عبد الحي المودن يشرح كيف تحولت أمريكا من القوة الناعمة إلى السيطرة المفترسة
قال عبد الحي المودن، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس، إن المرحلة الحالية التي تعيشها الولايات المتحدة الأمريكية في ظل الولاية الثانية لدونالد ترامب تمثل لحظة أزمة عميقة لليبرالية الأمريكية، موضحا أن ما يجري اليوم لا يتعلق فقط بصراع سياسي عادي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بل بمحاولة «إعادة النظر في المقومات الفلسفية القانونية للدستور الأمريكي فيما يتعلق بالنظام السياسي الأمريكي».
خلال مداخلة ألقاها بمؤسسة عبد الرحيم بوعبيد حول كيفية فهم النظام الأمريكي في ضوء الأحداث الراهنة، على أن ما يميز هذه المرحلة هو «هيمنة نفس الحزب ونفس التيار السياسي المحافظ» على مختلف المؤسسات، معتبرا أن هذا التيار يتجه نحو «النيوليبرالية» التي تدفع إلى تقليص تدخل الدولة وتخفيض الضرائب بشكل غير مسبوق، إلى جانب صعود ما سماه «الألتر كونسرفاتيزم» أو المحافظة الجديدة التي تركز على «الهويات الدينية والتقاليد والمجتمع الأصيل».
وأضاف أن هذا التيار المحافظ يعتبر أن «المجتمع الأبيض البروتستانتي أصبح ضحية للتعددية الثقافية»، وأن العولمة التي كان ينظر إليها سابقا باعتبارها أداة لهيمنة الليبرالية الأمريكية تحولت في نظر المحافظين إلى خطر على المصالح الأمريكية بسبب ما أنتجته من هجرات وتعدد ثقافي، مؤكدا أن الضرائب الجمركية التي يتحدث عنها ترامب «أصبحت هي الأداة التي يوظفها اليمين الجديد أو اليمين البديل لكي يحصر العولمة»، وأن «منع الهجرة أو حصر الهجرة بشكل همجي في الولايات المتحدة أصبح أيضا الوسيلة التي تعبئ لهذا اليمين المتطرف أو اليمين الجديد الذي لم يعد يؤمن بإيجابيات التعددية».
واعتبر المودن أن التحول الذي عرفته السياسة الخارجية الأمريكية في عهد ترامب يتمثل في التخلي عن لغة حقوق الإنسان والقوة الناعمة، قائلا إن «هذه اللغة اندثرت بشكل نهائي وأصبح التدخل سافرا بدون الحاجة إلى تبرير على أساس مبادئ ليبرالية أو على أساس أي مبادئ».
واستحضر في هذا السياق مقالا نشرته مجلة “فورين أفيرز” حول ما وصفه بـ«الهيمنة المفترسة»، موضحا أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى «استغلال موقع واشنطن المميز للحصول على تنازلات وتقديم الجزية وإظهار الاحترام من الحلفاء والخصوم مع السعي لتحقيق مكاسب قصيرة الأجل». وأضاف: «أنا أفضل استعمال السيطرة المفترسة لأن الهيمنة كما درسنا عند غرامشي تتضمن أيضا جانبا من الإقناع، لكن السيطرة المفترسة ربما هي الوصف الأقرب للسياسة التي تتابعها أمريكا حاليا».
“كان الحزب الديمقراطي يجادل أو يخلق بعض المشاكل للاختيارات والسياسة المغربية فيما يتعلق بمسألة الصحراء”
وأفاد المودن بأن فهم النظام الأمريكي لا يمكن أن يتم فقط عبر متابعة الأحداث الراهنة المتقلبة، بل ينبغي قراءته في ضوء تطوراته التاريخية والفكرية، قائلا إن الأحداث الحالية «تتقلب بشكل بالغ لدرجة لا نعرفها»، متسائلا عما يمكن أن يحدث بخصوص إيران أو قرارات المحكمة العليا الأمريكية المتعلقة بالجنسية.
وكشف أن المغرب لم يول اهتماما كبيرا بأمريكا في العقود الماضية، لأن قراءة الولايات المتحدة كانت تتم أساسا من خلال مفهوم «الإمبريالية»، وهو المفهوم الذي ظل سائدا حتى سقوط الاتحاد السوفيتي، حيث كان التركيز موجها نحو السياسة الخارجية الأمريكية دون الاهتمام بما يجري داخل المجتمع الأمريكي أو داخل السياسة الداخلية الأمريكية.
