المغرب في قلب جلسة عاصفة في البرلمان الإسباني حول سبتة.. اتهامات للرباط ودعوات إلى التصعيد وصمت رسمي في المغرب
تحولت جلسة مجلس النواب الإسباني، الخميس، التي خصصت لمساءلة رئيس الحكومة بيدرو سانشيز بشأن أحداث سبتة، إلى واحدة من أعنف المواجهات السياسية حول المغرب والعلاقات الإسبانية المغربية، بعدما تجاوز النقاش حدود تدبير أزمة الهجرة ليتحول إلى سجال حول مسؤولية الرباط، وحدود العلاقة معها، ودور الملك محمد السادس، بل ووصل لدى بعض النواب إلى الدعوة لقطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع المغرب.
وفي الوقت الذي اختار فيه سانشيز الإبقاء على موقف حذر، مؤكداً أن حكومته لا تتوفر، حتى الآن، على «أدلة صلبة» تثبت أن السلطات المغربية خططت أو نفذت الدخول الجماعي إلى سبتة، توحدت مداخلات من المعارضة ومن عدد من شركائه في الحكومة حول تحميل المغرب، بدرجات متفاوتة، مسؤولية ما جرى، واتهام رئيس الحكومة بالتساهل مع الرباط أو حماية مصالحها.
وقال سانشيز أمام البرلمان إنه «حتى اليوم» لم تقدم له أجهزة الاستخبارات والأمن والدبلوماسية الإسبانية أو المفوضية الأوروبية أو أي منظمة دولية أدلة صلبة تسمح باستنتاج أن المغرب خطط للعملية أو نفذها، لكنه شدد في المقابل على أن حكومته «ستتصرف بحزم» إذا ظهرت أدلة تثبت تورط الرباط.
وبذلك حافظ رئيس الحكومة الإسبانية على مسافة فاصلة بين الاعتراف بوجود مؤشرات وشبهات حول الدور المغربي وبين توجيه اتهام رسمي إلى الرباط، رغم أن تقريراً للشرطة الإسبانية أشار إلى مؤشرات على تدخل عناصر مغربية في توجيه المهاجرين خلال الأحداث.
وتزامنت جلسة البرلمان مع معطيات جديدة أوردتها “كادينا سير” نقلاً عن تقرير للشرطة الإسبانية، تفيد بأن 90.8% من أرقام الهواتف التي ظهرت في عينة من الحسابات والمجموعات التي ساهمت في التعبئة لعبور سبتة كانت تحمل رمز الاتصال المغربي. كما تحدث التقرير عن رصد نحو عشرين مجموعة خاصة على واتساب انتقلت إليها عملية التنظيم بعد انتشار الدعوات عبر فيسبوك وتيك توك وإنستغرام.
فيخو: “العملية خرجت من المغرب والحكومة كانت تعلم”
لكن أعنف هجوم على الحكومة الإسبانية والمغرب جاء من زعيم الحزب الشعبي المعارض، ألبرتو نونيز فيخو، الذي اتهم سانشيز صراحة بالتستر على حقيقة ما جرى.
وقال فيخو أمام البرلمان إن “العملية خرجت من المغرب، وسمح بها المغرب، وهناك مؤشرات على أن المغرب نسقها”، مضيفاً أن الحكومة الإسبانية كانت على علم بما سيحدث لأنها تلقت تحذيرات مسبقة.
ولم يكتف زعيم الحزب الشعبي باتهام الرباط، بل نقل المواجهة إلى العلاقة الشخصية والسياسية بين سانشيز والمغرب، متسائلاً أمام رئيس الحكومة: “لماذا تخاف من المغرب؟ ماذا يعرف المغرب عنك؟”.
وربط فيخو هذه الأسئلة بملف التجسس بواسطة برنامج “بيغاسوس”، متهماً سانشيز بأنه أصبح، بحسب روايته، تحت ضغط معلومات حصل عليها المغرب من هاتفه. غير أن هذه النظرية لم تقدم الجلسة دليلاً جديداً عليها، كما أن El País أشار إلى تداولها دون وجود أدلة تثبتها.
وطالب فيخو سانشيز بالاستقالة، قائلاً إن عليه أن يرحل “إما بسبب عدم الكفاءة أو بسبب التواطؤ”، كما دعا إلى استدعاء ممثل المغرب مجدداً بصورة رسمية، وإلى استدعاء السفير الإسباني في الرباط للتشاور، بما يعني عملياً الدفع نحو رفع مستوى التوتر الدبلوماسي مع المغرب.
