شفرة سبتة 2026... أزمة هجرة أم اختبار لحرب هجينة في غرب المتوسط؟
دراسة جيوسياسية وسوسيو-نفسية وأمنية واستخباراتية ودبلوماسية في الفاعلين والمصالح وسيناريوهات ما بعد الأزمة
آراء أخرى
تمهيد: عندما تتحول الهجرة من مأساة إنسانية إلى سؤال استراتيجي
لم يكن مشهد آلاف الشباب وهم يتجهون نحو سبتة خلال أواخر يوليوز 2026 مجرد واقعة هجرة غير نظامية، ولا مجرد انفجار اجتماعي عابر، بل بدا منذ اللحظة الأولى كحدث مركب تتقاطع داخله الهجرة مع الأمن والسياسة والاقتصاد والدبلوماسية والحرب المعلوماتية والجريمة المنظمة والسيكولوجيا الجماعية. ولذلك فإن محاولة اختزال ما جرى في رواية جاهزة، سواء بالقول إنه كان مؤامرة سياسية محكمة أو بالقول إنه مجرد اندفاع عفوي لشباب يبحثون عن فرصة، قد تقود في الحالتين إلى النتيجة نفسها: قراءة ناقصة لحدث متعدد المستويات. فالتحليل الاستراتيجي لا يبدأ باتهام مسبق ولا ينتهي بنفي مسبق، وإنما يبدأ بتثبيت الوقائع، ثم تفكيك التسلسل الزمني، وتحديد الفاعلين والمستفيدين، والتمييز بين التخطيط والاستغلال، وبين التنظيم والعفوية، وبين المصلحة والقدرة على التنفيذ. ومن هنا تكتسب سبتة 2026 أهميتها، ليس فقط باعتبارها أزمة حدودية مغربية إسبانية، وإنما باعتبارها مختبراً مصغراً لطبيعة الأزمات الجديدة في غرب المتوسط، حيث يمكن لمعلومة قانونية، أو رسالة هاتفية، أو أزمة اجتماعية، أو شبكة تهريب، أو صراع سياسي داخلي، أن تتفاعل في وقت واحد وتنتج أزمة تتجاوز بكثير نقطة انطلاقها.
المحور الأول: سبتة 2026… من أزمة هجرة إلى أزمة جيوسياسية في غرب المتوسط
تأتي أحداث سبتة في سياق حساس من العلاقات المغربية الإسبانية، حيث لم يعد ملف الهجرة مجرد ملف أمني محدود، وإنما أصبح أحد أعمدة الشراكة الثنائية وموضوعاً يرتبط مباشرة بالأمن الأوروبي واستقرار الضفة الجنوبية للمتوسط. فسبتة ليست مجرد نقطة حدودية، بل موقع تتقاطع فيه اعتبارات السيادة والهجرة والأمن والتجارة والعلاقات المغربية الإسبانية والسياسة الأوروبية. ومن ثم فإن أي موجة كبيرة للعبور تكتسب تلقائياً أبعاداً تتجاوز عدد الأشخاص الذين حاولوا الوصول إلى الضفة الأخرى. وقد سبقت الأزمة مؤشرات على ارتفاع ضغط الهجرة وتزايد محاولات الوصول إلى سبتة، بالتزامن مع تداول معلومات قانونية وإعلامية حول وضعية الأشخاص الذين يتمكنون من الوصول إليها. وهنا يجب التمييز بين وجود عوامل ساهمت في خفض الإحساس بالمخاطر وبين وجود جهة خططت للأزمة. فالقرار