وأضاف أن الفكر السياسي المغربي كان يعتبر أن «ليس هناك فرق في التناوب الذي يحدث داخل السلطة الأمريكية بين التيارين الرئيسيين»، ولذلك لم تكن السياسة الداخلية الأمريكية تثير اهتماما كبيرا باستثناء قضية الصحراء، حيث كان الاعتقاد السائد أن الحزب الجمهوري المحافظ «أكثر تفهما لمواقف المغرب»، بينما كان الحزب الديمقراطي «يجادل أو يخلق بعض المشاكل للاختيارات والسياسة المغربية فيما يتعلق بمسألة الصحراء».
وأوضح المودن أن التحول الذي حدث بعد سقوط الاتحاد السوفيتي تمثل في انتقال المقاربة المغربية لأمريكا من مفهوم الإمبريالية إلى استعمال مفاهيم ذات مضمون ليبرالي قوي، خاصة مفاهيم حقوق الإنسان، مشيرا إلى أن حتى التيارات اليسارية المغربية تبنت هذه المفاهيم «بدون أن تعترف بأنها ليبرالية»، لأن الليبرالية ما تزال تحمل دلالة سلبية داخل الثقافة السياسية المغربية.
وقال إن الليبرالية كما تفهم في المغرب تختلف جذريا عن الليبرالية كما توظف في السياق الأمريكي، موضحا أن الليبرالية الأمريكية «أقرب إلى فهم اليسار في السياسة الأوروبية». وأضاف أن الإطار العام للسياسة الأمريكية هو الليبرالية باعتبارها واحدة من بين ثلاث إيديولوجيات كبرى في الفكر الحديث إلى جانب الفاشية والشيوعية، قبل أن يضيف إليها التيار الأصولي الذي برز بقوة بعد الثورة الإيرانية. وشدد على أن الليبرالية الأمريكية قامت أساسا على «معاداة الاستبداد السياسي»، وأن هذا كان منطلق الثورة الأمريكية التي أدت إلى إسقاط الملكية في الولايات المتحدة.
وأكد المودن أن الليبرالية الأمريكية لا يمكن اختزالها فقط في الليبرالية الاقتصادية، بل تقوم أيضا على الحرية الفردية والتعددية، موضحا أن الحرية الفردية تعني «حرية التعبير والتنظيم»، بينما تعني حرية السوق الرأسمالية. وأضاف أن الفكر السياسي المغربي ظل يركز على الليبرالية الاقتصادية باعتبارها التعبير الواضح عن الليبرالية، بينما لم يمنح اهتماما كبيرا للحريات الفردية، مرجعا ذلك إلى التأثر بالأطروحات الماركسية التي كانت تعتبر أن الحريات لا يمكن أن تتحقق بدون مساواة اقتصادية. وأشار إلى أن هذا التأثير أدى إلى غياب التمييز بين الليبرالية السياسية والليبرالية الاقتصادية في فهم السياق الأمريكي.
وشدد الباحث على أن التحول الكبير في الليبرالية السياسية الأمريكية بدأ خلال ثلاثينيات القرن العشرين بعد الأزمة الاقتصادية الكبرى، حيث أدى عهد فرانكلين روزفلت إلى تبني سياسة “النيو ديل” القائمة على تدخل الدولة لتصحيح الأزمة الاقتصادية وإنقاذ النظام الرأسمالي الأمريكي. وقال إن هذه السياسة قامت على «فرض الضرائب وإعادة التوزيع وتوفير الخدمات الاجتماعية»، وإن هذا التصور هو الذي منح الليبرالية الأمريكية معناها الحديث.
وأضاف أن الليبراليين في الولايات المتحدة هم أساسا الذين ينتمون إلى مدرسة روزفلت، وأن الليبرالية الأمريكية أصبحت مرتبطة بالبحث عن «كيفية توفير الخدمات الضرورية التي تساعد على خلق مساواة نسبية داخل المجتمع». وأوضح أن الذين يركزون فقط على الأطروحات الفلسفية دون الانتباه إلى السياسات المتبعة يغفلون أن «السياسات المتبعة هي التي تلعب الدور الأساسي في هذه الاختيارات»، بينما تأتي التنظيرات الفلسفية لاحقا لتبريرها.
وفي هذا السياق استحضر المودن الفيلسوف الأمريكي جون رولز، صاحب “نظرية العدالة”، موضحا أن رولز حاول تعريف الليبرالية السياسية باعتبارها السياسات التي تسعى إلى تحقيق العدالة «ليس عن طريق مواقف أخلاقية أو دينية ولكن عن طريق البحث عن كيفية خلق مساواة أو توفير الشروط الضرورية للمساواة بين الأفراد». وأضاف أن هؤلاء الأفراد «يمكنهم أن يتنافسوا وأن يختلفوا ولكن في إطار الأطروحة التي قدمها رولز».