أباسكال: “المغرب ليس صديقاً بل سيد سانشيز”
ولم يكن اليمين المتشدد أقل حدة، فقد وصف زعيم حزب “فوكس”، سانتياغو أباسكال، سانشيز بأنه “خائن لإسبانيا والإسبان وسبتة”، واتهمه بالخضوع للمغرب.
وقال أباسكال إن المغرب “ليس صديقاً” لسانشيز، بل “سيده”، مضيفاً أن رئيس الحكومة الإسبانية يبدو “شجاعاً مع ملك إسبانيا وخاضعاً لملك المغرب”. كما ذهب إلى حد القول إن سانشيز “لن يمانع في أن يكون نائباً لملك المغرب” إذا لم يحقق طموحاته السياسية.
وطالب أباسكال كذلك برحيل سانشيز، ودفع باتجاه فتح مسار برلماني لمساءلته بتهمة “الخيانة”، مستنداً إلى ما يعتبره علاقة مع دولة أجنبية وإلى طريقة تعاطي الحكومة مع المغرب.
وهكذا لم يعد المغرب في خطاب اليمين الإسباني مجرد طرف خارجي في أزمة الهجرة، وإنما تحول إلى محور اتهامات تتصل بالأمن القومي الإسباني وبنزاهة القرار السياسي لرئيس الحكومة.
الهجوم لم يأت من اليمين وحده
المفارقة الأبرز في جلسة الخميس أن الانتقادات الحادة للمغرب لم تقتصر على الحزب الشعبي و«فوكس»، بل جاءت أيضاً من أحزاب يسارية وشركاء للحكومة الاشتراكية.
فالنائب إنريكي سانتياغو، عن اليسار الموحد داخل تحالف “سومار”، قال إن “إسبانيا تعرضت لهجوم من المغرب باستخدام أشخاص ضعفاء”، واعتبر ما جرى “عملية لزعزعة الاستقرار ذات نوايا سياسية وجيوسياسية واضحة”، مؤكداً أن تفسير الأحداث على أنها مجرد نشاط لعصابات تهريب البشر “غير قابل للتصديق”.
أما آينا فيدال، من “سومار”، فقالت إن المغرب «يجب أن يقدم تفسيرات»، وانتقدت سياسة التهدئة التي تتبعها الحكومة الإسبانية تجاه الرباط.
وكان موقف “بوديموس” أكثر صدامية. فقد دعت زعيمته إيونِه بيلارا البرلمان إلى إدانة المغرب بوصفه “نظاماً شمولياً وديكتاتورية”، وقالت إن “الشعب المغربي ضحية للملك محمد السادس”، مطالبة بـ”قطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع المغرب” إلى أن يصبح، بحسب تعبيرها، دولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان ولا تستخدم مواطنيها “كسلاح”.
وهذه المداخلة تكتسب دلالة سياسية خاصة، لأنها جاءت من اليسار الإسباني، لا من اليمين، بما يكشف أن أزمة سبتة بدأت تفكك التوافق التقليدي داخل إسبانيا بشأن طبيعة العلاقة مع الرباط.
روفيان يتهجم على رأس الدولة المغربية!
ومن أقسى المداخلات جاءت من غابرييل روفيان، المتحدث باسم حزب ùاليسار الجمهوري الكتالونيù، الذي اتهم المغرب بإرسال نحو 80 ألف شخص إلى حدود سبتة بهدف “إسقاط” الحكومة الإسبانية، وتحدث عن تعاون بين الرباط وواشنطن وتل أبيب.
وهاجم روفيانرئيس الدولة بعنف، في واحدة من أكثر العبارات حدة التي صدرت خلال النقاش البرلماني الإسباني بشأن رمز الدولة المغربية. كما هاجم في الوقت نفسه الحزب الشعبي و”فوكس”، واتهمهما بالخيانة إذا كانت الأجهزة الأمنية والقضائية قد كانت على علم مسبق بما سيحدث.
وبذلك أصبح رئيس الدولة المغربية نفسه هدفاً مباشراً لهجوم سياسي من على منبر مؤسسة دستورية إسبانية، وليس مجرد موضوع لنقاش حول السياسة الخارجية أو الهجرة.
