فلسطين وصحوة الضمير العالمي.. ما بعد الطوفان..
لا يُقرأ المشهد الفلسطيني الراهن قراءة سليمة ما لم نعُد إلى الثاني من نوفمبر عام 1917، حين وجّه وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور رسالته الموجزة إلى اللورد روتشيلد، واعداً بإقامة “وطن قومي لليهود” في أرض لم تكن بريطانيا تملكها أصلاً، ولم يكن سكانها الأصليون سوى أقلية استيطانية طارئة لا تتجاوز نسبتها ستة بالمئة من مجموع السكان آنذاك. لم تكن تلك الرسالة حادثاً دبلوماسياً عابراً، بل تعبيراً عن تقاطع مصالح استراتيجية بين إمبراطورية تبحث عن موطئ قدم في قلب المشرق العربي وحركة سياسية ناشئة تبحث عن أرض. ومن رحم هذا الوعد، تشكّلت البنية التي أفضت لاحقاً إلى نكبة 1948، حين هُجّر مئات الآلاف من ديارهم في ظرف أشهر معدودة، لتُطوى صفحة وتُفتح أخرى من مسار طويل لم يتوقف فيه الفلسطينيون عن التمسك بحقهم في أرضهم رغم كل محاولات الطمس والتغييب التي تعاقبت عليهم عبر أكثر من سبعة عقود متصلة.
آراء أخرى
زلزال الوعي
في السابع من أكتوبر 2023، لم يكن ما جرى مجرد فصل عسكري جديد في نزاع ممتد، بل لحظة كاشفة أعادت ترتيب الأولويات في وعي شرائح واسعة من الرأي العام الغربي الذي عاش عقوداً أسير رواية واحدة. لقد بدأت شعوب لطالما تلقّت القضية الفلسطينية عبر مرشّح إعلامي أحادي تطرح على نفسها أسئلة لم تكن تجرؤ على طرحها من قبل: لماذا يُحاصَر قطاع بأكمله سبعة عشر عاماً؟ ولماذا تُختزل قضية شعب بأكمله في عنوان أمني ضيق يتجاهل جذورها التاريخية؟ هذه الأسئلة، وإن جاءت متأخرة، فتحت صدعاً في جدار كان يبدو منيعاً، وحوّلت القضية من موقع الهامش الذي طالما وُضعت فيه إلى قلب النقاش السياسي والأخلاقي العالمي. وهذا التحول لا يعني بالضرورة تأييداً لكل ما جرى في ذلك اليوم، فقد سقط فيه مدنيون من الجانبين، وهو أمر يستحضره كل تحليل جاد للحدث، لكنه يعني أن العالم لم يعد قادراً على تجاهل السياق الذي أدى إليه.
حرب السردية
في أدبيات العلاقات الدولية، تُعرف السردية بأنها البنية التي تُشيّد عليها الشعوب قناعاتها، وهي بهذا المعنى ساحة قتال موازية لا تقل حسماً عن ساحات الميدان. فحين وُصف الحدث بـ”الطوفان” من جهة، وحوصر بمحاولات التبسيط والتجريد من السياق من جهة أخرى، كانت المعركة الحقيقية تدور حول من يملك حق تسمية الأشياء بأسمائها أمام العالم. وقد بيّنت دراسات تحليلية للخطاب الإعلامي، من بينها دراسة نُشرت في مجلة “Cogent Social Sciences” تناولت تغطية محطات مثل “تايمز أوف إسرائيل” و”الجزيرة” و”سي إن إن”، أن كل وسيلة وظّفت استعارات لغوية متباينة الدلالة لتكريس مواقف أيديولوجية متعارضة. وهذا الانقسام في اللغة ذاته دليل على أن احتكار الرواية الذي دام عقوداً لصالح طرف واحد لم يعد قائماً كما كان، وأن المستمع الغربي بات أمام أكثر من مصدر واحد يوازن بينها بنفسه.
