منهجية السؤال الفلسفي الإشكالي المفتوح عند شفيق اكريكر
قراءة تركيبية في الرؤية الديداكتيكية والدوسيمولوجية
آراء أخرى
توطئة سياقية:
عقب إجراء الامتحان الوطني للبكالوريا في مادة الفلسفة، يوم الجمعة 5 يونيو 2026، أثار موضوع السؤال الإشكالي المفتوح الخاص بمسلك العلوم الإنسانية نقاشاً واسعاً بين المدرّسين والمتعلمين على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً حول تحديد “المحور” الذي يندرج ضمنه السؤال في مجزوءة السياسة ومفهوم الدولة: «هل تضمن الدولة أمن الأفراد أم أنها تشكل تهديداً لهم؟». وقد كشف هذا النقاش، مرة أخرى، عن ارتباك يتجدد سنوياً في لحظة الامتحان، حين يتحول هاجس تعيين المحور إلى مصدر قلق منهجي وتقويمي، بل إلى معيار ضمني لتقدير مدى سلامة فهم الموضوع.
في هذا السياق، تدخل الدكتور شفيق اكريكر، أستاذ الفلسفة والديداكتيك بالمدرسة العليا للأساتذة في جامعة المولى إسماعيل بمكناس، ومفتش تربوي سابق لمادة الفلسفة بالتعليم الثانوي التأهيلي، بتدوينة نقدية لافتة على حائطه الفيسبوكي. وقد صاغ موقفَه بلغة تجمع بين الحدّة المفهومية والسخرية النقدية، حين أكد أن الاختبار في الفلسفة إنما يكون في “المفاهيم” لا في ما هو أدنى منها، معتبراً أن “المَحاور” صارت بدعة من بدع الدرس الفلسفي. ولم يكن مقصوده، في العمق، مجرد الاعتراض على تصنيف جزئي لموضوع امتحاني، بل التنبيه على خلل أعمق أصاب تمثل الدرس الفلسفي نفسه، حين غلبت سلطة المحور على مركزية المفهوم والمجزوءة.
وقد وسّع اكريكر هذا التنبيه في نص لاحق نشره على مدونته الإلكترونية، خصصه لنقد ما سماه “أسطورة المحور وأسطورة الإطار”، متوقفاً عند ورقة “عناصر الإجابة” الرسمية الخاصة بالسؤال أعلاه نفسه. ومركز انتقاده يدور على أن هذه العناصر، على الرغم من دعوتها العامة الموجَّهة إلى المصححين لقبول الإجابات الممكنة، فإنها تميل في تفاصيلها إلى تضييق أفق السؤال حين توجهه نحو إشكال بعينه، مع أن منطوقه يسمح بمعالجات فلسفية أخرى لا تقل وجاهة. وبذلك انتقل النقاش من مجرد سؤال: إلى أي محور ينتمي الموضوع؟ إلى سؤال أعمق: كيف ينبغي أن نفهم السؤال الإشكالي المفتوح؟ وكيف ينبغي أن نؤطره ديداكتيكياً ودوسيمولوجياً دون أن نخنق إمكاناته الفلسفية بمثل الذي مارسته ورقة “عناصر الإجابة” حين انتقلت، تعسفاً وبلا مسوّغ منطقي كافٍ، من مفارقة “ضمان الدولة لأمن الأفراد مقابل تهديدها لهم” إلى اشتراط صياغة الإشكال في إطار “مشروعية الدولة” تحديداً، بينما كان بالإمكان الانتقال إلى إشكاليات أخرى لا تقلّ وجاهة، كالدولة بين الحق والعنف، أو علاقة العنف بالسياسة والمؤسسات.
ولما تفاعل عدد من المدرّسين مع هذه الملاحظات، سواء في الفضاء الافتراضي العمومي أو عبر الخاص، اختار الأستاذ شفيق أن ينقل النقاش إلى صيغة أكثر تفصيلاً، فسجل ستّ حلقات مرئية عرض فيها رؤيته لمنهجية السؤال الفلسفي الإشكالي المفتوح. ومن هنا تأتي هذه الورقة بوصفها محاولة لتركيب تلك الرؤية، وبيان خلفياتها الفلسفية والديداكتيكية والدوسيمولوجية، مع اختبار ما تفتحه من إمكانات وما تثيره من هواجس في أفق الممارسة الصفية والتقويمية.
مقدمة
تثير منهجية التعامل مع السؤال الفلسفي الإشكالي المفتوح في الامتحان الوطني للبكالوريا واحدة من أعقد القضايا الديداكتيكية والدوسيمولوجية في تدريس الفلسفة بالسلك الثانوي التأهيلي. والمقصود بالدوسيمولوجيا هنا علم التقويم والامتحانات، من حيث بناء أدوات القياس، وضبط معايير التصحيح، وتحقيق أكبر قدر ممكن من الإنصاف والموضوعية في تقدير إنجازات المتعلمين.
ولا ترجع صعوبة هذه المنهجية فقط إلى غموض بعض صيغ الأسئلة أو إلى تفاوت مستويات المتعلمين، بل تعود أساساً إلى التباس عميق في فهم طبيعة السؤال الإشكالي المفتوح، ووظيفته الفلسفية، وصيغ تصريفه ديداكتيكياً، ومعايير تقويمه امتحانياً. من هذا المنطلق يقدّم الدكتور شفيق اكريكر، في ست حلقات مرئية من حوالي ستين دقيقة في الوقت الإجمالي، رؤية متكاملة تسعى إلى إعادة بناء الفهم المنهجي لهذا النمط من الكتابة الفلسفية، بوصفه امتحاناً حقيقياً لقدرة الدرس الفلسفي على الوفاء لمقتضيات الفلسفة نفسها، لا تمريناً تقنياً معزولاً.
ينطلق اكريكر من تشخيص يبدو له واضحاً، مفاده أن منهجية السؤال الإشكالي المفتوح تحولت إلى “معضلة” تتكرر كل سنة، خصوصاً أثناء تصحيح امتحانات البكالوريا. وهذه المعضلة ليست طارئة ولا جزئية، بل هي في نظره “نقيضة”، بالمعنى الكانطي، من نقائض الدرس الفلسفي، حين يكشف العقل عن توتراته الداخلية بمحاولته تجاوز حدود التجربة إذ يجد نفسه قادراً على صياغة أدلة منطقية متساوية القوة والتماسك تثبت الأطروحة وتثبت نقيضها معاً. وعلى غرار ذلك، يقع الدرس الفلسفي المغربي في نقائض حين يحاول أن يوفق بين مقتضيات الفلسفة، ومطالب المؤسسة المدرسية، وصيغ التقويم، وحدود المتعلمين. ومن بين هذه النقائض: نقيضة السؤال الإشكالي المفتوح، ونقيضة الحجاج في النص الفلسفي والكتابة المقالية.
