الصينيون في أحيائنا وحاراتنا ومقاهينا وحتى أمام أبواب مساجدنا
من البيع المباشر إلى المنافسة على فائض القيمة
آراء أخرى
لم تعد العولمة الاقتصادية ظاهرة نقرأ عنها في التقارير الدولية، أو نتابع أخبارها في البورصات والموانئ والمناطق الصناعية الكبرى، بل أصبحت تمشي في أزقتنا، وتجلس معنا في المقاهي، وتطرق أبواب فضاءاتنا اليومية. وكلما صادفت في أحيائنا المغربية رجالًا ونساءً من الصين يعرضون للبيع منتجات متنوعة، عادت بي الذاكرة إلى سنوات الصبا بمدينة آسفي، في نهاية ستينيات القرن الماضي وبداية السبعينيات منه، حين كان تجار إسبان وبرتغاليون يطرقون أبواب منازلنا، وكنا نتسابق إلى فتح الباب، لنجد أمامنا رجلًا إسبانيًا أو برتغاليًا يحمل على كتفه أثوابًا كثيرة، نسائية ورجالية، يعرضها للبيع. لا أذكر إن كانوا يجلبون تلك الأثواب من بلدانهم، أم كانوا يعملون لحساب بعض تجار الأثواب اليهود المغاربة الذين كان لهم حضور في هذا المجال، تمامًا كما كان عدد من أشهر الخياطين في المدينة من اليهود، رجالًا ونساءً. لا أتذكر سوى ذلك المشهد الذي ظل عالقًا بذاكرتي، بكل ما كان يحمله من تفاصيل الحياة اليومية في آسفي آنذاك.
لكن استحضار هذه الذكرى اليوم يستدعي سؤالًا يتجاوز الحنين إلى الماضي، فقد كانت إسبانيا، في تلك الفترة، لا تزال تحت حكم دكتاتورية فرانكو، وكانت البرتغال بدورها تعيش تحت نظام سلطوي لم ينتهِ إلا بثورة أبريل سنة 1974. ونعلم أن تلك المرحلة شهدت هجرة لأسباب اقتصادية وسياسية، وأن بعض الإسبان والبرتغاليين كانوا يغادرون بلدانهم هربًا من القمع أو بحثًا عن العمل وحياة أفضل. غير أنني لا أملك ما يسمح لي بالجزم بأن أولئك التجار الذين كانوا يطرقون أبوابنا كانوا من المعارضين السياسيين أو من الفارين من أجهزة الشرطة؛ إنها مجرد فرضية تستحضرها الذاكرة في ضوء السياق التاريخي الذي كانت تعيشه بلدانهم.
واليوم، وبعد مرور أكثر من نصف قرن، يتكرر أمامي مشهد يشبه ذلك الذي عرفته في طفولتي، وإن اختلفت الجنسيات والسلع والسياقات التاريخية. فبدلًا من الإسبان والبرتغاليين الذين كانوا يعرضون الأثواب، نرى صينيين وصينيات، من أعمار مختلفة، يتنقلون بين أحيائنا ومقاهينا، حاملين منتجات إلكترونية وسلعًا متنوعة، ويعرضونها بأسعار مغرية، مستعينين أحيانًا بهواتفهم الذكية للتواصل مع الزبائن وترجمة الحديث إلى العربية.
سؤال يفرض نفسه ولا أدعي امتلاك إجابته: ما الذي يدفع هؤلاء الصينيين إلى الوصول إلى أحيائنا والبيع مباشرة للمستهلك؟ هل يتعلق الأمر أساسًا بفرص الربح وتوسيع الأسواق، أم أن وراء هذه الظاهرة تحولات اقتصادية واجتماعية أخرى؟ وإذا كان تجار الأمس قد تحركوا في سياق تاريخي اتسم بالدكتاتورية والهجرة والبحث عن الرزق، فما السياق الذي ينبغي أن نفهم فيه حركة تجار اليوم؟ إن المقارنة بين المشهدين لا تعني أن دوافع أصحابهما واحدة، وإنما تفرض علينا أسئلة عن العلاقة بين الظروف السياسية والاقتصادية، وحركة الأشخاص والسلع، وقدرة الأسواق على جذب من يبحثون فيها عن فرص جديدة. ومن هنا تنطلق هذه القراءة الاقتصادية والسياسية للظاهرة، لا من أحكام مسبقة على الأشخاص، بل من محاولة فهم ما تكشفه تجارتهم عن التحولات التي يعرفها الاقتصاد العالمي، وعن موقع المغرب داخلها، وعن آثارها على المستهلك والتاجر المحلي والاقتصاد الوطني.