شركاء سانشيز يضعونه في مواجهة المغرب
حتى الأحزاب التي تدعم الحكومة لم تمنح سانشيز غطاءً سياسياً كاملاً، فقد قالت المتحدثة باسم “جونتس”، مريم نوغيراس، إن سانشيز أمام احتمالين كلاهما خطير: إما أنه كان يعلم بالتحذيرات السابقة ويكذب “لحماية المغرب”، أو أنه لم يكن يعلم بها، وفي هذه الحالة يكون قد فشل في السيطرة على الحكومة والأمن القومي. وخلصت إلى أن الاحتمالين يجعلان رئيس الحكومة “غير مؤهل لمواصلة الحكم”.
أما “سومار”، الشريك الحكومي الأصغر، فقد أكد أن تبرئة المغرب غير مقنعة، فيما قال روفيان إن الحكومات “لا تسقط بسبب ارتكاب الأخطاء، وإنما بسبب الكذب”، متهماً الرباط بإرسال عشرات الآلاف من الأشخاص إلى سبتة بهدف ضرب الحكومة الإسبانية.
وفي الاتجاه نفسه، قال النائب عن “كومبروميس” ألبرتو إيبانييث إن أي شخص يعرف الواقع المغربي يدرك أن 80 ألف شخص “لا يمكن أن يقتربوا من الحدود من دون أن يعرف المغرب بذلك”.
استدعاء ممثل المغرب… الذي بقي سرياً
ومن المفاجآت التي كشفها سانشيز أمام البرلمان إعلانه أن حكومته تحركت دبلوماسياً تجاه الرباط في 21 غشت، بعد تصريحات لوزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق بشأن سبتة ومليلية.
وقال سانشيز إن حكومته رفضت تلك التصريحات واحتجت عليها، وهو ما أكده لاحقاً وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس.
غير أن وزارة الخارجية الإسبانية أوضحت لاحقاً أن الشخص الذي حضر إلى مقر الوزارة في ذلك اليوم لم يكن السفيرة المغربية كريمة بنيعيش، بل القائم بالأعمال بالنيابة، لأنها لم تكن موجودة في إسبانيا.
وأثار إبقاء هذا التحرك بعيداً عن الإعلام انتقادات في البرلمان، خصوصاً من المعارضة التي اعتبرت أن التعامل السري مع الأزمة لا ينسجم مع خطورتها.
وهنا يبرز تحول مهم؛ فالحكومة الإسبانية التي كانت، منذ بداية الأزمة، حريصة على عدم تحويل الخلاف مع الرباط إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة، اضطرت اليوم إلى الكشف عن خطوة كانت قد أبقتها طي الكتمان.
الملك الإسباني يدخل على خط الأزمة
ولم تتوقف رسائل الجلسة عند مستوى الحكومة والدبلوماسية، إذ أعلن سانشيز أن الملك فيليبي السادس سيزور سبتة ومليلية “خلال الأسابيع المقبلة”، في أول زيارة رسمية للملك الحالي إلى المدينتين منذ توليه العرش. وقال إن الزيارة ستوجه رسالة تؤكد “الالتزام المطلق للدولة” بالمدينتين.
وتحمل الخطوة، في سياق الأزمة الحالية، دلالة تتجاوز بعدها البروتوكولي، خصوصاً أن زيارة الملك الراحل خوان كارلوس إلى سبتة ومليلية سنة 2007 كانت قد تسببت في أزمة دبلوماسية مع المغرب.
وبالتالي، فإن إعلان زيارة فيليبي السادس في هذه اللحظة يأتي في سياق شديد الحساسية؛ برلمان إسباني يهاجم الرباط، وحكومة تؤكد أن سبتة ومليلية إسبانيتان “إلى الأبد”، ورئيس حكومة يعلن أن بلاده ستتصرف “بحزم” إذا ثبت تورط المغرب، ثم يعلن زيارة رأس الدولة إلى المدينتين.
في المقابل.. صمت رسمي مغربي
في الضفة الأخرى من المتوسط، لم يظهر، حتى مساء الخميس، رد رسمي مغربي علني يوازي حجم التصعيد السياسي الذي شهده البرلمان الإسباني.