غير أن اكريكر لا يقارب هذه النقيضة بصفته واضع وصفة مدرسية جاهزة، بل يخاطب مدرّسي الفلسفة أولاً بوصفهم “متفلسفة” قبل أن يكونوا مدرّسين. وهذه الإشارة بالغة الدلالة؛ لأنها تعني أن مشكل المنهجية لا يحل من داخل الوثائق التنظيمية وحدها، ولا من داخل عادة الممارسة المدرسية، بل ينبغي أن يحل في ضوء مقتضيات القول الفلسفي ذاته. فالدرس الفلسفي، بتعبير يستعيره من سبينوزا، لا يمكن أن يكون “إمبراطورية داخل الإمبراطورية”، أي لا يمكن أن يشرّع لنفسه بمعزل عن الفلسفة الأم، ولا أن يبتكر مفاهيم وممارسات تناقض ما استقر في الكتابة المقالية الفلسفية عموماً. لذلك تصبح القضية عنده قضية توافق بين الدرس الفلسفي المدرسي والفلسفة بوصفها ممارسة فكرية ومعرفية أوسع.
ينظم اكريكر رؤيته حول أربعة محاور كبرى:
أولها الاتفاق على الأصول قبل الاختلاف في الفروع، أي تحديد معنى السؤال الإشكالي المفتوح قبل البحث في طرق تدريسه وتقويمه؛
وثانيها بيان منزلة الوثائق الرسمية، وخاصة الأطر المرجعية، وتمييز وظيفتها التشريعية عن التصريف الديداكتيكي؛
وثالثها استحضار النموذج الفرنسي، بما أن الدرس الفلسفي المغربي يستلهم، في بنية البرنامج والمقاربة الإشكالية، جانباً مهماً من التقليد الفرنسي؛
ورابعها التمييز بين وضع المعيار الصحيح نظرياً، وبين تحديد شروط الإنجاز المقبول من المتعلمين عملياً. ومن خلال هذه المحاور تتشكل رؤية متماسكة غايتها إعادة بناء منهجية السؤال المفتوح على أسس فلسفية، ديداكتيكية، ودوسيمولوجية أكثر صرامة.
أولاً: السؤال الإشكالي المفتوح بوصفه سؤالاً حقيقياً ينتظر جواباً
أول أصل يؤسس عليه اكريكر رؤيته هو أن المطروح على المتعلم في الامتحان ليس عبارة غامضة ولا تمريناً في الاستعراض المعرفي، بل هو سؤال. وهذه البساطة الظاهرة تخفي، في نظره، أهمية منهجية بالغة. فالسؤال، كيفما كان مجاله، هو أسلوب طلبي ينتظر جواباً. قد يكون الجواب فلسفياً، نسبياً، تركيبياً، أو متعدد الأبعاد، لكنه يبقى جواباً. ومن ثمة لا يجوز التعامل مع السؤال الإشكالي المفتوح كما لو كان دعوة إلى الدوران حول الموضوع دون حسم، أو إلى عرض آراء متقابلة دون أن يعرف المتعلم إلى أين يتجه.
يصر اكريكر على هذه النقطة لأنها تحدد “الهيئة العقلية والفكرية” التي ينبغي أن يكتب بها المتعلم إنشاءه الفلسفي. فالكتابة لا تبدأ من تجميع المعارف، بل من الإحساس بأن هناك سائلاً يسأل، وأن على المجيب أن يحدد منذ البداية طبيعة الجواب الذي سيبنيه. فإذا لم يكن المتعلم يعرف إلى أين يمضي، فإن كل حديث لاحق عن التحليل والمناقشة والتركيب يصبح بلا معنى. ويستحضر اكريكر صورة رمزية قريبة من حكاية “أليس في بلاد العجائب”: إذا لم تكن تعرف إلى أين تريد الذهاب، فلن يهم أي طريق تسلك. وكذلك حال المتعلم الذي لا يعرف الجواب الذي يتجه نحوه، فإن كتابته ستصبح فوضى ذهنية، مهما استعمل من ألفاظ منهجية.
هذه الفكرة تضع اكريكر في مواجهة نزعة مدرسية شائعة تجعل السؤال الإشكالي المفتوح مجرد ذريعة لعرض الاختلاف الفلسفي دون التزام بجواب. فهو ينتقد، في هذا السياق، ما يسميه “النسبوية الصورية الفارغة” التي يتذرع بها بعض المتعلمين للتهرب من مسؤولية التفكير. إن الفلسفة، عنده، ليست تربية على الامتناع عن الاختيار، ولا تدريباً على القول إن “الفلاسفة مختلفون” فحسب، بل هي تربية على الاختيار المستنير. لذلك ينبغي أن يتعلم المتعلم أن يختار موقفاً، لكن لا بوصفه رأياً عفوياً، بل بوصفه اختياراً عقلانياً يمر عبر استحضار الاعتراضات، والإنصاف في عرضها، ثم نقدها أو تعديلها.
إن السؤال، بهذا المعنى، يُحدث ضغطاً فكرياً مشروعاً هو ضغط البحث عن جواب. وهذا الضغط لا ينبغي تخفيفه بعبارات مثل “الأطروحة المفترضة” إذا كانت هذه العبارة ستشوش على الذهن وتضعف الإحساس بإلحاح السؤال. لذلك يرى أن هذا التعبير، في الممارسة الديداكتيكية، قد يكون أقل وضوحاً وأكثر تشويشاً من القول ببساطة: إن السؤال مطلب ينتظر جواباً.
ثانياً: الطابع الإشكالي للسؤال: التفكير كما لو كنتَ اثنين
بعد تحديد السؤال بوصفه مطلباً ينتظر جواباً، ينتقل اكريكر إلى تحديد معنى كونه “إشكالياً”؛ فهو يستند إلى المعنى المتداول في التوجيهات التربوية: الإشكال يحيل على إدراك التوترات والمفارقات، ومساءلة المواقف والتصورات، والتعامل مع المعارف بحس نقدي يكشف ما فيها من حدود وتناقضات. لكنه لا يكتفي بهذا التعريف العام، بل يحوّله إلى مطلب إنجازي واضح داخل المقالة الفلسفية.
فمعالجة السؤال معالجة إشكالية لا تعني أن يجيب المتعلم جواباً مباشراً بالإثبات أو النفي، ولو دعّم جوابه بحجج كثيرة. فإذا سُئل مثلاً: “هل الشخص حر في اختيار شخصيته”؟ ثم أجاب: “نعم، الشخص حر”، وقدم ثلاث حجج، فإنه لم يتعامل بعدُ مع السؤال بوصفه سؤالاً إشكالياً. وكذلك إذا أجاب: “لا، الشخص ليس حراً”، وقدم حججاً على ذلك. ففي الحالتين قد يوجد موقف وحجاج، لكن لا توجد معالجة إشكالية؛ لأن الطابع الإشكالي يتطلب إبراز التوتر بين إمكانات الجواب.