القضائي أو المعلومة القانونية قد يؤثران في سلوك المهاجر، لكنهما لا يفسران وحدهما انتقال آلاف الأشخاص في فترة قصيرة إلى نقطة جغرافية محددة. كما أن حجم الظاهرة لا يكفي وحده لإثبات طبيعتها التنظيمية. ولذلك فإن سبتة ينبغي أن تقرأ باعتبارها نتيجة محتملة لتفاعل مجموعة من العوامل: الضغط الاجتماعي، شبكات الهجرة، المعلومة الرقمية، الظروف القانونية، الحسابات الفردية، وربما استغلال لاحق من طرف فاعلين سياسيين أو إعلاميين. ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال الاستراتيجي أكثر تعقيداً من سؤال «من أرسل هؤلاء؟»، إذ ينبغي أن نسأل أولاً: ما الظروف التي جعلت آلاف الأشخاص مستعدين للمخاطرة في الوقت نفسه؟ وكيف انتقلت المعلومة من نطاق محدود إلى حركة جماعية؟ ومن كان مستعداً لاستثمار نتائجها بعد وقوعها؟
المحور الثاني: من الشرارة إلى كرة الثلج… كيف تحولت محاولات محدودة إلى موجة جماعية؟
من الفرضيات التي تستحق الدراسة أن تكون الظاهرة قد بدأت بمحاولات محدودة من أشخاص يمتلكون معرفة بمسارات العبور أو يتواصلون مع شبكات تنشط في مجال الهجرة غير النظامية، ثم اتسعت دائرة المشاركين بفعل انتشار المعلومة، فتحولت المحاولات الفردية إلى حركة جماعية. ويمكن تسمية هذه الآلية بـ«تأثير كرة الثلج»: معلومة صغيرة تتحول إلى مجموعة، والمجموعة إلى شبكة، والشبكة إلى موجة جماعية يصعب التحكم في اتجاهها. وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد عملية التعبئة تحتاج بالضرورة إلى هيكل تنظيمي تقليدي؛ فقد تكفي مجموعة مغلقة أو حساب مجهول أو مقطع فيديو ينتشر في ساعات قليلة ليعيد تشكيل تقدير مئات الأشخاص للمخاطر. ولذلك فإن وجود تنظيم جزئي في بداية الظاهرة، إذا ثبت، لا يعني بالضرورة وجود خطة مركزية، كما أن الطابع العفوي للمراحل المتأخرة لا ينفي احتمال وجود تنظيم في مراحلها الأولى. وهنا يجب أن يركز التحقيق الحقيقي على التسلسل الزمني: متى ظهرت أولى الدعوات؟ من نشرها؟ كيف انتقلت؟ هل كانت هناك نقاط تجمع محددة؟ هل وفرت وسائل نقل أو معلومات لوجستية؟ هل وجدت تحويلات مالية أو خدمات مرتبطة بها؟ وهل كانت الشبكات التي حركت الأشخاص في البداية هي نفسها التي استفادت من توسع الموجة؟ هذه الأسئلة أكثر أهمية من البحث عن تفسير واحد شامل، لأن الأزمات الجماعية قد تكون متعددة المصادر، وقد يبدأ بعضها بصورة عفوية ثم تدخل عليه شبكات منظمة، أو يبدأ بتنظيم محدود ثم يتحول إلى حركة تتجاوز قدرة منظميها.
