سبتة.. حدود محكمة وحيوات معلقة: ملاحظات ميدانية حول أزمة هجرة
سبتة ليست حدودًا عادية. هي مدينة تديرها إسبانيا في القارة الإفريقية، لكنها جغرافيًا تقع في مجال يعتبره المغرب محتلًا ويطالب به باعتباره جزءًا لا يتجزأ من سيادته الوطنية. وفي هذا الحيز المحدود تتكثف جملة من التناقضات الكبرى التي تطبع السياسات الهجروية الأورومتوسطية: السيادة، والأمن، والتفاوتات التنموية، وإسناد مراقبة الحدود إلى خارج المجال الأوروبي، والرغبة في الوصول إلى أوروبا. سبتة مدينة ورمز وخط صدع ومختبر للحدود المعاصرة في آن واحد.
آراء أخرى
وضعيتها الخاصة جعلت منها فضاءً بالغ الحساسية؛ فبالنسبة لإسبانيا والاتحاد الأوروبي، تمثل سبتة إحدى الحدود الخارجية للمجال الأوروبي، أما بالنسبة للمغرب فتظل جيبًا محتلًا داخل مجاله الترابي التاريخي. وبالنسبة لعدد كبير من الحالمين بالهجرة، فإنها تبدو بوابة محتملة نحو أوروبا، وهذا التداخل بين القراءات القانونية والسياسية والترابية والهجروية يفسر لماذا يتجاوز كل توتر في سبتة مجرد مسألة المراقبة الحدودية.
أعادت أحداث نهاية يوليوز 2026 التذكير بصورة حادة بهذه المركزية، فقد حاول عشرات الآلاف من الأشخاص دخول الجيب، خصوصًا عبر البحر والمناطق القريبة من معبر تاراخال الحدودي. وتختلف الأرقام التي قدمتها السلطات ووسائل الإعلام، غير أن عدة مصادر تحدثت عن حجم غير مسبوق، يناهز 60 ألفًا ويتجاوز في بعض التقديرات 70 ألف شخص، بين من وصلوا إلى سبتة ومن حاولوا الوصول إليها، قبل أن يعود جزء كبير منهم إلى المغرب أو تتم إعادتهم إليه. وبعد أسبوعين، جاء يوم 15 غشت محاطًا بشائعات عن محاولة جديدة للعبور الجماعي، غذتها رسائل متداولة على شبكات التواصل الاجتماعي، في وقت عززت فيه السلطات المغربية إجراءاتها الأمنية، واستعدت السلطات الإسبانية بدورها لاحتمال تدفق جديد.
أزمة متعددة التفسيرات
سيكون من الاختزال البحث عن سبب واحد لما حدث في نهاية يوليوز، فالقراءات متعددة، وأحيانًا متعارضة، ولا تفسر كل واحدة منها سوى جزء من الظاهرة.
تؤكد قراءة أولى البعد الاجتماعي والاقتصادي: الفقر، والهشاشة، والبطالة، وانعدام الآفاق، والشعور بالتراجع الاجتماعي لدى جزء من الشباب. بينما تركز قراءة ثانية على دور شبكات التواصل الاجتماعي والشائعات والمعلومات الزائفة: فكرة أن الحدود ستفتح، وأن فرصة استثنائية ستتاح، وأنه يمكن الرحيل الآن أو ربما لن يكون ممكنًا أبدًا، فيما تحيل قراءة ثالثة على سوابق الهجرة، وخصوصًا أحداث سنة 2021، التي ما تزال تغذي مخيال كثير من المرشحين للمغادرة: الدخول إلى سبتة ثم الانتظار وربما الانتقال لاحقًا إلى شبه الجزيرة الإسبانية. وهناك قراءة رابعة ذات طابع جيوسياسي أكبر، ترى في هذه الأحداث تجليًا غير مباشر للتوترات المرتبطة بسبتة ووضعيتها ومغربيتها، وكذلك لموقع المغرب داخل منظومة تدبير الحدود الأوروبية.
