قرار المحكمة الدستورية بشأن قانون تنظيم مهنة المحاماة: بين صرامة الشكل وواجب حماية الدستور
في مشهد سياسي يعرف تحولات متسارعة، يثير قرار المحكمة الدستورية رقم 26/277 المتعلق بقانون تنظيم مهنة المحاماة، الصادر في 10 أغسطس 2026، إشكالاً يتجاوز، في دلالته، حدود «الخلل الإجرائي» الذي حال دون البت في دستورية القانون. فبحسب منطوق القرار، انتهت المحكمة إلى «تعذر البت»، تأسيساً على «عدم إرفاق الجهة المحيلة لرسالة الإحالة، بنسخة مطابقة لأصل نص القانون المراد مراقبة دستوريته»، وعلى «الاكتفاء بإرفاق رسالة الإحالة بتقرير عن الأعمال التحضيرية للجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين يتضمن مشروع القانون قبل تمام الموافقة عليه».
آراء أخرى
قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، مجرد تطبيق صارم للقواعد المنظمة للإحالة إلى المحكمة الدستورية، وهو أمر يجد، من حيث المبدأ، ما يبرره في طبيعة الرقابة الدستورية ذاتها. فالمحكمة لا تراقب مشاريع القوانين، وإنما تراقب القوانين بعد تمام الموافقة عليها وقبل إصدار الأمر بتنفيذها، بما يفترض أن يكون النص المعروض عليها محدداً ونهائياً وقابلاً للتمييز عن المراحل السابقة من المسطرة التشريعية.
غير أن أهمية القرار لا تكمن في القاعدة الإجرائية في حد ذاتها، وإنما في السؤال الذي يطرحه حول حدود الوظيفة الدستورية للمحكمة: هل يكفي قيام عيب في وثائق الإحالة حتى يصبح هذا العيب حائلاً دون ممارسة الرقابة الدستورية، أم أن المحكمة، باعتبارها هيئة قضائية دستورية مكلفة بضمان سمو الدستور ومطابقة القوانين له، مطالبة، في حدود ما يسمح به الدستور والقانون، بالبحث عن السبل القانونية التي تمكنها من تحديد النص موضوع الرقابة والبت في دستوريته؟
ولفهم هذا الإشكال، لا بد من الوقوف عند طبيعة النقص الذي شاب الإحالة، ومسار تعامل المحكمة معه، ثم مقارنة اجتهادها في هذه النازلة باجتهاد سابق، قبل الانتقال إلى ما يثيره القرار بشأن وظيفة القضاء الدستوري واستقلاليته وسياقه السياسي.
أولاً: هل غاب القانون فعلاً أم غابت فقط الوثيقة التي تثبت صيغته النهائية؟
يقتضي الجواب عن هذا السؤال التمييز بين غياب القانون ذاته وغياب الوثيقة التي تثبت صيغته النهائية. فالإشكال، كما يبدو من قرار المحكمة، لا يتعلق بعدم وجود قانون استكمل مساره التشريعي، وإنما بعدم وجود «نسخة مطابقة للأصل» ضمن الوثائق المرفقة بالإحالة.
وهذا التمييز مهم، لأن المحكمة لا تستطيع ممارسة رقابتها على نص غير محدد أو غير متوفر لديها، إذ يفترض في محل الرقابة أن يكون قائماً ومعلوماً بصورة تسمح بتحديد نطاق الرقابة وممارستها على النص النهائي، لا على مشروع أو صيغة سابقة منه. ومن هذه الزاوية، يجد اشتراط إرفاق الإحالة بالنص النهائي للقانون أساسه في منطق الرقابة الدستورية وفي ضرورة احترام المسطرة التي حددها الدستور والقانون التنظيمي للمحكمة.
غير أن هذا الجواب لا يحسم وحده الإشكال الذي تثيره النازلة. فغياب «النسخة النهائية للقانون» عن ملف الإحالة لا يعني بالضرورة أنها كانت مجهولة أو غير قابلة للتحديد. ومن هنا ينتقل السؤال من وجود القانون إلى مدى إمكان التحقق من صيغته النهائية من خلال الوثائق الرسمية والمعطيات المتاحة للمحكمة.
