قانون المحاماة بين القرار الدستوري ومتطلبات الدولة العميقة
تمهيد:
آراء أخرى
لحظة دستورية تتجاوز مشروع قانون المحاماة
لم يعد النقاش حول مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة مجرد خلاف مهني بين الحكومة والمحامين، ولا مجرد نقاش تقني حول شروط الولوج إلى المهنة أو حدود الاختصاص أو النظام التأديبي، كما لم يعد القرار رقم 277/26 م.د الصادر عن المحكمة الدستورية بتاريخ 10 غشت 2026 مجرد محطة إجرائية يمكن تجاوزها بتصحيح وثيقة أو استكمال إجراء. فالقرار، بما انتهى إليه من تعذر البت في الإحالة، أعاد المشروع إلى دائرة أوسع من مجرد الرقابة الدستورية السابقة، وفتح من جديد السؤال حول الطريقة التي تنتج بها الدولة قوانينها، وحول العلاقة بين الحكومة والبرلمان ومهنة المحاماة، وحول موقع الدفاع داخل منظومة العدالة، وحول قدرة الدولة على إنتاج تشريع مهني يحظى في آن واحد بالشرعية الدستورية والمؤسساتية والمجتمعية. ولذلك فإن اختزال القرار في عبارة «المحكمة رفضت الطعن» لا يستقيم مع طبيعته، كما أن القول إن المحكمة «حكمت بدستورية القانون» لا يجد له أساساً في منطوق القرار؛ فالمحكمة لم تدخل في جوهر المقتضيات الموضوعية للمشروع، ولم تفصل في مدى دستورية المواد التي أثارت اعتراضات مهنية وحقوقية، كما أنها لم تمنح النص شهادة مطابقة للدستور، وفي المقابل لا يصح اعتبار القرار إسقاطاً نهائياً للمشروع، وإنما هو قرار جعل ممارسة الرقابة الدستورية متعذرة في ظل الخلل الذي شاب الإحالة والنص موضوعها. غير أن المفارقة السياسية والمؤسساتية تكمن في أن هذا العطب الإجرائي، بدل أن يغلق الملف، أعاده إلى نقطة أكثر حساسية: نقطة المسار الذي أنتج التشريع نفسه. وهنا تتجاوز المسألة المحكمة الدستورية، لأن السؤال لم يعد فقط: كيف نصحح الإحالة؟ وإنما أصبح: كيف نضمن ألا يتكرر مثل هذا الخلل؟ وكيف نرفع جودة الحكامة التشريعية؟ وهل ستكتفي المؤسسات بإصلاح الوثيقة وإعادة المشروع إلى المسار نفسه، أم أن اللحظة تفرض إعادة فتح الملف برمته؟ فالأزمة لم تبدأ أمام المحكمة الدستورية؛ لقد سبقتها أزمة ثقة بين الحكومة ومهنة المحاماة، وخلافات حول طبيعة المقاربة التشاركية، وأسئلة حول مضمون المشروع وفلسفته، ومخاوف من أن يؤدي بعض مقتضياته إلى إعادة ترتيب موقع الدفاع داخل منظومة العدالة. ومن ثم فإن إصلاح الإحالة قد يعالج العطب الإجرائي، لكنه لا يعالج بالضرورة أزمة الثقة التي سبقت الإحالة. وهنا يصبح السؤال المركزي: هل نريد فقط إنقاذ مشروع قانون المحاماة، أم نريد إنقاذ مسار إصلاح العدالة نفسه؟
المحور الأول: القرار 277/26 وأزمة الحكامة التشريعية — من سلامة الإحالة إلى سلامة إنتاج القانون
إن القراءة القانونية الدقيقة للقرار تفرض التمييز بين سلامة الإحالة والرقابة الموضوعية على النص. فالمحكمة الدستورية لا تستطيع أن تفصل في دستورية نص غير محدد بصورة تسمح بالمقارنة الدقيقة بين مقتضياته وأحكام الدستور، ولذلك فإن تعذر البت لا يعني رفض الاعتراضات الموضوعية، كما لا يعني دستورية المشروع. لكن القيمة الحقيقية للقرار تكمن في أنه كشف هشاشة محتملة في إحدى حلقات إنتاج التشريع، وجعل سلامة المسار التشريعي جزءاً من النقاش العام. ففي الدولة الدستورية لا توجد إجراءات صغيرة عندما تتصل بممارسة اختصاص مؤسسة دستورية؛ فالنسخة النهائية، وتحديد النص موضوع الرقابة، وسلامة الإحالة، والتطابق بين النص الذي صادق عليه البرلمان والنص الذي يحال إلى المحكمة، كلها عناصر تدخل في منظومة الشرعية الدستورية. ولهذا ينبغي أن تتحول الواقعة إلى مناسبة لإعادة النظر في الحكامة التشريعية، من خلال إقرار آلية مؤسساتية دقيقة لتدقيق النصوص النهائية قبل إحالتها، وضمان التوثيق الكامل لمراحل اعتمادها، وإيجاد نظام لتتبع التعديلات التي