لا تكفي أي من هذه القراءات بمفردها، فما وقع في سبتة يبدو أقرب إلى مزيج غير مستقر بين هشاشة اجتماعية وشائعات رقمية وذاكرة السوابق والمخيال الأوروبي وتأثيرات الحشد، إضافة إلى ثغرات أو تعليق مؤقت للمراقبة الحدودية، فضلًا عن الحمولة الرمزية القوية لحدود لا تفصل في نظر كثيرين بين بلدين، بقدر ما تفصل بين عالمين ينظر إليهما باعتبارهما غير متكافئين في شروط العيش.
15 غشت: مدينة في حالة تأهب
قضيت يوم 15 غشت في سبتة، وقبل أن أتوجه إليها كان هناك مؤشر أول يعكس توتر اللحظة، فقد كان من شبه المستحيل بالنسبة إليّ حجز غرفة في فندق. كانت جميع الفنادق ممتلئة في المدينة التي تحولت هذه الأيام إلى مقصد للصحفيين وقوات الأمن والمراقبين، ويسود فيها الترقب لحدث جديد.
مع الاقتراب من الحدود، بدا الانتشار الأمني استثنائيًا، ففي الجانب المغربي كان الحضور الأمني مكثفًا. انتشر أفراد القوات المساعدة والشرطة وعناصر الدرك الملكي على طول الطريق، خصوصًا بين مدينة الفنيدق وبليونش وميناء طنجة المتوسط. توالت نقاط المراقبة وتباطأت حركة التنقل وخضعت السيارات للمراقبة، فيما أحيطت المناطق القريبة من الحدود بمراقبة مشددة، وكان الانطباع العام يوحي بإغلاق منهجي ومدروس، هدفه منع تكرار سيناريو نهاية يوليوز.
على الجانب الإسباني، كان الانتشار الأمني واضحًا بالقدر نفسه. فعند مدخل سبتة، خلق حضور الحرس المدني والشرطة الوطنية والمركبات الأمنية والدوريات البحرية مناخًا من الانتظار تحت مراقبة لصيقة، كما كان الحضور العسكري ملحوظًا، وتمركزت وسائل إعلام دولية بالقرب من المعبر الحدودي وعلى الواجهة البحرية، موجهة كاميراتها نحو تاراخال، كما لو أن الحدث المنتظر قد ينبثق في أية لحظة من الساحل أو من المعبر.
في ذلك اليوم، لم تكن الحدود خاضعة للمراقبة فحسب، ولكن جرى تقديمها باعتبارها منظومة شاملة للإغلاق والضبط، بدا كل شيء منظمًا لإظهار أن أي عبور جماعي لن يُسمح به. وقد لخص أحد سائقي سيارات الأجرة الذين التقيتهم خلال اليوم الوضع بعبارة لافتة عندما قال: “إذا قرر المغرب وإسبانيا إحكام إغلاق الحدود فعلًا، فإن حتى الذبابة لا تستطيع المرور”.
سبتة كمدينة معلقة
عندما وصلت إلى وسط سبتة وجدت الحياة فيها شبه مشلولة، كانت غالبية المحلات التجارية مغلقة باستثناء المقاهي والمطاعم. وقد أوضحت لي سيدة مغربية تعيش في سبتة أن كثيرًا من التجار فضلوا عدم فتح محلاتهم احتياطًا، بعدما ولّدت الشائعات بشأن تدفق جديد حالة من القلق في المدينة.