فإذا كان الأمر يتعلق بمجرد نقص في وثائق الإحالة، فقد يطرح ذلك إمكان تداركه، أما إذا كان غياب النسخة الرسمية يجعل المحكمة عاجزة قانوناً عن تحديد محل الرقابة، فإن «تعذر البت» يصبح نتيجة مختلفة في طبيعتها وأساسها.
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما تطالب المحكمة بـ«نسخة مطابقة للأصل» دون أن يكون واضحاً، من حيث الأساس القانوني، ما إذا كانت هذه النسخة شرطاً لازماً لممارسة المحكمة لاختصاصها. فالفارق مهم بين شرط يفرضه الدستور أو القانون التنظيمي، وبين ممارسة إجرائية قد تكون مفيدة لتنظيم الملف، لكن لا ينبغي أن تتحول، بمجرد العمل بها، إلى شرط إضافي لتعطيل الاختصاص الدستوري، سيما وأن تكريس مثل هذا الشرط اجتهادياً قد لا يقتصر أثره على النازلة الحالية، بل قد يتحول مستقبلاً إلى قيد إجرائي تلتزم به المحكمة نفسها، حتى في الحالات التي تكون فيها الصيغة النهائية للقانون ثابتة بوسائل رسمية أخرى.
وتكتسب المسألة خصوصيتها بالنظر إلى المسار الذي قطعه القانون داخل البرلمان. فإذا كان مجلس المستشارين قد صادق على النص في القراءة الثانية بتاريخ 7 يوليوز 2026، وكان مجلس النواب قد صادق عليه في القراءة الثانية بتاريخ 6 يوليوز 2026، فإن طبيعة المسطرة التشريعية، ولا سيما ما يرتبط بالكلمة النهائية لمجلس النواب، تسمح بتحديد الصيغة التي انتهى إليها المسار البرلماني.
ومن ثم، فإن المسألة لا تبدو مرتبطة بوجود القانون من حيث هو نص تشريعي، وإنما بما إذا كانت الوثائق الرسمية المتوفرة لدى المحكمة تكفي لإثبات الصيغة النهائية التي انتهى إليها المسار التشريعي، أم أن الوثيقة الرسمية المطابقة للأصل تظل، في نظر القانون، شرطاً لا يمكن الاستعاضة عنه بغيرها. وهنا تحديداً يقع الحد الفاصل بين نقص في ملف الإحالة يمكن تداركه وبين نقص يمس محل الرقابة ذاته ويحول دون ممارسة الاختصاص الدستوري.
ثانياً: إذا كانت المحكمة قد تحركت للتحقق من النص، فلماذا انتهت إلى تعذر البت؟
تكتسب هذه المسألة أهميتها من مسار القضية كما تعكسه وثائق القرار نفسه. فالمحكمة لم تتعامل مع الإحالة وكأنها غير موجودة أو تفتقر منذ البداية إلى العناصر التي تسمح بفتح المسطرة، وإنما باشرت مجموعة من الإجراءات، من بينها طلب الملاحظات من الجهات المعنية.
وتزداد أهمية هذه النقطة بالنظر إلى وجود رسالة تحمل توقيع رئيس مجلس النواب، تفيد بتوصل رئاسة المجلس، بتاريخ 13 يوليوز 2026، من المحكمة الدستورية بالقانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، وتطالب بالإدلاء بما يبدو من ملاحظات كتابية.
فإذا كانت المحكمة قد تمكنت من تحديد القانون المحال إليها، وراسلت مجلس النواب بشأنه، وتلقت الملاحظات الكتابية التي أدلى بها أعضاء من مجلسي البرلمان، ورئيس الحكومة، ورئيس مجلس المستشارين، فإن السؤال يطرح حول طبيعة المرحلة التي كانت قد بلغتها المسطرة أمامها.