واللافت في هذه الظاهرة ليس وجود منتجات صينية في السوق المغربية، فذلك أمر قديم ومعروف، بل انتقال بعض أشكال النشاط التجاري إلى قلب الحياة اليومية للمغاربة، فالبائع الذي كان ينتظر الزبون في متجر أو سوق تجاري، أصبح يأتي إليه في الحي أو المقهى أو حتى أمام باب المسجد. كما أن بعض هؤلاء الوافدين يتحدثون العربية، ولو بصعوبة، بينما يستعين آخرون بهواتفهم الذكية التي تتيح لهم ترجمة الكلام والتواصل مع الزبائن. ونرى بينهم نساءً ورجالًا في أعمار متقدمة وشبابًا في مقتبل العمر، بما يجعل المشهد جديرًا بالملاحظة والتساؤل، لا باعتباره تفصيلًا عابرًا في الحياة اليومية، بل بوصفه مدخلًا لفهم تحولات أوسع في التجارة الدولية وعلاقاتها بالاقتصاد المغربي.
ويزداد الأمر إثارة للانتباه حين نلاحظ أن أسعار المنتجات المعروضة تبدو معقولة، بل مغرية في كثير من الأحيان، وأن البائع الصيني لا يكتفي بعرض سلعة بثمن منخفض، وإنما يشجع الزبون على شراء المزيد من خلال تخفيض السعر عند اقتناء سلعة ثانية أو عدة منتجات. وهكذا ينجح في تحويل عملية شراء بسيطة إلى فرصة لبيع عدد أكبر من السلع، واستقطاب زبائن جدد، وربما كسب زبائن دائمين.
هنا يبرز سؤال اقتصادي وسياسي يتجاوز فضولنا تجاه هؤلاء الأشخاص: ما الذي يدفع تجارًا صينيين إلى الانتقال من بلادهم البعيدة جدًا إلى الأحياء المغربية لبيع سلع بسيطة نسبيًا؟ وهل نحن أمام تعبير عن صعوبات التشغيل داخل الصين؟ أم عن استراتيجية تجارية لتوسيع الأسواق؟ أم عن استثمار في هوامش الربح التي تتيحها السوق المغربية؟ وهل بالفعل يوجد في المغرب هامش للربح مغرٍ لدرجة أن العديد من الصينيين قطعوا مسافات طويلة جدًا للحصول عليه؟ ثم ما أثر هذا النشاط على التجار المغاربة الذين يبيعون المنتجات نفسها، ويتحملون تكاليف تجارية قد لا يتحملها منافسوهم بالطريقة ذاتها؟
قد لا تكون هناك إجابة واحدة عن هذه الأسئلة، وقد تتداخل عدة عوامل في تفسير الظاهرة، لكن ما نراه في أحيائنا يتيح لنا مدخلًا لفهم أعمق للعلاقة بين التجارة الدولية، وتوسع الرأسمال، والمنافسة السعرية، والاستهلاك الشعبي، وحدود السياسة الاقتصادية الوطنية.
أولًا: هل يهرب هؤلاء من البطالة في الصين؟
من المغري أن نربط المشهد الذي نراه في أحيائنا بما يُتداول عن صعوبات سوق الشغل الصينية، وخصوصًا بطالة الشباب والمنافسة الشديدة على فرص العمل، لكن هذا الربط، وإن كان يستحق البحث، لا يكفي وحده لتفسير الظاهرة.
فالصين قوة صناعية وتجارية كبرى، تمتلك قاعدة إنتاج واسعة وشبكات تصدير ممتدة إلى مختلف أنحاء العالم، غير أن القوة الاقتصادية لا تعني أن فرص العمل والدخل موزعة بالتساوي بين جميع الفئات الاجتماعية والمناطق، ولا أن كل المواطنين يستفيدون بالقدر نفسه من النمو الاقتصادي. فقد تدفع المنافسة أو محدودية الفرص في بعض القطاعات أشخاصًا إلى البحث عن مصادر دخل بديلة، بما فيها التجارة خارج بلدهم.
لكن ينبغي التمييز بين ثلاثة احتمالات مختلفة: البطالة، والهجرة بحثًا عن فرص اقتصادية أفضل، والتوسع التجاري المنظم. فالشخص الذي يأتي إلى المغرب لبيع سلع إلكترونية قد يكون تاجرًا مستقلًا، أو عاملًا لدى موزع، أو جزءًا من شبكة تجارية تربط الموردين الصينيين بالأسواق الإفريقية، ولا تسمح لنا ملامح الأشخاص أو أعمارهم أو استعانتهم بالترجمة الآلية بتحديد وضعهم المهني أو دوافعهم الاقتصادية.
