قانون المحاماة الجديد بين التنظيم والوصاية: هل انتهى عصر الدفاع الحر؟
هل هي النهاية؟ هل يمكن أن تكون المحاماة حرة ومستقلة، والدفاع متمتعا بالحصانة اللازمة لضمان المحاكمة العادلة، بقانون يضع استقلالها وحصانتها تحت الحصار؟
آراء أخرى
قد يبدو السؤال، للوهلة الأولى، استفزازيا أكثر منه قانونيا. غير أن قراءة متأنية لمقتضيات القانون رقم 23.66 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة تكشف أن السؤال ليس مجرد ترف فكري، ولا محاولة لافتعال مواجهة بين المهنة والمشرع، وإنما هو سؤال حقيقي تفرضه طبيعة التحولات التي حملها النص الجديد، في الصيغة النهائية المنشورة بالجريدة الرسمية، ومدى انسجامها مع المكانة الدستورية للمحاماة باعتبارها إحدى الضمانات الأساسية للحق في الدفاع وللمحاكمة العادلة.
فالمحاماة ليست مجرد مهنة تؤدى في مكاتب خاصة، وليست مجرد نشاط مهني غايته تمثيل الأشخاص أمام القضاء. إنها، في المفهوم القانوني والحقوقي الحديث، رسالة دفاعية ذات طبيعة مزدوجة؛ قضائية وحقوقية، تتجاوز حدود الممارسة المهنية أو التمثيل الإجرائي في أروقة المحاكم. فاستقلال هذه المهنة يُعد ركنا وثيق الصلة باستقلال السلطة القضائية ونزاهة العدالة برمتها؛ إذ إن أي تراجع في ضمانات استقلالية الدفاع أو تحصينه من الخوف والملاحقة والتضييق التنظيمي لا يُعد مساسا بامتياز المهنة وحسب، بل ينعكس مباشرة كتقويض لحق المتقاضي الأصيل في التوفر على دفاع حر ومستقل كفيل بصون حقوقه.
ولعل المفارقة التي تستوقف الباحث منذ الوهلة الأولى أن المشرع نفسه أعلن، في مستهل القانون الجديد، أن المحاماة مهنة حرة ومستقلة، وأنها تساهم في تحقيق العدالة وفي الدفاع عن الحقوق والحريات. غير أن التحليل الأكاديمي للنص يثير إشكالية محورية تدور حول القيمة القانونية لهذا الإعلان المبدئي، ومدى انسجامه مع الأحكام الموالية التي قد تفرضه من قيود واسعة، أو رقابة متعددة الجهات، أو جزاءات تتخطى النطاق المهني المحض. ومن ثم فإن السؤال الجوهري لا يقف عند مدى نجاح التشريع الجديد في تنظيم المهنة، وإنما يمتد لتمحيص مدى التزامه بالحدود الدستورية والمعايير الدولية المؤطرة لاستقلال مهنة الدفاع.
إن استقلال المحاماة وحصانة الدفاع لا ينبغي تصورهما كحقوق أو امتيازات ذاتية شخصية للمحامي، بل هما الركيزة الأساس لفعالية حق الدفاع وعنصر لا ينفصل عن مفهوم المحاكمة العادلة في دولة الحق والقانون. فالمحامي الذي يفتقر إلى الحرية الكافية في التعبير والطعن والمرافعة، دون هاجس التبعات أو المساءلة عن مقتضيات الدفاع، يتعذر عليه أداء وظيفته القضائية بنجاعة. ومن هذا المنطلق تتجلى ضرورة التمييز بين المساءلة المشروعة عن الانحراف المهني والخروج عن الضوابط، وبين تحويل آليات التنظيم والرقابة والتأديب إلى وسيلة وصاية تخل بحرية الدفاع وتتجاوز متطلبات النظام العام القضائي.
