إحتفالات إسبانيا في عيدها الوطني بعد اكتشاف العالم الجديد 1492
فى الثاني عشر من شهر اكتوبر من عام 1492 الذي صادف سقوط آخر معاقل الإسلام فى الاندلس مدينة غرناطة وصل البحّار المغامر “كريستوفر كولومبوس” إلى ( القارة الأمريكية) البِكر الذي أطلق عليه فيما بعد بالعالم الجديد ، رست مراكبُه الشراعية الثلاثة في سواحل جزيرة غواناهاني(الباهاماس)، حصل ذلك عندما صاح أحدُ البحّارة من مرافقي كولومبوس وهو Rodrigo de Triana ” رودريغو دي تريانا” بأعلى صوته من على حيزُوم سفينة “لا بينتا” ( La Pinta) :” الأرض..الأرض تبدو في الأفق ! (Tierra. Tierra a la vista)..
آراء أخرى
عن نفس ذلك اليوم وهو 12 أكتوبر أصبحت اسبانيا تطلق عليه يوم الأسبنة Dia de la Hispanidad وأصبحت تعتبره عيداً وطنياً لها حيث طفقت فيه في نشر وذيوع وتأصيل ثقافتها ولغتها ودينها في هذا الصّقع النائي من العالم الذي يوجد وراء بحر الظلمات، ومنذ ذلك التاريخ أضيفت قارة جديدة إلى خريطة العالم .
وفي يوم 12 من شهر اكتوبر الجاري من العام الحالي 2026 تكون قد مرّت 534 عاماً على ذكرى هذا الإكتشاف التاريخي المثير ، وقد اقترنت هذه الذكرى باسم البحّار المغامر كريستوفر كولومبُوس الجِنْوِي ( نسبةً إلى مدينة جِنوَة الإيطالية) ، مثلما اقترن فتح الأندلس 711 م بالبطل طارق بن زيّاد، وبعد انصرام هذه القرون، تقف القارة الأمريكية محاولة إسترجاع أنفاسها، وإلتئام جروحها الغائرة، وتضميد جسدها الواهن المكلوم مستحضرةً أفظع مظاهر الظلم والظلام والإستعباد والإستبداد، وأبشع أمارات التعسّف التي عامل بها الغزاة الأوروبّيون البيض سكان البلدان الأصليّين لهذه القارة ناهيك عن تدميرهم لمآثرها ومعالمها العمرانية وحرق كتبها ولثروات الطبيعة ، والبيئة، والكنوز الحضارية المتوارثة الضاربة فى القِدم لدى أصحاب هذه الارض .
ماذا يقول المؤرّخون والدّارسون عن هذا الغزو المُجحِف ؟
تصدّى غير قليل من الباحثين والدارسين سواء فى اسبانيا او خارجها الى الجرائم التي ارتكبها الاسبان فى حقّ تلك الشعوب بعد غزوهم لبلدانهم ونهب وسلب خيراتهم وانتقدوا المظالم والمآسي التي حاقت ولحقت بهذه الشعوب ، وفى هذا السياق يرى الباحث البوليفي “فيكتور هيغو كارديناس” : “أنّ الاحتفالات التي يقيمها الاسبان هذا التاريخ احتفاء بهذا الحدث ليست سوى نقطة سوداء، ووصمة عار على جبين البشرية، فهو وبكلّ المقاييس تسجيل لتاريخ الغزو، والهلاك، وبداية حقبة استعمارية حالكة للقارة الأمريكية الجنوبية، فهذا الحدث – في نظره – جلب معه جحافل الجنود، والمغامرين، والتجّار الإسبان، والبرتغاليين، كما جلب الموتَ والدمارَ للملايين من أبناء الشعوب والقبائل الأصلية التي نشأت، وترعرعت، وعاشت على أراضي وجزر القارة الأمريكية منذ عهود سحيقة من التاريخ، تضافُ إلى تلك المظالم أنواع شتّى من ألوان