الانتخابات التشريعية لسنة 2026 في المغرب: الهشاشة التنظيمية والخواء الإيديولوجي والاختراق العصبوي
يثار في الراهن المعيش نقاش عميق ومحوري حول جدوى المشاركة في الانتخابات، وهو نقاش يتجاوز مجرد القلق من نسب العزوف، التي سجلت خلال المحطات الماضية، ليلامس أزمة بنيوية تعيشها “الوسائط السياسية” النشطة. ذلك أن الأزمة لم تعد مجرد اختلالات ذات طابع تقني على مستوى العملية الانتخابية، بل هي أزمة حادة تضرب مفهوم “الحزب” في مقتل. وإذا ما أردنا تفكيك جزء من هذا الواقع، مستأنسين في ذلك ببعض التجارب التاريخية، التي كانت ملهمة لبعض التنظيمات، بدءاً من تشريح لينين لمفهوم “النقد داخل التنظيم”، مروراً بمأزق “إدمان الفشل”، وما افرزته الخطابات الملكية من رسائل حادة تجاه الأحزاب السياسية، سنجد أنفسنا أمام مشهد سياسي مأزوم تتقاذفه اختلالات كبرى تنذر بما يشبه “حالة استثناء” غير معلنة.
آراء أخرى
أولا: محو الديموقراطية الداخلية: وهم الوحدة والتوحيد
إثر الصراع الذي خاضه اليسار المغربي من أجل تصريف رؤيته تجاه طبيعة الدولة وشكل الحكم من ناحية وما رافق ذلك من مركزية مفرطة إلى حد الشخصنة من ناحية ثانية ثم دخوله إلى الحكومة 1998 دون إصلاحات دستورية وقانونية تحدد المسؤوليات وتنظم الصلاحيات، من ناحية ثالثة، تحولت هذه التنظيمات إلى هياكل مغلقة، تخشى النقد وتعتبره تهديداً مباشراً لاستقرارها. وكما كان يؤكد فلاديمير إليتش اوليانوف، التي تدع هذه الأحزاب، على الأقل، في عزلتها الاستناد إليه، فإن “الوحدة التي تقوم على تجنب الخلاف ليست سوى وحدة مؤجلة الانفجار”. ذلك أن الاختلافات تُدار داخل جل التنظيمات السياسية بمنطق الإقصاء والإسكات تحت ذريعة “الحفاظ على هيبة الحزب ووحدة الصف”.
لذلك أدى الخنق الممنهج لثقافة النقد إلى تحول الأحزاب إلى مجرد أجهزة إدارية انتخابية، لا تصنع مشاريع مجتمعية ولا تنتج أفكاراً؛ بعدما تخلت عن جزء مهم من نخبها الملتزمة، فأضحت الديمقراطية الداخلية لا تُفرز النخب بناءً على الكفاءة، بل أصبحت طقساً شكلياً يُراد به شرعنة قرارات تُتخذ في الكواليس. فالحزب الذي يمنع مناضليه من التعبير عن وجعهم التنظيمي حفاظاً على “معنوياته”، هو كالمريض الذي يتجاهل مرضه حتى يستشري؛ قد تختفي المعارضة من الاجتماعات الرسمية، لكنها تتحول في الواقع إلى صمت، ثم لا مبالاة، فانسحاب يفرغ الحزب من كفاءاته الحقيقية.
ثانيا: موت المرشد: الترحال السياسي و “الرأس المال المشبوه”
تعد الخلفية الإيديولوجية مرشدا موجها لممارسة الحزب، إلا أنها اليوم أصبحت في حكم العدم؛ إنه الخواء الإيديولوجي، باستثناء أسماء الأحزاب المستوردة من الحقبة السوفياتية، حيث مات الالتزام الإيديولوجي وتبخر التفرد السياسي، ما قاد إلى إفراغ العملية الانتخابية من أي معنى ديمقراطي حقيقي. وأضحت المساحات السياسية مجالا يعج بالترحال السياسي وازلامه؛ نتيجة تخلي الأحزاب عن دورها كمدارس للتنشئة الأيديولوجية والتعبير السياسي، لتتحول إلى “دكاكين” تمنح التزكيات لمن يدفع أكثر؛ وهو ما عبر عنه الذين انسحبوا في الآونة الأخيرة من أحزاب عدة.
