معضلة النموذج المغربي: من مفارقات المشهد الانتخابي إلى مأزق الاقتصاد الهش وطغيان الرويبضة..
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، تشخص الأبصار نحو الاستعدادات الجارية لاستقبال ذلك الطقس الدوري المألوف والمكرر بحذافيره؛ حيث تنطلق الحملات الانتخابية الصاخبة لتمتلئ الفضاءات العامة والشوارع والأزقة بملصقات المرشحين وبصور البرامج المنمقة..
آراء أخرى
تُلقى الملايين من الأوراق والمنشورات في الطرقات والساحات، فتتحول الوعود البراقة إلى كميات هائلة من الورق المبعثر تحت أقدام المارة، ولا ينتج عنها في الواقع سوى مضاعفة معاناة عمال النظافة الشرفاء الذين يتحملون وحدهم وزر هذا الهدر والعبث المادي والإيكولوجي. إنها مواسم تتكرر فيها المعزوفة نفسها: برامج مكررة تبيع آمالاً زائفة، وتُوزَّع الوعود التي طالما تبخرت صبيحة إعلان النتائج، لتنقلب العملية الانتخابية من تمرين ديمقراطي إلى عملية استنزاف هائل للموارد والجهد والوقت دون أي عائد تنموي يُذكر.
المأزق التنموي الراكد
غير أن هذه الدورة الانتخابية بكل صخبها الاستعراضي وعروضها الموسمية، ليست في جوهرها سوى قمة الجليد التي تخفي في العمق أزمة بنيوية أشمل وأعمق تتجاوز مجرد صناديق الاقتراع لتطال قلب الخيارات الاقتصادية الكبرى للبلاد. إن الأوراق المبعثرة في الشوارع والوعود البراقة الملقاة على عواهنها لا تفعل شيئاً سوى التغطية على الحقيقة الساطعة التي يصطدم بها المواطن صبيحة كل استحقاق؛ حقيقة أن صناع القرار والفاعلين الجدد/القدامى يهربون للأمام بعيداً عن التشخيص العلمي المسؤول للمأزق الهيكلي.
ومن هنا، فإن اختزال أزمة الوطن في محطة انتخابية عابرة يُعد تشخيصًا غير سليم لمعضلة جذرية؛ فالاقتصاد المغربي اليوم أمام مفترق طرق حاسم يتطلب قراءة تشريحية هادئة وجريئة لمساراته التاريخية والبنيوية بعيداً عن لغة المساحيق والتبريرات الظرفية الشائعة. إن التأمل العميق في نتائج السياسات التنموية المتعاقبة على مدى العقود الأخيرة يكشف عن تضارب حاد بين الخطاب الرسمي المعلن وبين الشواهد والمؤشرات الميدانية الملموسة. فبينما تتوالى الإعلانات عن إطلاق مشاريع واعدة وبرامج استثمارية ضخمة، تظل المؤشرات الكلية للنمو تراوح مكانها في مستويات متواضعة لا تتجاوز الحدود الأدنى المتطلبة لتحقيق الإقلاع الاقتصادي الشامل.
أزمة النمو غير المجدية
وتتجلى أولى الاختلالات البنيوية في طبيعة النمو الاقتصادي المتحقق، وهو نمو يتسم بالهشاشة الشديدة والارتهان المباشر للتقلبات المناخية والظروف الخارجية. وينكشف العجز الهيكلي في كون النمو، رغم محدوديته، فإن تأثيره ضعيف جداً في خلق فرص شغل دائمة ومستقرة تستوعب أعداد الوافدين الجدد على سوق العمل سنوياً. إننا أمام نمو عقيم يسهم في تركيز الثروة في أيدي فئات محدودة، بينما تستمر المعدلات الحقيقية للبطالة والهدر الإنساني في الارتفاع بين أوساط الشباب وحملة الشهادات العليا. إن التغني بتحقيق نسب نمو عابرة تصل إلى حدود معينة في سنوات تساقط الأمطار يعكس غياب المحركات الذاتية للاقتصاد الصلب، ويؤكد أننا نعتمد على قطاعات غير إنتاجية أو على بنيات هشة عاجزة عن خلق القيمة المضافة المستدامة. إن الاقتصاد الذي لا يستطيع توليد دينامية شغل ذاتية هو اقتصاد يعاني من خلل وظيفي عميق يجعل من الاستقرار الاجتماعي مجرد رهينة للتقلبات المتغيرة وتوالي سنوات الجفاف المترابطة.