القمع، والذلّ، والمهانة التي لحقت بأبناء الأجيال التي تمكّنت من النجاة من مقاصل، ومشانق، وسيوف، ومدافع، وأنفاط الغزاة الجدد البيض”، ويشير نفس الباحث: “أنّ هناك ما بين 60 و 70 مليون هندي من السكّان الأصليين ممّن قطنوا، وسكنوا الأراضي الشاسعة الممتدّة من ألاسكا إلى أطراف القارة اللاّتينية الجنوبية تمّت إبادة معظمهم بمختلف وسائل القمع، والاضطهاد، والوحشية التي لم تعرف البشرية مثيلاً لها من قبل، في تلك المذابح الجماعية التي بدأت منذ وصول الغزاة الأوائل ضدّ السكّان الأصليين. أمّا أبناء القبائل الذين تمكّنوا من الفرار والنفاذ بجلدهم بعيدًا عن تلك المذابح مثل قبائل “اليانونامي” في البرازيل، وقبائل “اللاّكاندون” في المكسيك فقد تعرّضوا لعمليات المطاردة، والطرد والمتابعة إلى أطراف هذين البلدين ليقيموا فيها تجمّعاتهم السكّانية بعد أن سلبوا كافة حقوقهم كمواطنين، وبنفس النمط الذي تحيا به قبائل الهنود في مناطق الشمال والوسط والجنوب من القارة اللاّتينية الجنوبية ما فتئ يعصف بهم الفقر، والعوز، والخصاصة، ويسحقهم البؤس والتعاسة والتهميش”.
ويضيف “فيكتور كارديناس”: ‘إنّه من المُحزن، والمُؤسف أن نشهد اليوم مساحات شاسعة من أراضي القارة الأمريكية، والجزر المحيطة بها وقد تحوّلت إلى أراضٍ جرداء خالية من مظاهر الحياة الطبيعية أو البشرية من على ظهرها. ولو عاد كريستوبال كولومبوس إلى الحياة من جديد بعد تلك القرون الخمسة العِجاف فلن يستطيع التعرّف على ذلك العالم الجديد الخلاّب الذي وصفه في دفاتر يومياته بالأراضي الخصبة المليئة بالغابات الكثيفة ، والبحيرات الواسعة الصّافية، والأغصان المورقة التي تنوء بثمارها من فواكه لم يعرفها الإنسانُ الأوروبيّ من قبل.. واليوم بعد أن دمّر الغزاة أبرزَ وأجملَ مظاهر الطبيعة التي وصفها كولومبوس في مذكّراته، أصبحت معظم المناطق جرداء قاحلة مثلما حدث في جزر هايتي، كما دُمّرت في السّلفادور مساحات واسعة من غاباتها، وأدغالها.. وحيثما توجد مناطق مزروعة بالغابات الآن لا تخلو فيها شجرة واحدة من أمراض الخواء التي أصابت تجاويفها الداخلية، وهي الظاهرة التي تشهدها الغابات في مختلف مناطق قبائل “لاكاندون” في المكسيك على سبيل المثال وفى سواها من مناطق هذه القارّة المترامية الاطراف”.
ويرى الباحث البوليفي “خايمي باث ثامورا” من جهته : ” أنّ تاريخ القرون الخمسة الماضية، أيّ منذ أن هبط كريستوبال كولومبوس على أرض العالم الجديد يشكّل أبرز نقاط التحوّل والدّمار في تاريخ البيئة على ظهر كوكب الأرض، كما أنّ ضحايا تلك الاكتشافات وما صاحبها من تظلّم وقسوة بالغين ما إنفكّوا يتساقطون بالملايين حتّى الآن، رغم أنه في المقابل وفي أعين الشعوب الأوروبية المعاصرة هي عندهم علامات تحضّر وتمدين، وأمارات إشراق وتنوير بما يسمّى اكتشافهم المجحف للقارّة الأمريكية الجديدة”.