فهل كانت تسعى إلى استكمال عنصر اعتبرته ضرورياً للبت، أم كانت تقوم بمجرد إجراء تحضيري لا يفترض منه أن يؤدي إلى معالجة نقص في وثائق الإحالة؟
وهنا تبرز مسألة العلاقة بين مسطرة الإحالة والتحقيق فيها. فإذا كانت المحكمة تستطيع، بعد توصلها بالإحالة، أن تطلب توضيحات أو وثائق من الجهات المعنية، فإن السؤال يصبح: ما حدود هذه السلطة؟ وهل تشمل استكمال وثيقة جوهرية غابت عن ملف الإحالة، أم أن اكتشاف غياب النص النهائي يجعل المحكمة ملزمة قانوناً بإنهاء المسطرة؟
لا تكمن أهمية هذا السؤال في افتراض أن المحكمة كانت قادرة بالضرورة على تجاوز النقص، وإنما في تحديد الحدود التي رسمتها هي نفسها لسلطتها الإجرائية. فالمحكمة باشرت إجراءات للتحقق من النص، ثم انتهت إلى أن غيابه يحول دون البت. وبين الأمرين توجد مسألة تستحق التفسير: ما الذي جعل الإجراء الذي بدأته المحكمة لا يقود إلى التحقق من محل الرقابة؟
ثالثاً: لماذا لم تتعامل المحكمة مع نقص الإحالة في قانون المحاماة كما تعاملت معه في قانون المسطرة المدنية؟
هنا تبرز سابقة قانون المسطرة المدنية، وتجعل مسألة اتساق الاجتهاد القضائي مطروحة بقوة. فقد واجهت المحكمة في تلك النازلة وضعاً إجرائياً يتعلق بوثائق الإحالة، ومع ذلك لم تعتبر النقص في الوثيقة مانعاً نهائياً من ممارسة اختصاصها، بل تمكنت من الوصول إلى الصيغة النهائية للنص كما صادق عليه البرلمان، وانتقلت إلى فحص دستوريته.
ولا يعني استحضار هذه السابقة أن المحكمة كانت ملزمة حتماً بتكرار الممارسة نفسها في قضية قانون تنظيم مهنة المحاماة. فقد تكون هناك فوارق واقعية أو إجرائية بين النازلتين تبرر اختلاف النتيجة، سيما أن المحكمة في النازلة الأولى توصلت بمشروع القانون كما وافقت عليه لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين خلال القراءة الثانية، بينما توصلت في النازلة الثانية بتقرير اللجنة نفسها متضمناً مشروع القانون كما وافق عليه مجلس النواب خلال القراءة الثانية. لكن المقارنة تظل ضرورية لاختبار المعيار الذي يحكم سلوك المحكمة عندما تواجه نقصاً في وثائق الإحالة.
ففي قرارها رقم 25/255 الصادر بتاريخ 4 أغسطس 2025، استحضرت المحكمة «الصيغة النهائية للقانون كما صادق عليها مجلس المستشارين في قراءة ثانية»، رغم عدم إرفاقها برسالة إحالة رئيس مجلس النواب. وهذا يثير سؤالاً مشروعاً: إذا كان الوصول إلى الصيغة النهائية للنص ممكناً في تلك النازلة، فما الذي جعل الأمر مختلفاً في قضية قانون تنظيم مهنة المحاماة؟
قد يقال إن المحكمة، في نازلة قانون المسطرة المدنية، تمكنت من الحصول على النص النهائي من جهة الإحالة، بينما لم يتحقق لها الأمر نفسه في نازلة قانون المحاماة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الفرق بين القرارين قد يكون مرتبطاً بحدود ما توصلت به المحكمة فعلاً، لا بموقف مبدئي من الصرامة أو المرونة.
لكن هذا التفسير نفسه يقود إلى سؤال آخر: هل تملك المحكمة أصلاً سلطة طلب الوثائق واستكمال ما ينقص ملف الإحالة، أم أن دورها يظل مقيداً بما تقدمه إليها الجهة المحيلة؟ فإذا كانت لها هذه السلطة، يصبح ضرورياً تفسير سبب عدم الوصول إلى النص النهائي في النازلة الحالية، وإذا لم تكن لها، فإن سابقة المسطرة المدنية تحتاج بدورها إلى تفسير من حيث الأساس القانوني الذي سمح للمحكمة آنذاك بتحديد الصيغة النهائية للنص.
وهكذا، لا تكمن قيمة المقارنة في البحث عن نتيجة متطابقة، وإنما في البحث عن اتساق القاعدة التي تحكم ممارسة المحكمة لاختصاصها الإجرائي.
رابعاً: ماذا قالت الملاحظات التي توصلت بها المحكمة، وهل كان لها أثر في قرارها؟
تكتسب الملاحظات التي توصلت بها المحكمة من الجهات المعنية، من رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين وأعضاء البرلمان، أهمية خاصة بالنظر إلى موقعها في المسطرة والوظيفة التي يمكن أن تكون قد أدتها في تكوين قناعة المحكمة.
