جمال المحافظ

الثورة البلشفية: انتهاء مرحلة وبداية مرحلة أخرى بأفق مغاير

lakome2.com
لكم

مرت مائة سنة على اندلاع الثورة السوفياتية سنة 1917، وهي المناسبة التي تكاد لا تلقى أي اهتمام من لدن مكونات  المجتمع الروسي، فلا الساحة الحمراء بوسط موسكو التي تحتفظ بضريح  فلاديمير لينين، تعطى لزوارها الانطباع، بأنها كانت والى زمن قريب قبل انهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1991، فضاء  لاحتضان احتفالات ضخمة واستعراضات عسكرية ومدنية كبرى بمناسبة ” ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى” .

آراء أخرى

ففي صباح الخامس من أكتوبر الجاري الساعة العاشرة، ورغم برودة الجو وهطول المطر، كانابضعة سياح غالبيتهم الكبرى ينتمون الىبلاد ماو تسىتونغ أتوا جماعات وفرادى للوقوف و” الترحم” على صاحب نظرية الماركسية اللينينيةربما للوقوف أمام لحد قبر ملهم قادتهممنذ الزعيم ماو الى شى جين بينغ الرئيس الصيني الحالي.

فباستثناء مواطنة روسية طاعنة في السن كانت تحمل وردة حمراء،يظهر  من ملامحها ولباسها الذي الشبيه بالزي العسكري انها لازالت تمنى النفس وتراهن بانبعاث جديد لثورة منسية، ورجل شاب روسيكانا من القلائل الذين هبوا هذا الصباح الممطر لأخد مكانه في طابور مدخل الضريح مرفوقا بطفلته، والذى حرص على اطلاعها على أسماء قادة البلاشفة والسوفيات بدءا منهممن جوزيف ستالين مرورا بنيكيتا خروتشوف الىليونيد بريجنيفواندرىانتروبوف وانتهاء بقسطنطين شرنينكوالذين اصطفوا في نصب تذكارية ببذل عسكرية في ” الحديقة الخلفية” لضريح فلاديمير لينين الذى يرقد في أمان، بعد ان ” أدى رسالته الاممية” ورحل قبل أن يبلغ الخمسين من العمر.

لم تعد لنظرية الصراع الطبقي ولمبدأ ديكتاتورية الطبقة العاملة ولا للحزب الشيوعي ولالمقولة ” الدين أفيون الشعوب” البريق الذى كانت في عقول الحالمين بالثورة ليس فقط في الجمهوريات السوفياتية السابقة رابطة الدول المستقلة حاليا ولكن في بقية بلدان العالم، فبالأحرى أن تلقى من يدافع عنها، كما كان الى وقت قريب،وهي المبادئ التي لو قدر الى لينين ان ينبعث من جديد، وشاهد بأم عينييه تحولات المجتمع الروسي في الزمن الراهن، لأعاد حساباته وتقييم نظرياته، واستعاضها بمقاربات تتلاءم مع تحولات المجتمع فيدرالية روسيا، المنبهر بثقافة “الفاست فود”.

وعلى يمين ضريح لينين يوجد الكرملين مقر الرئاسة الروسية، فعلى خلاف ضعف زوار رموز ومواقع المرحلة السوفياتية بالساحة الحمراء، فان الاقبال كان كبيرا من لدن السياح الاجانب من مختلف الجنسيات والقارات على مآثر رموز عهد القياصرةمن القصور والكنائس التي اعيد ترميمها وتحويلها الى فضاءات للعبادة بعد ان كانت قد أصبحت خلال المرحلة السوفياتية فضاءات لممارسة الرياضة ومقرات ادارية وثقافية. 

ويبدو أن التوجه العام الحالي ينحو  الى إعلاء شأن الكنيسة المسيحية الأرثوذكسية التي استعادت قوتها ومكانتها في أفئدة وعقول الروس، وابراز التحالفالوثيق الذى كان لرهبانها وقساوسها مع القياصرة الذين أعادتالسلطات السياسية الجديدة الاعتبار إليحقبتهم والتشبث بالتقاليد والقيم المحافظة.