الثقافات الإسبانية والعربيّة والهنديّة الأصليّة
وتجدر الاشارة فى هذا الصدد ان بعض المؤرّخين المُنصفين في اسبانيا وأمريكا اللاّتينية وفى أوربا ومن العرب والأجانب على حدٍّ سواء يرون أنّه من الاخطاء التي يقع فيها بعض الكتّاب والباحثين في مجال ما يُسمّى باكتشاف العالم الجديد قولُهم – بعد أن أجازُوا مصطلح ” لقاء” بدل ” اكتشاف” للتخفيف من وطأة وثقل ما حدث فى تلك التواريخ من مظالم وتجاوزات – : بأنّ هذا اللقاء كان بين عالمين أو ثقافتين اثنتين وهي الإسبانية والهندية الأصلية ، وهذا حيف بيّن، وخطأ واضح، ومن الإنصاف القول أنّ هذا اللقاء كان فى الواقع بين” ثقافات ثلاث” وهي الأوربية، والأمريكية الأصلية إلى جانب الإرث العربي الزاخر والتأثير العميق للثقافة الإسلامية التي استقدمها معهم الإسبان الذين وفدوا على هذه الديار زرافاتٍ ووحدانا بُعيد الاكتشاف ، يُضاف إلى ذلك الهجرات المتوالية والمتعاقبة التي حدثت فيما بعد بشكلٍ متواتر غير منقطع حيث أطلق على هذه الاراضي المكتشفة بـ” إسبانيا الجديدة” او “العالم الجديد” الذي لم تقم له قائمة سوى على إشعاع وآثار حضارة مزدهرة حتّى وإن صادفت نهايتها السياسية مع بداية الاكتشاف إلاّ أنها كانت لمّا تزلْ قائمةً في مختلف مظاهر الحياة وداخل الأنفس والعقول ذاتها.
أمهر الصُنّاع والمُهندسين والعلماء والمعلّمين
ففي ذلك الإبّان، أي بعد تاريخ 12 إكتوبر 1492 لم تكن الرقعة الجغرافية الإسبانية والبرتغالية خالية من العرب والبربرالأمازيغ المسلمين، فمنهم من استقرّ بهما متخفياً ومنهم من هاجر وفرّ بجلده، وهناك من آثر البقاء متظاهراً باعتناق الكاثوليكية، والذين نجوا وبقوا سُمّوا بالموريسكييّن ، والعديد منهم اعتصموا فى منطقة جبال البشرات ، حيث كان منهم أمهر الصنّاع ، والمهندسين، والعلماء ،والمعلمين،والمهندسين ،(العُرفاء ج. العريف)، وخبراء الرّي والفلاحة،والزراعة والبستنة، بل لقد ظلت مسألة تسيير العديد من المرافق الحيوية في البلاد ليس في الأندلس وحسب بل وفي مناطق أخرى من شبه الجزيرة الإيبيرية خاصة في شمالها الشرقي والغربي (البرتغال) بيد العرب المسلمين.وهناك وثائق تؤكّد هذه الحقائق التاريخية، فكيف والحالة هذه ألاّ يحمل الإسبانُ الذين هاجروا إلى العالم الجديد معهم هذه ” التأثيرات “..؟ بل قد يصل بنا التساؤل والقول بأنّ هناك من المسلمين المغلوبين على أمرهم من هاجر مع أفواج المهاجرين الإسبان، وإلاّ من أين جاءت هذه الدّور ذات الباحات،والساحات، والنافورات العربية التي بنيت في العديد من بلدان أمريكا الجنوبية ..؟ و من أين جاءت هذه الاقبية، والأقواس والعقود والشبابيك والمشربيات العربية ؟ بل والأبعد من ذلك هذه الكنائس التي كانوا يبنونها غداة وصولهم ويظهر فيها الأثر العربي والإسلامي بوضوح ،بل لقد إستعمل بعضهم الخطّ العربي المحتوي على أشعار وحِكم وآيات قرآنية إعتقاداً منهم أنها من علامات الزينة في البيوتات الكبرى ،والقصور في إسبانيا وفى مختلف البلدان الامريكية الجنوبية ، وتعلو وجهَ المرء (العربي) إبتسامة ممزوجة بالرضى والمرارة معاً عندما يجد بعض تلك الأشعار، والآيات القرآنية والحِكَم والمأثورة ، والأقوال المشهورة وقد وُضعت مقلوبة على تلك البلاطات أو الرخامات أوالزلّيج !.