لذلك يجب الانتباه إلى هذا التحول الدراماتيكي الخطير في بنية النخب الحزبية؛ حيث لم يتم إغراق الأحزاب برأسماليين يحملون ثقافة “البورجوازية المواطنة” التي تستثمر وتخلق الثروة وتؤمن بقيم العمل والمنافسة، بل تم إغراقها بأشخاص راكموا أموالهم الطائلة من التهرب الضريبي، والتهريب، والغش في الصفقات العمومية، واقتصاد الريع بشكل عام. هؤلاء الوافدون الجدد لا تربطهم بالسياسة أي التزامات مبدئية، بل يبحثون عن الغطاء الحزبي والمقعد البرلماني كدرع لحماية مصالحهم الاقتصادية غير المشروعة. وبالتالي من الطبيعي، إذن، أن ينتقل هذا “الكائن الانتخابي” من حزب إلى آخر دون خجل، لأن ما يحركه ليس سقوط أيديولوجيا معينة، بل بوصلة المصالح والصفقات والحظوة والحصانة. إلخ.
ثالثا: أمين عام يتخشب: زعماء لا يموتون في السياسة
إن ما يشهده الحقل الحزبي المغربي اليوم، ونحن على مشارف استحقاقات 2026، لا يمكن اختزاله في مجرد أزمة عابرة أو عزوف انتخابي تكتيكي، بل نحن أمام حالة متقدمة من التردي السياسي. هذا التردي هو النتيجة الحتمية لمسار طويل من محو الديمقراطية الداخلية، حيث تُركت التنظيمات رهينة لـ أمين عام “يتخشب” ويرفض الانسحاب، ومُحاطة بحزام أمني من أزلام السياسة الذين يحرسون المعبد. في ظل هذا الواقع المأزوم، تتبخر الأيديولوجيا، وتُطرح التزكيات في المزاد العلني، ليجد المواطن نفسه أمام دكاكين انتخابية لا تملك من قرارها شيئاً. لذلك تعززت ظاهرة “الشخصنة” المرضية للتنظيمات السياسية، بعدما ارتبطت العديد من الأحزاب المغربية بأسماء “قادتها”، بطريقة أصبحت فيها المؤسسة هي الشخص والشخص هو المؤسسة؛ في استنساخ لثقافة سياسية مأزومة تشبه ما وصفه منصور خالد بـ “إدمان الفشل”، حيث نجد أن الولاء داخل الحزب لم يعد للمشروع، بل للقائد، الذي ليس زعيما تاريخيا في كل الأحول، ومحيطه المستفيد من الوضع القائم.
وعليه، أصبح من النادر، في المشهد الحزبي، أن نجد تداولاً حقيقياً على القيادة داخل التنظيمات الحزبية الحالية، ذلك أن قادة الأحزاب يعمرون لعقود في كراسيهم حتى “يتخشبون”، بل إن بعضهم لا يغادر منصب المسؤولية إلا إلى القبر أو الإقالة القسرية. هذا الانغلاق أسهم في قتل طموح الأجيال الشابة وشكل حصنا منيعا أمام أي مراجعة جادة للممارسة التنظيمية والسياسية بشكل عام، لأن نقد التجربة، في اعتقادهم، يُعتبر تدنيساً لمكانة الزعيم. وبالتالي يصبح التنظيم الذي فيه الدفاع عن القيادة أهم من الدفاع عن القضية، هو تنظيم يكتب نهاية صلاحيته بيده.
رابعا: اليسار: طموح الجماهير الشعبية يتبدد
مثل اليسار المغربي تعبيرا نوعيا عن تطلعات الجماهير الشعبية، وبخاصة الكادحة، خلال عقود معارضته لسياسات الحكم، إلا أن جزء منه، ورغم بعض الإنجازات التي أسهم في تحقيقها، خصوصا خلال حكومة التناوب التوافقي وما بعدها إلى حدود 2011، فقد بريقه بعدما تخلى عن جزء أساس من نخبه، التي عارضت أو تحفظت على مواقفه من جهة وكذلك تحمسه لخصخصة مراكز انتاج عدة، من جهة أخرى. والمحصلة أن اليسار الذي بُني تاريخياً على النقد المزدوج، والدفاع عن الجماهير الكادحة والديموقراطية والعدالة الاجتماعية والمؤسسات والدولة الوطنية واستقلال القرار الوطني، والوضوح الفكري، إلخ، وجد نفسه اليوم يسير نحو التمزق الأيديولوجي والتبدد السياسي.