بدت سبتة وكأنها تنتظر حدثًا لم يقع في النهاية، لكن مجرد احتمال وقوعه كان كافيًا لتغيير السلوكيات اليومية: أبواب مغلقة، حذر عام، حضور أمني، وأحاديث يطبعها القلق. في حافلة متجهة إلى وسط المدينة، جلست إلى جانب رجل مغربي في الرابعة والسبعين من عمره، من مواليد سبتة، أخبرني بأنه لم يشاهد في حياته انتشارًا أمنيًا مماثلًا. بالنسبة إليه، كان الحضور الأمني والعسكري على جانبي الحدود غير مسبوق. كان يقدر أن نحو 60 ألف شخص وصلوا إلى سبتة في نهاية يوليوز، وهو رقم قارنه بعدد سكان المدينة الذي يبلغ نحو 80 ألف نسمة، وعندما حاول تفسير الحدث، قدم قراءة سياسية، اعتبر أنه ربما يتعلق الأمر بمناورة من “سيدنا”، على حد قوله، للتذكير بأن سبتة مغربية وإعادة إحياء المطالبة بها، لكنه سارع إلى التأكيد على أن الأمر لا يتجاوز تفسيره الشخصي.
هذا التفسير تكرر على لسان سائق سيارة أجرة، رأى بدوره في عمليات العبور الجماعي وسيلة لإعادة قضية سبتة إلى دائرة النقاش السياسي. غير أن سائقًا آخر نقل الحديث إلى البعد الإنساني، فقد أدان بعض السلوكيات العدوانية الصادرة عن مغاربة من سبتة تجاه المهاجرين، وأكد ضرورة احترام كرامة كل شخص. وفي تحليله، لم يكن جوهر المسألة لا في الجيوسياسة ولا في السيادة، بل في الطريقة التي يجري بها التعامل مع أشخاص يوجدون في وضعية هشاشة.
الشاب الذي ينظر إلى الحدود
في حي قريب من المعبر الحدودي، التقيت شابًا مغربيًا في الثالثة والعشرين من عمره، يتحدر من طنجة. لمحته واقفًا في نقطة مرتفعة، على بعد أمتار قليلة من الحدود، ساكنًا ومتجهًا بنظره نحو الجانب المغربي، كما لو كان ينتظر شيئًا أو يتأمل عالمًا غادره لتوه دون أن يكون قد غادره فعليًا.
أخبرني بأنه اشتغل ميكانيكيًا وخياطًا، وكانت النجارة آخر عمل مارسه. لم يقدم نفسه باعتباره شابًا بلا مهنة، ولكن كشخص اشتغل وحاول وأعاد المحاولة.
ومع ذلك، اعترف لي بأنه كان يشعر في المغرب بأنه “يدور في حلقة مفرغة”، فعلى الرغم من جهوده لم يكن قادرًا على العيش بكرامة أو على مساعدة أسرته.
روى أنه وصل إلى سبتة سباحة خلال موجة نهاية يوليوز، ومنذ ذلك الوقت ينام في الشارع، ولا يرغب في الوقت الراهن في العودة إلى المغرب، ويقول إن السلطات الإسبانية تتركهم في الغالب وشأنهم ولا تتفاعل معهم كثيرًا. في المقابل، يشدد على أن سكانًا من سبتة من أصول مغربية يجلبون لهم الطعام يوميًا، كما أن رجلًا مغربيًا مقيمًا في المدينة يسمح لهم، حسب روايته، بالاستحمام في منزله بشكل منتظم. عند الاستماع إليه، تدرك أن سبتة تتحول إلى فضاء بيني؛ هو، برأيه، غادر المغرب، لكنه لم يصل بعد فعليًا إلى أوروبا. لقد اجتاز الحدود، لكن الشخص يظل عالقًا في منطقة انتظار اجتماعي وقانوني ووجودي.
قاصرون بين الخوف من الموت وحلم أوروبا
خلال هذا اليوم التقيت عددًا من القاصرين المغاربة الذين وصلوا حديثًا إلى سبتة، وتحدثت مطولًا مع مجموعة منهم، فتيات وفتيانًا، حول ظروف عبورهم وأسباب مغادرتهم وآمالهم المستقبلية.