هنا يقدم اكريكر واحدة من أهم أفكاره المنهجية: ينبغي على المتعلم أن يفكر كما لو كان اثنين. فهو قد يكون مقتنعاً بأن الشخص حر، لكن عليه في الوقت نفسه أن يعي وجود من يرى أن الشخص غير حر، وأن يعرض حجج هذا الطرف بإنصاف، قبل أن ينتقدها ويؤسس موقفه الخاص. ليست الإشكالية إذن مجرد إعلان في المقدمة عن وجود مفارقة، بل ينبغي أن تتجسد عملياً في العرض، من خلال بناء تقابُل حقيقي بين جوابين أو أكثر.
ويتأسس هذا التصور على قيمة فكرية وأخلاقية في آن واحد: النزاهة الفكرية. فالفلسفة تقوم على التمكن من استحضار الخصم الفكري في أقوى صوره، وليس على الانتصار السريع للرأي الخاص. لذلك يستحضر اكريكر معنى قريباً مما ينسبه إلى ابن رشد: “العدل أن تأتي بالحجج لخصمك بمثل ما تأتي بها لنفسك”. فالمتعلم يثبت قدرته الفلسفية حين يثبت أنه يفهم قوة الموقف المضاد، ثم يستطيع أن يحدد حدوده، لا حين يعرض موقفه وحده.
من هنا يغدو السؤال الإشكالي المفتوح تمريناً على التفكير النقدي لا على العرض المتوازي للآراء. فالتوتر بين الأجوبة ينبغي أن يكون حاضراً في بنية المقال. وليس المطلوب أن يبقى المتعلم متوارياً خلف عافية الحياد، بل أن يمر عبر الحياد المنهجي المؤقت لكي يصل إلى اختيار مؤسس. فالاختيار مطلوب، لكن قيمته لا تظهر إلا بعد استحضار اتجاهيْن متباينيْن، إن لم يكن أكثر.
ثالثاً: نقد الخلط بين الوثيقة التشريعية والتصريف الديداكتيكي
ينتقل اكريكر بعد ذلك إلى محور حاسم في تشخيص سبب الفوضى المنهجية، أعني الخلط بين الوثائق الرسمية والديداكتيك؛ فالأطر المرجعية والمذكرات الوزارية، في نظره، ليست وثائق ديداكتيكية بالمعنى الدقيق، بل وثائق تشريعية. إنها تضع الإطار العام والحد الأدنى للتقويم والعمل داخل المؤسسة، لكنها لا تقدم بالضرورة طريقة تعليمية جاهزة لتوجيه تعلم المتعلمين.
ويستحضر في هذا السياق ملاحظة لأحد المفتشين التربويين مفادها أن بعض المدرسين يستنسخون الأطر المرجعية ويوزعونها على المتعلمين أو يملونها عليهم، ظناً منهم أنهم بذلك أدوا المطلوب. وينتج عن هذا أن المتعلم يصبح مطّلعاً على لغة موجَّهة أصلاً إلى المدرس، لا إلى التلميذ. فهو يحفظ كلمات مثل “الفهم”، و”التحليل”، و”المناقشة”، و”التركيب”، ويعرف مواضعها ونقطها، دون أن تتحول إلى كفايات فعلية في الكتابة.
يرى اكريكر أن هذا الخلل سببه غياب الوساطة الديداكتيكية؛ فالوثيقة الرسمية تخاطب المدرس بوصفه مهنياً محترفاً، وتفترض أنه سيحوّل معاييرها إلى أنشطة تعلمية مناسبة. أما حين تقدَّم الوثيقة إلى المتعلم كما هي، فإننا نلغي وظيفة المدرس بوصفه وسيطاً. والمطلوب هو أن يقرأ المدرس الوثيقة، ثم يسترشد بأدبيات الكتابة الفلسفية، وخاصة ما يرتبط بالمقالة الفلسفية، ثم يصوغ منها وضعيات وأنشطة ونماذج قابلة للتعلم.
وفي هذا السياق يميز اكريكر بين لغة الأطر المرجعية ولغة التعلم؛ فالأطر المرجعية تتحدث عن الفهم والتحليل والمناقشة والتركيب وهي في ذلك تستعمل لغة قريبة من التصنيفات المعرفية والاختصاصية. أما المتعلم، فينبغي أن نوجهه بلغة الكتابة المقالية الأوسع: مقدمة، عرض، خاتمة. فالمقالة الفلسفية، كما المقالات عموماً، تُبنى عالمياً وفق هذا النسق العام. أما الفهم والتحليل والمناقشة والتركيب فهي مطالب تقويمية ومعرفية ينبغي أن تسكن هذه البنية، لا أن تحل محلها بوصفها عناوين ميكانيكية.
إن المقدمة، في هذا التصور، ليست مجرد “فهم” بالمعنى الضيق، بل مدخل خطابي ووظيفي للقارئ. والعرض ليس مجرد “تحليل” ثم “مناقشة” مفصوليْن بطريقة مدرسية جامدة، بل فضاءُ تطوير التفكير والحجاج. والخاتمة ليست بالضرورة “تركيباً” بالمعنى الاصطلاحي الضيق، بل خلاصة ترسخ ما انتهى إليه المقال. وبذلك يدعو اكريكر إلى إعادة تسمية الأشياء بأسمائها المقالية، مع الحفاظ داخلها على مطالب الفهم والتحليل والمناقشة والتركيب بوصفها وظائف معرفية وتقويمية.
رابعاً: قراءة الأطر المرجعية وحدود عباراتها
حين يعود اكريكر إلى مضمون الأطر المرجعية نفسها، يلاحظ أنها تقول في مرحلة التحليل: “تحليل عناصر الإشكال وأسئلته، وتوظيف المعرفة الفلسفية الملائمة لمعالجة الإشكال، واستحضار البناء الحجاجي للمضامين الفلسفية”. ويرى أن مجرد عبارة “توظيف المعرفة الفلسفية الملائمة لمعالجة الإشكال” تكفي للدلالة على أن التحليل لا يمكن أن يكون مجرد شرح خطي لمفاهيم السؤال، بل يقتضي النظر إلى الإشكال من زوايا متعددة. فمعالجة الإشكال لا تتم إلا باستحضار المفاهيم، والأطروحات، والحجج، والتوترات التي تسمح بفهمه.