وهكذا، يغدو القضاء المستقل والتشريع المنصف غير كافيين لضمان منظومة العدالة ما لم يتوفر للمدافع الاستقلال الموازي والضمانات الكافية لمواجهة كافة أطراف الدعوى. ولذلك تبلورت استقلالية المحامي في الفكر الحقوقي والاتفاقي المعاصر كمبدأ أساسي في منظومة حقوق الإنسان؛ يتكامل مع المقتضيات الدستورية الوطنية (خاصة الفصول المتعلقة بالمحاكمة العادلة وحقوق الدفاع) ومع الالتزامات الدولية للمملكة المغربية، لاسيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (خاصة المواد 14 و19 و22)، فضلا عن المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين المعتمدة لدى الأمم المتحدة سنة 1990.
وفي التقييم المنهجي للقانون رقم 23.66، يستلزم الأمر إخضاع مقتضياته التفصيلية المتعلقة بالولوج، والتكوين، والحصانة، والتأديب، وتدخل النيابة العامة، والمساعدة القضائية، ومراقبة المكاتب لقراءة دستورية وحقوقية رصينة تفحص مدى توفيق التشريع بين سلطة الدولة التنظيمية وحق المهنة الاستقلالي. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن عدم بت المحكمة الدستورية في الإحالة المتعلقة بهذا القانون بموجب قرارها رقم 277/2026 (حيث قضت بتعذر البت “على حالها”) يترك الباب مفتوحا لمساءلة مدى ملاءمة مقتضياته للكتلة الدستورية والاتفاقية، بغية طرح قراءة تصحيحية تُعيد لمبدأ استقلال المهنة مقصده الأسمى باعتباره ضمانة للمتقاضي ولإقامة دولة المؤسسات وسيادة القانون.
ومن هذا المنطلق، وبعد قراءة عميقة ومركزة للنص الكامل للقانون رقم 23.66 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، ومقارنته بمقتضيات الدستور المغربي وبالمعايير الدولية لاستقلال مهنة المحاماة وحقوق الدفاع، يمكن بناء تشريح نقدي واسع للنص.
ولعل البداية ينبغي أن تكون من هذه الملاحظة المنهجية المهمة: ذلك أنه لا يعني ادعاؤنا وجود خلل دستوري محتمل أن المادة غير دستورية حتما، فالحسم في ذلك من اختصاص المحكمة الدستورية التي «تعذر» عليها البث، كما لا يمكن اعتبار ذلك القرار تزكية لدستورية القانون.
كما أن المرجعية الدستورية الأساسية هنا تتمثل خصوصا في الفصول 6، 19، 20، 22، 23، 24، 25، 27، 28، 29، 31، 117، 118، 119، 120، 121، 123، 126، 127، 132 و154، فضلا عن تصدير الدستور الذي يجعل الاتفاقيات الدولية المصادق عليها والمنشورة، في نطاق أحكام الدستور وقوانين المملكة وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو على التشريعات الوطنية.
أما دوليا، فالمغرب طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية منذ 3 ماي 1979. وتكتسب أهمية خاصة المادة 14 منه المتعلقة بالمحاكمة العادلة وحق الدفاع، والمادتان 19 و22 المتعلقتان بحرية التعبير وتكوين الجمعيات والنقابات. أما المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين، المعتمدة في مؤتمر الأمم المتحدة الثامن سنة 1990، فهي ليست معاهدة بالمعنى التقني، لكنها تمثل معيارا دوليا أساسيا لاستقلال المهنة.