المحور الثالث: الروايات المتنافسة… «The Objective» و«Le Monde» والصحافة الإسبانية في معركة تفسير الحدث
تكشف التغطيات الصحفية المختلفة لأحداث سبتة أن المعركة لم تكن فقط حول الوقائع، وإنما أيضاً حول تفسيرها. فقد ظهرت روايات صحفية إسبانية نسبت إلى دوائر نافذة داخل الدولة المغربية أدواراً سياسية في ما حدث، وربطت الأزمة بحسابات داخلية وصراعات سياسية، بينما قدمت روايات أخرى قراءات أكثر تحفظاً، وتحدثت عن غياب ما يثبت وجود خطة مغربية مسبقة، مع احتمال أن تكون بعض الجهات قد تعاملت مع نتائج الأزمة بعد وقوعها باعتبارها فرصة سياسية أو ورقة تفاوضية. كما دخلت صحافة فرنسية، من بينها «Le Monde»، على خط قراءة الحدث، إلى جانب صحف ومصادر إسبانية أخرى، وهو ما يجعل من الضروري التعامل مع هذه المواد باعتبارها روايات صحفية متنافسة تحتاج بدورها إلى تفكيك ومقارنة، لا باعتبار أن نشرها يحسم الواقعة. وتكمن أهمية هذه الروايات في أنها تكشف كيف يمكن للحدث نفسه أن ينتج سرديات مختلفة بحسب زاوية النظر والمصادر المستخدمة. وفي هذا السياق، فإن المقالات التي تربط الأزمة بشخصيات أو دوائر معينة داخل القرار المغربي ينبغي أن تقرأ بحذر، ليس دفاعاً عن أي شخص، وإنما لأن الانتقال من إثبات وجود نفوذ سياسي إلى إثبات ممارسة فعل محدد يحتاج إلى دليل إضافي. فالمعرفة بملف معين لا تعني بالضرورة اتخاذ القرار فيه، والقدرة على التأثير لا تعني ممارسة التأثير في واقعة بعينها، ووجود سوابق سياسية لا يثبت بالضرورة تكرارها. كما أن المصادر المجهولة يمكن أن تكون ذات قيمة حقيقية في الصحافة الاستقصائية، لكن قوتها لا تأتي من سريتها، وإنما من درجة اطلاعها المباشر، واستقلالها، وتعددها، ومن وجود قرائن مستقلة تتقاطع معها. ولذلك فإن السؤال المنهجي ليس فقط: ماذا قالت «The Objective» أو «Le Monde» أو الصحيفة الإسبانية الأخرى؟ وإنما: ما الذي يمكن التحقق منه في كل رواية؟ وما الذي يمثل واقعة؟ وما الذي يمثل تفسيراً؟ وأين تبدأ القفزة من القرينة إلى الاستنتاج؟ إن قيمة الصحافة الاستقصائية تكمن في قدرتها على فتح الملفات المغلقة، لكن قيمتها تضعف عندما تتحول الفرضية إلى نتيجة قبل اكتمال سلسلة الإثبات.
المحور الرابع: الحكم القضائي والحرب المعلوماتية… عندما تتقاطع المعلومة القانونية مع هندسة الإدراك
أحد العناصر التي لا ينبغي إغفالها هو أثر المعلومة القانونية في تغيير حسابات المهاجرين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأشخاص الذين يصلون إلى سبتة عن طريق البحر وبالضمانات القانونية التي يمكن أن يستفيدوا منها بعد الوصول. فالحكم القضائي، في حد ذاته، ليس دعوة إلى الهجرة ولا تفسيراً كاملاً للأزمة، لكنه قد يتحول، بعد اقتطاعه من سياقه القانوني، إلى رسالة مختلفة تماماً داخل المجموعات الرقمية: «الطريق أصبح آمناً» أو «لن تتم إعادتك». وهنا تبدأ الحرب على مستوى الإدراك قبل أن تبدأ على مستوى الحدود. فقد تكفي معلومة قانونية صحيحة في أصلها لكنها مشوهة في تداولها لتغيير سلوك مئات الأشخاص. ومن هنا ينبغي فحص البيئة الرقمية التي سبقت الأزمة: الحسابات التي نشرت المعلومة، توقيت النشر، سرعة الانتشار، طبيعة الفيديوهات، نقاط التجمع، اللغات المستخدمة، والحسابات التي أعادت نشر المحتوى في الوقت نفسه. كما يجب بحث احتمال وجود حملات منسقة أو حسابات وهمية أو أدوات رقمية تستهدف صناعة الاستقطاب والتشويش. ويمكن أن يدخل في ذلك أيضاً ما يثار حول الاستقطاب المغربي الجزائري في الفضاء الرقمي، إذ قد تكون بعض الحملات المنسقة، إذا ثبت وجودها، مصممة لإغراق المجال العام بصراع جانبي يصرف الانتباه عن الحدث الأصلي. لكن هذه الفرضيات ينبغي أن تبقى في إطار البحث لا الاتهام، لأن امتلاك دولة أو شركة لقدرات متقدمة في الحرب الإلكترونية لا يثبت استخدامها لها في سبتة، ووجود مصلحة لدى جهة ما في نتائج الأزمة لا يثبت مشاركتها في صناعتها. الدليل الحقيقي في مثل هذه القضايا هو البصمة التقنية والمالية والتنظيمية المتقاطعة، لا مجرد التشابه في الأساليب أو وجود القدرة. وهنا تصبح الحرب المعلوماتية جزءاً من مفهوم الأمن الجديد: فالمعلومة قد تحرك أشخاصاً، والتضليل قد يغير حسابات المخاطر، والاستقطاب قد يحول أزمة إنسانية إلى صراع سياسي، بينما قد يكون الحدث في أصله أبسط بكثير من الروايات التي بنيت حوله.