الهزة الإعلامية
مثّل طوفان الأقصى نقطة تحول قلبت موازين الاهتمام الإعلامي، حين انتقلت غزة بسرعة من قضية مهمّشة في نشرات الأخبار الغربية إلى بؤرة تغطية يومية مكثفة تنقل تفصيلياً حجم الدمار والحصار المفروض على المدنيين. لقد أصبحت هواتف سكان القطاع أداة توثيق مباشرة نقلت مشاهد الركام والجوع والأطفال المصابين بلغة بصرية لا تحتاج إلى مترجم، في وقت كانت فيه الحكومات الغربية تواصل تقديم دعمها السياسي والعسكري لإسرائيل. وقد نشأت من هذا التناقض فجوة متزايدة الاتساع بين الخطاب الرسمي لهذه الحكومات ومزاج شعوبها، وهي فجوة وثّقتها استطلاعات رأي عدة، من بينها دراسة صادرة عن مركز الزيتونة للدراسات أظهرت أن نسبة الأمريكيين المؤيدين لدعم إسرائيل تراجعت من 41 بالمئة في بداية العملية إلى 32 بالمئة بعد نحو 41 يوماً من المواجهة، وهو تحول سريع نادراً ما يحدث في الرأي العام الأمريكي إزاء ملف خارجي واحد خلال فترة قصيرة كهذه.
الحرب الرقمية
في موازاة المعركة الميدانية، خاضت منصات التواصل الاجتماعي جدلاً واسعاً حول كيفية تعاملها مع المحتوى الفلسطيني، إذ أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت نفسه إلى أن حجم المحتوى المؤيد للفلسطينيين على منصة “تيك توك” فاق نظيره المؤيد لإسرائيل بفارق كبير، وهو ما اعتبره مؤشراً مقلقاً من منظور إسرائيلي على تراجع القدرة على ضبط الرواية في بيئة رقمية متعددة الفاعلين. وقد رافق ذلك اتهامات من نشطاء فلسطينيين وحقوقيين بوجود تقييد خوارزمي ممنهج لانتشار المحتوى الفلسطيني، وهي اتهامات نفتها المنصات رسمياً وإن ظلت موضع جدل تقني لم يُحسم بشكل قاطع. لكن المؤكد أن معادلة احتكار البث والتفسير التي سادت عقوداً تصدّعت، وباتت ملايين الحسابات الفردية تشارك يومياً في صناعة صورة الحدث أمام الرأي العام العالمي، بمعزل نسبي عن غرف الأخبار التقليدية التي كانت تحتكر هذا الدور سابقاً.
الصحوة الغربية
لم تقتصر تداعيات هذا التحول على الفضاء الرقمي، بل امتدت إلى بنية الوعي السياسي في الغرب، وتجلّت في صعود أصوات لم تكن مألوفة بالزخم ذاته من قبل. ففي نيويورك، وصف العمدة زهران ممداني، وهو أول مسلم يتولى هذا المنصب في تاريخ المدينة، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ”مجرم حرب”، وأعلن في تموز 2026 أن إدارته راجعت كل السبل المتاحة لتنفيذ مذكرة التوقيف الصادرة بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية، داعياً الحكومة الفيدرالية الأمريكية إلى تنفيذها، وهو موقف قوبل برفض حاد من نتنياهو نفسه ومن مسؤولين إسرائيليين وصفوه بأنه “يغذي الكراهية”.
تاكر كارلسون
وفي المشهد الإعلامي المحافظ ذاته، انتقل الإعلامي تاكر كارلسون من خطاب منسجم تاريخياً مع الموقف المؤيد لإسرائيل إلى نبرة نقدية حادة، إذ وصف نتنياهو في حوارات متعددة بأنه “الشر المتجسد”، ووصف ما يجري في غزة صراحة بـ”الإبادة الجماعية”، معتبراً أن إسرائيل باتت “من أكثر الدول عنفاً في العالم”، وهو تحول أثار جدلاً واسعاً داخل معسكره السياسي نفسه، وأدى إلى وصفه من منظمات مؤيدة لإسرائيل بأوصاف قاسية اتهمته فيها بمعاداة السامية، وهو اتهام يرفضه كارلسون جملة وتفصيلاً.