أكد جميع الفتيان الذين التقيتهم أنهم وصلوا إلى سبتة سباحة ورووا الخوف الذي لازم العبور: أشخاص يصارعون الماء ونداءات استغاثة، فضلًا عن الخشية المستمرة من عدم الوصول إلى الساحل. تبتعد رواياتهم كثيرًا عن صورة “المغامرة” البسيطة، هم يصفون اختبارًا جسديًا ونفسيًا حقيقيًا يتحول خلاله جسد المراهق، في غياب أي إمكانية أخرى، إلى الوسيلة نفسها لعبور الحدود.
وعندما يتحدثون عن أسباب مغادرتهم، تتكرر الوقائع ذاتها بإلحاح: الفقر والهشاشة وانعدام الآفاق والصعوبات الأسرية أو انفصال الوالدين. يضاف إلى ذلك، في كثير من الأحيان، الرغبة في مساعدة الأسرة وتحسين أوضاعها.
يشترك الجميع في أفق واحد هو الوصول إلى أوروبا أملًا في بناء مستقبل أفضل، وقد قال لي أحدهم إنه يريد الهجرة “من أجل حقوق الإنسان”، عبارة تكاد تكون مؤثرة في بساطتها، لكنها تكشف الكثير عن التمثل الذي يغذي هذه المسارات: أوروبا بوصفها فضاءً مرتبطًا بالكرامة والحماية والحقوق وإمكانية بناء حياة أفضل.
قاصر في الرابعة عشرة بين المغادرة بشكل غير نظامي وحلم أوروبا
في وسط مدينة سبتة، التقيت قاصرًا مغربيًا يبلغ من العمر أربعة عشر عامًا. عندما سألته عن أسباب وجوده هناك، أخبرني بأنه عبر سباحة من الساحل المغربي ليلة الخميس، نهاية شهر يوليوز، في العاشرة ليلًا تقريبًا. كان الفتى يتابع دراسته في السنة الخامسة من التعليم الثانوي، وقال إنه لم يخبر أسرته قبل مغادرته ولم يتصل بها إلا بعد وصوله إلى سبتة.
تكشف روايته عن قرار أعد له منذ وقت طويل، لكنه تسارع بفعل الفرصة التي أتيحت. يقول إنه حاول منذ سنوات الوصول إلى سبتة، ولم يتردد ولو لثانية واحدة عندما شعر بأن العبور أصبح ممكنًا. دوافعه تحيل إلى بعض المحركات المعروفة للهجرة في صفوف القاصرين، وهي الرغبة في تغيير وضعه الشخصي وتحسين وضع أسرته.
في اليوم التالي لوصوله، اتصل بالشرطة وسجلت بياناته الشخصية، ومنذ ذلك الحين يعيش في انتظار قرار إداري قد يحدد مستقبله القريب، لا يعرف هل سيعاد إلى المغرب أم سيتمكن من مواصلة مساره، فأفقه يتجاوز سبتة نفسها، وحلمه هو الدخول إلى إسبانيا، ثم مواصلة الطريق نحو شمال أوروبا، وخصوصًا النرويج. يعبر عن ذلك ببساطة شديدة: “أريد أن أعبر إلى إسبانيا لأواصل طريقي نحو شمال أوروبا.. هذا هو حلمي”.
التضامن المحلي في مواجهة الطوارئ الإنسانية
يكشف اللقاء مع أمينة، التي تؤوي قرب مسجد سيدي امبارك في سبتة نحو 300 امرأة وطفل داخل فضاء ملاصق لمقر سكناها، عن بعد غالبًا ما تتجاهله القراءات الأمنية الصرفة للأزمة، وهو وجود تضامن محلي تلقائي. يقوم هذا التضامن على مبادرات سكان وأسر ومتطوعين يحاولون، بإمكانات محدودة، الاستجابة للحاجة الإنسانية التي أفرزها وصول نساء وأطفال وشباب في أوضاع شديدة الهشاشة، وتشدد أمينة على الطابع غير المؤسساتي لهذه التعبئة قائلة: “نحن لسنا جمعية”، قبل أن تضيف: “الأمر يتعلق بمبادرة شخصية”.