المحور الخامس: البعد السوسيو-نفسي… لماذا أصبح البحر خياراً؟
خلف كل التحليلات الأمنية والاستخباراتية توجد حقيقة اجتماعية لا ينبغي إخفاؤها: آلاف الشباب لا يحتاجون بالضرورة إلى مؤامرة حتى يفكروا في الهجرة؛ يكفي أحياناً أن يصبح اليأس أقوى من الخوف. فعندما يرى الشاب على هاتفه صوراً لأشخاص وصلوا إلى أوروبا، ويتلقى معلومة تفيد بأن «الطريق مفتوح»، ويشاهد مئات الأشخاص يتحركون في الاتجاه نفسه، فإن القرار الفردي يتغير بفعل العدوى النفسية الجماعية. هنا يتحول الخطر من مجهول مخيف إلى مخاطرة تبدو قابلة للتقليد. وهذا يفسر كيف يمكن لمجموعة صغيرة أن تتحول بسرعة إلى ظاهرة جماعية. لذلك فإن السؤال الأكثر عمقاً ليس فقط: من حرك هؤلاء؟ وإنما: لماذا أصبح هذا العدد مستعداً للمخاطرة بحياته؟ لماذا أصبحت أوروبا في المخيال الجماعي مرادفاً للكرامة والفرصة؟ ولماذا فقد جزء من الشباب الثقة في إمكانية بناء مستقبل داخل وطنه؟ هذه الأسئلة لا يمكن للأجهزة الأمنية وحدها الإجابة عنها. إنها أسئلة ترتبط بالتعليم والتشغيل والسكن والعدالة الاجتماعية والاندماج والثقة في المؤسسات. والدولة تستطيع أن تشدد الرقابة على الحدود، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنع الرغبة في الهجرة إذا ظلت الأسباب التي تنتجها قائمة. ولذلك فإن الأمن الحقيقي يبدأ قبل الحدود بسنوات، داخل المدرسة والجامعة وسوق العمل والأسرة والحي والفضاء الرقمي.
المحور السادس: الفاعل الداخلي… الدولة والحكومة والبرلمان والأحزاب والمجتمع المدني والمؤسسة الملكية والدين والقطاع الخاص والباطرونا
تكشف أزمة سبتة عن سؤال أعمق يتعلق بقدرة الفاعل الداخلي على الاستباق. فالحكومة مسؤولة عن السياسات العمومية، والبرلمان عن التشريع والرقابة، والأحزاب عن التأطير السياسي، والنقابات عن الدفاع عن المصالح الاجتماعية، والمجتمع المدني عن الوساطة والرصد، والمؤسسات الوطنية عن التقييم والحماية، بينما تضطلع المؤسسة الملكية بدور مركزي في القضايا الاستراتيجية والأمنية والدبلوماسية. لكن قوة المركز الاستراتيجي لا ينبغي أن تتحول إلى إعفاء لبقية المؤسسات من مسؤولياتها. فإذا كانت المؤسسات الوسيطة لا تظهر إلا بعد انفجار الأزمة، فإن السؤال يصبح مشروعاً حول قدرتها على الاستماع والاستباق. كما أن الأحزاب مطالبة بألا تختزل وظيفتها في الانتخابات والتزكيات والمقاعد، لأن السياسة التي لا تسمع المجتمع قبل أن يحتج تفقد جزءاً من وظيفتها الأساسية. وينطبق الأمر نفسه على النقابات والمجتمع المدني، اللذين يفترض أن يشكلا قنوات مبكرة لامتصاص التوترات الاجتماعية. ويمتد السؤال إلى القطاع