وبالتالي، لا يصح أن نستنتج أن الصينيين الذين نراهم في أحيائنا عاطلون عن العمل في بلدهم، والأجدر بنا أن نسأل: ما طبيعة النشاط الذي يمارسونه؟ ومن يزودهم بالسلع؟ وكيف يمولون مشترياتهم وإقامتهم وتنقلاتهم؟ وهل يعملون لحسابهم الخاص أم ضمن شبكات تجارية؟ وهل يتعلق الأمر بمبادرات فردية أم بنمط توزيع آخذ في الاتساع؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي يمكن أن تنقلنا من الانطباع الاجتماعي إلى التحليل الاقتصادي. فالمهم ليس افتراض أزمة في بلد المنشأ، كما يقول الاقتصاديون، وإنما فهم الأسباب التي تجعل السوق المغربية وجهة جذابة لنشاط تجاري يقوم على بيع منتجات منخفضة السعر والوصول المباشر إلى المستهلك.
ثانيًا: من المصنع الصيني إلى باب الدار المغربية
لفهم الظاهرة، ينبغي أن نضعها في سياق التحولات التي عرفتها التجارة العالمية، فالتنافس الاقتصادي لم يعد قائمًا فقط على إنتاج السلعة بأقل تكلفة، بل أصبح يقوم أيضًا على القدرة على إيصالها إلى المستهلك بأقل تكلفة ممكنة، وبأسرع وقت، وبأقصر سلسلة من الوسطاء.
لقد بنت الصين خلال عقود قاعدة صناعية واسعة، وشبكات للتوريد والتصدير، وقدرات لوجستية مكنتها من توفير منتجات متنوعة بأسعار تنافسية، لكن الإنتاج وحده لا يكفي؛ فالسلعة لا تحقق قيمتها التجارية الكاملة إلا عندما تجد سوقًا تشتريها، على حد قول خبراء التسويق.
وهنا تظهر أهمية التوزيع، فبدلًا من انتظار المستهلك في متجر، أو الاكتفاء ببيع السلع لتجار الجملة، يمكن الانتقال إلى أسواق الأحياء، حيث يوجد الطلب اليومي، وحيث يتخذ المستهلك قراره بناءً على السعر والحاجة والقدرة الشرائية، وحيث كذلك يمكن تقليص فجوة الفارق الربحي بين البائع بالجملة الصيني، أو ربما المصنع، وبين المستهلك المغربي، لصالحهما معًا، دون المرور بما يسميه المغاربة «الشناقة»، الذين يربحون أكثر من الصانع والبائع بالجملة، وعلى حساب المستهلك المغربي البسيط.
وإذا كان ما نلاحظه في بعض الأحياء يعكس توسعًا في البيع المباشر، فإننا نكون أمام انتقال من نموذج تجاري تقليدي، يقوم على سلسلة من الوسطاء، إلى نموذج أكثر مرونة، يسعى فيه البائع إلى الاقتراب من المستهلك النهائي.
والهاتف الذكي الذي يترجم الحديث إلى العربية ليس مجرد وسيلة للتواصل؛ إنه، في هذا السياق، أداة تخفض كلفة الدخول إلى سوق جديدة، فما كان يتطلب سابقًا إتقان اللغة أو الاستعانة بوسيط محلي، أصبح ممكنًا بدرجة معينة باستخدام التكنولوجيا، وبذلك تتراجع بعض الحواجز التي كانت تفصل بين البائع الأجنبي والمستهلك المحلي.
وليس هذا التحول خاصًا بالصينيين، بل هو جزء من اتجاه عالمي نحو تقليص المسافة بين السلعة والمستهلك، غير أن قدرة بعض الموردين الصينيين على الجمع بين تنوع المنتجات والأسعار التنافسية وسرعة التكيف مع الأسواق تمنحهم أفضلية في قطاعات معينة.
ولعل ما يستحق الانتباه هنا هو أن العولمة لم تعد تكتفي بنقل السلع بين البلدان؛ إنها تنقل أيضًا طرق البيع، وشبكات التوزيع، وأساليب التأثير في قرارات الشراء، وصولًا إلى الفضاءات التي كانت خارج الحسابات التجارية التقليدية.
ثالثًا: الأسعار المغرية والتخفيضات.. كيف يُستدرج المستهلك إلى شراء المزيد؟
لعل أكثر ما يستوقف في هذه الظاهرة أن الأسعار المعروضة ليست معقولة فحسب، بل تكون أحيانًا مغرية إلى درجة تدفع المستهلك إلى الشراء حتى عندما لم يكن ينوي اقتناء السلعة. ولا يكتفي البائع بعرض منتجه بسعر منخفض، بل يلجأ إلى أسلوب تجاري بسيط وفعال: إذا اشتريت سلعة ثانية، يخفض لك ثمنها؛ وإذا اقتنيت عدة منتجات، حصلت على خصم إضافي.