واللافت أن ما ظهر إلى العلن من الجانب المغربي جاء عبر القناة الدبلوماسية، إذ أفادت مصادر حكومية إسبانية بأن وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة أبلغ نظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بأن السلطات المغربية فتحت تحقيقاً بشأن الدخول الجماعي إلى سبتة في نهاية يوليو.
لكن هذا التطور لم يترافق، وفق ما ظهر في المصادر الرسمية والإعلامية التي أمكن مراجعتها، مع رد سياسي مغربي علني على الاتهامات التي وجهها نواب إسبان إلى المغرب ومؤسساته وملك البلاد.
وهنا تبرز مفارقة سياسية لافتة؛ ففي الوقت الذي انتقل فيه النقاش الإسباني من مجرد مساءلة الحكومة عن إدارة أزمة الهجرة إلى اتهام دولة أجنبية بالتدخل في الأمن القومي، وإلى المطالبة بالتصعيد معها بل وقطع العلاقات، ظل الخطاب الرسمي المغربي بعيداً عن سجال مماثل في العلن.
من أزمة هجرة إلى أزمة ثقة استراتيجية
تكشف جلسة الخميس أن القضية لم تعد محصورة في السؤال حول كيفية دخول عشرات الآلاف إلى سبتة أو من يتحمل مسؤولية الوفيات التي رافقت الأحداث، بل أصبحت اختباراً لطبيعة العلاقة التي بنتها مدريد والرباط خلال السنوات الأخيرة.
فسانشيز، الذي ظل حتى الآن الحائط السياسي الأبرز أمام تحميل المغرب مسؤولية مباشرة، وجد نفسه معزولاً نسبياً في موقفه داخل البرلمان؛ اليمين يتهمه بالخضوع للرباط، وشركاء من اليسار يتهمونه بالتساهل معها، فيما تصر حكومته على انتظار “أدلة صلبة” قبل توجيه اتهام رسمي.
وفي الوقت نفسه، أصبحت العلاقة المغربية الإسبانية مرتبطة في الخطاب البرلماني الإسباني بملفات الأمن القومي، والهجرة، وسبتة ومليلية، والصحراء، و”بيغاسوس”، بل وبمستقبل التعاون بين البلدين.
وتزداد حساسية الوضع مع استمرار التحقيقات الإسبانية. فمدير الشرطة الوطنية الإسبانية فرانسيسكو باردو قال إن أياً من التقارير التي اطلع عليها لا ينسب إلى قوات الأمن المغربية تخطيط أو تنفيذ الأحداث، في حين أن تقريراً أعده مركز الهجرة والحدود التابع للشرطة، وأحيل إلى المحكمة الوطنية، يتضمن مؤشرات على تدخل عناصر مغربية في توجيه المهاجرين. وهذا التناقض هو الذي يفسر جزئياً إصرار سانشيز على عدم الانتقال بعد من مستوى “الاشتباه” إلى مستوى الاتهام الرسمي.
غير أن التطور السياسي الأهم هو أن المغرب خرج من دائرة الخلاف الدبلوماسي التقليدي ليصبح موضوعاً مباشراً في صراع داخلي إسباني حول الأمن والسيادة والثقة في الحكومة.
وإذا استمر هذا المسار، فإن سقوط حكومة سانشيز أو انتقال السلطة إلى حكومة أكثر تشدداً تجاه الرباط قد يجعل السياسة الإسبانية تجاه المغرب أكثر صدامية، خصوصاً أن الدعوات إلى استدعاء السفير الإسباني في الرباط، وتشديد الضغط على المغرب، وحتى قطع العلاقات، أصبحت مطروحة علناً داخل البرلمان.
وهذا ما يجعل جلسة 3 سبتمبر محطة مفصلية؛ ليس فقط لأنها شهدت أعنف هجوم سياسي إسباني على المغرب ورمز سيادته منذ سنوات، وإنما لأنها أظهرت للمرة الأولى أن التوافق الذي قام عليه التقارب المغربي الإسباني في السنوات الأخيرة لم يعد محصناً داخل المشهد السياسي الإسباني.
وفي المقابل، فإن استمرار الصمت المغربي العلني إزاء هذا المستوى غير المسبوق من الاتهامات قد يترك الساحة السياسية والإعلامية الإسبانية مفتوحة أمام رواية واحدة عن أحداث سبتة، في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات الرسمية في البلدين.