الخاص والباطرونا والشركات الكبرى والعائلات الاقتصادية التي تستفيد من الاستقرار ومن البنية التحتية والسوق الوطنية. فالمسؤولية الاجتماعية لا ينبغي أن تختزل في مبادرات ظرفية، وإنما ينبغي أن تتحول إلى مساهمة فعلية في التشغيل والتكوين والاستثمار في المناطق التي تصدر موجات الهجرة. فالشركة الكبرى التي تستفيد من الاستقرار الاقتصادي تتحمل، بشكل مباشر أو غير مباشر، جزءاً من مسؤولية إنتاجه. أما المؤسسة الدينية، فإن دورها لا ينبغي أن يقتصر على التحذير من الهجرة أو تقديم خطاب وعظي تقليدي، بل يجب أن يكون أكثر التصاقاً بأسئلة الشباب: العمل، العلم، الكرامة، المواطنة، المخدرات، الاتجار بالبشر، التضليل الرقمي، والمسؤولية الاجتماعية. فالشاب الذي يرى البحر طريقاً إلى الخلاص يحتاج إلى خطاب يمنحه معنى وأملاً ومسؤولية، لا إلى خطاب تحذيري فقط. ومن هنا فإن أزمة سبتة تكشف الحاجة إلى إعادة بناء منظومة الوساطة الوطنية بأكملها، لأن الأمن الاجتماعي لا تصنعه الأجهزة الأمنية وحدها، بل تنتجه أيضاً السياسة الجيدة، والاقتصاد المنتج، والتعليم، والخطاب الديني المسؤول، والثقة في المؤسسات.
المحور السابع: فك الشفرة الأمنية والاستخباراتية… ما قبل الحدث وأثناءه وبعده
من منظور أمني واستخباراتي، ينبغي تقسيم الأزمة إلى ثلاث مراحل مترابطة: ما قبل الحدث، وأثناءه، وما بعده. ففي المرحلة الأولى ينبغي البحث عن مؤشرات الإنذار المبكر: تغير مفاجئ في حركة المجموعات الرقمية، ارتفاع عمليات البحث عن طرق الوصول إلى سبتة، دعوات متزامنة، تحركات لوجستية، نقاط تجمع، أو نشاط غير معتاد لشبكات معروفة في مجال تهريب البشر. وفي المرحلة الثانية ينبغي دراسة كيفية انتقال الأشخاص، ومن وفر لهم المعلومات، وهل كانت هناك وسائل نقل أو خدمات لوجستية، وكيف تغير انتشارهم، وكيف تصرفت السلطات المغربية والإسبانية. أما المرحلة الثالثة فتتعلق بتحليل النتائج والمستفيدين: من استفاد سياسياً؟ من استفاد إعلامياً؟ من استفاد اقتصادياً؟ ومن استفاد إجرامياً؟ وهذه النقطة أساسية لأن المستفيد من الأزمة ليس بالضرورة هو من صنعها. فقد تكون أزمة غير مخططة قد خلقت فرصاً سياسية أو إعلامية أو إجرامية لعدد كبير من الفاعلين. كما ينبغي أن تشمل الدراسة احتمال تداخل شبكات تهريب البشر مع شبكات المخدرات والأموال وغيرها من أشكال الجريمة المنظمة، لأن الفوضى الحدودية قد توفر بيئة مشتركة لهذه الأنشطة. ولذلك فإن التحقيق المؤسساتي المطلوب لا ينبغي أن يبدأ بفرضية البحث عن متهم، وإنما بإعادة بناء السلسلة الزمنية كاملة، لأن معرفة مكامن الخلل ليست إدانة للدولة، بل شرط لمنع تكرار الأزمة.