فطلب الملاحظات يعني أن المحكمة فتحت المجال أمام الجهات التي يحددها القانون لإبداء مواقفها بشأن الإحالة والقانون موضوع الرقابة، وهو ما يجعل مضمون هذه الملاحظات عنصراً جديراً بالبحث عند محاولة فهم الكيفية التي انتهت بها المحكمة إلى «تعذر البت».
غير أن مضمون هذه الملاحظات لا يمكن افتراضه ما لم يكن منشوراً أو متاحاً. ولذلك ينبغي الحذر من بناء استنتاجات على أساس غير معلوم. فقد تكون قد تضمنت عناصر تساعد على تحديد الوضعية النهائية للنص، وقد تكون، في المقابل، قد أكدت أن الوثائق المتوفرة لا تسمح بالتثبت منها بصورة يقينية. كما قد تكون قد تناولت جوانب أخرى لا علاقة مباشرة لها بالعيب الإجرائي الذي استندت إليه المحكمة.
ولا يستبعد، مع ذلك، أن تكون قد تضمنت معطيات أو اعتبارات من شأنها أن تعزز لدى المحكمة الاقتناع بأن شروط البت في دستورية النص لم تكن متحققة، بما أفضى في نهاية المطاف إلى النتيجة التي انتهت إليها، وهي «تعذر البت». ومن يدري، فقد يكون بعضها قد طالب المحكمة بـ«عدم قبول الإحالة».
وهنا تكمن أهمية هذه الوثائق، ليس لأنها تقدم بالضرورة جواباً جاهزاً عن سبب القرار، وإنما لأنها قد تساعد على تحديد الكيفية التي تطورت بها المسطرة أمام المحكمة. فإذا تضمنت الملاحظات معطيات رسمية حول الصيغة النهائية للقانون، فإن السؤال يصبح: لماذا لم تعتبر المحكمة تلك المعطيات كافية للتحقق من محل الرقابة؟ أما إذا أكدت أن الوثائق المتاحة لا تسمح بذلك، فإنها قد تقدم عنصراً يفسر المسلك الذي انتهت إليه المحكمة.
ومن ثم، فإن الاطلاع على الملاحظات لا ينبغي أن يكون مدخلاً لإثبات موقف مسبق، وإنما وسيلة لفهم القرار في سياقه الإجرائي. فالمهم ليس فقط ماذا قالت هذه الجهات، وإنما ما إذا كان لما قالته أثر في تكوين قناعة المحكمة بشأن إمكان ممارسة اختصاصها.
خامساً: هل «صححت» المحكمة اجتهادها السابق أم انتصرت للصرامة الشكلية؟
قد يكون من المغري تفسير القرار باعتباره انتصاراً للصرامة الشكلية على حساب المرونة التي ظهرت في سابقة المسطرة المدنية، لكن من الممكن أيضاً أن تكون المحكمة، أو الأغلبية داخلها، قد خلصت إلى أن ما سلكته في نازلة المسطرة المدنية لم يكن منسجماً تماماً مع الحدود التي يرسمها الدستور والقانون التنظيمي لاختصاصها، وأن القرار الحالي يمثل نوعاً من إعادة ضبط موقفها السابق وتصحيح للمسار الذي اتخذته من قبل، أكثر مما يمثل مجرد تشدد شكلي.
ولا ينبغي، بالطبع، فهم ذلك باعتباره دليلاً قاطعاً على وجود معسكرين داخل المحكمة، أو صراع شخصي أو مؤسساتي بين «الشكليين» و«اللاشكليين». إنها مجرد طريقة لوصف تحول ظاهري في درجة التشدد تجاه الشكل الإجرائي.
وهنا ينبغي التمييز بين «الشكلانية» بوصفها تمسكاً آلياً بالشكل، وبين احترام الشكل باعتباره ضمانة للشرعية الإجرائية. فالإجراءات الدستورية ليست تفاصيل تقنية منفصلة عن النظام الدستوري، وإنما هي جزء من القواعد التي تحدد كيفية ممارسة السلطة التشريعية والرقابة عليها.