الخاميادة أو الخاميّة (Aljamiada) بمعنى (العجميّة)
أنه كان لهؤلاء الموريسكيين الذين ظلّوا فى الاندلس بعد سقوط غرناطة أدب سرّي كان يطلق عليه بـ ” أدب المنفى داخل الوطن” وهو أدب مؤثّر وبليغ يسمّى باللغة الإسبانية الخاميادة أو الخاميّة (Aljamiada) بمعنى (العجميّة)، وقد أطلق عليه هذا النعت لأنه أدب مكتوب إنطلاقاً من اللغة الإسبانية ولكنه يستعمل حروفا ًعربية، وكان الإسبان من ناحيتهم يطلقون هذا اللفظ على اللغة القشتالية المحرّفة بمزجها بكلمات عربية، وكان يتكلّم بها عرب ،وأمازيغ إسبانيا في آخر عهدهم بالأندلس ،ولمّا خشي الحكّام الكاثوليك على هؤلاء من التكاثر، اواستعادة النفوذ قرّر الملك فيليبّي الثاني ان يصدر ظهيراً مجحفاً أو مرسوماً ظالماً بين1609-1614 بطرد آخر المسلمين من إسبانيا.
ويشير الباحث الإسباني ” لوبث بارالت” : ” أنّ هذا القرار الدرامي الظالم الذي إتّخذه فليبي الثاني كان سبباً في إثارة جدلٍ هائج ما زال يُسمع صداه حتّى اليوم” . وإذا كان هذا يحدث في القرن السابع عشر (1614) أي بعد 122 عاماً من وصول الإسبان إلى ما أطلق عليه ب “العالم الجديد” فإنّ ذلك يدلّ الدلالة القاطعة على أنّ إسبانيا عندما ” إكتشفت” أمريكا كانت لمَّا تزلْ واقعةً تحت التأثيرالعربي الإسلامي، وأن العادات، والتقاليد وغير قليلٍ من الأعراف وفنون المعمار، وأسماء الحِرف، والمهن،والبناء والمعمار، والصناعات ،والإبتكارات، والآلات البحرية، والعسكرية، والفلاحية ،وعشرات الآلاف من المسمّيات كانت عربية أو على الأقل تنحدر من جذرٍ أو أصلٍ أو أثلٍ عربيّ، وهي التي استُعملت في مختلف بلدان أمريكا اللاتينية وظلّت مُستعملة بها ولا تزال موجودة بها إلى يومنا هذا .
ويشير الباحث المكسيكي ” مانويل لوبث دي لا بارّا ” في بحث له طريف تحت عنوان “عام 1492″ عن التأثير العربي في الحياة الإسبانية بشكل عام خلال هذا التاريخ فيقول: ” أن حرب استرجاع غرناطة دامت 11 سنة ،وانتهت بانتصار الملكيْن الكاثوليكييْن ( إسابيلا وفرناندو) في الحمراء في 2 يناير 1492 وكان وضع ذلك حدّا للوجود السياسي العربي الطويل في إسبانيا الذي يرجع إلى 711 م ، إلاّ أنّ الوجود الفعلي للعرب والبربر في شبه الجزيرة الإيبيرية لم ينته عام 1492 ففي غرناطة وحدها كان لمّا يزل يعيش حوال 4 ملايين من السكّان في حين كانت هناك 6 ملايين تتوزّع على باقي إسبانيا والبرتغال ، والقسط الأكبر من هؤلاء السكّان كانوا من العرب والبربر، وكان معظمهم يعمل في الفلاحة،والصناعة ،وتربية المواشي. وكانت لديهم ثروات هائلة من أراض خصبة بفضل علومهم الفلاحية الواسعة ومجهوداتهم، وشاءت الأقدار أو الصّدف أنه في نفس ذلك التاريخ من القرن الخامس عشر بدأ عصر الإكتشافات الجغرافية الكبرى التي أضيفت على اثرها قارة جديدة إلى خريطة العالم بعد رحلة كولومبوس التاريخية حيث انهارت مفاهيم الفلسفة الجغرافية القديمة، ونظراً لقرب ، بل ولتلاقي المسافة الزمنية بين سقوط غرناطة وهذا الإكتشاف (نفس السنة 1492 ) فإنّه لا يمكن بحال من الأحوال النظر إلى اكتشاف أمريكا بمعزلٍ أو بمنأىَ عن التأثيرات العربية الإسلامية التي كانت حديثة العهد، والتي كانت لمّا تزلْ تفعل فعلها واضحاً في المجتمع الإسباني على الرّغم من انهيار الحكم السياسي في الاندلس”