المحور الثامن: الاقتصاد والمصالح الدولية… سبتة داخل لعبة الطاقة والاستثمار والأمن الإقليمي
لا يمكن فصل سبتة عن موقعها في التوازنات الاقتصادية والجيوسياسية لغرب المتوسط. فالعلاقة المغربية الإسبانية تتداخل مع مصالح الاتحاد الأوروبي، وملفات الطاقة والهجرة والأمن والاستثمار وسلاسل التوريد. كما أن موقع إسبانيا في معادلات الطاقة الأوروبية، وعلاقتها بالجزائر، ومشاريع الطاقة المستقبلية، وموقع المغرب الصناعي واللوجستي، تجعل أي أزمة كبيرة قابلة لأن تنتج آثاراً تتجاوز حدودها المباشرة. ويمكن أن يستفيد منافسون دوليون من أي اضطراب في الاستثمارات أو العلاقات، كما يمكن لبعض الشركات أو القطاعات أن تستفيد من إعادة ترتيب الأسواق، لكن يجب دائماً التمييز بين المستفيد وصانع الأزمة. فالمصلحة لا تعني التدخل، والقدرة الاقتصادية لا تعني القدرة الاستخباراتية، والتزامن بين حدث وتحول اقتصادي لا يثبت وجود علاقة سببية. ومن هنا ينبغي مراقبة انعكاسات الأزمة على قطاعات السيارات والطيران والطاقة والكهرباء والموانئ وسلاسل التوريد، ليس بهدف بناء نظريات مؤامرة، وإنما لفهم ما إذا كانت الأزمة قد تنتج تحولات طويلة الأمد في توزيع المصالح. كما ينبغي إعادة طرح سؤال المسؤولية الاجتماعية للاقتصاد الكبير، لأن الاستقرار الاقتصادي لم يعد منفصلاً عن الاستقرار الاجتماعي، والشركات الكبرى مطالبة بأن تكون جزءاً من الحل من خلال الاستثمار في الإنسان والمناطق الأكثر عرضة للهجرة.
المحور التاسع: إسبانيا… من أزمة حدودية إلى ورقة في الصراع السياسي الداخلي
لا يمكن تحليل سبتة من دون النظر إلى كيفية استقبالها داخل السياسة الإسبانية. فالأزمات الحدودية والهجرة يمكن أن تتحول بسرعة إلى مادة للصراع بين الحكومة وقوى المعارضة، ولا سيما اليمين واليمين المتشدد، اللذين يمكن أن يستثمرا صور التدفق البشري في بناء خطاب حول فشل الدولة في حماية الحدود. ومن هنا قد تنتقل الأزمة من ملف مغربي إسباني إلى ورقة في النقاش الانتخابي الإسباني، وقد تستخدم في الضغط على الحكومة المركزية أو في المطالبة بتشديد سياسة الهجرة. وفي الوقت نفسه، فإن الحكومة الإسبانية تجد نفسها أمام معادلة صعبة: حماية حدودها، احترام التزاماتها القانونية والحقوقية، والحفاظ على التعاون مع المغرب، الذي يمثل شريكاً أساسياً في إدارة الهجرة. ولهذا فإن الأزمة قد تصبح أداة ضغط في أكثر من اتجاه: في السياسة الداخلية الإسبانية، وفي العلاقات مع المغرب، وفي المفاوضات الأوروبية حول الهجرة، وفي النقاش المتعلق بأمن المتوسط. ولا ينبغي الخلط هنا بين استغلال الأزمة بعد وقوعها وبين التخطيط لها مسبقاً؛ فالقوى السياسية قد تستثمر أزمة لم تصنعها، كما يمكن أن تتحول واقعة عفوية إلى ورقة استراتيجية بعد وقوعها. وهذه المسافة الزمنية بين صناعة الحدث واستثماره تظل من أهم المفاتيح لفهم الأزمات السياسية الحديثة.
