التعيين الملكي للحكومة والتنصيب البرلماني.. إشكالات دستورية
إن إشكالية توزيع السلطة وتوازنها بين المؤسسات السياسية داخل النسق السياسي المغربي تطرح نفسها بحدة ضمن سيرورة الإصلاح الدستوري لسنة 2011، الذي حافظ على طابع الاستمرارية في قالب جديد، أضاف ثابتا رابعا لثوابت النظام السياسي المغربي، وهو “الاختيار الديمقراطي” إلى جانب الدين الإسلامي والنظام الملكي والوحدة الترابية للمملكة.
آراء أخرى
والملاحظ أنه من أبرز اختلالات الدساتير السابقة، غياب الإشارة إلى هذا الثابت، وإلى مفهوم تداول السلطة بالشكل الديمقراطي الذي تفرزه نتائج الاقتراع التشريعي العام المعبر عنه عن طريق إرادة الناخبين، مما أضعف مؤسسة الحكومة ومنصب الوزير الأول سابقا، ومنح الملك السلطة التقديرية في تعيين هذا الأخير، بغض النظر عن نتائج الاقتراع العام للانتخابات مجلس النواب.
فالدساتير المغربية السابقة عن دستور29 يوليوز2011، جعلت جهاز الحكومة ينبثق عن الملك الذي يقوم بتعيين الوزير الأول وباقي الوزراء دون تدخل أو اقتراح من قبل الوزير الأول المعين، وهذا ما اتضح من خلال تشكيل كل الحكومات منذ سنة 1963 إلى حدود حكومة عبد الرحمان اليوسفي، إذ تكلف الملك الراحل بإشرافه الشخصي على تعيين الوزير الأول وباقي الوزراء دون مشاورة أية جهة كانت.
لكن من خلال قراءة الباب الخامس من دستور29 يوليوز2011، يتضح بأن هناك هندسة دستورية جديدة للسلطة التنفيذية، إذ تصور فصول هذا الباب من 87 إلى 94 مؤسسة الحكومة في إطار وشكل جديد، يتماشى مع المطالب التي فرضتها الظرفية السياسية والسياق الإقليمي سواء على المستوى المؤسساتي أو التنظيمي، فأهم مستجد يتعلق بمركز الحكومة يتمثل من خلال صيغة تعيين رئيس الحكومة وتشكيل باقي أعضائها، في احترام تام للمنهجية الديمقراطية، خلافا لما كان سائدا في الممارسة الدستورية السابقة.
إذا كان إجراء تعيين رئيس الحكومة وباقي أعضائها في ظل الدساتير السابقة يتم بمحض إرادة الملك دون أن تقيده في ذلك لا أحكام الدستور، ولا الهاجس الانتخابي الديمقراطي، فإن الوثيقة الدستورية لسنة2011 حسمت النقاش الفقهي في الموضوع، وقيدت سلطته، باحترام مقتضيات الفصل47 التي تلزمه بتعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، دون أن يقيده النص بتعيين الأمين العام للحزب المعني، الأمر الذي طرح نقاشا فقهيا، حسمه الملك بتعيينه للدكتور سعد الدين العثماني رئيسا للحكومة بظهير شريف رقم 1.17.04 من جمادى الثانية 1438 الموافق ل 17 مارس 2017، بعدما تعذر على السيد عبد الإله ابن كيران تشكيل حكومته الثانية. ليعود الملك إلى تعيين السيد عزيز أخنوش الأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار بناء على نتائج انتخابات مجلس النواب لسنة 2021 في احترام تام للمنهجية الدستورية الديمقراطية، وهو الأمر الذي اعتمده بتعيين السدة فطمة الزهراء المنصوري بناء على نتائج اقتراع مجلس النواب ل23 شتنبر 2026، لكن السؤال الذي ظل يطرح نفسه بحدة في النقاش السياسي والفقهي، هل تعيين رئيس الحكومة وبقية أعضاءها من طرف الملك كافي لمنح الحكومة شهادة الميلاد القانونية والشروع في ممارسة اختصاصاتها التنفيذية؟
إن الإجابة على هذا التساؤل، تقتضي عدم الاكتفاء بمقروء الفصل 47 أو عزل دراسته عن بقية فصول الوثيقة الدستورية، لا سيما الفصل 88 منه.