تطرأ عليها، حتى لا تتحول أخطاء تقنية إلى عوائق أمام الرقابة الدستورية. لكن إصلاح الحكامة التشريعية لا يمكن أن يتوقف عند الوثيقة، فالتشريع الجيد لا يولد لحظة التصويت فقط، وإنما يبدأ منذ مرحلة الإعداد، ويمر بالحوار والتشاور والصياغة والمناقشة والتعديل، ثم يصل إلى التصويت والرقابة الدستورية عند الاقتضاء. ومن هنا تكتسب المقاربة التشاركية قيمتها، فالتشاركية لا تعني أن تكون للمهنة سلطة فيتو على البرلمان، ولا تعني أن تتحول الحكومة إلى مجرد منفذ لمطالب الفاعلين المهنيين، وإنما تعني أن أصحاب المصلحة يجب أن يكونوا شركاء في صناعة الحل، وأن تكون التعديلات الجوهرية مفهومة ومعللة وقابلة للتتبع، وأن لا يتحول الحوار إلى مجرد وسيلة لامتصاص الاحتقان. وفي حالة المحاماة تكتسب هذه المسألة أهمية استثنائية، لأن المحامي ليس مهنياً عادياً يخضع لتنظيم إداري محض، بل هو أحد مكونات منظومة العدالة، وقانون مهنته يؤثر مباشرة في حق المواطن في الدفاع وفي استقلال القضاء وفي التوازن بين الاتهام والدفاع. ولذلك فإن الدرس الأول من القرار 277/26 ينبغي أن يكون واضحاً: لا يكفي إصلاح الوثيقة التي تصل إلى المحكمة، بل يجب إصلاح البيئة المؤسساتية التي تنتج الوثيقة.
المحور الثاني: قانون المحاماة وسؤال موقع الدفاع داخل الدولة — من تنظيم مهنة إلى إعادة ترتيب ميزان العدالة
إذا تجاوزنا الجانب الإجرائي وانتقلنا إلى جوهر الأزمة، سنجد أن الخلاف لا يتعلق في الحقيقة بعدد من المواد المتفرقة، وإنما بتصور أعمق لوظيفة المحاماة وموقعها داخل الدولة. فالمحامي هو الشخص الذي يقف إلى جانب المواطن عندما يدخل هذا الأخير في مواجهة مع منظومة تمتلك الدولة فيها أجهزة الشرطة القضائية والنيابة العامة وأدوات التحقيق والخبرة العلمية والوسائل التقنية وقواعد البيانات والقدرة المتزايدة على إنتاج الأدلة الرقمية وتحليلها. ومن هنا فإن السؤال ليس: هل نريد محاماة قوية؟ بل: هل تستطيع الدولة الحديثة أن تحقق عدالة متوازنة من دون دفاع قوي؟ الجواب في منطق دولة القانون هو النفي. فاستقلال المحاماة ليس امتيازاً لفئة مهنية، وإنما ضمانة للمواطن. وحماية المحامي أثناء ممارسة وظيفته ليست حماية لشخص المحامي فقط، بل حماية للحق الذي يمثله. والمواطن الذي يواجه الدولة يحتاج إلى دفاع يستطيع أن يناقش الأدلة، ويفحص الإجراءات، ويطعن في مشروعيتها، ويواجه الخبرة، ويناقش الاعترافات، ويفحص الأدلة الرقمية، ويمارس حقه في التعبير والمرافعة دون أن يتحول استعماله المشروع لوظيفته إلى مصدر للخوف أو الضغط. وفي المقابل، فإن استقلال المحاماة لا يمكن أن يعني الإفلات من المسؤولية؛ فالمطلوب هو معادلة دقيقة تجمع بين الاستقلال والمسؤولية، وبين حرية الدفاع واحترام القضاء، وبين الحماية المهنية والمساءلة عن التجاوزات الحقيقية، مع ضمان أن تكون آليات المساءلة نفسها مستقلة وعادلة وألا تتحول إلى وسيلة لتقييد الدفاع. وهنا تبرز أهمية النظر إلى التجارب الدولية، فالمنظومة الدولية لم تعد تتعامل مع استقلال المحاماة باعتباره مطلباً مهنياً هامشياً، بل باعتباره أحد شروط سيادة القانون والوصول إلى العدالة، وقد تطور هذا الاتجاه بصورة لافتة مع اعتماد مجلس أوروبا سنة 2025 اتفاقية دولية مخصصة لحماية مهنة المحاماة، تتناول ممارسة المهنة وحقوق المحامين وحرية التعبير والتأديب وحماية الجمعيات المهنية واستقلالها. وهذه التطورات تحمل رسالة واضحة: المعيار الدولي يتحرك باتجاه تحصين استقلال الدفاع، لا إضعافه. ولا يعني ذلك استنساخ التجارب الأجنبية، وإنما يعني أن أي إصلاح وطني للمحاماة ينبغي أن ينظر إلى الاتجاهات الحديثة في حماية المهنة وأن يضع القانون المغربي داخل أفق دولي متطور، لا داخل تصور ضيق للمهنة باعتبارها مجرد نشاط مهني يحتاج إلى مزيد من التنظيم الإداري.
