قريباً من الليبرالية، بعيداً عن التعادلية
يمتلك حزب الاستقلال مخزوناً فكرياً وإيديولوجياً لا يستهان به، هو في الأغلب الأعم من توقيع الزعيم علال الفاسي. ضمن هذا المخزون الوارف، يُشكل كتاب (في المذاهب الاقتصادية) المرجع الأساس لما يمكن أن نسميه “الرؤية الاقتصادية” لحزب الاستقلال. رؤية يمكن النفاذ إليها عن طريق المفهوم المفتاح الذي صاغه علال الفاسي، مفهوم التعادلية، والذي لا يتوقف الحزب عن إعادة إنتاجه باستمرار، وعن إعادة تدويره بإصرار، دون أن يجتهد في تجديده، وتعميقه، وتطويره قيد أُنملة. وفي الحقيقة، فإن مفهوم التعادلية يختزل بكثير من الدقة والتكثيف النواة الصلبة ل “باراديغم الاقتصاد الإسلامي“. فإذا كان “اقتصادهم” يقوم على الحرية والمساواة، فإن العدل، بالمقابل، هو ما يشكل القيمة المؤسسة ل “اقتصادنا” (بتعبير محمد باقر الصدر).”النموذج التنموي للتعادلية البشرية المستدامة” هو العنوان العريض للمشروع الذي يقترحه حزب الاستقلال. نموذج “لا ينطلق من لا شيء” يقول عنه أصحابه، بل هو يسعى إلى البناء على النموذج الحالي الذي “حقق العديد من المكتسبات“. نموذج لم يفشل، بل هو فقط قد بلغ سقفاً آن أَوانُ تجاوُزه، والعبور نحو سقف أعلى يُولِّف بين مفهومين : التنمية البشرية من جهة، والتنمية المستدامة من جهة ثانية. وعكس ما يدَّعي الحزب فإن التوليف النظري المشار إليه ليس بالجديد، وليس من صياغة خبرائه، بقدر ما هو من نَحْت الاقتصادي أمارتيا سين الذي قعَّد لنظرية العدل تقعيداً إجرائياً يأخذ بعين الاعتبار “الحقوق الفعلية” المرتبطة بالتنمية البشرية من تربية، وتكوين، وصحة، وسكن، وتشغيل. لنُمْعِن النظر في الخطوط العريضة لمشروع حزب الاستقلال : حكامة جيدة مع تقوية الديموقراطية؛ جعل التشغيل في صلب السياسات العمومية؛ تحسين الجاذبية والتنافسية الاقتصادية؛ الإدماج الاجتماعي؛ النهوض بالطبقة الوسطى ومحاربة الفقر؛ الانخراط الإرادي في الثورات التكنولوجية؛ تأهيل المقومات الأساسية للتنمية البشرية (التربية، والمساواة، والصحة، وحماية البيئة). نجد في المشروع كل شيء، وكل شيء، في المحصلة، هو لا شيء. بل قد نجد الشيء ونقيضَ الشيء. خلْطٌ من الأهداف والخيارات، فيها المتشابه، والمتنافر. لا نرى تعادلية، لا في المُدْخلات، ولا في المُخْرجات. تتضمن وثيقة “التعادلية الاقتصادية والاجتماعية” (11 يناير 1963) الأهداف التالية : استكمال التحرر الاقتصادي والاجتماعي، والانفتاح على التحديات، سلك طريق ثالث للتنمية بين الليبرالية المتوحشة والشيوعية الشمولية، هندسة الدولة للتنمية في إطار مخطط وطني، ووفق رؤية هوليستيكية، هيكلة الاقتصاد على ثالوث القطاع العام، والخاص، والمشترك. بالنظر إلى هذه الأهداف الاستراتيجية، يبدو المشروع التنموي الجديد لحزب الاستقلال أقرب إلى الليبرالية، وأنْأَى عن التعادلية.