المحور العاشر: ما بعد سبتة والسيناريوهات الاستشرافية… من احتمال الاحتجاج إلى الأزمة الهجينة
ربما يكون أهم سؤال في هذه الأزمة ليس ماذا حدث في أواخر يوليوز، وإنما ماذا يمكن أن يحدث بعدها. فالأزمة قد تنتهي أمنياً عند الحدود، لكنها قد تستمر اجتماعياً ورقمياً وسياسياً. ويمكن أن تنتقل التعبئة من محاولة العبور إلى احتجاجات اجتماعية، خصوصاً إذا ترافقت مع ارتفاع الإحباط أو انتشار خطاب يفقد الثقة في المؤسسات. وقد تستثمرها قوى سياسية أو شبكات رقمية أو جهات إجرامية، فتنتقل من ملف هجرة إلى ملف احتجاج، ومن الاحتجاج إلى استقطاب سياسي، ثم إلى ضغط دبلوماسي خارجي. ومن هنا يمكن تصور عدة سيناريوهات: سيناريو الاحتواء، حيث تنجح الرباط ومدريد في تفكيك الشبكات وامتصاص التداعيات وإعادة ضبط التعاون؛ وسيناريو التكرار، عبر ظهور موجات رقمية جديدة ومحاولات عبور متفرقة تستفيد من تجربة سبتة؛ وسيناريو التسييس، حيث ينتقل الملف إلى الصراع السياسي والاحتجاج الاجتماعي؛ وسيناريو التدويل، بدخول الاتحاد الأوروبي ومؤسسات دولية على خط الأزمة؛ وسيناريو الأزمة الهجينة، حيث تتزامن الهجرة مع التضليل الرقمي والجريمة المنظمة والاستقطاب السياسي والضغط الاقتصادي والدبلوماسي، دون أن يكون هناك بالضرورة فاعل واحد يمسك بكل الخيوط. وهناك سيناريو آخر أكثر هدوءاً لكنه أكثر عمقاً، يتمثل في استخدام الأزمة لإعادة ترتيب العلاقة المغربية الإسبانية والأوروبية حول الهجرة والطاقة والاستثمار والأمن. وفي هذه الحالة لن يقاس أثر سبتة بعدد الأشخاص الذين حاولوا الوصول إليها، وإنما بالتغييرات التي قد تنتج عنها في السياسات والاتفاقات وموازين المصالح. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة القدرة على استشرافها. ويستدعي ذلك إنشاء مرصد وطني للأزمات الهجينة والهجرة والأمن الإنساني يجمع خبراء الأمن والاستخبارات والدبلوماسية والاقتصاد والقانون وعلم الاجتماع وعلم النفس والذكاء الرقمي، تكون مهمته رصد المؤشرات المبكرة وربط المعطيات قبل تحولها إلى أزمة. كما ينبغي فتح تقييم مؤسساتي شفاف لأحداث سبتة، لا للبحث عن متهم مسبقاً، وإنما لإعادة بناء التسلسل الزمني ومعرفة مكامن الخلل. وفي المجال الرقمي، ينبغي تطوير قدرة وطنية متقدمة على رصد التضليل والحملات المنسقة والحسابات الوهمية، مع احترام حرية التعبير وعدم تحويل مكافحة الحرب المعلوماتية إلى وسيلة لمراقبة المجتمع. كما يستوجب الأمر تعزيز التعاون القضائي والأمني المغربي الإسباني والأوروبي لتفكيك شبكات الاتجار بالبشر والجريمة المنظمة، بالتوازي مع إعادة بناء الوساطة السياسية والاجتماعية، بحيث تكون الحكومة والبرلمان والأحزاب والنقابات والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمؤسسات الوطنية حاضرة قبل الأزمات لا بعدها. ويجب أن يرافق ذلك حوار وطني حول الشباب والثقة والمستقبل، يشارك فيه الشباب أنفسهم، لأن معالجة الهجرة لا تبدأ من الحدود وإنما من سؤال: لماذا يشعر جزء من الشباب بأن مستقبله يوجد خارج الوطن؟ كما ينبغي تحميل القطاع الخاص والاقتصاد الكبير مسؤولية أكبر في التشغيل والتكوين والاستثمار، وتطوير الخطاب الديني ليكون أكثر قدرة على مواجهة ثقافة اليأس والتضليل الرقمي والمخدرات والاتجار بالبشر، وتعزيز الدبلوماسية الاستباقية التي تمنع الفراغ المعلوماتي من أن تملأه روايات متضاربة قد تتحول مع الوقت إلى حقائق سياسية متداولة. وفي المستوى الاستراتيجي، ينبغي أيضاً إعداد سيناريوهات دورية لما بعد الأزمة، لأن الخطر الحقيقي ليس فقط في تكرار محاولة العبور، وإنما في تداخلها مستقبلاً مع احتجاج اجتماعي أو حملة تضليل أو نشاط إجرامي أو توتر دبلوماسي، بحيث تصبح الحدود مجرد نقطة انطلاق لأزمة أوسع.