مغالطة التصنيع
ولا يمكن الحديث عن تحول اقتصادي حقيقي دون التوقف عند قطاع التصنيع الذي كثر عنه الحديث في الأدبيات الرسمية خلال السنوات الأخيرة باعتباره رافعة التنمية الكبرى. إن القراءة المتأنية للواقع الصناعي تظهر بوضوح أن ما يُروَّج له كطفرة في مجالات تجميع السيارات أو صناعة أجزاء الطائرات ليس إلا شكلاً من أشكال التصنيع التابع والمعولم. إن الشركات متعددة الجنسيات التي تتخذ من الفضاء الوطني مقرًا لعملياتها تهدف في الأساس إلى استغلال انخفاض كلفة اليد العاملة والامتيازات الجبائية الممنوحة، دون أن يحدث ذلك نقلة تكنولوجية حقيقية أو توطيناً للمعرفة الإنتاجية. تظل القيمة المضافة المحصل عليها محلياً ضعيفة للغاية ومحدودة الأثر، حيث تعتمد هذه الصناعات بالكامل على استيراد أجزاء ومكونات باهظة من الخارج ليتم تجميعها وتصديرها مجدداً. وهكذا يتحول الاقتصاد إلى مجرد حلقة فرعية في سلاسل القيمة العالمية، تستفيد منها القوى الاستثمارية الخارجية بينما تبقى السلسلة الإنتاجية المحلية معزولة وعاجزة عن ابتكار نماذجها الخاصة.
هيمنة الريع والبنيات الاحتكارية
تُعتبر البنية الريعية المحرك الأساسي لخنق طاقات الإنتاج وتكبيل روح المبادرة الحرة داخل النسيج الاقتصادي، حيث تحولت الامتيازات والحمايات السياسية إلى القناة الوحيدة لتراكم الثروات. إن اقتصاد الريع يرتكز على إلغاء قواعد المنافسة الشريفة وتكريس موقع الطبقات المهيمنة التي تستمد قوتها من القرب من دوائر القرار والسلطة لا من الجدارة والابتكار. يتجلى هذا الواقع في منح رخص الاستيراد الحصرية، وتوزيع الامتيازات الجمركية، والتحكم في الأسواق التوزيعية الكبرى، مما يخلق بيئة طاردة للاستثمارات الجادة وللشباب المقاول. إن الفاعل الاقتصادي في ظل هذه المنظومة يُدفع دفعاً نحو السلوكيات الريعية والوساطة التجارية ذات الربح السريع وغير المخاطر، مبتعداً عن المخاطرة الإنتاجية في مجالات التصنيع والبحث العلمي. إن تحول الاقتصاد إلى ساحة للريع والمضاربة يُفقد الدولة بوصلتها التنموية ويحول المؤسسات إلى حارس لمصالح فئوية ضيقة على حساب المصلحة الوطنية العليا والعدالة الاجتماعية المفقودة.
تسييس المال وشراء المقاعد
ولا يمكن بأي حال من الأحوال، فصل الاختلالات الاقتصادية عن الانحرافات السياسية التي باتت تسود المشهد الانتخابي والمؤسساتي خلال السنوات الأخيرة بشراسة وبشكل علني. لقد تحول الفعل السياسي من مجال للتنافس البرامجي والأيديولوجي الشريف إلى محفظة استثمارية صريحة يقودها أصحاب الأموال والنفوذ لشراء المقاعد والتأثير في القرارات المؤسساتية.
إن هذا “الزواج الكاثوليكي” بين المال والسلطة أنتج نخبة سياسية واستثمارية تعمل بالأساس على استعادة أموالها المستثمرة في العمليات الانتخابية عبر تسخير القوانين وتوجيه الدعم العمومي والتلاعب بالصفقات الشفافة. إن ظاهرة “الفراقشية” والمضاربة في المواد الأساسية وحاجيات المواطنين -كما شهدنا في ملفات دعم أضاحي العيد ومستلزمات الفلاحة- ليست سوى قطرة من غيث الجشع الذي يستبيح الإمكانيات الوطنية. إن تداخل المصالح الذاتية لرجال الأعمال مع مواقع مسؤولياتهم التشريعية والتنفيذية يفقد المؤسسات مصداقيتها ويحول الحكامة العمومية إلى مجرد التزامات صورية تفقد معناها الأخلاقي والوطني وتكرس البطلان.