الملاحظ أن محتوى الفصل88 من دستور2011، شكل امتدادا للفصل60 من دستور1996، بنفس الصيغة مع تغيير تسمية “الوزير الأول”، والارتقاء به إلى “رئيس الحكومة”، علما أن قراءة البرامج الحكومية قبل دستور1996، كانت تتم أمام مجلس النواب فقط، وأول برنامج حكومي عرض أمام أعضاء البرلمان بغرفتيه تم في عهد حكومة التناوب برئاسة السيد عبد الرحمان اليوسفي بتاريخ 17 أبريل 1998، كما كانت البرامج السابقة لسنة2012 تحيل في مجملها إلى استحضار التوجيهات الملكية في صياغتها، فالوزير الأول سابقا لم يكن يملك هامشا من الحرية في إعداد “مخطط عمل الحكومة” بل كان مجرد جهاز يقوم بتنفيذ برنامج وتوجيهات المؤسسة الملكية، وهذا ما أثبتته الممارسة في الحياة السياسية المغربية.
لقد أثيرت إشكالية التنصيب البرلماني للحكومة منذ أول دستور أقره المغرب سنة 1962، لتمتد لباقي الدساتير التي ألزمت خضوع البرنامج الحكومي لتصويت مجلس النواب، دون أن تقر بصريح العبارة “التنصيب البرلماني للحكومة”، إلا أن هذا الإشكال طرح جدالا فقهيا بين أنصار التنصيب الأحادي وأنصار التنصيب المزدوج. فأنصار الأطروحة الأولى يرون أن الحكومة تعتبر منصبة وتباشر مهامها وصلاحياتها الدستورية، بمجرد تعيين أعضائها من قبل الملك، دون انتظار تصويت البرلمان على البرنامج الحكومي من أجل منحها الثقة من عدمه. ويمثل هذا الاتجاه الأستاذ عبد اللطيف المنوني الذي أشار إلى “أن الحكومة، خلافا لما يتبادر إلى الذهن، لم تمر في ظل التعديلات المقترحة من وضعية التنصيب من طرف الملك وحده إلى وضعية التنصيب المزدوج، أي التنصيب من طرف الملك والبرلمان”. فمن خلال قراءته للفصل 59 من دستور1992 ميز بين التنصيب الذي يمارسه الملك بصفة أحادية، وبين مسؤولية الحكومة أمام البرلمان، دون تنصيبها من قبله، إضافة إلى مسؤوليتها أمام الملك التي تظل ثابتة. ونفس الاتجاه تبناه الأستاذ محمد المعتصم الذي اعتبر أن التصويت بالثقة لا يذهب لحد التنصيب المزدوج للحكومة من قبل الملك والبرلمان، بل تعتبر الحكومة منصبة بمجرد تعيينها من قبل الملك، واعتبر تصويت البرلمان بالثقة على برنامج الحكومة لم يكن في التقليدانية الدستورية إلا مجرد مسطرة للإخبار أكثر منه مسطرة للمراقبة، ووظيفة للحوار الحكومي مع البرلمان أكثر منه وظيفة تنصيب لها”.
وبخلاف هذا الاتجاه، هناك أنصار التنصيب المزدوج للحكومة من قبل الملك والبرلمان وفي هذا الإطار يرى الأستاذ مصطفى قلوش بأن مسألة التنصيب البرلماني تتعلق بحكومة لم تشرع بعد في مزاولة مهامها، وهي الوضعية التي كانت مبينة في إطار الفصل59 من دستور 1992، والمتعلقة بعرض البرنامج الحكومي أمام مجلس النواب ومناقشته، ومن تم التصويت عليه، ولكي تحظى هذه الحكومة بثقة البرلمان، يجب عدم الاعتراض على برنامجها بالأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس.