وهكذا يتحول البيع إلى عملية تستهدف رفع عدد المشتريات، وتشجيع الزبون على إنفاق مبلغ أكبر مما كان ينوي إنفاقه في البداية. فبدلًا من بيع منتج واحد بهامش ربح معين، قد يكون البائع مستعدًا للتنازل عن جزء من هذا الهامش مقابل بيع ثلاثة منتجات أو أربعة، بما يرفع حجم معاملاته ويتيح له استقطاب زبائن جدد.
من الناحية الاقتصادية، نحن أمام أساليب معروفة في التسويق، من قبيل التسعير التحفيزي والخصومات المرتبطة بشراء عدة منتجات، وقد يستطيع البائع، بفضل انخفاض تكلفة التوريد أو تقليص بعض حلقات الوساطة، أن يعرض سعرًا يصعب على منافس يعتمد سلسلة توزيع أطول أن يجاريه، وقد يكون مستعدًا أيضًا لقبول هامش ربح أقل في السلعة الواحدة، مقابل بيع عدد أكبر منها.
غير أن انخفاض السعر لا يعني بالضرورة أن هامش الربح مرتفع، كما أن الخصم لا يثبت وحده وجود ميزة غير عادلة، فمعرفة الأسباب الحقيقية تتطلب الاطلاع على تكلفة شراء المنتجات ونقلها وتخزينها، ومصاريف البيع، والرسوم والضرائب المستحقة، وحجم المبيعات.
لكن الأهم هو أن هذه الأساليب لا تستهدف السعر وحده، وإنما تستهدف سلوك المستهلك أيضًا، فالزبون الذي يشتري سلعة إضافية بسبب التخفيض قد يشعر بأنه حقق وفرًا، بينما يكون قد أنفق في الواقع مبلغًا أكبر مما كان يعتزم إنفاقه، وبذلك يجمع البائع بين جاذبية السعر والقدرة على زيادة حجم المبيعات.
إننا أمام شكل من أشكال المنافسة لا يعتمد فقط على جودة المنتج أو ثمنه، بل أيضًا على فهم سلوك المستهلك، والقدرة على التأثير في قراره الشرائي، واستثمار اللحظة التي يتحول فيها الاهتمام بسلعة واحدة إلى الرغبة في اقتناء سلع أخرى.
رابعًا: من يستحوذ على هامش الربح وفائض القيمة؟
هذا السؤال يستحق التوقف عنده، مع ضرورة التمييز بين المفاهيم الاقتصادية المختلفة. ففي التحليل الماركسي، لا يعني فائض القيمة ببساطة الفرق بين سعر شراء سلعة وسعر بيعها، بل يرتبط أساسًا بالقيمة التي ينتجها العمل ولا تعود إلى العامل في شكل أجر. أما في النشاط التجاري، فإن الفرق بين سعر الشراء وسعر البيع يمثل هامشًا تجاريًا إجماليًا، تُخصم منه تكاليف النقل والتخزين والتوزيع والضرائب وغيرها للوصول إلى الربح الصافي.
ومع ذلك، فإن السؤال الذي تطرحه الظاهرة يظل وجيهًا: أين تتشكل الأرباح في سلسلة القيمة، ومن يستحوذ عليها؟
لنفترض أن منتجًا إلكترونيًا صغيرًا صُنع في الصين، ثم بيع بالجملة لموزع، وانتقل إلى مستورد مغربي، قبل أن يصل إلى متجر محلي، ثم إلى المستهلك. في كل مرحلة قد تُضاف تكاليف وهوامش تجارية، أما إذا استطاع مورد أو موزع تجاوز بعض الوسطاء والبيع مباشرة إلى المستهلك، فقد يخفض السعر النهائي، أو يرفع هامشه، أو يجمع بين الأمرين.
في هذه الحالة، لا يكون التنافس محصورًا في المنتج نفسه، بل يمتد إلى تنظيم سلسلة التوزيع، فمن يشتري بكميات كبيرة، أو يحصل على أسعار توريد أفضل، أو يقلص تكاليف الوساطة، قد يمتلك قدرة تنافسية لا تتوفر لتاجر صغير يشتري من موزع محلي ويعيد البيع بالتجزئة.
ومن هنا يمكن فهم جاذبية السوق المغربية بالنسبة إلى بعض الأنشطة التجارية القادمة من الخارج، فالمسألة لا تتعلق فقط بوجود مستهلكين مستعدين للشراء، وإنما أيضًا بإمكان تحقيق هامش تجاري من خلال الجمع بين انخفاض تكلفة التوريد، وسرعة دوران السلع، والتواصل المباشر مع الزبائن.