المحور الثالث: المحاكمة بلا دفاع وقوة الاتهام — حين يصبح الدفاع شرطاً لقوة العدالة
من هنا تتصل قضية قانون المحاماة مباشرة بالإشكال الذي أثارته المحاكمة في غياب الدفاع، وبالنقاش المتعلق بحضور المحامي في المادة الجنائية وبالحق الدستوري في الدفاع والمحاكمة العادلة. فالدفاع ليس إجراءً شكلياً يضاف إلى الملف لإكمال صورته، وإنما هو أحد العناصر التي تجعل المحاكمة محاكمة عادلة بالفعل. عندما يواجه المتهم سلطة اتهام تمتلك أجهزة الدولة ووسائل التحقيق والخبرة والأدلة التقنية، فإن غياب الدفاع الفعلي قد يحول المحاكمة إلى مواجهة غير متكافئة. ولهذا تطور الاجتهاد الدولي والمقارن نحو اعتبار حضور المحامي ضمانة فعلية، وهو ما يتجلى في اجتهاد المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضايا مثل Salduz وDayanan وBeuze، وفي اجتهادات قضائية دولية وإقليمية أخرى كرست فعالية الحق في الدفاع وليس مجرد الاعتراف الشكلي به. وهنا تصبح المسألة أكثر خطورة في زمن الأدلة الرقمية والذكاء الاصطناعي؛ فالدفاع اليوم لا يواجه محضراً تقليدياً فقط، وإنما قد يواجه هاتفاً وتسجيلات وبيانات وخوارزميات ومحادثات إلكترونية وسجلات تقنية وخبرات متخصصة، ومن ثم فإن المحامي يحتاج إلى أدوات قانونية وتقنية تمكنه من اختبار الدليل لا مجرد الاطلاع عليه. ولهذا فإن تقوية الدفاع لا تعني تعطيل العدالة، بل تعني تحسينها. وقوة النيابة العامة لا تحتاج إلى دفاع ضعيف؛ قوة الاتهام تحتاج إلى قوة الدفاع، وكلاهما يحتاج إلى قضاء مستقل. فالنيابة العامة القوية التي تعمل أمام دفاع قوي وقضاء مستقل تنتج عدالة أكثر مصداقية، وتقلل من مخاطر الأخطاء، وتحمي الدولة من الأحكام التي قد تنهار بسبب عيوب جوهرية في الإجراءات أو الأدلة. ومن هنا فإن إصلاح قانون المحاماة ينبغي أن يتزامن مع إصلاح منظومة الدفاع الجنائي، وتعزيز المساعدة القضائية، وضمان الحضور الفعلي للمحامي في الحالات التي يوجب فيها القانون ذلك، ومراجعة كل قراءة تجعل غياب الدفاع أمراً قابلاً للتجاوز لمجرد عدم وجود جزاء إجرائي صريح. فالحق الدستوري لا ينبغي أن يقاس فقط بوجود النص، وإنما بمدى فعاليته في الواقع.