وقد سبق لنا أن خصصنا دراسة مستقلة لهذا النص القانوني، حملت عنوان “هل هي نهاية زمن استقلال المحاماة وحصانة الدفاع؟ ! قراءة نقدية في القانون 23.66 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة على ضوء الدستور والمعايير الدولية”، تناولنا فيها بالتحليل أربعين مادة من القانون رقم 23.66، وذلك بعد عرض مضامينها، ثم تبيان مواطن الاعتراض عليها، مع تقديم مقترحات إصلاحية ترمي إلى صيانة المكتسبات الحقوقية التي راكمها المغرب في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة. غير أن هذا المقال يأتي في سياق مختلف، إذ يسعى إلى تكثيف ما ورد في تلك الدراسة، تجنبا للإطالة على القارئ غير المتخصص، مع الحرص على إيضاح جوهر الخلاف المنهجي مع المشرع، والأسباب التي أدت إلى حالة الاحتجاج الحادة التي عبرت عنها جمعية هيئات المحامين، والتي تجلت في مقاطعة تقديم الخدمات المهنية على امتداد عدة أشهر، مع ما صاحب ذلك من وقفات وتعبيرات احتجاجية.
تُقدم هذه المقالة تصنيفا شاملا لأبرز الخروقات والتحفظات القانونية التي شابت نص القانون رقم 23.66 موزعة على محاور مفصلة تفكك المواد المعنية، وتوضح أوجه الانتقاد، مع طرح المقترحات الإصلاحية والتعديلية الكفيلة بإعادة التوازن لصرح العدالة.
أولا: المواد الممثلة للمخالفات والتحفظات الدستورية
تتعارض جملة من المقتضيات الواردة في هذا القانون مع المبادئ والدعامات التي أقرها الدستور المغربي، ولا سيما مبادئ المساواة أمام القانون (الفصل 6)، وقرينة البراءة (الفصل 119)، والحق في حماية المعطيات الشخصية (الفصل 24)، والديمقراطية المهنية (الفصل 31).
إن المادة 5 من القانون المتعلقة بتسقيف سن الولوج وجعله بين 21 و 45 سنة) تتعارض مع مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص؛ إذ إن مبدأ الكفاءة يتحقق عبر الشواهد الأكاديمية واجتياز المبارة، وليس تحديد العمر الذي يمارس تمييزا غير مبرر موضوعيا. ونقترح في هذا الإطار إلغاء الحد الأقصى للسن أو رفعه بشكل جوهري، وربط الاستحقاق بالمعيار العلمي والتأهيل والتكوين.
أما المادة 9 فقرة 5 والتي تفرض شرط القدرة الصحية على ممارسة مهنة المحاماة، فإن هذا الشرط فضفاض الصياغة ويتميز بغموض كبير على مستوى المعايير والجهات المكلفة بالتقييم، مما قد يُستغل لإقصاء أشخاص بعينهم أو بمجرد حصول إعاقة دون ضمان لحق الطعن أو سرية المعطيات. وكان الأحرى حصر الشرط في “العجز الموضوعي التام عن ممارسة المهام الأساسية” بعد تقييم طبي مستقل يحفظ السرية ويضمن الطعن القضائي.
وبالنسبة للمادة 5 فقرة 5 التي تطرقت لمسألة استمرار أثر الإدانة رغم رد الاعتبار، فإن وجه الانتقاد هنا ينطوي على وجود توتر صريح مع الفلسفة الجنائية لرد الاعتبار، حيث تُبقي هذه الفقرة على الأثر العقابي مانعا أبديا للولوج للمهنة. ومقترح التعديل يدافع على حصر المانع في الجرائم الجسيمة المخلة بأمانة المهنة، مع إعمال الأثر القانوني الكامل لرد الاعتبار بعد انقضاء مدد معقولة.
وفيما يخص المادتان 25 و 92 المتعلقة بنشر المعطيات الشخصية للمحامي ونشر العقوبات على دعامات الكترونية، فإن انتقادنا يتجلى في رفض نشر التفاصيل الشديدة الخصوصية للمحامين (كالبريد ورقم الهاتف) حماية للحياة الخاصة. كما أن النشر الإلكتروني لمنطوق العقوبات التأديبية (المادة 92) يشكل عقوبة مضاعفة ومؤبدة تمس بالسمعة. وعليه فإننا نقترح الاقتصار على البيانات المهنية الأساسية في جداول الهيئة، واقتصار نشر العقوبات على المقررات النهائية وبوسائل نشر مهنية محددة تسقط بمرور مدة رد الاعتبار.