لقد غُيِّب النقد والنقد الذاتي داخل الأحزاب اليسارية، وتحولت قياداتها إلى بيروقراطيات تستميت في الدفاع عن مواقعها ومكاسبها الضيقة في المجالس المنتخبة. والأسوأ من ذلك، البحث عن مقاعد انتخابية تبقيهم في واجهة المشهد، يتم الحصول عليها من جراء إغراق لوائحها الانتخابية بأعيان محليين وأشخاص لا علاقة لهم، لا من قريب ولا من بعيد، بقيم اليسار. كيف لحزب يساري أن يدافع عن العدالة الاجتماعية والشفافية، ومرشحه الأول في الإقليم من كبار المتهربين ضريبياً أو محتكري الصفقات المشبوهة؟ هذا الانفصام الصارخ أفقد اليسار مصداقيته التاريخية، وعزله عن قاعدته الجماهيرية، فبات يسمع صدى صوته فقط داخل مقراته الشبه فارغة، التي لا يفتح أغلبها إلا أثناء الحملات الانتخابية.
خامسا: الإسلام السياسي في فخ السلطة: من وهم “التمكين” إلى تراجيديا السقوط
جَسَّدَ اندفاع تيارات “الإسلام السياسي” للعمل من داخل المؤسسات، بخاصة التي انضوت تحت يافطة حزب العدالة والتنمية، مؤشرا قويا ينم عن قبولها بالمشروعية والشرعية القائمتين، بعدما بنى هذا التيار شرعيته على ادعاء “الطهرانية” الأخلاقية ونبذ الفساد، منتقلاً من جذوره الراديكالية (الشبيبة الإسلامية) إلى مرحلة “المراجعات” التي توجت بالاعتراف العلني بشرعية النظام وإمارة المؤمنين، وصولاً إلى الاندماج بشكل كامل في المؤسسات الدستورية من (2011-2021). إلا أن عقد من تدبير الحكومة كشف عن هشاشة المشروع. فالحزب الذي ركب موجة الحراك الشعبي، سرعان ما تحول إلى أداة طيعة لتمرير سياسات لا شعبية قاسية مست الشرائح الوسطى والفقيرة، مثل رفع أسعار المحروقات، وإصلاح أنظمة التقاعد على حساب الأجراء، وتهميش العمل النقابي من طريق الاقتطاع من أجور المضربين. وفي مفارقة صارخة لـ “الانفصام السياسي”، كان الحزب يمارس السلطة بلغة المعارضة؛ حيث وظف أمينه العام حينها، عبد الإله بنكيران، خطاباً شعبوياً يتحدث عن جهات “تتحكم” في المشهد، بينما كان في الوقت ذاته “يتزلف” للسلطة ويتنازل عن صلاحياته الدستورية.
ومثله مثل أحزاب اليسار التقليدي، أجهض هو الآخر الديمقراطية الداخلية، بعدما كان قدوة بشكل أو آخر في هذا الجانب، وذلك من خلال طريقة تعاطيه مع أزمته بعد “البلوكاج” الحكومي سنة 2016؛ حينما عُزل بنكيران وكُلف العثماني، فدُفنت التناقضات تحت ستار “الوحدة والانضباط التنظيمي”. وأُسكتت الأصوات الناقدة من داخله، وتحولت القيادة إلى تيار يبحث عن التوافقات بأي ثمن للحفاظ على الكراسي. النتيجة كانت “تراجيديا السقوط” في انتخابات 2021؛ تراجع من 125 مقعداً إلى 13 مقعداً. لقد سقط الحزب لأنه خاف أن ينظر في المرآة، وتخلى عن النقد، وبرر الفساد، ووقع على سياسات تتناقض مع جوهر خطابه (بما فيها التطبيع)، ليتحول في النهاية إلى مجرد آلة انتخابية فقدت روحها، شأنه في ذلك شأن أحزاب الإدارة التي طالما انتقدها؛ بخاصة بعدما تركه جزء كبير من نخبه مقابل عودة أمينه العام السابق لقيادته، بعدما عجز رَحِمُه عن إنجاب قائد جديد.
خلاصة القول؛ لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين، ولا سياسة بدون أحزاب حقيقية تمتلك استقلاليتها الفكرية والتنظيمية. إن استمرار إغراق الحقل الحزبي بأثرياء الأزمات والتهريب، واستمرار اغتيال النقد الداخلي، سواء باسم مركزية اليسار أو طاعة الإسلاميين أو براغماتية الإدارة، لا يدفعان فقط نحو عزوف انتخابي كاسح، بل يخلقان فراغاً مؤسساتياً خطيراً. وفي غياب وسائط سياسية ذات مصداقية، يصبح الشارع في مواجهة مباشرة ومكشوفة مع الدولة، وهو مسار محفوف بالمخاطر لكل مجتمع ينشد الاستقرار والتطور.