لغة الاستعلاء
ولم يقتصر هذا التصدع في الخطاب الغربي التقليدي على ردود الفعل الشعبية والسياسية، بل كشفت عنه أيضاً زلات لسان صدرت عن نتنياهو نفسه. ففي مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز” الأمريكية أواخر يوليو 2026، روى نتنياهو على سبيل التندر أن أحدهم سُئل عن سبب دراسته اللغة العربية، فأجاب بأنه يريد أن يتمكن مستقبلاً من التجول في لندن وباريس، في سخرية ضمنية من تنامي الحضور العربي والإسلامي داخل عاصمتين أوروبيتين كبريين. ولم تكن تلك الزلة الأخيرة، ففي مقابلة لاحقة مع بودكاست إسرائيلي ثم مع إذاعة الجيش، ذهب نتنياهو أبعد حين وصف بريطانيا بـ”الجمهورية الإسلامية البريطانية”، مازحاً بأنها ستكون أول جمهورية إسلامية تمتلك سلاحاً نووياً، بينما تسعى إسرائيل، بحسب تعبيره، لمنع إيران من امتلاكه. أثارت هذه التصريحات موجة استنكار واسعة داخل بريطانيا ذاتها، إذ وصف عضو مجلس اللوردات غافين بارويل الكلام بأنه إسلاموفوبيا صريحة، فيما طالب المؤرخ ويليام دالريمبل بإحالة نتنياهو إلى المحكمة الجنائية الدولية بتهمة تبني خطاب عنصري ومعادي للإسلام. وهذا النمط من الخطاب، الذي يختزل الهوية الأوروبية المتعددة والمتحوّلة في تهديد وجودي، يكشف في جوهره المنطق الاستعلائي ذاته الذي حكم النظرة الاستعمارية إلى المنطقة منذ وعد بلفور، ويمنح، ربما دون قصد، زخماً إضافياً للسردية التي يسعى هذا الخطاب ذاته إلى دحضها أمام الرأي العام الغربي.
مسار العدالة
على المستوى القانوني، شهدت الأشهر التالية للسابع من أكتوبر تحولاً لم يكن متوقعاً بالزخم ذاته من قبل. ففي 26 يناير 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية في دعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمراً بتدابير مؤقتة اعتبرت فيه أن من “المرجّح” أن تكون سياسات الاحتلال قد شكّلت انتهاكاً لاتفاقية منع الإبادة الجماعية، ثم أصدرت في يوليو 2024 فتوى استشارية اعتبرت استمرار الاحتلال غير مشروع بموجب القانون الدولي، استندت إليها الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرار صدر في سبتمبر من العام ذاته. وفي سبتمبر 2025، خلصت لجنة تحقيق دولية مستقلة تابعة لمجلس حقوق الإنسان إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة، استناداً إلى أربعة من أصل خمسة أفعال معرَّفة قانونياً بموجب اتفاقية 1948، فيما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 مذكرات اعتقال شملت مسؤولين من الجانبين. ورغم أن هذه المسارات القضائية لا تزال بطيئة ومعقدة، وقد تمتد حتى عام 2027، فإنها تمثل كسراً رمزياً لجدار الإفلات من المساءلة الذي بدا لعقود بلا شقوق.