أما عبارة “استحضار البناء الحجاجي للمضامين الفلسفية” فيعدها عبارة موفقة جداً؛ لأنها تنبه على أن حضور الفلاسفة في المقال لا ينبغي أن يكون حضوراً اسمياً. فلا يكفي أن يقال: “قال فلان”، أو “يرى فلان”. فما يميز الموقف الفلسفي هو الحجة التي يستند إليها، وليس الاسم. فكل إنسان يستطيع أن يقول، لكن القيمة الفلسفية تكمن في الأساس الحجاجي للقول. ومن ثم ينبغي للمتعلم أن يتعلم توظيف المعرفة الفلسفية بوصفها مفاهيم وقضايا وأطروحات ذات بناء حجاجي، لا بوصفها محفوظات منفصلة عن الإشكال.
غير أن اكريكر يتوقف عند عبارة أخرى في المناقشة، هي: “مناقشة الأطروحة أو الأطروحات التي يفترضها السؤال”. فهو يرى أن عبارة “الأطروحة أو الأطروحات التي يفترضها السؤال” قد لا تكون موفقة، لأن السؤال، من الناحية اللغوية، أسلوب طلبي لا يفترض بالضرورة أطروحة جاهزة. ومع ذلك لا ينكر أن المقصود مفهوم ومحمود، وخاصة في بعض صيغ الأسئلة التي تتضمن إمكانات متعددة. غير أن وظيفة المدرس هنا هي أن يجلّي المقصود ويحوّله إلى أنشطة تعليمية تعلمية، لا أن يترك العبارة كما هي فتتحول إلى مصدر تشويش.
يتمثل المشكل عنده في أن الفصل المدرسي الحاد بين التحليل والمناقشة قد يجعل المتعلم في حيرة يمكن صياغتها على هذا النحو: إذا كان قد وظّف المعرفة الفلسفية الملائمة لمعالجة الإشكال في التحليل، فبماذا سيناقش لاحقاً؟ أليست معالجة الإشكال ذاتها تقتضي استحضار الأطروحات والمفاهيم والحجج المتباينة؟ وهنا يميل اكريكر إلى النظر إلى التحليل والمناقشة بوصفهما مكونيْن داخل العرض، لا صندوقيْن منفصلين بحدود مصطنعة. فالعرض هو مجال بناء الجواب عبر تحليل المفاهيم، وعرض الإمكانات، ومناقشةِ بعضها ببعض، وصولاً إلى الجواب الذي يختاره المتعلم.
خامساً: النموذج الفرنسي ووظيفة الاستلهام لا الاستنساخ
يولي اكريكر أهمية خاصة للنموذج الفرنسي، من باب الوعي بمصدر من المصادر التي استلهم منها الدرس الفلسفي المغربي بنيته المفاهيمية ومقاربته الإشكالية، وليس من باب التبعية. فإذا كان الدرس المغربي قد استفاد من هذا النموذج، فمن الضروري أن ينظر إليه ليفهم كيف يعالج السؤال الفلسفي المفتوح هناك، سواء أراد أن يتمرد عليه أو أن يطوّر طريقاً خاصاً به.
يعرض اكريكر نموذجاً فرنسياً لسؤال: “ألا يصح أن الحق ليس سوى ترجمة لموازين القوى”؟ أو بصياغة قريبة: “هل الحق مجرد انعكاس لموازين القوى”؟ ثم يبين أن النموذج الفرنسي لا يقدم جواباً خطياً مباشراً، بل يبني “مناقشة” بالمعنى الفعلي للكلمة، حيث يبدأ بإمكان أول هو: نعم، يمكن القول إن الحق يعكس موازين القوى، ثم يعرض حجج هذا الإمكان، وبعد ذلك ينتقل بأداة استدراك قوية، مثل “لكن”، إلى إمكان ثان هو: الحق لا يعكس فقط موازين القوى، ثم ينتهي إلى توضيح الجواب الذي يراه أصوب، وهو أن العقل أو الروح هو أساس الحق، لا القوة وحدها.
في هذا النموذج، ما يهم اكريكر هو بنيته المنهجية، وليس مضمونه الفلسفي فقط؛ إذ يبين أن ترتيب الأطروحات أو الإمكانات ليس اعتباطياً، بل يخضع للجواب الذي يريد المتعلم أن ينتهي إليه. فإذا كان يريد أن يثبت أن الحق ليس مجرد انعكاس للقوة، فإنه يبدأ بالإمكان الذي سيعارضه، ثم ينقُده، ثم يبني الإمكان الأقرب إلى موقفه. أما إذا كان مقتنعاً بموقف نيتشوي أو واقعي يرى أن الحق يعكس فعلاً موازين القوى، فيمكنه أن يعكس الترتيب؛ فيبدأ بالموقف المثالي الذي يرى الحق قائماً على العقل، ثم ينقده، ثم يخلص إلى أن القوة هي المحدد الواقعي للحق.
إذن، لا توجد منهجية جامدة تحدد دائماً أي موقف يعرض أولاً وأي موقف يعرض ثانياً. إن الترتيب تابع للخطة الحجاجية التي هي تابعة للجواب الذي يختاره المتعلم. وهذا الاختيار لا يعني العفوية، بل يعني امتلاك مقصد واضح يوجه بناء المقال. هنا يبرز معنى “إعلان التصميم” أو “الخطة” في بداية المقال، باعتباره تعبيراً عن ترتيب منطقي يخدم الغاية الحجاجية، لا مجرد إجراء شكلي.
ينبه اكريكر أيضاً على أهمية النماذج الملموسة في تعلم المهارات. فالمتعلم لا يكتسب مهارة الكتابة المقالية من النصائح المجردة وحدها، بل من ملاحظة نماذج مصاغة صياغة نهائية. مثلما أن الشاعر يتعلم الشعر من قراءة الدواوين قبل حضور محاضرات في العروض، فإن المتعلم يتعلم المقالة الفلسفية من قراءة مقالات ونماذج جيدة، لا من حفظ تعليمات عامة. لذلك يلمح اكريكر إلى ضرورة إدماج النماذج في التعلم، بل وإمكان التعاون بين مدرس الفلسفة ومدرس اللغة الفرنسية، لأن المقالة الفلسفية ليست معزولة عن تقاليد الكتابة في المواد الأخرى.
سادساً: بنية المقالة المقترحة: مقدمة، عرض، خاتمة
تتضح الرؤية العملية لاكريكر في اقتراحه إعادة تنظيم مكونات المقالة وفق بنية أكثر وضوحاً: مقدمة، عرض، خاتمة. غير أن هذا لا يعني إلغاء مطالب الفهم والتحليل والمناقشة والتركيب، بل إعادة توزيعها داخل بنية مقالية مفهومة وذات معنى، على النحو الآتي:
1- المقدمة: طرح الإشكال وتحليل أولي للمفاهيم
يرى اكريكر أن النموذج الفرنسي يميل إلى إنجاز تحليل مفاهيم السؤال والكشف عن مفارقاته داخل المقدمة نفسها، ولذلك تكون المقدمة أحياناً طويلة نسبياً. غير أنه لا يرى مانعاً، في السياق المغربي، من تخصيص الفقرة الأولى من العرض لتحليل مفاهيم السؤال إذا خيف من تضخم المقدمة. هذه، في نظره، مسائل تقنية لا تمس الحمولة الفلسفية للمقال، ما دام الاشتغال على مفاهيم السؤال حاضراً بالضرورة.