لكن الوجه الآخر للمسألة لا يقل أهمية؛ فلا ينبغي أن تتحول القاعدة الإجرائية إلى غاية مستقلة عن الوظيفة التي أنشئت من أجلها المحكمة، متى كان القانون يسمح لها بتدارك النقص. ولذلك فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كان ينبغي أن تكون المحكمة «شكلانية» أو «غير شكلانية»، وإنما متى تكون الصرامة الشكلية ضمانة للشرعية، ومتى تتحول إلى عائق أمام ممارسة الاختصاص الدستوري؟
ومن حق المحكمة، من حيث المبدأ، أن تطور اجتهادها وأن تتراجع عن موقف سابق إذا تبين لها أن تفسيرها الأول لم يكن دقيقاً أو أن حدود اختصاصها تستوجب فهماً مختلفاً. فالسابقة القضائية ليست صحيحة لمجرد أنها سابقة، كما أن الاجتهاد اللاحق ليس صحيحاً لمجرد أنه لاحق. غير أن مثل هذا التحول يحتاج إلى تعليل يكشف أساسه، حتى يظل تطور الاجتهاد القضائي مفهوماً وقابلاً للتتبع.
سادساً: هل المحكمة الدستورية محكمة قانون فقط أم أنها أيضاً حارسة فعالة للدستور؟
يبدو هذا السؤال، في ضوء ما سبق، نتيجة طبيعية للإشكال الذي أثاره القرار. فإذا كانت المحكمة قد انتهت إلى تعذر البت بسبب نقص في وثائق الإحالة، رغم أنها باشرت إجراءات بشأن القانون المحال إليها وتوصلت بملاحظات الجهات المعنية، فإن الأمر لا يعود متعلقاً فقط بما إذا كانت الوثيقة المطلوبة موجودة أم غير موجودة، وإنما بما إذا كانت وظيفة المحكمة تقتصر على التحقق من استيفاء الإحالة لشروطها، أم تمتد، في حدود القانون، إلى اتخاذ ما يلزم لتمكينها من ممارسة رقابتها الدستورية.
ومن هنا يتجاوز السؤال قضية قانون تنظيم مهنة المحاماة ذاتها، ليتصل بالتصور الذي يحكم وظيفة المحكمة الدستورية في النظام الدستوري المغربي. فالمحكمة لا يمكن اختزالها في جهاز يتحقق من استيفاء الإحالات للشروط والوثائق المطلوبة، كما لا يمكن، في الاتجاه المقابل، تصورها باعتبارها هيئة تبحث دائماً عن الوسائل التي تمكنها من الوصول إلى فحص دستورية القوانين، بصرف النظر عن العيوب التي قد تشوب مسطرة الإحالة.
إن المحكمة الدستورية محكمة قانون، وهي في الوقت نفسه مؤسسة مكلفة بحماية الدستور، والجمع بين الوظيفتين يفرض توازناً دقيقاً: فهي لا تستطيع، بدعوى ضمان فعالية الرقابة الدستورية، أن تتجاوز القواعد التي تحدد اختصاصها أو أن تنشئ لنفسها صلاحيات لم يمنحها إياها الدستور أو القانون التنظيمي، لكنها، متى كان النص يترك لها هامشاً قانونياً في تفسير الإجراءات أو تدارك بعض أوجه النقص، تظل مطالبة بأن تحدد كيفية استعمال هذا الهامش بما ينسجم مع وظيفتها الدستورية.
ولذلك، لا يكفي أن نسأل عما إذا كانت المحكمة قد احترمت الشكل، بل ينبغي أيضاً أن نسأل ما إذا كان هذا الشكل يمثل شرطاً قانونياً لممارسة الاختصاص، أم مجرد وسيلة لإثبات توافر عناصره. والفرق بين الأمرين جوهري: فإذا كان الأمر يتعلق بشرط يفرضه الدستور أو القانون التنظيمي، فلا تملك المحكمة تجاوزه، أما إذا كان يتعلق بوثيقة أو إجراء يمكن تدارك نقصه في حدود ما يسمح به القانون، فإن الامتناع عن استعمال هذه الإمكانية يحتاج بدوره إلى تفسير.