نظم سكان سبتة، أسر وشباب وأشخاص متطوعون، أنفسهم لتوفير مساعدات أولية من قبيل الملابس والأحذية والأغطية وقنينات الماء ومواد للنظافة وحفاظات للأطفال وألعاب للصغار. لكن لهذا التضامن حدوده، تشدد أمينة على أن “السكان يفعلون ما يستطيعون، إلا أن الوضع يفوق إمكاناتهم بكثير”، مضيفة: “ليس لدينا المال الكافي”. بالنسبة إليها، لا يمكن أن تقوم رعاية هؤلاء الأشخاص على كرم السكان وحده: “هذه ليست مسؤوليتنا، إنها مسؤولية الدولة”.
تلخص هذه العبارة أحد التوترات المركزية في الأزمة، يتدخل المجتمع المدني لأن هناك حالة طوارئ، لكن هذه الطوارئ تكشف في الوقت نفسه قصور الاستجابة المؤسساتية المنظمة. أمينة تشدد كذلك على دور الشائعات والمعلومات المتداولة على شبكات التواصل الاجتماعي، وتتحدث عن “معلومات لم تكن صحيحة”، مؤكدة أن “الإنترنت هي السبب في تحرك عدد كبير من الأشخاص”. في روايتها، تصبح الهجرة أيضًا ظاهرة رقمية: رسائل تنتشر وتنتج الأمل وتصنع الإحساس بالاستعجال، كما تسرع اتخاذ القرار وتحول الإشاعة إلى حركة جماعية.
الجمعيات بين الاستقبال والعجز
يتيح اللقاء مع مصطفى، الكاتب العام لجمعية الهلال الأبيض بسبتة، المعروفة أيضًا باسم منظمة Luna Blanca، وضع الأحداث في سياق زمني أطول للعمل الاجتماعي والإنساني داخل المدينة.
تأسست الجمعية سنة 1987، وتقدم على أنها هيئة ذات طابع ديني وثقافي واجتماعي تنشط في أطراف سبتة، وخصوصًا في منطقتي Poniente وEl Príncipe، حيث تتدخل لفائدة الفئات الهشة، من مهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء والمغرب الكبير والشرق الأوسط وكبار السن والأسر المعوزة، وكذلك الأشخاص الذين لا يتوفرون على موارد.
وبحسب كاتبها العام، تواكب الجمعية بصورة منتظمة عددًا مهمًا من الأشخاص، ويتحدث عن نحو “500 شخص” يستفيدون من المساعدة، خصوصًا من الوجبات الغذائية والدعم المادي والحضور اليومي، كما يوضح أن الجمعية توفر في بعض الحالات “ثلاث وجبات في اليوم”. وبالنسبة إليه، لا يمكن فهم الأحداث الأخيرة باعتبارها حركة عفوية فقط، ولكنها تندرج في مخيال هجروي قوي يتمحور حول حلم أوروبا. يقول: “الناس كانوا يحلمون بهذا”، في إشارة إلى فكرة دخول سبتة والبقاء في إسبانيا وبدء حياة جديدة، مشددًا بدوره على دور شبكات التواصل الاجتماعي وتأثير الشائعات بشأن فتح الحدود. تحليله يمنح أيضًا أهمية مركزية لما حدث سنة 2021، فقد دخل آنذاك آلاف الأشخاص إلى سبتة في سياق الأزمة الصحية والتوترات الدبلوماسية، وحسب قوله، تمكن بعضهم لاحقًا من مغادرة الجيب نحو مدن إسبانية أخرى، من بينها فالنسيا. وقد أسهم هذا الحدث السابق في تغذية الاعتقاد بأن العبور قد يتاح على المدى اللاحق ويفتح مسارًا نحو شبه الجزيرة، وبذلك تحمل الأزمة الحالية أيضًا ذاكرة هجرية حديثة.
لكن المتحدث يصف قبل كل شيء وضعًا مسدودًا، فكثير ممن وصلوا إلى سبتة، بحسب قوله، لا يملكون أكلًا أو لباسًا، ولا يعرفون ما سيفعلونه حتى، ويرى أن على إسبانيا والمغرب العمل معًا لإيجاد حلول، مع التذكير بأن وضع القاصرين يخضع لإطار قانوني خاص، وهذا تمييز أساسي لأن تدبير الهجرة لا يمكنه تجاهل التزامات الحماية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بأطفال أو مراهقين غير مصحوبين.
شاطئ Trampolín: التدبير كأداة اقتصادية للبقاء
يكشف المشهد الذي شاهدته على Playa del Trampolín عن بعد آخر من أبعاد الانتظار الهجروي في سبتة، ويتعلق بالتدبير اليومي من أجل البقاء. يقع الشاطئ بمحاذاة مباشرة للحدود مع بليونش، ويبدو كفضاء حدي، فهو مكان للعبور والتوقف والانتظار والإقامة المؤقتة في الوقت نفسه.
على الشاطئ تنتظر الأجساد وتتنقل وتبحث وتتفاوض. عاد شاب بسمكتين اصطادهما وأخذ يعرضهما للبيع، متنقلًا بين المجموعات أملًا في كسب بضعة يوروهات. شاب آخر يحاول بيع سرواله الجينز بثلاثة يوروهات، وعلى مسافة قصيرة، يضع شاب ثالث بعض أغراضه الشخصية للبيع: حذاء وسروال قصير وقميص، وكأنه أقام بسطة صغيرة في سوق مرتجلة، تكشف عن اقتصاد بالغ الهشاشة يمكن أن يتحول فيه كل غرض إلى مورد. غير بعيد، أقام مجموعة من المهاجرين الشباب ملاجئ مؤقتة، أشبه بخيام صغيرة مصنوعة من القصب والأغصان اليابسة وقطع قماش كان بعضها، حسب ما قيل لي، قد وُزّع عليهم من طرف الصليب الأحمر.
تعكس هذه المنشآت الهشة محاولة لتنظيم الانتظار، والحماية من الشمس والريح والليل، وتحويل فضاء مفتوح إلى مكان مؤقت صالح للبقاء. وفي الجهة اليسرى من الشاطئ، تسمح بعض مرافق الاستحمام للمهاجرين بالحفاظ على الحد الأدنى من النظافة، في سياق يظل فيه الوصول إلى أبسط الخدمات غير مضمون.
على بعد أمتار، يزجي شبان من إفريقيا جنوب الصحراء ومغاربة الوقت بالمصارعة فيما بينهم. قد يبدو المشهد ترفيهيًا للوهلة الأولى، ويذكر بأشكال المصارعة الشعبية التقليدية، لكنه يعبر كذلك عن شيء آخر، وهو الانتظار والملل والإرهاق والحاجة إلى الصمود جسديًا ونفسيًا داخل فضاء يبدو فيه الزمن معلقًا.