وظيفة المقدمة إذن هي إدخال القارئ إلى المشكلة، لا الاكتفاء بعبارات عامة. ينبغي أن يظهر فيها أن المتعلم فهم السؤال بوصفه سؤالاً حقيقياً ومطلباً ينتظر جواباً، وأنه أدرك توتراته ومفارقه وإمكانات الجواب عنه. لذلك فإن المقدمة تَكون بداية تشكُّل المسار الحجاجي.
2- العرض: تحليل الإمكانات ومناقشتها
العرض هو قلب المقال. يبدأ، عند الحاجة، بتحليل مفاهيم السؤال كفرشة نظرية تفتح إمكانات الجواب، ثم يعرض المتعلم الإمكان الأول، وغالباً ما يكون الأبعد عن اختياره النهائي، لكنه يعرضه بإنصاف، مع حججه ومبرراته. ثم يعقب عليه، وينتقل إلى الإمكان الثاني، الأقرب إلى موقفه. وإذا كان السؤال يفتح ثلاثة إمكانات، كما في الأسئلة التي من قبيل “ما غاية الدولة”؟ أو “أي معيار أنسب للحقيقة”؟ فيمكن ترتيب هذه الإمكانات من الأبعد إلى الأقرب، بحيث يكون كلُّ تعقيب تمهيداً منطقياً لما بعده.
هذا الترتيب يحقق التماسك المنطقي بوصفه شرطاً جوهرياً في المقالة الفلسفية؛ فهو من جوهر الكتابة الفلسفية، وليس مجرد جانب شكلي. إن الشكل، بعبارة هيجيلية، لا يقلّ جوهريةً عن الجوهر. وقد تكون معارف المتعلمين موجودة، لكن افتقارها إلى الشكل المنطقي يجعل إنشاءاتهم بلا طعم. لذلك ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في سوء تنظيمها.
وفي نهاية العرض، ينبغي أن تظهر فقرة يوضح فيها المتعلم جوابه النهائي بجلاء. هذه الفقرة مهمة لأنها تمنع الخاتمة من أن تتحول إلى محل للحجاج الجديد. فالجواب ينبغي أن يستقر قبل الخاتمة، أما الخاتمة فتأتي لترسخه وتلخصه.
3- الخاتمة: خلاصة ليست مجالاً لحجاج جديد
يؤكد اكريكر أن الخاتمة ليست مكاناً لبناء حجج جديدة. فالخاتمة، من منظور خطابي، هي تلخيص لما خلص إليه العرض وترسيخ له. فإذا كان العرض شجرة، فالثمرة ينبغي أن تكون من جنسها. لا يمكن أن يكون العرض في اتجاه، والخاتمة في اتجاه آخر. لذلك ينبغي أن تكون الخاتمة قصيرة نسبياً، في ثلاثة أو أربعة أسطر، تجيب عن السؤال بوضوح ودون مواربة، وتستخلص ما انتهى إليه المسار السابق.
بهذا المعنى، لا تكون الخاتمة مجالاً لإضافة “لكن” جديدة، أو لفتح حجاج لم ينجز في العرض. إنها تحصيل حاصل، لكنها تحصيل ضروري؛ لأنها تعطي للقارئ إحساساً بإغلاق المسار الحجاجي وتثبيت النتيجة.
سابعاً: نقد “الأطروحة المفترضة” والدعوة إلى لغة الخيارات
من أكثر النقاط حساسية في رؤية اكريكر موقفه من عبارة “الأطروحة المفترضة”؛ فهو لا يقول إن استعمالها باطل مطلقاً، لكنه يرى أن الحديث بها مع المتعلمين قد يشوش على أذهانهم. ذلك أن السؤال، في أصله، ليس أطروحة جاهزة، بل مطلب ينتظر جواباً. وعندما نقول للمتعلم إن في السؤال أطروحة مفترضة، فقد نضعف عنده الإحساس بضرورة الجواب، ونحول اهتمامه من بناء موقف إلى البحث عن شيء غامض اسمه “الأطروحة المفترضة”.
بدل ذلك، يقترح اكريكر لغة أبسط وأوضح يسميها “خيارات” أو “إمكانات جواب”. فالسؤال يفتح إمكانات، وعلى المتعلم أن يعرضها ويرتبها بحسب ما يريد أن ينتهي إليه. هذه اللغة أكثر ملاءمة لأنها تنسجم مع طبيعة السؤال بوصفه طلباً، ومع طبيعة التفكير الفلسفي بوصفه موازنة بين ممكنات.
ففي سؤال من قبيل: “أي المعايير أنسب للحقيقة”؟ لا يتعلق الأمر بأطروحة واحدة، بل بخيارات متعددة: معيار الوضوح، معيار التطابق، معيار النفع، أو غيرها بحسب الدرس. وكذلك في سؤال: “ما غاية الدولة”؟ قد نجد غايات مختلفة: حفظ الأمن، تحقيق الحرية، ضمان العدالة، أو غير ذلك. هنا يكون عمل المتعلم هو ترتيب هذه الإمكانات حجاجياً، لا البحث عن أطروحة مفترضة بطريقة مصطنعة.
هذا الاقتراح لا يلغي العمق الفلسفي، بل يوضحه. فالفلسفة ليست في اللفظ المعقد، بل في القدرة على بناء المشكلة والجواب. لذلك يكون التحول من “الأطروحة المفترضة” إلى “خيارات الجواب” تحويلاً ديداكتيكياً يقرّب المطلوب من المتعلم دون التضحية بصرامته.
ثامناً: التلميذ بين الاختيار والمسؤولية الفكرية
تحضر في رؤية اكريكر فكرة تربوية مركزية تتمثل في كون الدرس الفلسفي ينبغي أن يربي المتعلم على الاختيار. لكنه ليس اختياراً عاطفياً أو دعائياً أو اعتباطياً، بل اختيار عن بصيرة. فالمدرسة، كما يعرضها اكريكر من خلال استحضاره لبعض الإحالات التربوية، فضاء محمي نسبياً من ضغط الحياة اليومية التي يُطلب فيها من الإنسان غالباً أن ينحاز بسرعة، وتؤثر فيه الانفعالات والمغالطات وضغط الواقع. أما في الفصل الفلسفي، فالمتعلم يمنح فرصة نادرة لكي يختار بهدوء، ويفكر في “مع” و”ضد”، ويبني موقفاً عقلانياً.