ويلاحظ أنه لم يتم الاقتصار فقط د على الاقتصار على إعادة الاعتبار الى الرموز الدينية والحقبة القيصرية، بل الى عظماء الثقافة والأدب والفنالروسي من قبيل ألكسندر بوشكين، ليف تولستوي وأنطوان تشيخوفوديستوفسكي. 

فلم تعد الساحة الحمراء بموسكو المدينة التي يعود تاريختشييدها الى ما يقارب 1000 سنة، وتبلغ مساحتها 2500 كلم، تغطىالغابات والحدائق بها نحو 1800كلم، بمفردهاتستقطب السياح، فان العاصمة الروسية “روما الثالثة”و” مدينة الحجارة البيضاء”و”مدينة القباب الذهبية” الاسماء التي كانت لموسكو خلال حقب متباعدة، فانه بإمكان هواة السياحة الثقافية،ان يزوروا المتاحف التي أقيمت لأشهر الادباء الرموز الفكرية والموسيقية ، والمسارح الأثرية كالبولشوي الذى لازالت تعرضبه حفلات الباليه والسمفونيات العالمية الشهيرة مثل «بحيرة البجع»، و«الأميرة النائمة»، و«كسارة البندق» التي أبدعها تشايكوفسكي.

وعلى الرغم سحب السلطات الروسية صبغة العيد الوطني على ذكرى الثورة منذ 2005، بعد ان تم استبدالهباسم “يوم الوفاق والمصالحة ” سنة 1996،فإن الاحتفال بهذه الذكرى، أصبح مقتصرا على الحزب الشيوعي الروسي الذى أضحى يقتصر دوره على تأثيث المشهد السياسي، إذ  تشكل هذه الذكرى بالنسبة له مناسبة لاستحضار الارث السوفياتي البائد، وذلك بتنظيم أنشطة متنوعةتستحضر تاريخ البلاشفة الذين تمكنوا بقيادة لينين في 25 أكتوبر 1917، من اقامة نظام شيوعي، انهار سنة 1991.

ويلاحظ أن الذكرى المئوية للثورة الروسية كانت غائبة في برامج القنوات التلفزيونية الرئيسية، وفي مختلف وسائل الاعلام التي كانت الى عهد قريب، تقوم بالبرابغانداللقيادة السوفياتية لتركيز دعائم المجتمع الشيوعي، باعتبار أن الصحافة خلال تلك الحقبة،  حسب لينين، كان يتعين ان تكون ” مربيا ومحركا ومنظما” للمجتمع.

فسواء حضرت ” ذكرى ثورة 1917 ” في الواقع الروسي، أماصبحت فقط رهينة المخيال الروسي، فان نقاشاعموميا ينبغي أن تفتتحه مختلف الحساسيات السياسية والفكرية والثقافية والأكاديمية حول إشكالية إعادة قراءة وكتابة تاريخ روسيا، بأفق علمي تغيب فيه الايديولوجيا والانتصار لمرحلة دون أخرى، يتم خلال هدا الحوار المجتمعي استحضار كافة الحقب والمحطات التي مرت منها البلاد بسلبياتها وايجابياتها، بهدف تمكين الشباب الروسي من تملك تاريخه الذى يتعين أن يكون ضمن المقررات المدرسية والجامعية والبحث العلمي.

اذن قررت روسيا الجديدة تحت قيادة فلاديمير بوتينزعيمها الجديد بطل رياضة الجيدوتناسي مرحلة الشيوعية بايجابياتهاوسلبياتها، وجعلها اختصاصا للمؤرخين، والتوجه بدل ذلك نحو المستقبل واقتصاد السوق، بهدف استعادة مكانة روسيا التي فقدت بريقها بعد انحلال الاتحاد السوفياتي، وبعدها مرحلة الرئيس السابق بوريس يلتسين خلال في بداية تسعينات القرن الماضي. 

  • المقال التالي

    الآن

    يُمكنكم تحميل تطبيقنا الرسمي

    الآن يُمكنكم تحميل تطبيق موقع "لكم" المزيد +