اعتراف متأخر
توّج هذا المسار بموجة اعتراف دبلوماسي غير مسبوقة بدولة فلسطين، بدأت بالنرويج وإيرلندا وإسبانيا في مايو 2024، وتسارعت في خريف 2025 لتشمل دولاً كبرى كان اعترافها مستبعداً لعقود، من بينها بريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا والبرتغال وبلجيكا، ليصل عدد الدول المعترفة إلى نحو 155 دولة من أصل 193 دولة عضواً في الأمم المتحدة. ووصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذا القرار بأنه خطوة ضرورية نحو السلام والعدالة. غير أن هذا الاعتراف قوبل بتحفظات فلسطينية شعبية اعتبرته خطوة رمزية ومتأخرة، جاءت بعد كلفة إنسانية باهظة تجاوزت عشرات آلاف الضحايا، دون أن تقترن بإجراءات فعلية تُنهي الاحتلال أو تفكّ الحصار المستمر منذ سنوات طويلة. وهذا التباين في التلقي يذكّرنا بأن تحوّل الخطاب، مهما بلغ اتساعه، يبقى خطوة أولى لا غاية نهائية بحد ذاتها.
القدس والوجدان
ولا يمكن لأي قراءة لهذا التحول أن تكتمل دون العودة إلى المكانة التي تحتلها القدس في الوجدان الديني للأمة، فهي ليست مجرد عنوان جغرافي في نزاع على الأرض، بل موضع ذكرته الآيات في سياق التكريم والبركة. يقول الله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} (الإسراء: 1)، فربط بين المسجدين في رحلة واحدة، وجعل ما حول الأقصى مباركاً، بما يحمله ذلك من دلالة على قداسة المكان وارتباطه العضوي بالوجدان الإسلامي منذ فجر الرسالة. وفي السياق ذاته، يشير قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا} (الإسراء: 7) إلى سنّة إلهية في تعاقب الغلبة والاستضعاف، آية طالما استحضرها الفلسطينيون في لحظات المحنة، لا كوعد بالعنف، بل كتذكير بأن الظلم مهما طال أمده ليس قدراً أبدياً.
مقدمة حتمية
إن ما نرصده اليوم هو مؤشر قاطع على زلزال بنيوي يعيد تشكيل معادلات القوة. فالمعركة تخاض الآن بين عقلية عنصرية تريد احتكار السلطة، وبين إرادة جماعية تؤمن بالمواطنة والعدالة المطلقة. ورغم تحديات قوة اللوبي الصهيوني، إلا أن جيلاً جديداً من الناخبين والناشطين في الغرب قد ولدت وعيه المشاهدُ الإنسانية في غزة، وهذا الجيل هو رافعة التغيير الجذري. إننا أمام مقدمة حتمية لإنهاء أطول احتلال عرفه التاريخ، لتشرق شمس الحرية والعدالة على فلسطين من نهرها إلى بحرها قريباً، بصمود أهلها الأبطال وإرادة أحرار العالم. إن التحول في الخطاب هو الخطوة الأولى، ولكن المسار نحو استعادة الحقوق بات أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
اقتصاد في سياسة
وفي خضم هذه التحولات الاستراتيجية الكبرى ومعركة الوعي التي تعيد تشكيل السردية الدولية، ولأننا نؤمن بأن مواجهة آلة التضليل و”سيادة التفاهة” لا تكون بالتشخيص والاحتجاج فحسب، بل بتقديم البديل المعرفي الرصين؛ فإننا في برنامج “اقتصاد في سياسة” نسعى جاهدين لتقديم قراءة دقيقة ومبنية على أسس علمية، بعيداً عن صخب الارتجال. إننا ندعو القراء والمتابعين الباحثين عن العمق، للوقوف على أبعاد هذه المتغيرات، إلى الانضمام إلينا في هذه الرحلة الفكرية لتفكيك خبايا الجيو-اقتصاد والسياسات العامة من منظور أكاديمي متخصص، ومواجهة طوفان التضليل بوعي نقدي حصين. لمتابعة حلقاتنا التحليلية المعمقة والمشاركة في بناء بديل معرفي جاد، يمكنكم زيارة القناة عبر الرابط التالي: youtube.com/@TarikLissaoui .. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
أكاديمي وكاتب مغربي