المحور الرابع: المحاماة والأمن القانوني والقوة الجيوسياسية للدولة — من قضية مهنية إلى قضية دولة
قد يبدو الربط بين قانون المحاماة والجيوسياسة لأول وهلة مبالغاً فيه، لكنه يصبح منطقياً عندما ننظر إلى التحولات التي يعرفها موقع المغرب إقليمياً ودولياً. فالمغرب يوجد في قلب ملفات كبرى: مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وغسل الأموال والهجرة والجريمة العابرة للحدود والتعاون القضائي والاستثمار والشراكات الاقتصادية والأمنية. وفي كل هذه الملفات أصبحت الثقة في النظام القضائي عنصراً من عناصر التعاون الدولي. فالدولة التي تطلب تسليم شخص أو تنفيذ إنابة قضائية أو التعاون في ملف جنائي عابر للحدود تحتاج إلى أن تكون منظومتها القضائية موضع ثقة لدى شركائها. ومن هنا فإن استقلال القضاء وفعالية الدفاع ليسا شأناً داخلياً صرفاً، إنهما جزء من الصورة الدولية للدولة. وهنا يظهر مفهوم الأمن القانوني؛ فالأمن القانوني يعني أن تكون قواعد الدولة واضحة وقابلة للتوقع، وأن تكون حدود السلطة معروفة، وأن يتمكن المواطن من الطعن في تجاوزاتها، وأن يوجد قضاء قادر على المراقبة ودفاع قادر على المواجهة. ومن ثم فإن حقوق الإنسان والأمن ليسا خصمين. الدولة التي تحمي حقوق الدفاع لا تضعف قدرتها على مكافحة الجريمة، بل تزيد من شرعية تلك القدرة. وفي عالم تتزايد فيه الأدلة الرقمية والتعاون الأمني والقضائي، يصبح الأمن القانوني جزءاً من الأمن الوطني نفسه. وهنا ينبغي أن يعاد تعريف قوة الدولة؛ فالقوة ليست فقط في قدرة الدولة على الاتهام والتحقيق والعقاب، وإنما أيضاً في قدرتها على ضمان أن هذه السلطات تعمل ضمن القانون، وأن قراراتها قابلة للدفاع عنها أمام القضاء وأمام المجتمع وأمام الشركاء الدوليين. ولهذا فإن استقلال المحاماة يمكن أن يكون جزءاً من القوة الناعمة للمغرب، كما يمكن أن يكون الدفاع القوي أحد عناصر الثقة في نظامه القضائي.
المحور الخامس: السيناريوهات بعد القرار 277/26 — من إعادة الإحالة إلى إعادة بناء المسار
بعد القرار 277/26 تبدو أمام الدولة عدة طرق، ولكل واحد منها دلالته السياسية والمؤسساتية. السيناريو الأول هو الاكتفاء بتصحيح الخلل وإعادة الإحالة، وهو السيناريو الأسرع من الناحية الإجرائية، لكنه يفترض ضمنياً أن المشكلة كانت مجرد خلل تقني، بينما الأزمة أوسع من ذلك. والسيناريو الثاني هو إعادة الإحالة بصورة سليمة وترك المحكمة الدستورية تمارس رقابتها الموضوعية، وهذا السيناريو يضمن استكمال الوظيفة الدستورية للمحكمة، لكنه لا يحسم الخلاف السياسي والمهني حول فلسفة المشروع. أما السيناريو الثالث فهو سحب المشروع وإعادة فتح مسار تشريعي جديد، وهذا السيناريو يمكن أن يعيد بناء الثقة إذا ارتبط بحوار حقيقي، لكنه يحتاج إلى مراعاة الوضع القانوني الدقيق للنص بعد القرار وإلى اتخاذ الإجراءات المناسبة داخل المسار التشريعي. والسيناريو الرابع هو الإبقاء على المشروع باعتباره أرضية أولية، لكن إعادة فتحه بصورة جوهرية، مادة مادة، وإخضاعه لحوار مؤسساتي جديد، مع الاستفادة من الملاحظات المهنية والدستورية والحقوقية التي أثيرت خلال مساره. أما السيناريو الخامس، وهو الأكثر جرأة ونضجاً، فهو تحويل الأزمة من أزمة قانون للمحاماة إلى ورش وطني لإصلاح العدالة، بحيث يصبح قانون المهنة جزءاً من إصلاح أوسع يشمل المسطرة الجنائية والمساعدة القضائية والإثبات الرقمي واستقلال الدفاع والعلاقة بين مختلف مكونات منظومة العدالة. وهذا هو السيناريو الأكثر قدرة على إنتاج حل مستدام، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تنتصر المسطرة ويخسر الإصلاح. قد تصحح الوثيقة، وقد تتم الإحالة، وقد تمر الرقابة الدستورية، لكن إذا بقيت أزمة الثقة قائمة فإن الاحتقان سيعود في صورة أخرى. ولهذا ينبغي أن يكون السؤال السياسي الحقيقي: هل نريد إنقاذ المشروع، أم نريد إنقاذ الثقة في التشريع؟ والجواب الثاني هو الأكثر أهمية.