كتاب “الثقافة الثالثة” للكاتبة السّورية الاصل إكرام أنطاكي
ترى الباحثة المكسيكية السورية الأصل الراحلة إكرام أنطاكي في كتاب قيّمٍ لها بعنوان “الثقافة الثالثة” مدى تأثير الحضارة العربية في عملية اكتشاف العالم الجديد.وهي تسمّي أو تصف هذا الجانب المؤثّر بـ ‘الثقافة الثالثة’ وتعني بها الثقافة العربية الإسلامية التي تعتبر من مكوّنات شعوب أمريكا اللاتينية بدون منازع ، وقد تفضلت مشكورة وأهدت لي هذا الكتاب الرّصين مشكورة خلال عملي كقائم بأعمال السفارة المغربية فى المكسيك أوائل التسعينيات من القرن الفارط، حيث كنت قد كتبت عنه مقالاً مطوّلاً فى ذلك التاريخ فى صحيفة ” الشرق الاوسط ” اللندنية.
تقول الباحثة إكرام رحمها الله عن هذا الموضوع بالحرف الواحد: ‘إنّ المكتشفين وصلوا إلى المكسيك (وباقي بلدان هذه القارّة) مستحضرين معهم ثمانية قرون من الوجود العربي والتأثير الإسلامي في إسبانيا، وإنه في كل لحظة كانوا يستعملون الكلمات العربية أو التي هي من أصل عربي وهي ما زالت موجودة ومنتشرة في هذه الربوع إلى الآن’.
وهكذا فإنّ كتاب ‘الثقافة الثالثة’ هو كتاب ثقافة وفن يضمّ العديد من الصّور التي تقدّم الدليل على الغاية من وضعه من غير استعمال خطاب مضخّم ،إنه كتاب يعالج تأثيرالعرب في المكسيك وبالتالي في باقي بلدان امريكا اللاتينية بالخصوص في ميدان المعمارومختلف مظاهر الحياة الاخرى، وتقول المؤلفة في ذلك: ‘الحديث لا ينقطع عن التأثير الإسباني المكسيكي ويكاد لا يذكرون شيئاً عن الجذور الإسلامية العربية التي هي في الواقع أصل هذا التأثير’. وتؤكّد الكاتبة انّ ‘اللقاء’ الذي تمّ لم يكن بين ثقافتين اثنتين وهي الإسبانية والهندية الأصلية وحسب كما يقال من باب الحيف والشطط ، بل كان بين ثقافاتٍ ثلاث مضافاً إليها الثقافة العربية الإسلامية.وترى إكرام أنطاكي أنّ الذين قدِموا من إسبانيا ليستوطنوا المكسيك بعد وصول كولومبوس إلى العالم الجديد كانوا بعيدين عن الحضارة، وكانوا أقرب إلى الوحشية والهمجية، وانّ الجانب المشرق الوحيد الذي جاءوا به معهم هو الإرث العربي الإسلامي، وقد طّعّم التأثير العربي في المكسيك بالهجرات العربية المتوالية التي حدثت فيما بعد حيث استقرّ ت العديد من الأسر العربية المترحّلة في هذا البلد، وما فتئ أولاد وأحفاد هؤلاء يرجعون بأبصارهم وأفئدتهم وضمائرهم إلى ماضيهم وأجدادهم وأوطانهم الأصلية وكلّهم فخر واعتزاز وإعجاب بهذا الماضي العريق.