وهناك رأي ثالث تمثله الأستاذة وفاء الفيلالي يعتبر التصويت على البرنامج الحكومي بمثابة منح الثقة المبدئية للحكومة، حيث ترى بأنه إذا ما نظر إلى الموضوع من جانب الأغلبية المطلوبة، “فإن الأمر لا يعني تنصيبا مزدوجا أو أحاديا للحكومة، بل إن الأمر يتعلق بمسطرتين: الأولى ملكية، تنصب على بنية الحكومة، وهي التعيين الملكي للحكومة الذي يعتبر بمثابة إعلان عن شرعية ميلادها وتشكيلها النهائي، في حين أن المسطرة الثانية برلمانية تتمثل في التصويت البرلماني على البرنامج الحكومي، والذي يمنح الثقة المبدئية للحكومة من لدن مجلس النواب عند تعيينها لأول مرة. إن منح الثقة المبدئية للحكومة من لدن مجلس النواب هو تأكيد على مشروعية العمل الحكومي، لأنه ينصب على مضمون البرنامج الحكومي وعلى الوسائل التي تقترحها لتطبيق هذا البرنامج، وليس على تشكيلها”. وقد تنبأت الأستاذة سابقا بأن التكامل بين مسطرتي التعيين الملكي ومنح الثقة البرلمانية للحكومة من شأنه التوجه نحو بلورة ملكية برلمانية تنبثق فيها الحكومة من البرلمان، وهو المعطى الذي كرسه دستور2011 من خلال الفصلين47 و88.
أمام هذا الوضع حمل دستور2011 في طياته مستجدا ذو أهمية قانونية بالغة، حسم من خلاله الجدال الفقهي الذي كان قائما حول طبيعة تنصيب الحكومة وحدوده، وميز بين مفهومي التعيين الملكي والتنصيب البرلماني، فالتعيين الملكي يشكل المبدأ والإجراء الأولي لتشكيل الحكومة، حيث ينص الفصل47 من الدستور على أن “الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها …”. أما التنصيب البرلماني فهو إجراء يشكل الاستثناء الذي لا يقوم إلا على أساس المبدأ “التعيين الملكي”، الذي لولاه لما وجد التنصيب، وقد نص الفصل 88 من الدستور بصريح العبارة على أنه “بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة، يتقدم رئيس الحكومة أمام مجلسي البرلمان مجتمعين، ويعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه ويجب أن يتضمن الخطوط الرئيسية للعمل الذي تنوي الحكومة القيام به، في مختلف مجالات النشاط الوطني وبالأخص في ميادين السياسة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والخارجية. يكون البرنامج المشار إليه أعلاه، موضوع مناقشة أمام كلا المجلسين، يعقبها تصويت في مجلس النواب. تعتبر الحكومة منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، لصالح برنامج الحكومة”.
وكما يرى الأستاذ امحمد مالكي بأن “الحكومة لم تعد منصبة بمجرد أن يعينها الملك، بل غدت بمقتضى الدستور إلى غطاء أو رداء برلماني، وهوما يعني أن شرعيتها الدستورية لا تتوقف على التعيين الملكي وحده، وإن اعتبر الفصل47 من الدستور حقا حصريا للملك، بل تكتمل بمصادقة البرلمان على البرنامج الحكومي الذي يعقب عملية التعيين كما نص على ذلك بشكل صريح الفصل88.
فالتنصيب الحكومي أصبح من اختصاص البرلمان، بالحصول على الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منه مجلس النواب على البرنامج الذي تعتزم الحكومة تطبيقه، مما يمنحها الشرعية الدستورية للشروع في القيام بمهامها واختصاصاتها الدستورية. وفي حالة عدم حصولها على هذه الأغلبية، تعتبر بمقتضى نص الدستور “غير منصبة“ لأنها افتقدت لشرط من شروط التنصيب، وبالتالي يجعل التعيين كأن لم يكن.
بخلاف ذلك، فإن الدستور الفرنسي للجمهورية الخامسة لسنة 1958، لم يعترف للبرلمان بالرقابة عن طريق التنصيب الحكومي، لأنه يعتبر هذه الأخيرة مشكلة قانونيا وعمليا بمجرد تعيينها من قبل رئيس الجمهورية.