وهم التغطية والدولة الاجتماعية
تُشكل الشعارات المرفوعة حول “الدولة الاجتماعية” والتغطية الصحية الشاملة إحدى أكبر المغالطات التي تسوقها الأجهزة التنفيذية للرأي العام دون الالتزام بواقع المعطيات الرقمية. إن الأرقام المعلنة تظهر فجوة عميقة بين الخطاب والتطبيق، حيث تشير التقارير المستقلة إلى أن الملايين من المواطنين يظلون خارج مظلة التغطية الفعلية. إن مجرد تسجيل المواطنين في اللوائح الاسمية لـ “أمو تضامن” لا يعني تمتعهم بالتغطية الصحية الحقيقية في ظل نظام يتطلب التسديد المسبق لكامل مصاريف العلاج والأدوية. يواجه المواطن المفقر عجزاً تاماً عن توفير مبالغ الكشوفات الطبية والأدوية المرتفعة مسبقاً، فضلاً عن اعتماد تعرفة مرجعية وطنية متجاوزة ومجحفة لا تغطي سوى جزء يسير من التكاليف الفعلية. علاوة على ذلك، يظل النصف الآخر من التعهدات المعلنة -كالتعويض عن فقدان الشغل وتعميم نظام التقاعد الشامل- معطلاً ومجمدًا في الرفوف دون تفعيل، مما يجعل “الدولة الاجتماعية” مجرد عنوان براق يفتقر إلى المقومات المالية والهيكلية التي تجعله حقيقة ملموسة.
إعادة الاعتبار للكفاءات
إن التحدي الأكبر الذي يواجه الاقتصاد الوطني يتلخص في العجز عن إحداث تحول بنيوي يقطع مع المفاهيم التقليدية القائمة على الوساطة والاستهلاك المستورد. إن التجربة التاريخية للدول الصاعدة -وفي مقدمتها النموذج الصيني الذي طالما نوهنا بأهميته وقراءته العلمية المستفيضة في برامجنا- تؤكد أن التنمية لا يمكن أن تتحقق عبر استيراد حلول جاهزة أو الاعتماد المفرط على الاستثمارات الأجنبية الهاربة. لقد استطاعت الصين عبر دورات إصلاحية كبرى وواعية احتضان المعرفة، فرض نقل التكنولوجيا، وتوجيه رأس المال الوطني نحو التصنيع الثقيل والبحث العلمي، مع بناء مؤسسات حازمة تُخضع الفاعل الاقتصادي والسياسي للمحاسبة والمصلحة العامة. إن المغرب بحاجة ماسة إلى ثورة فكرية ومؤسساتية تعيد الاعتبار للكفاءات الوطنية وتزيح العراقيل البيروقراطية عن المشاريع الأكاديمية الاستشرافية. إن استمرار تهميش البحث العلمي المستقل وتجميد الدراسات الاستراتيجية في الأدراج لن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة وتمديد عمر الانتكاسة الاقتصادية والاجتماعية التي ندفع ثمنها جميعاً.
الانكفاء ودواعي التوقف
وفي هذا الصدد، يغدو من الواجب الأكاديمي والوطني الإجابة عن تساؤلات المتابعين الأفاضل بشأن سر التوقف عن تقديم حلقات برنامج “اقتصاد في سياسة”. والحقيقة أن هذا القرار الأكاديمي جاء محصلة لسببين جوهريين؛ أولهما تراكم الالتزامات العلمية والعملية الضاغطة، وثانيهما الشعور العميق باللاجدوى في بيئة افتراضية تضيق بالتحليل الجاد وتتحفظ على الطرح العلمي الحصيف. لقد أثبتت الممارسة الميدانية المباشرة أن صناعة حلقة رصينة واحدة تقتضي هدر طاقات فكرية وجهدًا زمنيًا وإمكانيات ذاتية مقدرة، لنصطدم في النهاية بتفاعل جماهيري محدود ومؤشرات متابعة هشة، في مقابل الانتشار الكاسح الذي تحققه المحتويات السطحية والعابرة. وإن رجل العلم حين يستشعر أن خطابه المستنير يتلاشى في فضاء غير مكترث بالمعرفة الصلبة، يدرك أن استمرار هذا الاستنزاف يُعد هدراً غير مجدٍ للطاقة؛ ومن ثَمّ كانت العودة إلى قلم التحليل والتدوين الأكاديمي، خياراً استراتيجياً باعتبار أن ما يُخطّ في الكتب والمقالات والدراسات العلمية هو الأبقى أثراً والأقدر على الصمود في ذاكرة التاريخ.
