مؤشر الابتكار العالمي 2026: الاقتصاد المغربي ينتج ابتكارا أكثر مما توحي به قاعدته البحثية
حلّ المغرب في المرتبة 54 عالمياً في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2026، محققاً بذلك أفضل ترتيب له منذ إدراجه في المؤشر، وفق نتائج التقرير الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية، والذي يقيس أداء 139 اقتصاداً، وتعتمد نسخة هذا العام في أكثر من 80% من نقاط بياناتها على معطيات تعود إلى الفترة الممتدة بين 2024 و2026.
ويضع التقرير المغرب ضمن الاقتصادات ذات الدخل المتوسط الأدنى، حيث جاء في المرتبة 4 بين 36 اقتصاداً تنتمي إلى هذه الفئة، متقدماً على عدد من الاقتصادات ذات المستوى التنموي المماثل، كما يضعه ضمن الاقتصادات التي تمكنت خلال السنوات الماضية من الصعود إلى النصف الأعلى من التصنيف العالمي.
ولا يقتصر صعود المغرب، بحسب التقرير، على النتيجة المسجلة في 2026، بل يأتي ضمن مسار طويل الأمد يضعه بين الاقتصادات المتوسطة الدخل الأسرع تقدماً في المؤشر منذ 2013، إلى جانب الصين والهند وفيتنام وتركيا والفلبين وإندونيسيا.
ويصف التقرير المغرب وفيتنام بأنهما من بين القصص الأكثر ديناميكية في هذا المسار، في وقت أصبحت فيه عملية الانتقال من المراتب المتوسطة إلى المراتب الأعلى أكثر صعوبة بالنسبة إلى الاقتصادات الصاعدة، خصوصاً مع اقترابها من حاجز أفضل 50 أو أفضل 40 اقتصاداً.
وتبرز أهمية النتيجة المغربية بصورة أكبر عند النظر إلى العلاقة بين مدخلات الابتكار ومخرجاته. فالمغرب يوجد في المرتبة 76 عالمياً في مدخلات الابتكار، مقابل المرتبة 46 في المخرجات. ويضعه هذا الفارق ضمن الاقتصادات التي تنتج مخرجات ابتكارية أعلى مما يتوقع بالنظر إلى مستوى مدخلاتها، وفق المنهج الذي يستخدمه التقرير لقياس العلاقة بين المدخلات والمخرجات وخط الانحدار الذي يحدد المستوى المتوقع من النتائج عند كل مستوى من مستويات المدخلات.
ويعتبر التقرير أن مثل هذه الفوارق لا تمثل بالضرورة نقطة ضعف في حد ذاتها، بل يمكن أن تكشف عن أصول متخصصة يمكن البناء عليها، مع الحاجة إلى تقوية القنوات التي تربط البحث والاستثمار والمؤسسات بتحويل الابتكار إلى نتائج أكثر اتساعاً واستدامة.
صعود تقوده المخرجات الإبداعية والمعرفية
تظهر هذه الصورة بوضوح في الأعمدة السبعة التي يتكون منها المؤشر. فقد جاءت المؤسسات في المرتبة 70، ورأس المال البشري والبحث في المرتبة 85، والبنية التحتية في المرتبة 81، وتطور الأسواق في المرتبة 82، بينما تراجع تطور الأعمال إلى المرتبة 97، وهي أدنى مرتبة للمغرب بين الأعمدة الرئيسية. وفي المقابل، ارتفعت مخرجات المعرفة والتكنولوجيا إلى المرتبة 58، بينما جاءت المخرجات الإبداعية في المرتبة 38، أي في الثلث الأعلى من التصنيف العالمي تقريباً، لتصبح من أبرز عناصر القوة في الملف المغربي.
وتكشف هذه الخريطة أن المرتبة الإجمالية للمغرب لا تعكس تقارباً في الأداء بين جميع مكونات منظومة الابتكار، وإنما تخفي تفاوتاً واضحاً بين جانب المدخلات وجانب المخرجات. فحين تنتقل القراءة من الأعمدة العامة إلى المؤشرات التفصيلية، تظهر مجموعة من النتائج التي تضع المغرب في مواقع متقدمة جداً مقارنة بترتيبه الإجمالي، خصوصاً في الأصول غير الملموسة والتصاميم الصناعية والعلامات التجارية.