إذن يمكن القول على أن دستور2011 حسم النقاش الفقهي حول التنصيب البرلماني، مما ينسجم مع الممارسة الديمقراطية للأنظمة البرلمانية التي تنبثق فيها الحكومة عن الأغلبية البرلمانية، مما يجعل هذا التنصيب مبني على أساس علاقة رقابية بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، ينصب مجلس النواب بموجبها الحكومة على أساس برنامجها المزمع تطبيقه، وعلى أساس تعاقدي يجعل التصويت البرلماني بالإيجاب يمنحها الشرعية المؤسساتية، ويجعلها مسؤولة سياسيا أمام مجلس النواب.
الملاحظ أن الفصل88 من دستور2011 يثير بعض الإشكاليات القانونية، أهمها أنه حافظ على محتوى الفصل60 من دستور1996، الذي حصر حق التصويت على برنامج الحكومة على مجلس النواب فقط دون مجلس المستشارين، الذي تنحصر مهمته في المناقشة دون التصويت، كما أن هذا الفصل أغفل تحديد المدة الزمنية التي يجب فيها على رئيس الحكومة التشاور مع باقي الأحزاب لتشكيل حكومته وعرضها على الملك للموافقة، قد تقصر هذه المدة أو تطول، مما قد يطرح بعض الإشكالات العملية على مستوى تدبير السياسة العامة للبلاد. إضافة إلى أن هذا الفصل لم يحدد المدة الزمنية القصوى لتقديم الحكومة برنامجها على أنظار البرلمان للمناقشة والتصويت، وما يترتب على ذلك من مشروعية أعمالها قبل منحها ثقة البرلمان. وإن كان النظام الداخلي لمجلس النواب قد حدد مدة المناقشة في حدود ثلاثة أيام كحد أدنى وخمسة أيام كحد أقصى (أوضحت المواد243، 244 و245 من النظام الداخلي لمجلس النواب الإجراءات الواجب اتباعها من طرف هذا الأخير لتنصيب الحكومة).
من خلال ما سبق، يمكن القول بأن آلية التنصيب البرلماني للحكومة من خلال التصويت على البرنامج الحكومي تعتبر أحد أهم الآليات التي تسمح للحكومة بإثارة مسؤوليتها السياسية من تلقاء نفسها. هذه المسؤولية تشكل إحدى آليات الرقابة السياسية، من خلال مسألة الثقة عن طريق حصولها على ثقة البرلمان عبر التصويت لصالح البرنامج الحكومي، أوعن طريق التصريح حول السياسة العامة أو التصويت على نص معين، والذي يرتب جزاء تقديم الحكومة استقالتها استقالة جماعية في حالة التصويت السلبي. كما أن الغاية من استعمال هذه الآلية من طرف رئيس الحكومة تستهدف أساسا البحث عن تأييد دعم مجلس النواب لسياسة الحكومة من خلال وضعه أمام مسؤوليتين مهمتين:
إما بمنح الثقة للحكومة للشروع في مهامها الدستورية والدفاع عن سياستها؛
وإما برفض منح الثقة للحكومة، وبالتالي إجبارها على تقديم استقالتها استقالة جماعية.
والملاحظ، بأنه إذا كانت كل الدساتير التي تبناها المغرب منذ الاستقلال قد كرست حق البرلمان في مراقبة الحكومة بإثارة مسؤوليتها السياسية عبر أسلوب سحب الثقة، فإن استخدام هذه الآلية ظل معطلا في الممارسة السياسية طيلة التجارب البرلمانية، لأنه لم يسبق لأية حكومة أن طلبت الثقة من البرلمان لمواصلة عملها، مما يجعل هذه الآلية دون فعالية في مجال الرقابة لصعوبة الإجراءات المصحوبة بها، ولكون الحكومات غالبا ما تتوفر على أغلبية برلمانية تساندها في سياستها، لتظل بذلك تلك الآلية وسيلة بيد الحكومة لتأكيد مكانتها في مواجهة البرلمان.
إن ما يمكن استنتاجه من خلال قراءة مقتضيات دستور2011، هو أن التنصيب البرلماني للحكومة أصبح بمثابة شهادة ميلاد لها، يرتب مسؤوليتها السياسية أمامه، كتكريس لأحد المبادئ الديمقراطية في الأنظمة البرلمانية التي تحترم الإرادة الشعبية المنبثقة عن صناديق الاقتراع.
أستاذ باحث بكلية العلوم القانونية والسياسية