وننتقل الى المادة 76 التي توجب إخضاع حسابات الهيئات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، ووجه الانتقاد هنا يتجلى في خطأ تكييف أموال الودائع والأداءات واعتبارها أموال عمومية؛ فالأموال المودعة هي ملك خاص للموكلين لدى مؤسسة مهنية مستقلة، وإخضاعها لجهاز رقابة المال العام يُعد مساسا بالاستقلالية المالية والمؤسساتية. ونقترح تعديل هذا المقتضى بحصر رقابة المجلس الأعلى للحسابات في الجزء المتعلق بالدعم العمومي إن وجد، أو المال العمومي إن وجد، واستبدالها بنظام رقابة مالية داخلي وشفاف تعتمده الهيئات.
أما المادتان 89 و 90 المتعلقتان بتوقيف المتمرن لمجرد المتابعة الجنائية، فإن انتقادنا يرتكز على أن التوقيف المبني على مجرد فتح المتابعة يشكل خرقا صريحا لقرينة البراءة المضمونة دستوريا في الفصل 119. ونقترح حظر التوقيف التلقائي وجعله تدبيرا استثنائيا مبررا بوجود خطورة جارفة، مع ربط العقوبات النهائية بصدور أحكام قضائية حائزة لقوة الشيء المقضي به.
وبالنسبة للمواد 120 و 123 و 133 و 134 التي تفرض جميعها قيودا على الحكامة والديمقراطية الانتخابية الداخلية، فإن وجه انتقادنا ينصرف إلى كون هذه المواد تصادر الإرادة الديمقراطية للمحامين من خلال احتكار المجلس لجدول أعمال الجمعية العامة (م 120)، وتقسيم فئات العضوية بحصص تحرم المحامين الشباب أو المبتدئين (أقل من 10 سنوات) من التمثيلية المتكافئة (م 123)، وفرض شروط تعجيزية للترشح لمنصب النقيب كأقدمية 20 سنة والعضوية السابقة (م 133). ونقترح تعديل هذه المواد بتكريس خيار الاقتراع الحر، وتوسيع الحق في إدراج جدول الأعمال بطلب من نسبة من الأعضاء، وخفض شرط الترشح للنقيب إلى 10 أو حتى خمس سنوات دون اشتراط عضوية سابقة. وذلك على غرار التجربة الفرنسية التي لا تشترط سوى 4 سنوات دون التطرق إلى عضوية سابقة في المجلس.
ثانيا: المواد المخالفة للمواثيق والمعايير الدولية واستقلالية المهنة
تتعارض العديد من أحكام القانون رقم 23.66 مع التزامات المغرب الدولية، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (خاصة المواد 14 و19 و22)، و”المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين” (مؤتمر الأمم المتحدة 1990).
إن المادتان 11 و 39 من القانون تعطي هيمنة واضحة للسلطة التنفيذية على مباراة الولوج والتأهيل، إن إسناد تنظيم مباراة الولوج، ونظام التكوين، وتأهيل الترافع أمام محكمة النقض كليا لوزارة العدل، ينشئ تبعية مؤسساتية للسلطة التنفيذية، مما يتناقض والمعايير الدولية التي تؤكد على ضرورة استقلال أجهزة التأهيل المهني. ونقترح هاهنا إنشاء هيئة مستقلة ذات تمثيلية مهنية وقضائية وأكاديمية تشرف على المباريات والتكوين، مع الاقتصار على دور الرقابة المعيارية للدولة.
