغفران وطلبها منه، بحسب روايته: “جاكي، لا تنس أن تباركني”. وهي شهادات توثق علاقة اجتماعية بالطائفة اليهودية المغربية، لكنها لا تكفي بمفردها لاستخلاص موقف سياسي من إسرائيل.
الموقف السياسي يظهر بصورة أوضح في خطاب حزبها. فبعد استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية في دجنبر 2020، تناول موقع الحزب الاتفاقات المغربية الإسرائيلية في سياق وصفه بـ “المنعطف التاريخي”. فحزب المنصوري لم يعارض مسار التطبيع، بل قدم في خطابه مرافعات إيجابية عنه، مع استمرار تأكيده، ولو شكليا، دعم الحقوق الفلسطينية.
وعند تعيين المنصوري، حظيت سيرتها باهتمام واضح في الإعلام الإسرائيلي، خصوصا علاقتها بيهود مراكش، فيما هنأها رئيس الكيان الصهيوني إسحاق هرتسوغ باسم دولة الأحتلال، ونفس الشئ فعله مجرم الحرب وزير خارجية الكيان جدعون ساعر. وجاء ذلك بعد أيام من إعلان رفع مستوى العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل إلى سفارات. ولا تمثل هذه التهنئات، في حد ذاتها، “تزكية” خاصة للمنصوري، كما لا تجعل علاقتها بيهود مراكش منها تلقائيا سياسية مؤيدة لإسرائيل، لكنها تضع وصولها إلى رئاسة الحكومة في لحظة سياسية تتعمق فيها العلاقات بين البلدين وسيكون عليها من منصبها على رأس الجهاز التنفذي أن تمضي في سياسة التطبيع التي فرضتها السلطة العليا في المغرب على البلد والشعب منذ عام 2020.
شبكة علاقات ممتدة ومتداخلية
وعند جمع هذه الخيوط، لا تظهر “شبكة سرية” واحدة تمتد من القائد العيادي والكلاوي إلى فؤاد عالي الهمة والمنصوري، ولا تسمح الوقائع بتحميل الأحفاد مسؤولية اختيارات أسلافهم. ما يظهر، بصورة أكثر وضوحا وأقل تبسيطا، هو قدرة بعض شبكات النخب والعائلات على الاستمرار وإعادة تشكيل مواقعها مع تغير الدولة ومؤسساتها. ففي خلفية المنصوري نجد الرحامنة والأرض وعالم الأعيان، ثم أبا جمع بين المحاماة وسلطة الباشا والدبلوماسية، وبعده جيلا يتحرك عبر الشركات والانتخابات والأحزاب والوزارات وصولا إلى رئاسة الحكومة.
وفي قلب هذا المسار يقف فؤاد عالي الهمة، رجل الداخلية الذي عندما عاد إلى الرحامنة سنة 2007، وأسهم في تأسيس حزب سيصل، كان يسعى، حتى بعد ثمانية عشر عاما، أن يصل حزبه رئاسة الحكومة، وهو ما تحقق له بعد أن تصدر نتائج الانتخابات الأخيرة، وربما كان من الصدف أن توجد بنت الباشا على رأسه. ولا يعني ذلك أن مسارها كان مجرد صدفة، كما لا يعني ذلك أنها كانت صناعة سياسية للهمة؛ فقد بنت خلال سبعة عشر عاما داخل هذا الحزب مسارا خاصا بها، من عمودية مراكش إلى الوزارة وقيادته. ومازاد من زخم هذا المسار أنه عبر ونشأ داخل بيئة عرفت السلطة والأرض والإدارة والعلاقات على مدى أجيال. ولذلك، عندما دخلت فاطمة الزهراء المنصوري القصر يوم 29 شتنبر 2026 لتخرج منه رئيسة للحكومة، كان وراءها تاريخ عائلي أطول بكثير من تاريخ الحزب الذي حملها إلى أن تتوج على رأس أعلى منصب تنفيذي حكومي في المغرب بعد المؤسسة الملكية.