شهادات عن التأثير الاسلامي فى بلدان امريكا الجنوبية
يشير الباحث المكسيكي “أدالبيرتو ريُّوس” في نفس السّياق: ” أنه من العبث التأكيد على مصطلح ‘لقاء عالمين’ أو ثقافتين إذ تبقى إفريقيا وآسيا بذلك خارج هذا المفهوم وهما شريكان في هذا الموضوع تاريخياً “. ويضيف الباحث: ‘من الصعوبة أن يفهم الإسبان لماذا لا تزال تلهمنا مواضيع الغزو وهم يزعمون أنه ليس لهم أمثال شبيهة بما حدث مع الرّومان والعرب بالنسبة لإسبانيا نفسها، ويجهلون أو يتجاهلون ، أو ينسوْن أو يتناسوْن أنّ التاريخ الذي بدأ منذ خمسمائة سنة له معنى تراجيدي مؤلم في حياتنا”.
ويؤكّد الرّوائي المكسيكي الرّاحل المعروف “كارلوس فوينتيس” من جهته في كتابه “سيرفانتيس أو نقد القراءة” في مجال التأثير العربي والإسلامي في إسبانيا والذي إنتقل بشكل أو بآخر إلى القارة الجديدة : ‘أنه من العُجب أن نتذكّر أن الثقافة الهيلينية وكبار المفكرين الرّومان الضالعين عملياً في المناطق الأوربية إستعادوا مواقعهم، وحفظت أعمالهم بفضل ترجمتها إلى اللغة العربية ،فضلاً عن العديد من الابتكارات العلمية والطبية في الوقت الذي كانت فيه أوربا مريضة ويتمّ علاجها بواسطة التعزيم والرقية والتعويذ والتمائم “. ويضيف: ‘فعن طريق إسبانيا المسلمة أدخلت إلى أوربا وبعدها الى الى القارة الامريكية العديد من أوجه التأثيرات الهندسية المعمارية الموريسكية حيث أصبحت فيما بعد من العناصر المميّزة لخصائص الهندسة القوطية”.
يشير الكاتب الأوروغوائي الشهير الراحل إدواردوغاليانو صاحب (أوردة أمريكا اللاّتينية المفتوحة) : “أنه ليس عيبًا أن يُحْتفَى باكتشاف أمريكا، ولكن ليس من أجل تكريم الملوك الكاثوليك الإسبان الذين أنشأوا محاكمَ التفتيش، والتعذيب، والتقتيل، والتنكيل المعروفين بعدم التسامح، والجهل، بل فليكن هذا الاحتفال تكريمًا لبعض التقاليد الأمريكية القديمة جدًّا، وقيم، وعوائد الأمم التي عشقت الحرية، وتعلقت بالشّرف، والكرامة، وهامت بالطبيعة، إنّ سكّان هذه المناطق من العالم كانوا يعيشون ويعملون جماعات فيما بينهم قبل أن يحدث “الاكتشاف” الذي جاء ولقّنهم الأنانية، والكراهية، والأثَرة، والتشرذم، وحقّ المِلْكية، والجَشَع، وروائع أخرى..! أو أن يكون احتفالاً بهؤلاء الذين جاءوا فاتحين مثل حالة البحّار “غونسالو غيرّيرو” Gonzalo Guerrero الذي ظلّ تائهًا في أرض “المايا”، ثم سرعان ما انخرط في مجتمع الهنود، وتزوّج منهم وكان له أولاد، وعندما علم (المكتشِف) “إيرنان كورjيس” بقصّة ذلك البحّار طلب منه الحضور فرفض، وآثر أن يظلّ مع أهله الجدد، وعائلته وأولاده، ولما كان عام 1536 وبعد معركة طويلة بين هنود المايا والغزاة، وبين العشرات من الجثث ظهر هنديٌّ ملتحٍ، هنديّ ذو جلد أبيض، وقد شقّت جبينه رصاصة غاشمة، لقد كان “غونسالو غيرّيرو” الذي آثر أن يسقط مع مَنْ ارتاح إليهم، وأحسنوا وفادتَه، هذا الرجل هو أوّل غازٍ تمّ غزوُه، وكان هناك آخرون ظلوا في غياهب المجهول، والكتمان، والنسيان.¨
كاتب، وباحث، ومترجم من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية – الأمريكية للآداب والعلوم بوغوطا كولومبيا.