الخلاصة: سبتة ليست سؤال من صنع الأزمة فقط، بل سؤال من يصنع ما بعدها
إن قراءة سبتة 2026 بمنطق جيوسياسي تقود إلى نتيجة أساسية: لا ينبغي اختزال الأزمة في اسم شخص أو مؤسسة أو رواية واحدة. فقد يكون من بدأ الشرارة مختلفاً عمن وسّعها، وقد يكون من استفاد منها مختلفاً عمن نظمها، وقد تتحول أزمة لم يصنعها أحد بصورة كاملة إلى أزمة يستثمرها العديد من الفاعلين بصورة جزئية. ولذلك فإن التحليل الاستراتيجي الحقيقي لا يبحث فقط عن «العقل المدبر»، وإنما يبحث عن البيئة التي جعلت الأزمة ممكنة، وعن الشبكات التي سرعت انتشارها، وعن المؤسسات التي كان عليها استباقها، وعن المصالح التي ظهرت بعد وقوعها، وعن الجهات القادرة على إعادة إنتاجها. ومن هنا فإن الدرس الأكبر لسبتة لا يتعلق بالحدود وحدها، وإنما بتحول طبيعة الأمن نفسه. فالأمن في القرن الحادي والعشرين لم يعد يعني حماية الحدود بالوسائل التقليدية فقط، بل أصبح يعني أيضاً حماية الإنسان من اليأس، والمجتمع من التضليل، والاقتصاد من الاضطراب، والمؤسسات من فقدان الثقة، والمجال العام من الاستقطاب، والعلاقات الدولية من الروايات غير المدققة. وإذا كان البحر قد كشف أزمة لدى الشباب، فإن سبتة كشفت في الوقت نفسه هشاشة الحدود الجديدة بين الهجرة والجريمة والسياسة والإعلام والاستخبارات والاقتصاد. ولذلك فإن الدولة القوية ليست فقط التي تمنع الشباب من الوصول إلى البحر، وإنما التي تجعلهم لا يرون في البحر طريقاً وحيداً إلى المستقبل؛ والحكومة القوية ليست التي تنتظر الأزمة لتديرها، وإنما التي تستشعرها قبل انفجارها؛ والحزب الحي ليس الذي يبحث عن التزكية والمقعد فقط، وإنما الذي يسمع المجتمع قبل أن يصرخ؛ والمقاولة الوطنية الكبرى ليست التي تراكم الثروة فقط، وإنما التي تشارك في صناعة الأمل؛ والخطاب الديني الفاعل ليس الذي يكتفي بالوعظ، وإنما الذي يخاطب الإنسان في قلقه وأسئلته ومستقبله. وفي النهاية، فإن السؤال الذي تطرحه سبتة على المغرب وإسبانيا معاً ليس فقط: من صنع الأزمة؟ وإنما: من يملك القدرة على منع تكرارها، ومن يستطيع تحويلها من أزمة حدود إلى فرصة لإعادة بناء الثقة والتعاون والاستقرار؟ هنا تحديداً تبدأ القراءة الاستشرافية الحقيقية لسبتة، وهنا أيضاً يتجاوز الحدث حدود يوليوز 2026 ليصبح درساً في كيفية إدارة أزمات المستقبل قبل أن تبدأ.
محامٍ وفاعل حقوقي