المحور السادس: التوصيات — من تدبير الأزمة إلى بناء عقد جديد حول العدالة
إن الخروج من الأزمة لا ينبغي أن يتم بمنطق احتواء الاحتجاج، وإنما بمنطق بناء إصلاح مستدام، ولذلك فإن المطلوب هو الانتقال من معالجة العطب الإجرائي إلى إعادة بناء المسار برمته. ويقتضي ذلك أولاً فتح حوار مؤسساتي جديد حول قانون المحاماة، ليس بوصفه تنازلاً من الدولة أو انتصاراً للمهنة، وإنما باعتباره استثماراً في جودة التشريع، على أن يكون الحوار موثقاً ومعللاً ويشارك فيه ممثلو الحكومة والبرلمان وهيئات المحامين والجامعة والخبراء والحقوقيون. ويقتضي ثانياً إجراء مراجعة شاملة للمشروع قبل إعادة إحالته، بحيث لا يقتصر الأمر على إصلاح الخلل الذي كشفه القرار 277/26، وإنما يشمل فلسفة المشروع ومدى انسجامه مع الدستور ومبادئ المساواة والاستقلال والتناسب والضرورة وحماية الحقوق المكتسبة. ويقتضي ثالثاً وضع آلية دائمة لتدقيق النصوص التشريعية والإحالات الدستورية تضمن التطابق بين النسخة التي صادق عليها البرلمان والنص الذي تتم إحالته إلى المحكمة الدستورية، وتمنع تكرار مثل هذا الخلل. ويقتضي رابعاً إعادة تعريف استقلال المحاماة باعتباره ضمانة للمتقاضي، مع الجمع بين الاستقلال والمسؤولية وإقرار ضمانات قوية للمحامي أثناء ممارسة وظيفته، خصوصاً في المرافعة والتعبير والاتصال بالموكل وحماية السر المهني. ويقتضي خامساً إصلاح منظومة التأديب المهني بما يضمن استقلالها وفعاليتها وحق الدفاع فيها، ويمنع في الوقت نفسه تحويل الاستقلال إلى حصانة من المسؤولية. ويقتضي سادساً تعزيز الحق الفعلي في الدفاع في المادة الجنائية، بحيث لا يصبح حضور المحامي مجرد إجراء شكلي، مع تطوير منظومة المساعدة القضائية حتى لا يتحول الفقر إلى عائق أمام ممارسة حق دستوري. ويقتضي سابعاً إعداد إطار تشريعي متكامل للأدلة الرقمية والذكاء الاصطناعي يضمن للدفاع حق الاطلاع والمناقشة والطعن في مصدر الدليل وسلامة استخراجه وسلسلة حيازته وموثوقيته التقنية. ويقتضي ثامناً اعتماد المعايير الدولية الحديثة لاستقلال المحاماة، بما في ذلك مبادئ الأمم المتحدة بشأن دور المحامين والاستفادة من التطور الدولي الحديث في هذا المجال، ولا سيما الاتجاه الأوروبي نحو حماية المهنة على المستوى الدولي الملزم. ويقتضي تاسعاً ربط إصلاح قانون المحاماة بإصلاح العدالة الجنائية، لأن إصلاح المهنة بمعزل عن المسطرة الجنائية والمساعدة القضائية وقواعد الإثبات والعلاقة بين النيابة العامة والدفاع سيبقى إصلاحاً جزئياً. ويقتضي عاشراً إحداث مرصد وطني للعدالة وسيادة القانون يضم قضاة ومحامين وأساتذة جامعيين وخبراء في حقوق الإنسان والقانون الدولي والتكنولوجيا، يتولى رصد التشريع والاجتهاد القضائي وحقوق الدفاع واقتراح الإصلاحات قبل أن تتحول الاختلالات إلى أزمات. ويقتضي حادي عشر إقرار تقييم مسبق لأثر التشريعات على الحقوق والحريات والأمن القانوني، بحيث لا تمر التشريعات الحساسة فقط عبر الحسابات السياسية والأغلبية البرلمانية، وإنما تخضع أيضاً لاختبار مؤسساتي لمدى تأثيرها على العدالة وحقوق الإنسان. ويقتضي ثاني عشر بناء ترافع وطني ودولي علمي ومنهجي لا يكتفي برفض المشروع، وإنما يقدم بدائل تشريعية قابلة للتنفيذ ويربط كل مقترح بالدستور