ويأتي المغرب في المرتبة 11 عالمياً في الأصول غير الملموسة، وهي إحدى أبرز نقاط القوة في ملفه، كما يحتل موقعاً متقدماً جداً في كثافة هذه الأصول. ويأتي كذلك في المرتبة 16 في العلامات التجارية بحسب المنشأ، وفي المرتبة 5 في التصاميم الصناعية بحسب الناتج المحلي الإجمالي وفق تعادل القوة الشرائية. وتنسجم هذه النتائج مع قراءة التقرير لصعود المغرب، الذي يربط تقدمه بمزيج من التطور الصناعي والاستخدام المتزايد للأصول غير الملموسة داخل قطاع الأعمال، بما يشمل التصميم والعلامة التجارية وتمييز المنتجات.
ويظهر الجانب الآخر من هذه القوة في التصنيع عالي التكنولوجيا، حيث جاء المغرب في موقع متقدم نسبياً ضمن المؤشر، بينما حافظ على حضور ملحوظ في صادرات التكنولوجيا العالية وخدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وفي مجال المعرفة والتكنولوجيا، جاءت المرتبة الإجمالية للمغرب في النصف الأعلى من التصنيف، لكن مكوناتها تكشف تفاوتاً داخلياً. فقد جاء في إنشاء المعرفة في موقع متوسط، بينما كان أداؤه أقوى في تأثير المعرفة، ولا سيما في نمو إنتاجية العمل، الذي وضعه في المرتبة 13 عالمياً، وفي التصنيع عالي التكنولوجيا الذي جاء فيه في المرتبة 28.
أما نشر المعرفة، فتظهر فيه أيضاً نقاط قوة مرتبطة بالانفتاح التجاري والتكنولوجي، إذ احتل المغرب موقعاً متقدماً نسبياً في صادرات التكنولوجيا العالية وخدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، مقابل تأخر واضح في تعقيد الإنتاج والصادرات.
وبذلك تبدو صورة مخرجات المعرفة المغربية موزعة بين قدرة على الاستفادة من النشاط الصناعي والتكنولوجي والتصديري، وبين محدودية أكبر في بعض المؤشرات التي تقيس تعقيد قاعدة الإنتاج والقدرة على توليد المعرفة محلياً.
وفي المخرجات الإبداعية، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً. فالمغرب يحتل موقعاً متقدماً نسبياً في هذا العمود، مدفوعاً أساساً بقوة الأصول غير الملموسة والعلامات التجارية والتصاميم، لكنه يتراجع بصورة كبيرة عندما يتعلق الأمر بالسلع والخدمات الإبداعية. فقد جاء هذا المكون في الثلث الأخير من التصنيف العالمي، وهو ما يكشف أن قوة المغرب في المجال الإبداعي لا تتوزع بالتساوي على جميع أنشطته.
ويظهر هذا التفاوت في صادرات الخدمات الثقافية والإبداعية وإنتاج الأفلام الوطنية وسوق الترفيه والإعلام، التي جاءت في مراتب متفاوتة، مقابل تأخر أكبر في صادرات السلع الإبداعية. أما الإبداع عبر الإنترنت، فتتباين مكوناته بدوره؛ إذ يسجل المغرب نتيجة متقدمة جداً في إنشاء تطبيقات الهاتف المحمول، مقابل مراتب أقل في نطاقات الإنترنت ذات المستوى الأعلى ومساهمات GitHub.
ويعني ذلك أن المجال الإبداعي المغربي يجمع بين نقاط قوة واضحة في الأصول الفكرية والتصميم والعلامات وبعض أشكال الإنتاج الرقمي، وبين أداء أضعف في تحويل هذه القدرات إلى سلع وخدمات إبداعية ذات حضور أكبر في التجارة الدولية.
فجوة في الأعمال والبحث ورأس المال البشري
في المقابل، تكشف الأعمدة المرتبطة بمدخلات الابتكار عن جوانب أقل تقدماً، وفي مقدمتها تطور الأعمال، الذي جاء في أدنى ترتيب بين الأعمدة السبعة. ويقيس هذا المحور قدرات الشركات، وتوفر العاملين في المعرفة، والروابط الابتكارية، وقدرة الاقتصاد على استيعاب المعرفة؛ وهي كلها عناصر ترتبط بقدرة الشركات والجامعات والمؤسسات البحثية على العمل ضمن منظومة ابتكار مترابطة.
وجاء المغرب في موقع متأخر في فئة العاملين في المعرفة، كما ظل في النصف الثاني من التصنيف في الروابط الابتكارية وامتصاص المعرفة. وتظهر التفاصيل ضعفاً في بعض أشكال التعاون بين البحث العام والقطاع الصناعي، وفي التعاون بين الجامعات والصناعة في مجال البحث والتطوير، بينما يأتي تطور العناقيد في موقع أفضل نسبياً. كما لا تتوفر في بطاقة المغرب بيانات بشأن بعض مؤشرات الإنفاق على البحث والتطوير الذي تنفذه الشركات وتموله، وهو ما يحد من المقارنة في هذا الجانب.
وفي امتصاص المعرفة، تبدو الصورة أكثر تبايناً. فالمغرب يحتل موقعاً جيداً نسبياً في واردات التكنولوجيا العالية، لكنه يتراجع في واردات خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، كما يأتي في موقع متأخر في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الصافية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي المقابل، يظهر موقع أفضل في الاستثمارات الجديدة المرتبطة بالبحث والتطوير والاستثمار الأجنبي المباشر عالي التكنولوجيا، ما يشير إلى وجود عناصر جذب في بعض الأنشطة ذات الصلة بالتكنولوجيا، لكنها لا تكفي لتغيير الصورة العامة لمحور تطور الأعمال.
ولا تختلف الصورة كثيراً في رأس المال البشري والبحث، الذي جاء في الجزء المتأخر من التصنيف العالمي. ففي التعليم، يسجل المغرب أحد أعلى مكونات الإنفاق على التعليم مقارنة بعدد من المؤشرات الأخرى، إذ تبلغ حصة الإنفاق 6.0% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نتيجة وضعته في موقع متقدم نسبياً على هذا المؤشر. غير أن نتائج جودة التعليم ومؤشرات الأداء المدرسي تظهر في مراتب أدنى، كما يأتي المغرب في موقع متأخر في نسبة التلاميذ إلى المدرسين في التعليم الثانوي.
وفي التعليم العالي، تظهر قوة نسبية في نسبة خريجي العلوم والهندسة، بينما يبقى الالتحاق بالتعليم العالي وحركة الطلاب الوافدين في مراتب أدنى. أما البحث والتطوير، فيحتل موقعاً متأخراً ضمن الأعمدة الرئيسية، رغم وجود ترتيب أفضل في عدد الباحثين لكل مليون نسمة وفي بعض المؤشرات المرتبطة بالمستثمرين العالميين في البحث والتطوير. وتظل جودة الجامعات ضمن المؤشرات التي يظهر فيها المغرب في النصف الثاني من التصنيف.
البنية التحتية والأسواق: قاعدة غير متجانسة
في البنية التحتية، يوجد المغرب في النصف الثاني من التصنيف، مع تفاوت واضح بين مكوناتها. فتكنولوجيا المعلومات والاتصالات تأتي في موقع متوسط إلى متأخر، بينما تبدو البنية التحتية العامة أكثر تقدماً نسبياً. وفي المقابل، تمثل الاستدامة البيئية إحدى أكثر النقاط تأخراً في بطاقة المغرب، إذ جاءت ضمن المراتب الأخيرة نسبياً، مع تأخر خاص في استخدام الطاقة منخفضة الكربون.
وتكشف مؤشرات الاتصالات عن فارق بين إتاحة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات واستخدامها، بينما تأتي الخدمات الحكومية عبر الإنترنت في موقع متأخر. وفي البنية التحتية العامة، يظهر تكوين رأس المال الإجمالي كنقطة قوة نسبية، في مقابل مراتب أكثر تأخراً في إنتاج الكهرباء وزمن بقاء واردات الطيران.
أما تطور الأسواق، فيأتي بدوره في النصف الثاني من التصنيف، مع أداء متفاوت بين الائتمان والاستثمار والتجارة والتنويع وحجم السوق. ويظهر الائتمان المحلي للقطاع الخاص في موقع متقدم نسبياً، بينما تأتي مؤشرات التمويل المرتبط بالشركات الناشئة والمتوسعة في موقع أكثر توسطاً. وفي الاستثمار، يسجل المغرب نتيجة متقدمة في القيمة السوقية مقارنة بعدد من المؤشرات الأخرى، في حين تبقى بعض مؤشرات رأس المال الاستثماري في مواقع أقل تقدماً.
وفي التجارة والتنويع وحجم السوق، يظهر تنويع الصناعة المحلية وحجم السوق في مواقع أفضل من متوسط هذا المحور، بينما يأتي متوسط معدل التعريفة المطبق في موقع متأخر. وتؤكد هذه النتائج مرة أخرى أن صورة السوق المغربية ليست موحدة، بل تجمع بين عناصر تمويلية واستثمارية وتجارية أكثر قوة، وأخرى تحد من اتساع قاعدة الابتكار وتمويل الشركات ذات النمو المرتفع.
وتقدم المؤسسات صورة أكثر توازناً. فقد جاءت في المرتبة 70، أي عند الحد الفاصل تقريباً بين النصفين الأعلى والأدنى من التصنيف، مع تفاوت بين البيئة المؤسسية والبيئة التنظيمية وبيئة الأعمال. ويظهر المغرب في موقع أفضل نسبياً في استقرار السياسات الخاصة بممارسة الأعمال، الذي جاء في المرتبة 22، بينما تتراجع بعض المؤشرات الأخرى، من بينها سيادة القانون وجودة التنظيم.
المغرب في خريطة شمال إفريقيا
إقليمياً، يضع التقرير شمال إفريقيا وغرب آسيا في المرتبة 4 بين المناطق العالمية في مؤشر الابتكار لعام 2026، مع تفاوت واسع بين اقتصادات المنطقة. وتتصدر إسرائيل الترتيب الإقليمي، تليها الإمارات وقبرص والسعودية، بينما يأتي المغرب في موقع متقدم داخل المجموعة الإقليمية، متقدماً على تونس ومصر والجزائر.
وتضع الخريطة الإقليمية المغرب في موقع لافت أيضاً بسبب طبيعة مصادر قوته. فالتقرير لا يربط تقدمه أساساً بارتفاع مدخلات البحث والتطوير أو قوة قطاع الأعمال في الابتكار، بل يشير إلى مزيج من التطور الصناعي والاستخدام المتزايد للأصول غير الملموسة، مع قوة خاصة في التصاميم الصناعية والعلامات التجارية وكثافة الأصول غير الملموسة والتصنيع عالي التكنولوجيا. وهذا يفسر جانباً من قدرة المغرب على تسجيل مخرجات ابتكارية أعلى من مستوى مدخلاته.
لكن الخريطة نفسها تكشف أن الانتقال إلى مراتب أعلى لن يكون مجرد استمرار آلي للمسار الحالي. فالتقرير يشير، في قراءته العامة للاقتصادات المتوسطة الدخل، إلى أن الصعود إلى ما بعد أفضل 50 ثم إلى أفضل 40 يصبح أكثر صعوبة، لأن الاقتصادات التي قطعت شوطاً في التصنيع والتجارة والخدمات الرقمية واستخدام الملكية الفكرية تحتاج إلى تعميق قاعدة البحث والتطوير، وتقوية الجامعات، وزيادة البحث داخل الشركات، وتوسيع الروابط بين العلم والصناعة، وتعزيز إنتاج المعرفة محلياً.
ويضع التقرير المغرب ضمن مجموعة الاقتصادات التي قطعت مسافة طويلة منذ 2013، لكنه يربط المرحلة التالية من الصعود بالحاجة إلى بناء قاعدة أكثر توازناً بين المدخلات والمخرجات.