طغيان الابتذال الرقمي
نعيش اليوم تحولاً خطيراً أصبح فيه الهزل يسيطر على المشهد العام. في الماضي، كان المتطفلون وأصحاب الأفكار الضحالة يعيشون في الهامش، لا يستمع إليهم أحد، ويُطوى كلامهم بعبارات الشفقة والإهمال. أما اليوم، فقد انقلبت الموازين بفضل المنصات الحديثة؛ إذ أصبحت الخوارزميات تدعم الصوت الضعيف، وتمنح المحتوى الخاوي أوسمة التوثيق وأوهام الصدارة، ليتسيد المشهد الاستهلاكي. إن حرية التعبير التي ناضلت الشعوب عقوداً لأجلها انحرفت عن مسارها العقلاني، وتحررت للأسف من المنطق والأخلاق والتحصيل العلمي، حتى أصبح ارتقاء المنبر الجماهيري لا يحتاج سوى لشيء من الجرأة وهاتف مشحون لتصنيع نجومية زائفة في دقائق معدودة!
مأزق الشهرة المصنوعة
لقد كان الوقار المعرفي والوعي المجتمعي كفيلين بإيقاف الادعاء عند حده، لكن آليات العالم الافتراضي أصبحت اليوم تكافئ الهراء، وتتوج السطحية بتاج “الترند” والانتشار السريع. إن الأزمة لا تكمن في حق الجميع في الكلام -فهذا حق مكفول- بل في الخلط الخاطئ الذي جعل البعض يعتقد أن امتلاك هاتف هو شهادة في الفكر والاقتصاد، وأن حرية التعبير تُعفي صاحبها من مشقة التفكير. وهكذا، أصبح المفكر الحقيقي الذي قضى عمره بين أروقة البحث والتدقيق يقف في الكفة نفسها مع صانع إثارة يبحث طوال الليل عن كلمة رخيصة ترفع المتابعات؛ ليتحول الفضاء الرقمي من حوار عقلاني ناضج إلى سباق صاخب يُقاس فيه النجاح بقدر الصراخ لا بقوة الحجة والعلم.
زمن السنوات الخداعات
إن ما نعيشه اليوم ليس سوى تحقق نبوي وإلهي دقيق لوصف مراحل الانحطاط الفكري؛ إذ استشرف الرسول الكريم ﷺ هذا الهوان بقوله: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ. قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ». وإن القرآن الكريم يحذرنا من مغبة اتباع هؤلاء وسلوك مسالكهم الزائفة، حيث قال جل وعلا: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: 116]، وقال سبحانه في تبيان قلة أهل الحق وسعة الغثاء: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 100]. إن أرفع إنجاز حققته الشبكات الاجتماعية هو منح المنبر للجميع، ليتحول العالم إلى مجتمع يدفع الثمن غالياً من أمنه الفكري والاستراتيجي حين يستمع للرويبضة بدلاً من الإمام والعالم الحكيم.
لقد تساوى الحكيم والسفيه، وغدت المنابر نهباً لمن يجرؤ على الابتذال والابتذال المضاد. ولكن، ورغم هذه الظلمة الحاضرة والانتفاضة الزائفة لأهل الغثاء والرويبضة، يبقى يقيناً في نفس رجل العلم والمصلح الصادق أن فقاعات التفاهة إلى زوال، وأن الزبد سيمضي جفاءً، مصداقاً لقول الحق تبارك وتعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: 17].. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..
أكاديمي وكاتب مغربي