وهنا يتحدد السؤال بصورة أدق: هل تتحرك المحكمة حصراً في حدود الوثائق التي تردها من الجهة المحيلة، بحيث يكون أي نقص فيها حائلاً دون مواصلة النظر، أم أن لها، في حدود ما يسمح به الدستور والقانون التنظيمي، دوراً إيجابياً في التحقق من محل الرقابة واستكمال المعطيات الضرورية لممارسة اختصاصها؟
لا يتعلق الأمر، في نهاية المطاف، بالمفاضلة بين محكمة «شكلانية» وأخرى «وظيفية»، وإنما بتحديد الحدود القانونية للدور الذي يمكن أن تضطلع به المحكمة في كل حالة. ففعالية الرقابة الدستورية لا يمكن أن تكون مبرراً لتجاوز الاختصاص، كما أن احترام الإجراءات لا ينبغي أن يتحول، من حيث الأثر، إلى تعطيل للرقابة إذا كان القانون يتيح إمكانية تدارك العيب.
سابعاً: هل يمكن فصل قرار المحكمة عن سياقه السياسي، وأين تقف استقلالية القضاء الدستوري؟
لا ينبغي إغفال السياق السياسي الذي صدر فيه القرار، خصوصاً وأن الأمر يتعلق بقانون ينظم مهنة المحاماة، وهي مهنة ذات حضور مباشر في منظومة العدالة وفي العلاقة بين المواطن والقضاء والدولة، كما أثار القانون، قبل إحالته على المحكمة، نقاشاً سياسياً ومهنياً واسعاً.
فحتى إذا افترضنا، من باب الاحتياط المنهجي، أن القرار لم يكن له أي دافع سياسي ولم يكن نتيجة لأي ضغط أو تأثير خارجي، فإن ذلك لا يمنع من ملاحظة أن قراراً من هذا النوع، وفي هذا التوقيت تحديداً، سيكون من الصعب عزله عن السياق السياسي الذي أحاط بالقانون.
فقد جاء في لحظة لم يعد فيها الصراع خافياً بين الحزب الذي أحال أحد أعضاء قيادته القانون إلى المحكمة الدستورية، والحزب الذي ينتمي إليه وزير العدل، الذي خاض، طوال مراحل إعداد القانون ومناقشته، معركة سياسية ومهنية واضحة من أجل تمريره، وظل بعد إحالته إلى المحكمة الدستورية يترقب مآله، وهو يأمل ألا تنتهي الرقابة الدستورية إلى إسقاطه.
وليس المقصود من استحضار هذا السياق القول إن المحكمة خضعت بالضرورة لهذا الصراع أو أن قرارها كان قراراً سياسياً محضاً. لكن القضاء الدستوري لا يعمل في فراغ سياسي، والمشكلة في القرارات القضائية ليست فقط ما تقصده المحكمة، وإنما أيضاً ما يمكن أن يفهمه منها الرأي العام، سيما عندما تأتي في سياق سياسي شديد الحساسية.
ولذلك فإن هذا القرار، حتى لو كان سليماً من الناحية القانونية ومحايداً في دوافعه، قد يقرأ سياسياً، وربما يجد من يوظفه سياسياً، وهو ما يجعل عبء التعليل على المحكمة أكبر. بل إن المفارقة أن القرار قد يترك أثراً سياسياً حتى لو لم يكن قراراً سياسياً.
فمجرد أن تنتهي المحكمة إلى اتخاذ قرار بـ«تعذر البت» في قانون كان موضوع مواجهة سياسية ومهنية حادة، في الوقت الذي كان فيه طرف مهني وأطراف سياسية تنتظر من المحكمة أن تحسم في عدم دستوريته، وطرف سياسي آخر يدافع عنه وينتظر بدوره عدم إسقاطه، يجعل نتيجة القرار قابلة، بصورة شبه تلقائية، للدخول في الحسابات والتأويلات السياسية.
ولهذا، فإن المحكمة إذا كانت لا تستطيع منع كل قراءة سياسية لقراراتها، فإنها تستطيع بالمقابل تقليص مجالها من خلال تعليل دقيق ومتماسك يوضح لماذا انتهت إلى النتيجة التي انتهت إليها.
بمعنى آخر، إذا كان السياق السياسي لا يجب أن يستبعد تماماً من قراءة هذا القرار، فإنه لا ينبغي، مع ذلك، أن يتحول إلى تفسير جاهز له. فمجرد تزامن القرار مع صراع سياسي أو توافق نتيجته مع مصلحة أحد أطرافه لا يكفي لإسناده إلى اعتبارات سياسية، مثلما أن افتراض حياد القرار لا يغني عن مساءلة تعليله.