إن تجاوز حالة “إدمان الفشل” التي تعيشها الأحزاب المغربية يتطلب قطيعة جذرية مع الممارسات العقيمة التي أفقدت العمل السياسي نُبله. فالإصلاح لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة ملحة لبقاء هذه الوسائط السياسية وتجنيب البلاد أخطار الفراغ السياسي. ولتجاوز الوضع المأزوم لا بد من تكريس مايلي:
– إرساء ديمقراطية داخلية حقيقية تفعيلاً للوثيقة الدستورية: من خلال التقييد الصارم للولايات وذلك تفعيلا للفصل 07 من دستور 2011، الذي نص صراحة على أنه “يجب أن يكون تنظيم الأحزاب السياسية وتسييرها مطابقاً للمبادئ الديمقراطية”. وبما أن التداول على السلطة وتقييد الولايات هما في صلب وجوهر أي ممارسة ديمقراطية، بات من الضروري تفعيل هذا البند الدستوري المعطل. وذلك من خلال سن نصوص قانونية وتنظيمية تلزم الأحزاب بتحديد ولايات الأمناء العامين ورؤساء الأجهزة في فترتين فقط، لضمان تجديد النخب، وفتح الباب أمام الأجيال الشابة، وإنهاء ظاهرة “الزعيم الأوحد” و”الشخصنة” المرضية؛
– مأسسة ثقافة النقد والاختلاف: تحويل التنظيمات إلى فضاءات تتسع لتعدد الآراء، من خلال خلق آليات داخلية مستقلة تحمي حرية التعبير، وتجعل النقد أداة للتقويم المنهجي بدل اعتباره مؤامرة تستوجب الطرد والتخوين؛
– التفعيل الجذري لقانون “من أين لك هذا؟”: فرض تدقيق صارم وشفاف على ثروات المرشحين، ومنع تزكية كل من تحوم حوله شبهات التهرب الضريبي، أو الغش في الصفقات العمومية، أو استغلال اقتصاد الريع. إلخ، وإعادة الاعتبار للالتزام السياسي ووضع حد للترحال؛
– الفصل بين السلطة والثروة، من خلال سن تشريعات واضحة تمنع الجمع بين تدبير الشأن العام (كالاستوزار أو رئاسة مجالس الجهات والعمالات والاقاليم والجماعات) وبين امتلاك مصالح اقتصادية كبرى في نفس القطاعات، تفادياً لتضارب المصالح؛
– الوضوح الأيديولوجي: ضرورة قيام الأحزاب اليسارية بنقد ذاتي حقيقي والعودة للدفاع عن العدالة الاجتماعية بعيداً عن مساومات المناصب، ومطالبة أحزاب/تيارات المرجعية الإسلامية بتقديم مشاريع مدنية واضحة تُبعد الدين عن التوظيف الانتخابوي والسياسوي؛
– إحياء وظيفة التأطير: تحويل المقرات الحزبية من مجرد مكاتب تفتح أبوابها في المواسم الانتخابية، إلى مدارس للتنشئة السياسية والتثقيف المدني طيلة أيام العام؛
– الحياد الإيجابي والكامل للإدارة: إنهاء أي تدخل مباشر أو غير مباشر في هندسة الخرائط الانتخابية أو توجيه التحالفات، وترك الكلمة الفصل للمواطن ولصناديق الاقتراع لتفرز نُخباً حقيقية تعكس إرادة المواطنين.
– مراجعة النمط الانتخابي: صياغة قوانين انتخابية تشجع على التصويت على “البرامج والأفكار” لتقليص نفوذ “الأعيان” والعصبيات القبلية والمناطقية والمالية المرتبطة بالتصويت الفردي المحلي؛
وبالتالي، فإن إنقاذ الحياة السياسية في المغرب هي مسؤولية جماعية؛ تتطلب شجاعة من القيادات للتنحي، وصرامة في تطبيق النص الدستوري، وإرادة من الدولة لضمان استقلالية الفاعلين السياسيين.
*أستاذ القانون العام والعلوم السياسية، جامعة ابن زهر