وبالنسبة للمادتين 34 و 35 وسلطة وزير العدل بشأن المحامين والمكاتب الأجنبية، فإن انتقادنا يعتبر أن هذا المقتضى الذي منح وزير العدل سلطة تقديرية في الترخيص للمحامي الأجنبي أو المكاتب الأجنبية إنما يشكل مساسا خطيرا بشرط الاستقلال التام للترخيص المهني. وعليه فاقتراحنا يبتغي إسناد اختصاص الترخيص حصرا للمؤسسات المهنية (النقيب ومجلس الهيئة) وفق معايير موضوعية يخضع قرارها للطعن القضائي.
وأما المادة 45 التي تقر حظرا مطلقا للإشهار وتشترط الإذن المسبق للمحامي لإنشاء موقع إلكتروني، فإن ذلك يتنافى مع حرية التعبير والتواصل المهني والحصول على المعلومات المكفولة بموجب المادة 19 من العهد الدولي. ونقترح في هذا الإطار جعل المنع محصورا في الإشهار التجاري المضلل والاستمالة غير المشروعة، مع السماح بالإعلام المهني الموضوعي واعتماد آلية التصريح أو الرقابة اللاحقة بدلا من الترخيص المسبق.
وبالنسبة للمادة 50 المتعلقة بمنع التوقف الجماعي عن تقديم الخدمات المهنية وإمكانية الاحتجاج “في كل الأحوال”، فإن هذا المقتضى يُشكل مصادرة لحق تنظيم الاحتجاج المهني والمكفول في المواثيق الدولية. وكان ينبغي هنا المحافظة على الحق في الاحتجاج والتوقف مع إقرار آليات “الحد الأدنى من الخدمة” لحماية القضايا الاستعجالية وقضايا الجنايات والمتابعات في حالة اعتقال، بدلا من الحظر الكلي.
وبخصوص المواد 99 إلى 102 و 138 التي تقر تدخلا مباشرا من طرف النيابة العامة الوصائي في التأديب وإبطال القرارات الصادرة عن النقيب، فإن وجه انتقادنا يركز على أن إلزام النقيب بإحالة الشكايات للوكيل العام وإعطاء هذا الأخير حق منازعة الحفظ أو طلب إبطال القرارات الإدارية للهيئة، من شأنه أن يحول النيابة العامة إلى طرف وصي على المهنة ويتدخل في كل مرة في الإدارة والتأديب المهني، وكأننا أمام قسم أو مصلحة تابعة في التسلسل الإداري للنيابة العامة، وهو ما يتناقض كليا مع مبدأ التنظيم الذاتي للمهن الحرة. ونقترح هنا حصر دور النيابة العامة في تحريك الدعوى العمومية في حالة وجود جرائم جنائية، مع ترك الاختصاص التأديبي والتدبيري كاملا للأجهزة المهنية والقضاء المستقل عند الطعن.
ثالثا: المواد المهددة لمبدأ المحاكمة العادلة وحقوق المتقاضين
إن المحاكمة العادلة لا تستقيم إلا بحضور دفاع حقيقي يمتلك أسباب القوة والمساواة الإجرائية، ولا يخضع لضغوط تُعطل واجبه الحقوقي.
وفي هذا الإطار، نسجل أن المادة 8 من القانون، المتعلقة بصيغة اليمين القانونية، والتي يؤديها المحامي بمناسبة تسجيله الرسمي، جاءت موسعة وفضفاضة، ذلك أن تضمين اليمين عبارات واسعة من قبيل عدم الحياد عن الاحترام الواجب للمؤسسات القضائية وقواعد المهنة والمحافظة على السر المهني عدم البوح أو نشر ما يخالف القوانين والأنظمة والأخلاق العامة أو يمس بأمن الدولة والسلم العمومي” يمكن أن يُتخذ ذريعة لتقييد دفاع المحامي عن المتهمين في القضايا السياسية وقضايا الرأي. وعليه فإن مقترح تعديل هذه الفقرة ينحو في اتجاه حصر اليمين في الالتزام بالسر المهني، ونزاهة الدفاع، واحترام القانون والأخلاقيات المهنية.
وأن المادة 48 التي جعلت من التبليغ سواء الكترونيا أو بمقر الهيئة تترتب عنه الآثار القانونية، فإن انتقادنا يركز على كون اعتماد هذا النوع من التبليغ، الإلكتروني أو بمقر الهيئة، عند تعذر تبليغ المكتب كتبليغ صحيح فإنه يضر بحقوق المتقاضين والمحامي بسبب عدم تحقق العلم اليقيني، خاصة في ظل تباين الإمكانيات الرقمية بين المحامين بمختلف أعمارهم وأجيالهم ومستوياتهم. وفي هذا الإطار نقترح إقرار تراتبية إجرائية صارمة تبدأ بالتبليغ الشخصي، ثم عن طريق المفوض القضائي والبريد المضمون قبل اللجوء المقيد للشكل الإلكتروني.
وبالنسبة للمواد 51 إلى 53 المتعلقة بالمساعدة القضائية، فإننا نرى أن إلزام المحامي بالمساعدة القضائية تحت طائلة التأديب وبغياب تعويض عادل وسريع من الدولة (بانتظار نص تنظيمي) يحول واجب الدولة في ضمان الدفاع إلى عبء مهني. وهنا نقترح ضمان تعويض مجز وصرفه في أجل لا يتجاوز شهرين من خزينة الدولة، مع السماح للمتقاضي باختيار محاميه ولو في إطار المساعدة القضائية، وإعطاء المحامي حق الاعتذار لأسباب موضوعية كنقص الكفاءة في نوع من القضايا أو غياب التخصص.
وبخصوص المادة 100 التي تجعل مجلس الهيئة يجمع بين سلطتي التحقيق والحكم، فإن تكليف عضو من المجلس بالتحقيق ثم قيام المجلس نفسه بالمحاكمة التأديبية يخل بمسألة الحياد الاستقلالي الهيكلي وفصل سلطة الاتهام عن الحكم. والحال أنه ينبغي إنشاء لجنة تحقيق مستقلة عن مجلس الهيئة المكلف بإصدار الأحكام التأديبية.
وفيما يتعلق بالمادة 141 التي تشكل اختلالا في التوازن والمساواة على مستوى الإجراءات، فإن إعفاء الوكيل العام والنقيب من الرسوم القضائية والتمثيل بمحام عند الطعن، في مقابل إلزام المحامي بذلك، يخل بشرط المساواة في السلاح الإجرائي (L’égalité des armes). وفي هذا الإطار نقترح تعديل هذه المادة نحو إقرار تكافؤ إجرائي تام في الرسوم والآجال والتمثيل القانوني بين كافة الأطراف.
رابعا: المواد المهددة لمبدأ حصانة الدفاع وحماية الممارسة المهنية
إن حصانة الدفاع ليست امتيازا شخصيا للمحامي، بل هي الضمانة الوحيدة ليتمكن من قول الحقيقة عندما تكون مزعجة، بلا خوف أمام المحكمة.
وفي هذا الإطار نرى أن المادة 46 تفرض ظاهرا حماية السر المهني وسرية التحقيق ولكن بنصوص مطلقة. إن الصياغة المطلقة لمنع نشر أي وثائق أو معلومات متعلقة بالبحث الجاري تحرم المحامي من حقه في التنوير الإعلامي أو الدفاع عن نفسه وموكله في القضايا الموجهة للرأي العام. ومقترح التعديل يصب في اتجاه استثناء حالات حق الدفاع عن النفس والسمعة، أو المعلومات التي أصبحت علنية، أو ما تقتضيه مصلحة الدفاع العليا وفق ضوابط محددة.
وأما المادتان 74 و 75 المتعلقتان بالتفتيش، فإن فتح المجال للتفتيش التلقائي أو بناء على طلب النيابة العامة للحسابات ومكاتب المحاماة مرة في السنة هكذا ودون مبرر موضوعي، ولكل مكاتب المحاماة في البلاد، قد ينحرف ليتحول إلى وسيلة للتفتيش العام بقصد الضغط أو التحايل لتجاوز حماية السر المهني. وهنا نقترح فقط اشتراط وجود أسباب وقرائن محددة بنص القانون للتفتيش، وأن يتم تحت إشراف وتواجد النقيب حصرا مع حظر الاطلاع على ملفات الدفاع إلا بأمر قضائي معلل.
وبخصوص المادة 78 التي جاءت بصيغة ضبابية لإقرار مبدأ حصانة الدفاع، فإن حصر عدم المسؤولية والحصانة فيما “يستلزمه حق الدفاع” يترك سلطة تقدير هذا “الاستلزام” لجهات قد تفسره بتضييق ينزع عن الحصانة جوهرها الحامي. ومقترح التعديل يتمثل في تبني صياغة صريحة تنص على عدم جواز متابعة المحامي مدنيا أو جنائيا أو تأديبيا عن المرافعات والكتابات المهنية الصادرة بحسن نية في إطار مهامه، مع استثناء أفعال التزوير أو القذف والسب الصريح وكفى.
كذلك، فإن المادة 91 جرمت تأديبيا سلوكات المحامي حتى لو ارتكبت خارج النطاق المهني، وقد بينا وجه انتقادنا لهذا المقتضى الخطير، المتمثل في أن معاقبة المحامي تأديبيا على أفعال شخصية بدعوى خرق “الشرف والمروءة” يفتح الباب للتجسس على الحياة الخاصة والمساس بالحرية الشخصية للمحامي، والتي قد تمتد إلى سرير نومه أو رصد مكالماته وشبكة علاقاته الشخصية. وهنا على المشرع تدارك هذا التجاوز بحصر التأديب الجاري على الأفعال المرتكبة خارج المهنة في الجرائم الجسيمة المثبتة بحكم قضائي نهائي مخل بالأمانة وفقط.
وأما المادة 98 من القانون، التي تقر المنع المؤقت للمحامي من ممارسة مهامه مع النفاذ المعجل لهذا القرار رغم الطعن، وذلك في حالة المتابعة الجنائية، فإن تنفيذ قرار المنع أثناء المتابعة “رغم الطعن” يتضمن ويشكل عقوبة مقنعة ومسبقة قبل ثبوت المنسوب إليه بحكم نهائي. ومقترح التعديل أن يتم جعل النفاذ المعجل استثناء ضيقا مقرونا بشرط التعليل الفائق والوجود الفعلي لخطورة داهمة، مع إقرار مسطرة استعجالية لإيقاف التنفيذ أمام القضاء الاستئنافي. وإلا تحولت كل متابعة جنائية، رغم ما قد تنتهي إليه من براءة أو سقوط أو إلغاء، إلى عقوبة قاسية في حد ذاتها ضد المحامي الشريف.
خاتمة مسار الإصلاح:
إن قراءة النص الكامل للقانون رقم 23.66 تؤكد الحاجة الماسة والمستعجلة لمراجعة شجاعة وموضوعية لمختلف مقتضياته. فالهدف النهائي من التشريع لا ينبغي أن يقتصر على تكبيل أجهزة المهنة بالرقابة أو التضييق على الفاعلين فيها، بل يجب أن يتجه نحو تحقيق “معادلة متوازنة” تحفظ للدولة حقها في تنظيم المرافق العامة، وللمتقاضين حقهم في العدالة الناجزة، وللمحاماة استقلاليتها وحصانتها المفصلية. إن التعديلات المقترحة تشكل أرضية صلبة لتجاوز هذه الاختلالات وصيانة المبادئ الدستورية والمعايير الدولية، لتبقى المحاماة حصنا منيعا لحماية الحقوق والحريات في دولة محمد السادس، المحامي الأول.