وفي الحالتين معاً، يظل المعيار الذي يمكن الاحتكام إليه هو القرار نفسه: الأساس القانوني الذي أقام عليه تعذر البت، والوقائع الإجرائية التي استند إليها، وكيفية تعامله مع الإمكانات التي كانت متاحة أمام المحكمة، ومدى اتساق هذا التعليل مع اجتهادها السابق.
فالسؤال عن استقلال المحكمة لا ينبغي أن يتحول إلى افتراضات حول نيات أعضائها أو مداولاتهم الداخلية، ومن كان مع ومن كان ضد، وهي أمور تظل خارج نطاق معرفتنا في ظل غياب إمكانية نشر الآراء المخالفة. وإنما يطرح السؤال على مستوى موضوعي: هل يسمح القرار، من خلال تعليله والمعايير التي اعتمدها، برؤية محكمة مستقلة في تطبيق قواعدها، وقابلة في الوقت نفسه للنقد العلمي والقانوني بشأن منطق اجتهادها؟
وهذا هو التحدي الحقيقي. فاستقلال القضاء الدستوري لا يعني إعفاءه من النقد، بل يفترض، على العكس، أن تكون قراراته قابلة للفحص والنقاش وأن تستطيع الصمود أمام النقد القانوني والعلمي. كما أن اختلاف الاجتهاد، في حد ذاته، قد لا يدل على غياب الاستقلالية، وإنما قد يكون نتيجة طبيعية لتطور تفسير الدستور والقانون.
غير أن الانتقال من مسار إلى آخر يجعل وضوح التعليل ضرورياً لإثبات أن الأمر يتعلق بتطور قانوني في الاجتهاد، لا بمجرد اختلاف في المعايير.
على سبيل الختم
قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كان قرار المحكمة الدستورية بشأن قانون تنظيم مهنة المحاماة «صحيحاً» أو «خاطئاً» في نتيجته فقط، وإنما ما إذا كان يقدم معياراً يمكن تعميمه، وما إذا كان هذا المعيار منسجماً مع الدستور والقانون التنظيمي للمحكمة الدستورية ومع ما راكمته المحكمة نفسها من اجتهادات.
فإذا كان غياب النسخة النهائية للقانون عيباً لا يمكن للمحكمة تجاوزه، فإن القرار يكون قد أكد أولوية احترام شروط الإحالة باعتبارها جزءاً من الشرعية الدستورية. وإذا كان بالإمكان قانوناً تدارك هذا النقص، فإن «تعذر البت» يطرح سؤالاً حول مدى لجوء المحكمة إلى أضيق تفسير لسلطتها الإجرائية.
وفي الحالتين معاً، لا يتعلق الأمر بالمطالبة بأن تكون المحكمة «مرنة» أو «صارمة» في ذاتها، وإنما بأن تكون واضحة في معيارها، متسقة في تطبيقه، ومقنعة في تعليل الانتقال من موقف إلى آخر. فحماية الدستور لا تتحقق فقط بإسقاط قانون غير دستوري، وإنما أيضاً ببناء اجتهاد قضائي يجعل حدود الرقابة الدستورية مفهومة ومستقرة وقابلة للتوقع.
ومن هنا، فإن النقاش حول قرار المحكمة الدستورية موضوع هذا التحليل لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد سجال حول نسخة ناقصة أو وثيقة مفقودة، ولا إلى إسقاط سياسي جاهز على قرار صادر عن هيئة قضائية. إنه نقاش حول العلاقة بين الشكل والوظيفة، وبين الاختصاص وحماية الدستور، وبين استقلال القضاء الدستوري واتساق اجتهاده.
وهذه هي القيمة الأهم لهذه الواقعة، ليس لأنها تثبت وحدها أن المحكمة امتنعت عن حماية الدستور، أو «أنكرت الدستور»، كما قالت بعض التحليلات، وليس لأنها تسمح بإسناد القرار إلى حسابات سياسية مفترضة، وإنما لأنها تضع أمامنا سؤالاً أعمق يتعلق بكيفية حماية الدستور من دون أن تتحول الإجراءات المتبعة في هذه الحماية إلى عائق أمامها؟
- أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي
