كأس العالم داخل كيس بلاستيكي..
تتبدى في المشهد الرياضي المعاصر صور بصرية مكثفة تختزل في طياتها تحولات الموازين الأخلاقية والفلسفية التي تحكم عالم اليوم، ولعل صورة حمل “كأس العالم” داخل كيس بلاستيكي عادي تشكل اللحظة الأهم لتكثيف هذا التحول وإعادة قراءته. إن تجريد الكأس الذهبية الأشهر في التاريخ من بهرجها المؤسساتي الفاخر وعلبها المخملية المصممة في كبرى دور الموضة الرأسمالية، ووضعها داخل كيس بلاستيكي استهلاكي رخيص، يمثل نزعًا صوريًا ومفهوميًا للقداسة المزيفة التي تسعى المؤسسات الرياضية المعولمة إلى إضفائها على الكؤوس والألقاب.
آراء أخرى
كيس بلاستيكي
إنها رمزية مشبعة بالدلالات الجيو-اقتصادية والثقافية؛ حيث يظهر الكأس مجردًا كقطعة معدنية صامتة لا قيمة إنسانية لها إن هي انفصلت عن النضال الحقيقي وعن الضمير الأخلاقي الحي للفضيلة الإنسانية. إن هذا المشهد يعلن، بشكل غير مباشر، أن الألقاب الرياضية الكبرى، مهما بلغت قيمتها المادية أو هالتها الإعلامية، تظل مجرد أوعية فارغة يمكن اختزالها في “كيس بلاستيكي” إن لم تكن مسكونة بقضايا الشعوب العادلة ومحفوفة بالشجاعة المبدئية التي تنتصر للمظلومين في مواجهة حشود الطغيان والإبادة.
المواجهة السياسية فوق العشب
لم تكن المواجهة الكروية التي جمعت بين إسبانيا والأرجنتين مجرد مباراة نهائية حاسمة لمسابقة رياضية رفيعة المستوى، بل تحولت، في عمقها الجيوسياسي والثقافي، إلى استعراض مكشوف للتدافع بين نموذجين متناقضين تمامًا في عالم اليوم.
فمن جهة، تقف الأرجنتين بنجمها ليونيل ميسي خلف هالة إعلامية ورعايات رأسمالية ضخمة، مدعومة بتأييد صريح ومباشر من قبل ثنائي اليمين الشعبوي والمشروع الإمبريالي، المتمثل في دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، اللذين وجدا في هذا الفريق ونجمه أداةً لتسويق التطبيع وتغليف الهيمنة وشرعنة سياسات البطش تحت ستار النجومية والترفيه. وفي المقابل، يجسد المنتخب الإسباني، حكومةً وشعبًا ولاعبين، جبهة مواجهة أخلاقية وإنسانية صلبة ترفض التواطؤ، وتعلن بصوت مرتفع انحيازها للعدالة الإنسانية ولحق الشعب الفلسطيني في الحياة والكرامة.
لقد خرج المستطيل الأخضر في هذه المواجهة التاريخية عن نطاق الهواية والرياضة المجردة، ليتحول إلى حلبة صراع رمزي بين محور يستغل الرياضة لتلميع أدوات الإبادة وتغييب الوعي الجمعي، ومحور آخر يستعيد روح المبادئ ويكسر إملاءات الهيمنة الغربية والإمبريالية.
النموذج الإسباني وسقوط الهيمنة
إن ما أضفى على هذا الانتصار الرياضي الإسباني قيمته الاستثنائية هو أنه لم يأتِ بمعزل عن الموقف السياسي والأخلاقي الشجاع الذي اتخذته حكومة مدريد بقيادة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، والذي حظي بدعم شعبي وجماهيري واسع النطاق. لقد أثبتت إسبانيا، عبر مواقفها الرافضة لاستخدام أراضيها وقواعدها العسكرية منصاتٍ للانطلاق نحو الاعتداء على الشعوب الأخرى، ومن خلال صرخاتها الصريحة في وجه واشنطن وتل أبيب والمجتمع الدولي لمنع جرائم الإبادة والتشريد، أن السيادة الوطنية الحقيقية تُصنع بالاستقلالية المبدئية والكرامة الإنسانية.
وحين يخرج رئيس حكومة أوروبية ليعلن بوضوح: “لن نكون منصة للعدوان”، فإن هذه الكلمات تتسلل إلى نفوس اللاعبين والجماهير في المدرجات، لتتحول إلى شحنة معنوية وطاقة نضالية تتجاوز الحدود التكتيكية للملعب. ومن هنا، لم تكن الفرحة بالانتصار الرياضي الإسباني مجرد نشوة بالفوز بكأس أو ميدالية، بل كانت احتفالًا إنسانيًا شاملًا بعزيمة بلد انحاز إلى الحق، وبرهن على أن الشعب الإسباني وقادته الأحرار قد وقفوا غصةً في حلق المشروع الصهيوني والإدارة الأمريكية المتواطئة.
ملحمة الأطلس والضمير العربي
إن هذا التلاحم المشرق بين التنافس الرياضي والموقف المبدئي يجد جذوره العميقة في ملحمة المنتخب الوطني المغربي خلال بطولة كأس العالم بقطر 2022، حيث خط “أسود الأطلس” بمداد من نور مفهومًا جديدًا للرياضة الملتزمة بقضايا الأمة والإنسانية. لقد حرص عناصر الفريق المغربي، عقب كل انتصار تاريخي كسروا فيه كبرياء كبار اللعبة في العالم، على رفع العلم الفلسطيني عاليًا والسجود شكرًا لله، في مشاهد إيمانية ورمزية هزت أرواح الملايين من أحرار العالم.
إن رفع العلم الفلسطيني من طرف لاعبي المغرب أمام مليارات المشاهدين عبر التلفزيونات العالمية لم يكن مجرد استعراض عاطفي عابر، بل كان رسالة جيوسياسية حازمة أجهضت كل مخططات كيّ الوعي، وأثبتت للعالم أجمع أن قضية فلسطين هي القضية المركزية الخالدة في وجدان كل مغربي وعربي، وأن محاولات اقتلاعها من الشعوب عبر الاتفاقيات الفوقية قد تهاوت فور احتكاكها بالوعي الأصيل للجماهير والرياضيين الأحرار.
حكيم زياش
وقد تُوِّجت هذه الملحمة المغربية بالموقف الأخلاقي والنضالي الاستثنائي الذي أظهره نجم المنتخب حكيم زياش، والذي فضّل الانحياز المطلق لضميره الإنساني والدفاع الصريح عن أهالي غزة في مواجهة جرائم الإبادة والتهجير القسري، غير آبهٍ بالحسابات المهنية المادية أو الضغوط والتهديدات التي مُورست عليه في الأوساط الرياضية الغربية.
لقد أثار هذا الموقف المبدئي والشجاع حفيظة الكيان الصهيوني، إلى درجة دفعت بالمتطرف إيتمار بن غفير إلى التهديد المباشر والعلني لحكيم زياش في واضحة النهار. إن هذا الاستهداف الصهيوني الصريح لنجم كروي عالمي يبرهن على أن كلمة الحق التي يطلقها الرياضي الحر أشد خطورة وإيلامًا على سلطات الاحتلال من منظومات الدبلوماسية التقليدية، ويؤكد أن الرياضي، حين يستشعر مسؤوليته التاريخية، يتجاوز صفة “اللاعب” ليصبح رمزًا تحرريًا وكسرًا حقيقيًا للرواية الصهيونية المزيفة أمام الرأي العام الدولي.
المقاومة الكروية وثورة الجزائر
إن استقراء التاريخ الرياضي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا يوضح أن موقف المنتخب المغربي وحكيم زياش، ومواقف الأحرار في إسبانيا، ليست سابقة فردية أو استثنائية، بل هي امتداد لإرث تحرري أصيل لعبت فيه الرياضة دور رأس الحربة في مواجهة الاستعمار والإمبريالية. وتبرز، في مقدمة هذه النماذج الخالدة، التجربة التاريخية الفريدة لفريق جبهة التحرير الوطني الجزائري عام 1958، عندما أقدم لاعبون دوليون كبار ينشطون في الدوري الفرنسي الممتاز، من أمثال رشيد مخلوفي ومصطفى زيتوني، على التضحية بالشهرة والمال والمشاركة المرتقبة في كأس العالم مع المنتخب الفرنسي.
لقد اتخذ هؤلاء الأبطال قرارًا تاريخيًا بشجاعة نادرة، حيث غادروا فرنسا سرًا، وتكتلوا في فريق كروي يحمل علم الثورة الجزائرية ويدافع عن استقلال البلاد وحرية شعبها عبر جولات دولية في مختلف قارات العالم، مما شكّل ضربة قاسية للدعاية الاستعمارية الفرنسية.
لقد تحول فريق جبهة التحرير الجزائري إلى سفير سياسي ودبلوماسي يجوب الملاعب العالمية، ينشر مظلومية الشعب الجزائري ويكسب تضامن الشعوب والحكومات في قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا الشرقية. لقد أثبتت تلك التجربة الاستثنائية أن الكرة يمكن أن تكون أداة تحرر لا تقل تأثيرًا عن السلاح في ميادين القتال، حيث نجح الفريق في تدويل القضية الجزائرية وجلب الاعتراف الدولي بالثورة قبل إعلان الاستقلال.
إن دراسة هذه الملحمة الكروية تؤكد أن النجومية الرياضية تفقد قيمتها إن لم تتوج بخدمة قضايا التحرر القومي، وأن اللاعب الحر هو الذي يضع موهبته في خدمة كرامة وطنه وأمته، لتبقى أسماؤهم محفورة في ذاكرة الشعوب رموزًا للحرية والفداء، وليس مجرد أرقام في إحصائيات الأهداف والتمريرات.
أساطير الرياضة وصرخة الحرية
وعلى الصعيد العالمي، يزخر تاريخ الرياضة بنماذج لأساطير استثنائية رفضت الارتهان لمؤسسات السلطة والمال، وجعلت من الملاعب حلبات للنضال ضد الإمبريالية والتمييز العنصري. ويأتي الأسطورة الخالدة محمد علي كلاي في مقدمة هؤلاء الأبطال، حين اتخذ موقفه التاريخي الشهير برفض التجنيد الإجباري والمشاركة في الحرب الاستعمارية ضد الشعب الفيتنامي، قائلًا عبارته الخالدة: “ليس لدي أي خلاف مع الفيتكونغ، فلم ينادني أحد منهم بالزنجي”.
لقد تكبد كلاي، جراء هذا الموقف الشجاع، تجريده من لقب بطولة العالم في الوزن الثقيل، وسحب رخصته، والحكم عليه بالسجن، فضلًا عن الحرمان من ممارسة اللعبة في أوج عطائه الرياضي، لكنه خرج من هذه المحنة بطلًا إنسانيًا عالميًا ورمزًا نضاليًا لمناهضة العنصرية والحروب الإمبريالية.
وفي ذات السياق النضالي، يخلد التاريخ منصة التتويج في أولمبياد مكسيكو 1968، حين رفع العداءان الأمريكيان من أصل إفريقي، تومي سميث وجون كارلوس، قبضة “القوة السوداء” المكسوة بقفاز أسود خلال عزف النشيد الوطني الأمريكي، احتجاجًا على التمييز العنصري واضطهاد السود في الولايات المتحدة، بمؤازرة ومشاركة حاسمة من العداء الأسترالي بيتر نورمان.
دييغو مارادونا
وعلى صعيد كرة القدم، يبرز النجم البرازيلي سقراطس، الذي قاد حراك “الديمقراطية كورينثيانز” داخل ناديه لاستخدام كرة القدم أداةً لمقاومة الديكتاتورية العسكرية في البرازيل، والنجم الأرجنتيني دييغو مارادونا، الذي أعلن صراحة انحيازه لقضايا الشعوب المقهورة ودعمه المطلق للقضية الفلسطينية ومناهضته للهيمنة الأمريكية، فضلًا عن الموقف الأخلاقي للنجم الألماني مسعود أوزيل، الذي تجرأ على رفع صوته ضد اضطهاد مسلمي الإيغور، متحملًا ضريبة الشطب والعزل الإعلامي بشرف وأصالة.
سلاح المقاطعة وعزلة الأبارتايد
وتندرج المقاطعة الرياضية الدولية ضمن أهم الآليات الماكرو-اقتصادية والسياسية التي أثبتت نجاعتها الحاسمة في إسقاط الأنظمة القمعية ودعم حركة تحرر الشعوب. وتعتبر تجربة إسقاط نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) في جنوب أفريقيا النموذج الأكثر إشراقًا في التاريخ الرياضي الحديث، حيث لعب الحظر الرياضي الشامل المفروض على جنوب أفريقيا من قبل اللجنة الأولمبية الدولية، والاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، واتحادات الركبي والكريكيت، دورًا محوريًا في تجريد النظام العنصري من الشرعية الدولية، وعزله كليًا عن المجتمع الدولي.
لقد أدرك نظام الأبارتايد أن العزلة الرياضية حرمته من أداة القوة الناعمة التي كان يتستر خلفها، مما شكل ضغطًا جماهيريًا وسياسيًا داخليًا وخارجيًا عجّل بسقوط هذا النظام الفاشي وتحرير الشعب الجنوب إفريقي بقيادة نيلسون مانديلا.
إن هذه التجربة التاريخية الناجحة توفر سندًا قويًا وحاسمًا للنداءات المعاصرة المطالبة بمقاطعة الكيان الصهيوني وحظره من كافة المسابقات الرياضية الدولية جراء جرائم الإبادة والتطهير العرقي بحق الشعب الفلسطيني. إن الاستمرار في قبول مشاركة الفرق والرياضيين الممثلين للكيان الصهيوني في الأولمبياد والبطولات القارية يُعد تطبيعًا صريحًا مع الإبادة وشراكة ضمنية في العدوان.
لقد أثبتت تجربة جنوب أفريقيا أن الرياضة، حين تُستخدم أداةً للمقاطعة والضغط المؤسساتي، يتحول المستطيل الأخضر إلى مشنقة أخلاقية للأنظمة العنصرية، وأن التضامن الرياضي الدولي ليس مجرد شعارات بلاغية، بل هو قوة ضاغطة ومؤثرة قادرة على تغيير موازين القوى السياسية وإجبار المعتدين على الخضوع لإرادة العدالة الإنسانية.
ازدواجية المعايير بالمؤسسات الدولية
بالرغم من هذه المحطات المشرقة في تاريخ النضال الرياضي، تجب الإشارة إلى أن المؤسسات الرياضية الكبرى، وفي مقدمتها الفيفا واللجنة الأولمبية الدولية، تعاني من الازدواجية والكيل بمكيالين. فنظرًا لسيطرة رأس المال الغربي واللوبيات النافذة على مراكز القرار داخل هذه الهياكل، يتم التعامل مع القضايا الإنسانية بمنطق انتقائي مفضوح يخدم الأجندات الجيوسياسية للدول الكبرى.
ففي الوقت الذي سارعت فيه هذه المؤسسات، وفي ظرف ساعات معدودة، إلى فرض عقوبات حظر شاملة ومشددة على الرياضة الروسية وتجريد أنديتها ورياضييها من المشاركة عقب الأزمة الأوكرانية، مع السماح، بل والمباركة، لرفع الأعلام والشعارات السياسية المناهضة لروسيا في كل الملاعب الأوروبية، تلتزم هذه الهياكل ببرود مريب وصمتٍ مطبق أمام جرائم الإبادة الصهيونية بحق الفلسطينيين.
إن هذه المؤسسات الرأسمالية لا تتوانى عن إصدار عقوباتها وغراماتها على الرياضيين والأندية التي تجرؤ على رفع علم فلسطين أو التعبير عن التضامن مع شهداء غزة، تحت ذريعة حظر “الرموز السياسية” والحفاظ على “حياد الرياضة”. غير أن هذه الذرائع البيروقراطية والازدواجية النفعية قد سقطت كليًا أمام التدفق الشعبي والصحوة الأخلاقية الشاملة للجماهير والرياضيين الأحرار عبر العالم.
إن المقاومة الرياضية الراهنة تبرهن على أن الشرعية الأخلاقية لا تُمنح بقرارات من لوائح الفيفا، بل تُصنع في الميدان بوقوف الرياضي الشريف مع الضحية ضد الجلاد، وأن محاولات قمع الأصوات الحرة لن تزيد الجماهير إلا تمسكًا بحق الشعب الفلسطيني، وحق كل الشعوب المظلومة في الحرية والانعتاق.
خاتمة
خلاصة القول، إن القيمة الحقيقية للرياضة لا تتحدد بنوعية الكؤوس المرفوعة، ولا بوضعها داخل علب فاخرة أو أكياس بلاستيكية عابرة، ولا بحجم الأرباح والملايين الضخمة التي تجنيها الشركات الراعية، بل بمدى قدرتها على خدمة القضايا الإنسانية العادلة، والانتصار للمظلومين، والاضطلاع بدور تنويري وتحرري في معارك الشعوب ضد الطغيان والاحتلال.
وستظل الكرة تدور في الملاعب، وستظل الجماهير في المدرجات والمستطيل الأخضر شاهدًا ثابتًا على أن الصوت الحر والضمير الحي أقوى بكثير من سلطة المال وسلاح القمع وتواطؤ المؤسسات الدولية. إن الانتصار في مباراة أو حصد بطولة، دون موقف شجاع ينحاز إلى الضحايا، ليس سوى سراب حالم يمكن وضع رمزيته في “كيس بلاستيكي” والتخلي عنه، أما الموقف المبدئي الخالد فهو البطولة الحقيقية التي تبني مجد الشعوب، وتظل محفورة في سجل التاريخ الإنساني إلى الأبد.
﴿والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾.
أكاديمي وكاتب مغربي