من هنا تتضح الوظيفة القيمية للسؤال الإشكالي المفتوح بوصفه تربية على المسؤولية الفكرية؛ فعندما يكتب المتعلم عن حرية الشخص، أو أساس الحق، أو غاية الدولة، أو معيار الحقيقة، فإنه لا يكتب فقط لإرضاء المصحح، بل يتدرب على نمط من التفكير يحتاجه في الحياة: أن يرى وجوه المسألة، وأن ينصف المخالف، وأن يختار بعد تفكير.
لكن اكريكر يرفض أن تتحول هذه التربية على الاختيار إلى حياد دائم. فالحياد المنهجي مرحلة، لا غاية. والقول إن الفلاسفة اختلفوا لا يكفي. المطلوب أن يتعلم المتعلم كيف يخرج من الاختلاف بموقف مبني. وهذا ما يمنح الكتابة الفلسفية معناها: إنها لا تلغي تعدد المواقف، لكنها لا تستسلم له استسلاماً سلبياً.
تاسعاً: المعيار الصحيح والإنجاز المقبول
يختم اكريكر رؤيته بتمييز دوسيمولوجي بالغ الأهمية، أعني التمييز بين معيار الإنجاز الصحيح ومعيار الإنجاز المقبول من المتعلمين؛ فالمعيار الصحيح، من الناحية النظرية، لا ينبغي التفاوض حوله إذا كان مرتبطاً بمقتضيات القول الفلسفي والكتابة المقالية. لا يجوز أن نضع معياراً خاطئاً بدعوى مراعاة مستوى المتعلمين. فكما أن حل مسألة رياضية له خطوات صحيحة ينبغي تحديدها أولاً، فإن الكتابة الفلسفية لها أيضاً شروط صحيحة ينبغي ضبطها.
لكن بعد تحديد المعيار الصحيح، يمكن أن نناقش ما الذي ننتظره عملياً من المتعلمين في مستوياتهم الواقعية. هنا تأتي العدالة في التقويم، حيث يمكن تحديد الحد الأدنى المقبول، والمستوى المتوسط، ومستوى التفوق. فإذا أنجز المتعلم كذا وكذا، استحق مثلاً الحد الأدنى، وإذا أضاف عناصر أخرى من التماسك والحجاج، استحق درجة أعلى، وإذا بلغ مستوى متقدماً في التنظيم والاختيار والنقد، وجب أن يكافأ.
تكمن أهمية هذا التمييز في أنه يمنع خطأين متقابلين: الخطأ الأول هو خفض المعيار نفسه حتى يصبح معياراً غير فلسفي، بدعوى أن المتعلمين لا يستطيعون، والخطأ الثاني هو تطبيق المعيار الأعلى على الجميع دون مراعاة الفوارق. لذلك يقترح اكريكر تصوراً منصفاً نضع بواسطته معياراً صحيحاً لا يفرط في مقتضيات الفلسفة، ثم نحدد درجات الإنجاز المقبول بحسب مستويات المتعلمين.
ويستحضر في هذا السياق فكرة الإنصاف: التعليم العادل لا يراعي المتعثرين فقط، بل ينبغي أن يتيح أيضاً للمتفوقين أن يعطوا أفضل ما لديهم. فإذا كان في كل نظام تعليمي نسبة من المتفوقين، فإن المنهجية الجيدة ينبغي أن تفتح لهم مجال الإبداع والتميز، لا أن تقيدهم بمنهجية فقيرة تنتهي صلاحيتها بمجرد اجتياز البكالوريا. في المقابل، ينبغي ألا يظلم الأقل حظاً، بل تحدد لهم عتبات إنجاز واقعية ومنصفة.
عاشراً: نحو تعاقد ديداكتيكي جديد
تفضي رؤية اكريكر كلها إلى الدعوة إلى تعاقد ديداكتيكي جديد حول السؤال الإشكالي المفتوح. وهذا التعاقد ينبغي أن يقوم على جملة مبادئ مترابطة:
أولاً: ينبغي أن يتفق مدرسو الفلسفة على أن السؤال المفتوح سؤال حقيقي ينتظر جواباً، وأن على المتعلم أن يعرف منذ البداية إلى أين يتجه. لا ينبغي أن يكتب وهو غارق في فوضى ذهنية.
ثانياً: ينبغي أن يفهم المتعلم أن الطابع الإشكالي لا يعني الغموض، بل يعني إبراز التوتر بين إمكانات الجواب. لذلك ينبغي أن يحضر “الخصم” داخل المقال، وأن تعرض حججه بإنصاف قبل نقدها.
ثالثاً: ينبغي تحويل لغة الأطر المرجعية إلى لغة ديداكتيكية مناسبة. فالأطر وثائق تشريعية تخاطب المدرس، لا وصفات جاهزة تقدم للتلميذ. ووظيفة المدرس أن ينجز الوساطة بين التشريع والتعلم.
رابعاً: ينبغي إعادة الاعتبار لبنية المقالة: مقدمة، عرض، خاتمة. داخل هذه البنية تتحقق مطالب الفهم والتحليل والمناقشة والتركيب، لكن دون تحويلها إلى قوالب لفظية تشل التفكير.
خامساً: ينبغي تعويض الحديث المربك عن “الأطروحة المفترضة” بلغة الخيارات والإمكانات، لأنها أقرب إلى طبيعة السؤال وأقدر على توجيه المتعلم نحو بناء جواب.
سادساً: ينبغي تدريب المتعلمين على النماذج الملموسة، لا الاقتصار على النصائح العامة. فالمهارة تنمو بالملاحظة والمحاكاة الواعية، ثم بالتدرب التدريجي.
سابعاً: ينبغي التمييز في التقويم بين المعيار الصحيح والإنجاز المقبول، حتى نحفظ صرامة الفلسفة ونحقق الإنصاف البيداغوجي في الوقت نفسه.
قبل الختم: أفق الأجرأة ومآزق التنزيل: هواجس الممارسة الصفية والرهانات الدوسيمولوجية
غير أن القيمة المعرفية والمنهجية الجسورة التي تنطوي عليها رؤية اكريكر، وما تحمله من جرأة في إعادة ترتيب العلاقة بين الفلسفي والديداكتيكي والدوسيمولوجي، لا ينبغي أن تحجب عنا أن اختبارها إجرائياً يطرح جملة من الهواجس العملية والمؤسسية. فهذه الرؤية، بقدر ما تنقل النقاش إلى أفق الصرامة الإبستمولوجية والنزاهة الفكرية، تظل محتاجة إلى اختبار شروط إمكانها داخل واقع مدرسي لا يشتغل فيه مدرس الفلسفة في فضاء حر تماماً، بل ضمن شبكة من الوثائق الرسمية، والمذكرات التنظيمية، وسلالم التنقيط، وانتظارات المتعلمين، وإكراهات الزمن المدرسي، وتمثلات المصححين.