أحمد ذو الـ19 عامًا: من تشاد إلى سبتة
يروي أحمد، وهو شاب تشادي يبلغ 19 عامًا التقيته على شاطئ ترمبولين، أنه غادر تشاد وعبر النيجر ثم الجزائر قبل أن يصل إلى المغرب. يقول إنه أمضى “ثلاثة أشهر في النيجر وقرابة شهر في الجزائر”، قبل أن يذكر بأنه دخل المغرب عبر الحدود المغربية الجزائرية من جهة بشار، لكن أكثر ما يتحدث عنه هو قسوة الصحراء: “لقد عانينا، جئنا عبر الصحراء وقضينا ستة أيام ونحن نعبر الصحراء بين حدود المغرب والجزائر”. وقبل عبوره إلى سبتة، عاش أحمد عدة أشهر في طنجة، حيث اشتغل ما بين ثمانية وتسعة أشهر في أعمال بسيطة، ثم وصل إلى سبتة سباحة رفقة أخيه يوم الخميس، نهاية يوليوز، حوالي الخامسة صباحًا، ويقول إن الشرطة المغربية حاولت توقيفهما، لكنه تمكن من الفرار. ومنذ وصوله ينام في الخارج في فضاء غير رسمي رفقة مهاجرين آخرين: “هنا ننام بلا سرير، بلا غطاء، بلا فراش”، لكنه يتلقى مساعدات غذائية من جمعيات محلية، يتحدث عنها قائلًا: “قنينة حليب، خبزة صغيرة، بسكويت، وقنينة ماء”، ويعتبر هذه المساعدة كافية.
يتحدث أحمد كذلك عن توترات في أماكن التجمع، يقول إن العلاقات بين المهاجرين من أصول مختلفة جيدة عمومًا، لكنه يشير إلى وقوع اعتداءات، لا سيما أثناء الليل. وبذلك تتحول أماكن الإقامة غير الرسمية هاته إلى فضاءات تعرض لهشاشة جديدة، بالإضافة لكونها فضاءات انتظار طويل.
مشروع أحمد واضح: الوصول إلى فرنسا لمواصلة دراسته. يقول إنه يريد العيش بكرامة، أن يتعلم ويبني حياة عادية، وجوابًا عن سؤال حول الرسالة التي يرغب في توجيهها إلى المسؤولين السياسيين، قال: “أريد أن يساعدونا لكي نعيش حياة أفضل مثل الناس، وأن ندرس مثل الناس”، وهي عبارة تكثف البعد الإنساني العميق لهذه المسارات، فالأمر لا يتعلق فقط بعبور حدود، بل بالبحث عن حياة ينظر إليها باعتبارها حياة قابلة للعيش.
سبتة: من الحدود الجغرافية إلى الحدود الاجتماعية
تشكل سبتة، من جوانب متعددة، مختبرًا لتحولات الحدود المعاصرة، فما يحدث فيها لا يمكن اختزاله في تعاقب “محاولات العبور”، ولا في مجرد مسألة تتعلق بالمراقبة الأمنية، وتدعونا سوسيولوجيا الهجرة تحديدًا إلى تغيير زاوية النظر: ألا نكتفي بمراقبة من يعبرون، ولكن أن نتساءل حول الشروط الاجتماعية التي تجعل الرحيل قابلًا للتفكير ومرغوبًا فيه، بل وأحيانًا أكثر قبولًا من البقاء. وهنا تحضر أفكار عالم الاجتماع عبد المالك صياد، فبالنسبة إليه، لا يمكن فهم الهجرة الوافدة بمعزل عن الهجرة المغادرة وعن الشروط الاجتماعية التي تنتج الرحيل، أو بعبارة أخرى، لا يبدأ المهاجر وجوده السوسيولوجي في اللحظة التي يعبر فيها الحدود، لأن تحركه يندرج في إطار تاريخ أسري واجتماعي واقتصادي وسياسي يبدأ قبل العبور بزمن طويل. ولذلك، فإن الاكتفاء بالنظر إلى الحدود يعني مراقبة اللحظة الأخيرة المرئية من مسار تعود أسبابه إلى حد كبير في مراحل سابقة. وتضيء هذه المقاربة بشكل خاص ما لاحظته في سبتة، فقد أظهر يوم 15 غشت أن انتشارًا أمنيًا استثنائيًا يمكنه أن يجعل العبور بالغ الصعوبة.
لكنه كشف في الوقت نفسه حدود المراقبة، يمكن للحدود أن تحتوي الأجساد، لكنها لا تستطيع احتواء التطلعات، يمكنها منع العبور اليوم دون أن تلغي الشروط الاجتماعية والرمزية التي تجعل محاولة جديدة قابلة للتصور في الغد.
وتشارك شبكات التواصل الاجتماعي اليوم في هذه الدينامية، فقد يكفي فيديو أو رسالة أو إشاعة لكي يعتقد مئات الأشخاص في غضون ساعات أن “الحدود مفتوحة”، فيندفعوا نحو سبتة. لكن من الضروري التمييز بين المحفز والسبب، فالإشاعة قد تحدد لحظة الرحيل، لكنها لا تستطيع تفسير الرغبة في الرحيل، ولكي تدفع إشاعة شبابًا إلى الحركة، يجب أن تلتقي مع تطلعات وإحباطات ومشاريع هجرة سبقت ظهورها.
ويجعل وضع القاصرين هذه الحقيقة أكثر وضوحًا، فعندما يعبر فتى في الرابعة عشرة البحر سباحة دون إخبار أسرته، ويكون قد رسم مسبقًا مساره المتخيل من سبتة إلى إسبانيا ثم إلى شمال أوروبا، لا يمكن تفسير فعله فقط باعتباره نتيجة فرصة عابرة للعبور. إنه يكشف عن تشكل مخيال هجروي تستثمر فيه أوروبا بمعانٍ قوية تتمثل في الحقوق والكرامة والعمل والاستقلال والنجاح وإمكانية بناء مستقبل آخر. وتصبح سبتة، من هذا المنظور، فضاءً بينيًا، فبعض الأشخاص غادروا المغرب دون أن يصلوا فعليًا إلى وجهتهم، لقد عبروا حدودًا جيوسياسية، لكنهم ظلوا عالقين داخل انتظار اجتماعي وإداري وقانوني، لقد عبروا جغرافيًا، لكنهم ما زالوا ينتظرون العبور اجتماعيًا، وتتحول الشواطئ والشوارع والملاجئ المؤقتة وأماكن الإقامة غير الرسمية إلى الفضاءات الملموسة لهذه الحركة المعلقة.
تكشف سبتة عن تحول أوسع في نظام الحدود المعاصر، فالحدود الأوروبية لم تعد تختزل في السياج الفاصل بين المغرب والجيب الإسباني، إنها تمتد داخل البحر، وفي نقاط التفتيش على الطرق، وفي أجهزة المراقبة، وفي التعاون الهجروي بين الدول. لم تعد الحدود إذن مجرد خط جغرافي، بل أصبحت جهازًا مكانيًا وسياسيًا واجتماعيًا ينتقي حركات التنقل وينظم الانتظار وينتج أشكالًا مختلفة من عدم القدرة على الحركة.
إن ما تكشفه سبتة في نهاية المطاف ليس أزمة مهاجرين، بقدر ما تكشف عن أزمة حدود وأزمة آفاق. يمكن تعزيز الأسوار وزيادة عدد عناصر الأمن وتكثيف المراقبة البحرية وجعل العبور شبه مستحيل، لكن أيا من هذه التدابير لا يستطيع بمفرده الإجابة عن السؤال الأساسي الذي تضعنا أمامه أعمال عبد المالك صياد، وهو: ما الشروط الاجتماعية التي تنتج الرحيل؟
إن السؤال الجوهري الذي تفرضه أحداث سبتة لا يتعلق فقط بكيفية إحكام الحدود، ولكن بما هو أعمق من ذلك، بسؤال: لماذا أصبح الرحيل بالنسبة إلى فئة من الشباب مشروعًا للمستقبل، بينما فقد البقاء قدرته على أن يشكل أفقًا ممكنًا ومقنعًا؟!
أستاذ الجغرافيا الاجتماعية، متخصص في قضايا الهجرة
الكلية متعددة التخصصات بخريبكة
جامعة السلطان مولاي سليمان