وأكد أن التنافس بين الليبراليين والمحافظين شكل المحور الأساسي لتطور السياسة الأمريكية منذ ثلاثينيات القرن الماضي إلى اليوم، موضحا أن المحافظين كانوا يسعون دائما إلى الحد من تدخل الدولة باعتبار أن السوق هو الذي يضمن التقدم الاقتصادي، وأن تدخل الدولة في تصحيح التفاوت الاجتماعي يمثل خرقا لمبدأ الحرية الاقتصادية. وأضاف أن المحافظين أصبحوا يعتبرون أن تدخل الدولة «يهدد الأسس الرئيسية للنظام الأمريكي الحر».
قضية الإجهاض كانت من أكثر القضايا التي فجرت الاستقطاب بين التيارين الليبرالي والمحافظ داخل الولايات المتحدة
وأوضح المودن أن هذا التنافس بين الليبراليين والمحافظين هو جوهر التنافس بين الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري، مشيرا إلى أن فهم السياسة الأمريكية لا ينبغي أن يقتصر فقط على التناوب على الرئاسة، بل يجب أن يشمل أيضا التناوب داخل المؤسسات التشريعية والولايات والسلطات المحلية. وأضاف أن المحافظين ركزوا بشكل كبير على المؤسسات المنتخبة المحلية وعلى انتخابات مجلس النواب، بينما ركز الليبراليون على القضاء والمحاكم باعتبارها المؤسسات القادرة على الدفاع عن قيم المساواة والحريات الفردية. وقال إن الليبراليين اعتبروا أن القضاة، بسبب تعاطفهم مع التصور الليبرالي، «سيكونون هم الحصن الذي سيدافع عن مطالب الليبراليين».
وأشار المودن إلى أن قضية الإجهاض كانت من أكثر القضايا التي فجرت الاستقطاب بين التيارين الليبرالي والمحافظ داخل الولايات المتحدة، موضحا أن النقاش كان يدور حول ما إذا كانت الأولوية يجب أن تكون «للحرية الفردية للمرأة في أن تختار هل تمارس الإجهاض أم لا»، أم أن هذه الحرية يجب أن تبقى مقيدة بالتقاليد الدينية والمحافظة.
وأضاف أن المحافظين والجمهوريين يعتبرون أن الحريات الفردية يجب أن تتوقف عندما تتعارض مع «التقاليد المتوارثة المحافظة والتي أحد ركائزها الدين». وأكد أن حكم المحكمة العليا لصالح الحق في الإجهاض أدى إلى تعميق الاستقطاب داخل المجتمع الأمريكي، إلى درجة أصبح الحديث فيها عن «تيارين أمريكيين يصطدمان من زوايا مختلفة وحول قضايا متعددة مرتبطة بالخيارات الفردية والهويات السياسية».
وذكر المودن أن الفيلسوف الإنجليزي جون غراي وصف الليبراليين الأمريكيين بأنهم «الليفياتانيون الجدد» لأنهم أصبحوا يلجؤون إلى الدولة رغم أن الليبرالية التقليدية كانت تقوم على تقليص دور الدولة. وأوضح أن الليبراليين يلجؤون إلى الدولة عن طريق المحاكم، بينما يلجأ المحافظون إلى الدولة عن طريق المؤسسات المنتخبة والانتخابات. واعتبر أن صعود ترامب في ولايته الثانية أوصل الليبرالية الأمريكية إلى «مرحلة جديدة من الأزمات»، موضحا أن الأزمة الحالية تختلف عن الأزمات السابقة لأنها تتعلق مباشرة بمحاولة إعادة صياغة الأسس القانونية والفلسفية للنظام الأمريكي.
وكشف المودن أن التحولات التي عرفها المجتمع الأمريكي يمكن فهمها أيضا من خلال تجربته الشخصية الطويلة مع الولايات المتحدة منذ سنة 1971، حين التحق بها كتلميذ في الثانوية. وقال إنه عندما عاد إلى ولاية مينيسوتا بعد عقود، إثر حادث مقتل جورج فلويد، انتبه إلى أن الجريمة وقعت «في حي لا يبعد إلا بحوالي عشر دقائق مشيا عن المنزل الذي كنت أسكنه عندما ذهبت إلى الولايات المتحدة لأول مرة». وأضاف أن الانطباع الذي كان سائدا لديه في شبابه أنه «لم يكن ينتبه على الإطلاق إلى أي إشارات لمعاداة الأقليات أو لمعاداة العرب والمسلمين». لكنه عاد ليتساءل: «هل كانت هناك عنصرية لم أنتبه إليها؟ هل كان هناك توجه نحو معاداة الأجانب لم نكن ننتبه إليه؟ أم أن هذا التوجه جديد؟».