ولا تقصد هذه الهواجس إضعاف وجاهة التصور وجرأته وريادته في فتح نقاش “عمومي” هادئ رزين، ولا ردّه إلى ما كان ينتقده من قوالب مدرسية جاهزة، وإنما تروم وضعه على محك التنزيل الميداني. ذلك أن الانتقال من “التعاقد الديداكتيكي الجديد” بوصفه أفقاً نظرياً واعداً إلى ممارسة صفية وتقويمية مستقرة، يصطدم بعتبات إجرائية معقدة وعوائق بنيوية ملموسة، يمكن بسطها في أربعة مستويات متداخلة:
أول هذه الهواجس هو المأزق المؤسساتي المتعلق بالوضعية الاعتبارية للمدرس؛ فقد بنى شفيق اكريكر مقاربته على نقد الخلط بين الوثيقة التشريعية والتصريف الديداكتيكي، داعياً المدرس إلى ممارسة وساطة تحوّل الأطر المرجعية إلى كفايات فعلية. غير أن هذا التمييز نفسه يفتح سؤالاً حرجاً يمكن صياغته على هذا النحو: إلى أي حد يملك مدرس الفلسفة، بصفته موظفاً وممارساً داخل نسق مؤسسي هرمي، حق إعادة تأويل المقتضيات الرسمية أو إعادة تنظيمها ديداكتيكياً؟ فالمدرس في السنة الثانية من سلك البكالوريا ليس مشرعاً للامتحان، بل هو، في نهاية المطاف، منفّذ داخل مؤسسة تربوية محكومة بقرارات الوزارة الوصية. ومن ثم يغدو تمليكه حق التصرف الواسع في موجهات وقرارات يتلقاها بوصفها أوامر تنفيذية ملزمة أمراً يكتنفه عسر إجرائي واضح. فالدعوة إلى التحرر من الحرفية الإدارية، وإن كانت مسوَّغةً فلسفياً وديداكتيكياً من أجل الوفاء لروح الفلسفة، تظل محتاجة إلى تحديد هامش الاجتهاد المشروع الذي لا يضع المدرس في مواجهة مباشرة مع مقتضيات مؤسسية.
وثاني هذه الهواجس يتصل بسلطة “سلّم التنقيط” وإكراه التنميط الدوسيمولوجي؛ ذلك أن التصحيح في الامتحان الوطني لا يتم وفق اقتناع المدرس الفردي وحده، بل وفق سلم تنقيط رسمي يستند إلى الإطار المرجعي، ويعد عملياً تنزيلاً إجرائياً لمطالبه. ومن ثم يطرح السؤال الآتي نفسه بإلحاح: إذا كان سلم التنقيط يوزع النقط على الفهم والتحليل والمناقشة والتركيب، فكيف يمكن للمدرس أن يدرب تلاميذه على منهجية تقوم على مقدمة وعرض وخاتمة، وعلى عرض الإمكانات وترتيبها بحسب الجواب المختار، دون أن يغامر بإرباكهم أمام مصحح قد يكون أكثر التصاقاً بالتقسيم الرسمي المألوف؟ وهذا الانتقال من لغة “الأطروحة المفترضة”، وهي حقاً خارقة لمقتضى البيان العربي ولمقتضى منطق السؤال كليهما، إلى لغة “خيارات الجواب”، ومن ثنائية التحليل والمناقشة إلى وحدة العرض الحجاجي، ألا يُخشى أن يؤدي إلى ضياع بعض المتعلمين بين ما تعلموه في القسم وما ينتظره المصحح في ورقة الامتحان؟ إن هذا الاعتراض لا يمس القيمة الفلسفية لاقتراح اكريكر، لكنه ينبه إلى أن أجرأته تقتضي قدراً من التوافق المهني الواسع، حتى لا يتحول الاجتهاد الديداكتيكي، مهما كان وجيهاً، إلى مغامرة غير مأمونة العواقب بنقط المتعلمين ومسارهم الدراسي.
أما الهاجس الثالث فيتعلق بمقاومة التغيير المهني ومحدودية أثر التداول الهادئ؛ فاكريكر يختم مقاربته بالتأكيد على أنه لا يقدم حلاً نهائياً، بل يضع أرضية لتداول عمومي هادئ وعميق بين الفاعلين التربويين. غير أن هذا الأفق الحواري يصطدم بعائق مهني يتمثل في أن فئة غير يسيرة من مدرسي الفلسفة، وهم أنفسهم من يتولى تصحيح إنشاءات التلاميذ، تميل إلى الاكتفاء بتنفيذ المذكرات والتوجيهات والأطر المرجعية وسلالم التنقيط، مستنكفةً عن فتح نقاش ديداكتيكي عميق حول إمكانات تأويلها وتجديد تنزيلها، وزاهدةً فيه بضرب غير مفهوم من “اللامبالاة”! وهذا يعني أن الرهان على الحوار المهني، على أهميته وضرورته، قد يصطدم بواقع يفضّل “أمان الامتثال” على “مغامرة الاجتهاد”، ويطمئن إلى القالب المألوف لأنه يمنحه شعوراً بالسلامة التقويمية. لذلك لا يكفي أن تكون الرؤية الجديدة عميقة ومقنعة في ذاتها؛ بل ينبغي أن تجد حواضن مهنية قادرة على تداولها، وتجريبها، وتقويم آثارها، وإقناع المصححين قبل المتعلمين بجدواها. وإلا ظل هذا الحوار العمومي الهادئ مهدداً بالانحسار في فضاء نخبوي محدود، دون أن يغير بعمق واقع الفصول الدراسية وممارسات التصحيح الميدانية.
ويتصل الهجس الرابع بغياب هندسة إجرائية مفصلة للممارسة الصفية وإكراه الزمن المدرسي؛ فرؤية اكريكر تحدد الوجهة العامة بوضوح هكذا: الانتقال من الحفظ السلبي إلى التفكير المزدوج، ومن البحث عن الأطروحة المفترضة إلى ترتيب إمكانات الجواب، ومن الامتناع عن الاختيار إلى بناء موقف عقلاني. غير أنها لا تفصل، بحكم طبيعة مداخلتها المصوَّرة على منصة إلكترونية، كيف يمكن بناء هذا الانتقال داخل القسم خطوة خطوة. فالمتعلم الذي اعتاد أمان التلقين، وحفظ القوالب، واستظهار المواقف الفلسفية الجاهزة، لن ينتقل تلقائياً إلى مكابدة التفكير كما لو كان اثنين، ولن يكتسب دفعة واحدة القدرة على عرض موقف الخصم بإنصاف، ثم نقده، ثم بناء اختيار مستنير. وهذا الانتقال يحتاج إلى هندسة بيداغوجية دقيقة: تمارين قصيرة على استخراج إمكانات الجواب، تدريب متدرج على ترتيبها، نماذج مكتوبة محللة، أنشطة تطبيقية في بناء الاعتراض، شبكات تقويم تميز بين الرأي والحجة، وبين الجواب المباشر والجواب الإشكالي، وبين الحياد السلبي والاختيار العقلاني. كما يحتاج إلى زمن صفّي كافٍ، وهو ما قد يصطدم بإكراهات برنامج البكالوريا، وضغط إنهاء المجزوءات، وتفاوت مستويات المتعلمين. غير أن هذه الإكراهات، على وجاهتها، لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة للركون إلى العطالة المهنية أو إلى تعليل استمرار القوالب المألوفة؛ فلربما أفضت العادة إلى البلادة.