والاتفاقيات الدولية والاجتهاد المقارن والمعايير المهنية. ويقتضي ثالث عشر جعل الحوار حول العدالة حواراً دائماً لا ظرفياً، حتى لا تضطر الدولة والمهنة إلى الحوار فقط عندما تصل الأزمة إلى الاحتجاج أو المحكمة الدستورية. ويقتضي رابع عشر إدماج إصلاح العدالة في الرؤية الاستراتيجية للدولة، باعتبار القضاء المستقل والدفاع الفعال والأمن القانوني عناصر من عناصر القوة المؤسساتية والقوة الناعمة للمغرب، وليس مجرد ملفات مهنية داخلية. ويقتضي خامس عشر اعتماد مبدأ عدم التراجع عن الضمانات القانونية الأكثر حماية، حتى لا تتحول عملية تحديث القانون إلى مناسبة لتقليص مستوى الحماية الذي راكمته المنظومة القانونية والقضائية. ويقتضي سادس عشر إنشاء منصة وطنية للخبرة المقارنة في العدالة تتابع التطورات التشريعية والقضائية في الدول المقارنة، ولا سيما التجارب الأوروبية والإفريقية والعربية، حتى لا يتم إصلاح المهنة بمنطق محلي مغلق عن التحولات الدولية. والأهم من كل هذه التوصيات اعتماد قاعدة سياسية ومؤسساتية بسيطة: لا ينبغي أن يكون الهدف هو تمرير قانون المحاماة، وإنما إنتاج قانون قادر على الاستمرار.
خاتمة:
إصلاح الإحالة أم إصلاح المسار؟ في النهاية، فإن القرار 277/26 وضع الدولة أمام اختبار يتجاوز مشروع قانون المحاماة نفسه. يمكن تصحيح الإحالة والعودة إلى المسار السابق، ويمكن إعادة إنتاج المشروع مع تعديلات محدودة، ويمكن انتظار الرقابة الدستورية ثم اعتبار الملف منتهياً، لكن هذه الخيارات قد تعالج العطب الظاهر دون أن تعالج جذور الأزمة. أما الخيار الأكثر جرأة فهو اعتبار القرار فرصة لإعادة بناء الثقة، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومهنة المحاماة، وبين الاتهام والدفاع، وبين الأمن وحقوق الإنسان، وبين السلطة والقانون. فالقضاء لا يصبح أقوى بإضعاف الدفاع، والنيابة العامة لا تصبح أكثر فعالية عندما يكون المحامي أضعف، والدولة لا تصبح أكثر أمناً عندما تتراجع ضمانات المحاكمة العادلة، بل إن المعادلة المعاكسة هي التي أثبتها منطق دولة القانون: كلما كانت الدولة قوية، وجب أن تكون ضمانات الدفاع أقوى؛ وكلما ازدادت وسائل الاتهام تطوراً، وجب أن تتطور معها أدوات الدفاع؛ وكلما اتسعت سلطة الدولة، ازدادت الحاجة إلى قضاء مستقل ورقابة دستورية فعالة. ومن هنا فإن استقلال المحاماة ليس مطلباً فئوياً، وإنما هو جزء من الأمن القانوني، والأمن القانوني جزء من قوة الدولة، والقوة القانونية والمؤسساتية أصبحت اليوم جزءاً من القوة الجيوسياسية للدول. لذلك فإن القرار 277/26 قد يكون، paradoxically، بداية فرصة تاريخية: إما أن نصلح الورقة ونعود إلى الطريق نفسه، وإما أن نصلح الطريق كله. إصلاح الإحالة يعيد المشروع إلى المحكمة، أما إصلاح المسار فيعيد الثقة إلى العدالة. والرهان الحقيقي لم يعد فقط على إصدار قانون جديد للمحاماة، وإنما على بناء عقد مؤسساتي جديد حول وظيفة الدفاع داخل دولة القانون؛ عقد يجعل من استقلال المحاماة وفعالية الدفاع واستقلال القضاء وقوة النيابة العامة وجودة التشريع والرقابة الدستورية واحترام الالتزامات الدولية حلقات متكاملة في مشروع واحد هو مشروع عدالة قوية، ودولة قوية، ومواطن محمي بالقانون.
محامي بهيئة المحامين بطنجة