لكن السؤال الأعمق يتعلق بموقع الاقتصاد المغربي داخل هذه السلسلة، فإذا كانت السلعة تُصنع في الخارج، وتصل إلى المغرب جاهزة للبيع، ثم تتحقق الأرباح الأساسية في مراحل الإنتاج والتوريد والتوزيع خارج الاقتصاد المحلي، فإن نصيب المغرب من القيمة المضافة قد يظل محدودًا، حتى وإن استفاد المستهلك من سعر منخفض.
لذلك، فإن القضية لا تتمثل في أن كل ربح يحققه تاجر أجنبي هو خسارة للمغرب، بل في معرفة مقدار القيمة التي تُخلق داخل الاقتصاد الوطني، ومقدار ما يعود إليه من أجور وضرائب وخدمات وأنشطة إنتاجية.
خامسًا: المنافسة المباشرة مع التجار المغاربة.. من يدفع الثمن؟
هنا نصل إلى الجانب الأكثر حساسية في الظاهرة، وهو ما يتعلق بالتجار المغاربة الذين يبيعون المنتجات نفسها، ويجدون أنفسهم أمام منافسين يستطيعون عرض أسعار مغرية، ويستعملون التخفيضات لتشجيع المستهلك على شراء المزيد.
فالتاجر المغربي الذي يشتغل في محل تجاري يتحمل عادة تكاليف متعددة: كراء المحل، والكهرباء، والأجور إن كان يشغّل مستخدمين، والرسوم والضرائب المستحقة، فضلًا عن تكلفة شراء السلع ونقلها وتخزينها، وقد يشتري منتجاته عبر مستورد أو تاجر جملة، بما يضيف حلقات أخرى إلى سلسلة التوزيع.
وعندما يجد هذا التاجر نفسه أمام بائع يعرض المنتجات ذاتها بأسعار أقل، فإنه يواجه معضلة حقيقية، فإذا خفض أسعاره لمجاراة المنافسة، تقلص هامش ربحه، وربما أصبح غير قادر على تغطية تكاليفه، وإذا حافظ على أسعاره، فقد يخسر جزءًا من زبنائه الذين تجذبهم التخفيضات.
وهكذا قد تتحول المنافسة السعرية إلى ضغط متواصل على النشاط التجاري الصغير، الذي لا يمتلك بالضرورة القدرة المالية أو التفاوضية التي تتيحها شبكات التوريد الكبيرة.
ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن التاجر المغربي لمجرد أنه مغربي، أو بالمطالبة بحمايته من كل منافسة، فالمنافسة جزء طبيعي من الاقتصاد، وقد تؤدي إلى تحسين الأسعار والخدمات، وتدفع التجار إلى تطوير أساليب البيع. كما أن المستهلك المغربي، الذي يواجه بدوره ارتفاع تكاليف المعيشة ومحدودية القدرة الشرائية، له مصلحة واضحة في الوصول إلى منتجات بأسعار مناسبة.
لكن من حقنا أن نتساءل عما إذا كانت المنافسة تجري في شروط متكافئة أم لا، فالمنافسة العادلة لا تعني أن يبيع الجميع بالسعر نفسه، وإنما أن يخضع الفاعلون للقواعد القانونية والضريبية والتنظيمية ذاتها، وأن تكون الأسعار المنخفضة نتيجة الكفاءة الاقتصادية، لا نتيجة التهرب من الالتزامات أو مخالفة القواعد. ولذلك ينبغي التمييز بين حالتين:
- منافسة قائمة على الكفاءة: حين يتمكن البائع من خفض التكلفة بفضل الشراء المباشر، أو تنظيم التوزيع، أو تقليص المصاريف، أو تحسين دوران المخزون.
- منافسة قد تكون غير متكافئة: حين يستفيد بعض الفاعلين من عدم الامتثال للالتزامات القانونية أو الضريبية التي يتحملها منافسوهم، أو يطرحون منتجات لا تستوفي متطلبات السلامة والجودة.
ولا يمكن تحديد الحالة التي تنطبق على البائعين الذين نراهم في أحيائنا دون معطيات ميدانية وقانونية، لكن هذا لا يلغي مسؤولية السلطات عن مراقبة الأنشطة التجارية وتطبيق القواعد بصورة منصفة على الجميع.
والخطر الذي يستحق النقاش هو أن يؤدي الضغط السعري، إذا استمر واتسع، إلى خروج بعض المحلات الصغيرة من السوق، وفقدان فرص عمل محلية، وتراجع التنوع التجاري في الأحياء. فالسعر المنخفض الذي يستفيد منه المستهلك اليوم لا ينبغي أن يكون المعيار الوحيد لتقييم الأثر الاقتصادي على المدى البعيد.
سادسًا: هل يأتون لاكتشاف المجتمع المغربي من الداخل؟
إن وجود هؤلاء التجار في المقاهي والأحياء والأسواق الشعبية يطرح سؤالًا آخر: هل يتعلق الأمر بالبيع والشراء فقط، أم أن الانتشار في الفضاءات اليومية يتيح لهم أيضًا التعرف عن قرب على المجتمع المغربي وعاداته الاستهلاكية؟
ينبغي هنا التمييز بين أمرين: فمن الطبيعي أن يحتاج أي تاجر يدخل سوقًا جديدة إلى معرفة المستهلكين، وفهم قدرتهم الشرائية، ومراقبة المنتجات التي يفضلونها، ومعرفة الأسعار التي يقبلون دفعها، والتواصل المباشر مع الزبائن يوفر معلومات عملية تساعد على اختيار السلع المناسبة وتحديد أثمانها وأساليب تسويقها.
بهذا المعنى، فإن وجود البائع في الحي، والحديث مع السكان، وملاحظة المنتجات التي تلقى إقبالًا، يمكن أن يوفر معرفة بالسوق ذات قيمة اقتصادية حقيقية. فالمعلومة عن المستهلك أصبحت عنصرًا مهمًا في المنافسة التجارية، لا يقل أهمية عن تكلفة الإنتاج والتوزيع.
أما القول إن هؤلاء الأشخاص يقومون بمهمة أخرى، كجمع معلومات سياسية أو اجتماعية لأغراض غير تجارية، كما افترض البعض، فلا توجد لدينا أدلة تسمح بإثباته، ولا يصح تحويل الملاحظة اليومية إلى اتهام، أو اعتبار الجنسية أو استعمال الهاتف للترجمة مؤشرًا على نشاط غير تجاري.
ومع ذلك، يظل من المشروع أن نطرح سؤالًا أوسع: كيف تتحول المعرفة المتراكمة عن السوق المغربية إلى ميزة تنافسية؟ وهل يستفيد منها الأفراد وحدهم، أم تنتقل إلى شبكات التوريد والتوزيع التي يعملون ضمنها؟
إن الفارق كبير بين التعرف إلى المستهلك لأغراض تجارية، وهو أمر طبيعي، وبين الادعاء بوجود مهمة استخباراتية أو سياسية؛ الأول تفسير اقتصادي معقول، أما الثاني فيحتاج إلى أدلة مستقلة.
سابعًا: المغرب سوق جذابة، ولكن لمن تعود المكاسب؟
لفهم الظاهرة، ينبغي الانتقال من الأشخاص الذين نراهم في الأحياء إلى بنية المبادلات التجارية بين المغرب والصين، وإلى موقع المغرب في التجارة الدولية عمومًا.
فالعلاقة التجارية بين البلدين ليست هامشية، والصين من المصادر المهمة للواردات المغربية، ولا سيما المنتجات المصنعة والتجهيزات والسلع الاستهلاكية. كما أن السوق المغربية تتميز بتنوع الطلب، وبوجود فئات واسعة تبحث عن منتجات منخفضة السعر، وهو ما يجعل بعض القطاعات الاستهلاكية مجالًا للتنافس بين الموردين والتجار.
وتتداخل في جاذبية السوق المغربية عوامل عدة، منها الطلب على السلع الرخيصة، وإمكان الوصول المباشر إلى المستهلك، ومرونة أساليب البيع، ووجود شبكات تجارية عابرة للحدود، فضلًا عن الفوارق المحتملة في تكلفة التوريد والتوزيع.
لكن السؤال السياسي ليس ما إذا كان هؤلاء التجار يحققون أرباحًا أم لا، فمن حق كل شخص أن يمارس تجارة مشروعة وأن يسعى إلى تحسين دخله. السؤال هو: هل تتحول هذه المبادلات إلى فرصة لتطوير الاقتصاد المحلي، أم تظل مجرد قناة لتصريف منتجات مستوردة؟
إذا كان النشاط يخلق فرص عمل محلية، ويؤدي الضرائب المستحقة، ويحترم شروط الاستيراد والسلامة وحماية المستهلك، فقد يساهم في تنشيط السوق. أما إذا كانت بعض الممارسات تتم خارج القواعد القانونية، أو تتهرب من الالتزامات الضريبية، أو تعرض سلعًا غير مطابقة للمعايير، فإن الأمر يصبح قضية تنظيم اقتصادي ومساواة في المنافسة، بصرف النظر عن جنسية الفاعلين.
وهنا تبرز مسؤولية الدولة في توفير قواعد واضحة وتطبيقها على الجميع، لا في التضييق على جنسية معينة أو التساهل مع فاعلين آخرين.
إن المغرب لا يحتاج إلى منع المنافسة الخارجية لمجرد أنها قوية، بل إلى سياسة اقتصادية تتيح للفاعلين المحليين تحسين قدرتهم التنافسية، وتضمن في الوقت نفسه أن تجري المبادلات التجارية في إطار قانوني واضح، وأن يساهم النشاط الاقتصادي في خلق قيمة مضافة داخل البلاد.
ثامنًا: من استيراد السلع إلى بناء القدرة الإنتاجية الوطنية
تطرح هذه الظاهرة سؤالًا أعمق يتعلق بموقع المغرب في الاقتصاد العالمي، فالصين لا تصدر المنتجات وحدها؛ إنها تمتلك منظومة تشمل الإنتاج الصناعي، والتمويل، واللوجستيك، والتجارة الإلكترونية، وشبكات التوزيع، والقدرة على التكيف مع الأسواق الخارجية. أما المغرب، فعلى الرغم من تطور بعض القطاعات الصناعية التصديرية لديه، ما زال يستورد كميات كبيرة من السلع المصنعة.
وهنا ينبغي ألا ننظر إلى التاجر الذي يحمل حقيبة من المنتجات الإلكترونية باعتباره المشكلة في حد ذاته، فهو يمثل حلقة صغيرة في سلسلة اقتصادية أوسع. وإذا كان قد وجد في السوق المغربية فرصة، فإن السؤال المقابل هو: لماذا لا يستطيع الاقتصاد المحلي تصنيع بعض هذه المنتجات، أو توفير بدائل تنافسية لها، أو بناء شبكات توزيع محلية أكثر كفاءة؟
لا يعني ذلك أن على المغرب تصنيع كل شيء، فذلك غير واقعي اقتصاديًا، لكنه يستطيع تحديد القطاعات التي تتوفر فيها إمكانات إنتاج محلي، وتشجيع المقاولات الصغيرة على تطوير منتجات قابلة للمنافسة، وربط الاستيراد، حيثما كان ذلك مجديًا، بتطوير الخدمات والصيانة والتصنيع الجزئي ونقل المعرفة.
وبدلًا من أن تنتهي العلاقة الاقتصادية عند شراء السلعة وبيعها، يمكن أن تتوسع لتشمل تكوين العمال، وتطوير الموردين المحليين، وإقامة شراكات صناعية، وإنتاج أجزاء من السلع داخل المغرب، وبناء شبكات توزيع تستفيد منها المقاولات الوطنية.
إن الفرق بين اقتصاد يستهلك المنتجات الأجنبية واقتصاد يستفيد من التجارة الدولية لتطوير قدراته الإنتاجية هو فرق استراتيجي، فالأول قد يوسع خيارات المستهلك، لكنه يظل معتمدًا على الخارج في جزء مهم من حاجاته. أما الثاني، فيحاول تحويل الانفتاح التجاري إلى وسيلة لبناء الإنتاج المحلي وخلق فرص العمل وتحسين ميزان المبادلات.
ولا يمكن تحقيق ذلك بمجرد مطالبة التاجر المغربي بالصمود أمام منافس يقدم أسعارًا أقل، بل يتطلب الأمر معالجة الأسباب البنيوية التي تحد من تنافسية المقاولات المحلية، من شروط التمويل والشراء إلى تكاليف التوزيع والولوج إلى الأسواق والتكنولوجيا.
تاسعًا: ما الذي ينبغي أن نبحث عنه فعليًا؟
إذا أردنا تحويل هذه الملاحظة اليومية إلى موضوع جاد للبحث الاقتصادي والاجتماعي، فمن الضروري تجاوز الانطباعات وجمع معطيات ميدانية دقيقة.
يمكن أن يبدأ البحث بأسئلة محددة:
- ما أنواع السلع التي تباع في الأحياء، وما أسعارها مقارنة بأسعار المنتجات نفسها لدى التجار المغاربة؟
- هل يشتري البائعون المنتجات من تجار الجملة الموجودين في المغرب، أم يستوردونها بأنفسهم؟
- هل يعملون لحسابهم الخاص، أم يمثلون شركات أو شبكات توزيع؟
- ما الوضع القانوني لأنشطتهم، وكيف تُحتسب الضرائب والرسوم المستحقة؟
- هل توجد علاقات تجارية مستمرة مع موردين محليين، وهل يستعينون بعمال أو وسطاء مغاربة؟
- ما حجم المبيعات الفعلي، وما هوامش الربح بعد احتساب جميع التكاليف؟
- هل يمثل البيع المباشر منافسة غير متكافئة للتجار المحليين، أم أنه يفتح قنوات جديدة لتوزيع السلع؟
- ما أثر هذه الأنشطة على المحلات الصغيرة وفرص الشغل المحلية، وما الذي يمكن أن تفعله السياسة الاقتصادية لتشجيع المنافسة العادلة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال بحث ميداني ومقارنة الأسعار ومصادر التوريد والوضع القانوني للأنشطة التجارية ستسمح بتحديد حجم الظاهرة وآثارها الفعلية، بعيدًا عن التعميم أو الأحكام المسبقة.
كما يمكن أن تساعد على التمييز بين أنشطة تجارية صغيرة ومستقلة، وبين شبكات توزيع أوسع، وبين ممارسات قانونية وأخرى قد تستدعي تدخل السلطات المختصة.
خاتمة: حين تصبح الحارة/الدرب نافذة على الاقتصاد العالمي
إن المشهد الذي نراه في أحيائنا، حيث يعرض رجال ونساء صينيون منتجاتهم على المارة ورواد المقاهي، قد يبدو للوهلة الأولى مجرد تفصيل من تفاصيل الحياة اليومية، لكنه يفتح نافذة على تحولات أوسع في التجارة الدولية، وعلى قدرة الرأسمال على البحث عن أسواق جديدة، وعلى أهمية التوزيع والتسويق والمعلومة في تحقيق الأرباح.
وما يزيد الظاهرة إثارة للانتباه هو الجمع بين الأسعار المغرية والتخفيضات عند شراء عدة سلع، بما يشجع المستهلك على الشراء، ويمنح البائع فرصة لرفع حجم مبيعاته. لكن هذه الميزة التسويقية، حين تواجه التجار المغاربة الذين يبيعون المنتجات نفسها ويتحملون تكاليف محلاتهم ومستخدميهم، تفتح نقاشًا مشروعًا حول تكافؤ شروط المنافسة، واستمرارية التجارة الصغيرة، ومصير فرص الشغل المرتبطة بها.
ليس ضروريًا أن يكون هؤلاء التجار هاربين من البطالة في الصين، ولا توجد أدلة كافية للقول إنهم يقومون بمهمة أخرى غير التجارة، وقد تتباين دوافعهم وأوضاعهم المهنية، لكن من المشروع اقتصاديًا أن نسأل عن الشبكات التي يعملون ضمنها، وعن مصادر السلع التي يعرضونها، وعن شروط نشاطهم، وعن القيمة التي تُخلق داخل المغرب، وعن نصيب الاقتصاد الوطني من المكاسب الناتجة عن هذه المبادلات.
وفي العمق، فإن القضية ليست صينيًا يبيع سلعة لمغربي، بل علاقة بين اقتصاد قادر على إنتاج سلع تنافسية والوصول بها إلى المستهلك، واقتصاد يبحث عن أفضل السبل لتلبية حاجاته مع تعزيز إنتاجه المحلي.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس لماذا يأتي الصينيون للبيع في أحيائنا فحسب، بل لماذا يستطيع المنتج القادم من آلاف الكيلومترات أن يصل إلى باب المستهلك المغربي بسعر مغرٍ، بينما لا تزال منتجات محلية كثيرة عاجزة عن بناء الطريق نفسه إلى السوق؟ ولماذا يظل بعض التجار المغاربة رهائن لشروط توريد وتوزيع تحد من قدرتهم على المنافسة، في الوقت الذي أصبح فيه الوصول إلى المستهلك نفسه متاحًا «لفاعلين جدد»؟
إن الإجابة لا تكمن في إلقاء اللوم على التاجر الأجنبي، ولا في تجاهل مصالح التاجر المحلي، ولا في التضحية بمصلحة المستهلك، إنها تكمن في بناء سياسة اقتصادية تجمع بين حماية المنافسة العادلة، وتطوير الإنتاج الوطني، ومواكبة المقاولات الصغيرة، وتطبيق القواعد القانونية والضريبية على الجميع.
فالتحدي الحقيقي ليس منع السلع الأجنبية من الوصول إلى المستهلك المغربي، بل تمكين الاقتصاد المغربي من إنتاج قيمة مضافة أكبر، وتوفير شروط منافسة عادلة، وضمان ألا يتحول اتساع السوق الاستهلاكية إلى مكسب للآخرين وحدهم.
تلك هي المسألة التي تستحق النقاش: كيف نجعل من انفتاح المغرب على التجارة الدولية فرصة لتوسيع الإنتاج الوطني، وخلق فرص الشغل، وتطوير المقاولات المحلية، وتحقيق توزيع أكثر عدلًا للمكاسب، بدلًا من الاكتفاء بدور المستهلك في اقتصاد عالمي يصنع الآخرون جانبًا كبيرًا من قواعده؟