غير أن هذه الهواجس وغيرها تُعتبَر تعبيراً عن فضل اكريكر في فتح النقاش، من حيث كشفها عن أن تصوره يبلغ الآن عتبة ثانية: عتبة الانتقال من الصياغة النظرية الجريئة إلى خطة التنزيل العملي. فلا ينبغي تحميل صاحب الرؤية وحده مسؤولية التفكير في كل تفاصيل هذا التنزيل؛ لأن التعاقد الديداكتيكي، بطبيعته، ليس قراراً فردياً، بل بناء جماعي بين المدرسين والمفتشين والمصححين ومؤطري المادة. لذلك تكون الملاحظات السابقة إسهاماً في إثراء النقاش الذي دشنه، لا اعتراضاً خارجياً عليه. إنها تقول، بعبارة موجزة: إن رؤية اكريكر قوية لأنها تعيد السؤال إلى طبيعته الفلسفية، لكنها لن تصير ممارسة مؤثرة إلا إذا وجدت ترجمة مؤسسية وتقويمية وصفّية تضمن للمدرس مشروعية الاجتهاد، وللمتعلم سلامة المسار، وللمصحح وضوح المعايير.
ومن ثم يمكن القول إن التحدي الحقيقي لا يتمثل في الاختيار بين الالتزام الحرفي بالإطار المرجعي أو الانقلاب عليه، بل في بناء وساطة ديداكتيكية ذكية تحافظ على مطالب الإطار والسلم، وتعيد في الوقت نفسه تنظيمها بلغة أكثر وفاءً للكتابة الفلسفية. فالمطلوب ليس أن يغامر المدرس بنقط متعلميه، ولا أن يتركهم أسرى قوالب ميتة، بل أن يجد صيغة مزدوجة: صيغة تُظهر للمتعلم أن الفهم والتحليل والمناقشة والتركيب مطالب حاضرة في كل إنشاء، لكنها لا تمنعه من كتابتها داخل بنية مقال فلسفي حي: مقدمة تطرح الإشكال، وعرض يبني إمكانات الجواب ويناقشها، وخاتمة تستخلص الموقف بوضوح. بهذا المعنى يغدو اقتراح اكريكر قابلاً للأجرأة لا بوصفه خروجاً على الإطار المرجعي، بل بوصفه تأويلاً ديداكتيكياً أعمق له، على أمل أن يثمر مثل هذا النقاش صدى يبلغ أسماع الوزارة الوصية فتتفاعل معه بالمستوى المنتظر.
خاتمة:
تقدم رؤية شفيق اكريكر لمنهجية السؤال الفلسفي الإشكالي المفتوح محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين الفلسفي والديداكتيكي والدوسيمولوجي. صحيح أن في رؤيته بعداً إجرائياً واضحاً، لكنها لا تقف عند حدود التقنية، بل تقترح تصوراً متكاملاً ينبه على أن أزمة السؤال المفتوح ناتجة عن اضطراب في الفهم: فهم السؤال، وفهم الوثيقة الرسمية، وفهم المقالة الفلسفية، وفهم وظيفة الاختيار في الدرس الفلسفي.
إن قوة هذه الرؤية تكمن في أنها تعيد السؤال إلى أصله من حيث كونه مطلباً ينتظر جواباً. لكنها في الوقت نفسه تمنع هذا الجواب من أن يكون تقريرياً ومباشراً، لأنه جواب ينبغي أن يتشكل عبر إبراز التوتر، واستحضار الإمكانات، وإنصاف الخصم، وبناء الاختيار. ومن ثم يكون السؤال الإشكالي المفتوح تدريباً على التفكير الفلسفي لا مجرد اختبار في الحفظ.
كما تكمن أهميتها في نقدها للخلط بين التشريع والديداكتيك. فالوثائق الرسمية ضرورية، لكنها ليست بديلاً عن الاجتهاد الديداكتيكي. والمطلوب من المدرّس أن يحولها إلى ممارسات تعلمية ذات معنى، وأن يربطها بتقاليد الكتابة المقالية الفلسفية الأوسع. لذلك لا معنى لمنهجية لا تصلح إلا إلى يوم الامتحان، ثم تنتهي صلاحيتها في الجامعة أو في أي سياق آخر للكتابة الفكرية. المنهجية الجيدة هي التي تعلم المتعلم كيف يكتب مقالاً فلسفياً يمكن أن يصمد خارج أسوار البكالوريا أيضاً.
وفي النهاية، لا يدعي اكريكر أنه حل المعضلة نهائياً، بل يضع أرضية مفهومية وديداكتيكية للتداول الهادئ والعميق حولها. غير أن هذه الأرضية، على وجاهتها، تحتاج إلى انتقال ثانٍ من مستوى التصور إلى مستوى الأجرأة: أجرأة تراعي إلزامية الإطار المرجعي وسلم التنقيط، وتستحضر محدودية هامش المدرس داخل المؤسسة، وتنتبه إلى ثقافة التصحيح السائدة، وتبني جسوراً عملية بين التعاقد الديداكتيكي المقترح والممارسة الصفية اليومية. ومن ثم فإن قيمة رؤية اكريكر لا تكمن في أنها تقدم حلاً جاهزاً لكل هذه الإشكالات، بل في أنها تعيد فتح السؤال من موضعه الصحيح: كيف نحافظ على صرامة القول الفلسفي دون أن نظلم واقع المتعلمين؟ وكيف ننصف الوثيقة الرسمية دون أن نحولها إلى قالب يخنق التفكير؟ وكيف نجعل الامتحان الوطني مناسبة لتقويم القدرة على التفلسف، لا مجرد امتحان في استظهار منهجية منتهية الصلاحية؟ بين هذه الأسئلة يتحدد أفق النقاش المقبل: إنصاف الفلسفة، وإنصاف المتعلم، وإنصاف المدرس أيضاً، بوصفه وسيطاً بين مقتضيات المؤسسة ونداء التفلسف.
باحث في فلسفة التواصل وتحليل الخطاب