التدخل الأمريكي أصبح مباشرا وصريحا دون الحاجة إلى أي تبرير أخلاقي أو حقوقي
وأوضح المودن أن المجتمع الأمريكي كان يعرف نوعا من الفصل غير المرئي، مشيرا إلى أنه عندما كان يدرس في مينيسوتا لم يكن هناك في مدرسته سوى ثلاثة تلاميذ غير بيض، بينما كان السود يعيشون في أحياء أخرى. وقال إن «التقسيم الجغرافي للمدينة كان يخلق أبارتايد بشكل غير مرئي». وأضاف أن سياسات نقل التلاميذ من الأحياء الفقيرة إلى مدارس الطبقة الوسطى التي فرضتها الدولة الأمريكية لاحقا ساهمت في خلق معاداة للدولة لدى بعض الفئات البيضاء، لأن الدولة أصبحت تفرض نوعا من التنوع السوسيولوجي داخل المدارس. وأشار أيضا إلى أن موجة الهجرة الصومالية إلى مينيسوتا أدت إلى تحولات سوسيولوجية عميقة، وإلى بروز شخصيات سياسية من أصول صومالية داخل الحزب الديمقراطي تدافع عن الليبرالية الأمريكية.
وفي حديثه عن السياسة الخارجية الأمريكية، شدد المودن على أن الولايات المتحدة كانت في السابق تعتمد على القوة الناعمة وخطاب حقوق الإنسان لتبرير تدخلاتها الخارجية، مستحضرا التدخل العسكري في كوسوفو والحروب في العراق وأفغانستان التي كانت تقدم باعتبارها «حروبا ضد الإرهاب». لكنه أكد أن هذا الخطاب اختفى اليوم بشكل كامل، وأن التدخل الأمريكي أصبح مباشرا وصريحا دون الحاجة إلى أي تبرير أخلاقي أو حقوقي. وأضاف أن ما يحدث اليوم يمثل تحولا من منطق الهيمنة الناعمة إلى منطق «السيطرة المفترسة» التي تسعى فقط إلى تحقيق المكاسب دون أي تنازلات.
وأوضح المودن أن مستقبل هذه المرحلة ما يزال غير واضح، لكنه اعتبر أن قراءة التاريخ الأمريكي تسمح بالقول إن هذه المرحلة «لن تكون مرحلة دائمة»، لأن الديناميات الداخلية والخارجية يمكن أن تدفع نحو التغيير. وأشار إلى الانتخابات الجزئية المقبلة في الولايات المتحدة باعتبارها مؤشرا على إمكانية تراجع التوجه الترامبي إذا تمكنت التيارات الليبرالية أو المعارضة لما سماه «السيطرة المفترسة» من تحقيق نتائج مهمة.
كما اعتبر أن انتخاب مامداني عمدة لنيويورك يمثل إشارة سياسية مثيرة، خصوصا أنه «مسلم وينتصر في نيويورك عاصمة الجالية اليهودية في العالم ويتخذ مواقف انطلاقا من مبادئ اشتراكية». وأضاف أن والده محمود مامداني كان مرجعا في الكتابات الماركسية، وأن هذا الانتصار يطرح تساؤلات حول ما إذا كان يمثل توجها جديدا داخل المجتمع الأمريكي أم مجرد حالة استثنائية.
وختم المودن مداخلته بالتساؤل حول ما إذا كانت هزيمة حلفاء ترامب في بعض الدول، مثل هنغاريا، يمكن أن تشكل مؤشرا على تحول عالمي في مواجهة هذا النموذج المحافظ الجديد، أم أنها مجرد حالات استثنائية ستواجه بردود فعل أمريكية مضادة. وأكد أن الإجابة عن هذه الأسئلة ستتضح مستقبلا تبعا للتفاعلات التي ستخلقها السياسات الأمريكية داخليا وخارجيا، مشددا على أن فهم الولايات المتحدة يقتضي دائما ربط الأحداث الراهنة بسياقاتها التاريخية والفكرية العميقة.
