
جواهر الأطلس النفيسة: أزايكو – التوفيق

تنبني المرجعية الثقافية الأمازيغية على الكثير من الثنائيات والتناقضات التي تؤطر منظومات العيش لدى الأمازيغ على مر العصور، منها ثنائية الجبل والسهل، وثنائية الترحال والاستقرار، وغيرها، إلا أن أهم ثنائية جدلية وأزلية عند الامازيغ هي ثنائية الظل والشمس، وهي جدلية ضبط الأمازيغ نواميسها وميسمها، ونجد هذه الثنائية منتشرة في أغلب مناطق المغرب، على شكل تسميات أمكانية، لدواوير أو لقبائل، أو لأحلاف سياسية، فحين نجد اسم مكان يحمل “أمَالُو“، فلابد أن يكون له مقابل آخر، دوار أو مكان يحمل تسمية “أنَامْر“، أو “أسَامْرْ“، مثل قبائل آيت عطا، التي تتوزع على مجموعات “أسامر” ومجموعات “أمالو“…وقس على ذلك الكثير من المجموعات والمناطق التي تتواجد فيها هذه الثنائية..
آراء أخرى
وهذه ليست مجرد تسمية عابرة، نابعة من تموقع جغرافي للانسان والمكان قبالة الشمس، وإنما هي تُعبر عن مجموعة من الدلالات العميقة، التي لها علاقة بطرائق العيش، ونمط الحياة، وطبيعة المناخ، وطريقة التفكير، وأسلوب الحكم والتدبير، وغيرها. فمنظومة الظل والشمس هي الميزة الأساسية للشخصية المغربية عبر التاريخ. وسنحاول ابراز مميزات هذه الشخصية عن طريق تسليط الأضواء على ملامح “الظل والشمس” في الأطلس الكبير الذي يجسد عمق الهوية المغربية وفرادتها، من خلال الحديث عن مسار شخصيتين مميزتين، تعتبران من بين أفضل ما أنجبه “أطلس درن” في القرن العشرين. ويتعلق الأمر بالمؤرخ الأمازيغي المرحوم “صدقي علي أزايكو” والمؤرخ الأمازيغي الوزير سي “أحمد التوفيق“، أطال الله في عمره. يشتركان في المجال، كلاهما من أبناء أطلس درن، يشتركان في التخصص، علم التاريخ، وتقاسما ذكريات الطفولة ومسار الدراسة، ثم العمل في التدريس بمختلف أسلاكه، لكنهما افترقا في الطريق، واختار كل واحد مساره الفكري والثقافي وفقا لبنية تفكير كل واحد منهما، وهي التي تحدد المواقف والقناعات بناء على التصورات والتقديرات الشخصية، لكن؛ وجبت الإشارة إلى أن هذه البنية تكون في الغالب ناتجة عن ثنائية “أمالو” و أسامر “الظل والشمس“، على اعتبار أن المجال الجغرافي يساهم كثيرا في بناء شخصية الانسان، كما يساهم في البناء الاجتماعي حسب نظرية الفيلسوف “جورج زيمل“، دون أن ننسى المجال يلعب دورا محوريا وحاسما في بناء التاريخ، كتشكل الدول والحفاظ عليها، كما يؤكد ذلك المؤرخ الفرنسي “لوسيان فيفر” في كتابه “الأرض والتطور البشري، مقدمة في جغرافية التاريخ“.
ازداد المؤرخ “صدقي علي أزايكو” (اسمه الأصلي هو “صدقي علي“، أضاف لقب “أزايكو” للتعبير عن هويته الامازيغية وافتخارا بها) سنة 1942 في قرية “إگران تاوينخت“، بجماعة تافينگولت بالسفح الجنوبي لأطلس درن المقابل مع مدينة تارودانت والمنفتح على واد سوس والصحراء، لذلك، فهو معروف بسفح الشمس. انتقل ازايكو من تافينگولت بإقليم تارودانت إلى مدينة مراكش التي بدأ بها مشواره المدرسي، حيث التقى بصديقه “أحمد التوفيق” الذي جاوره في الأقسام الابتدائي والثانوي، ثم انتقل الى الرباط ومنها إلى فرنسا حيث أتم دراسته في جامعة السربون. اشتغل أزايكو في التعليم الجامعي أستاذا للتاريخ بجامعة محمد الخامس ابتداء من سنة 1972، انخرط مبكرا في النضال الجمعوي والثقافي والفكري من أجل الدفاع عن الحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية، وبسبب ذلك؛ اعتقل “صدقي علي أزايكو” في منتصف سنة 1982 وحوكم وسجن لمدة تزيد عن سنة بعد نشر مقال علمي وتاريخي يدافع فيه عن اللغة والثقافة الأمازيغيتين، والمقال موسوم بعنوان: “في سبيل مفهوم حقيقي لثقافتنا الوطنية” المنشور في مجلة أمازيغ بعددها الأول سنة 1981. وفي السجن كتب أزايكو قصائد شعرية عميقة ودالة جدا يطرح فيها قضايا الوجود والهوية والتاريخ والمصير الأمازيغي بنَفَسٍ شعريٍ وفلسفي عميق، وهي القصائد التي جمعها في ديوان شعري سماه “إيزمولن” ثم أصدر ديوان آخر يحمل عنوان “تيميتار“. كما كانت له مؤلفات ودراسات تاريخية مهمة حول تاريخ الأمازيغ وتاريخ الأطلس الكبير، من بينها “تاريخ المغرب أو التأويلات الممكنة” وكتاب ” الإسلام والأمازيغ“، كما عمل أيضا على تحقيق مخطوط “رحلة الوافد” الذي قدم فيه أزايكو، مجهودا علميا كبيرا نظرا لما يمتلكه من معارف دقيقة حول مجال الرحلة وهو “أطلس درن“.
ويعتبر “صدقي علي أزايكو” من بين المؤسسين الحقيقيين والمنظرين للنهضة الأمازيغية المعاصرة في المغرب وشمال إفريقيا، فاعتقاله وسجنه داخل سجن العلو بالرباط، يعد بمثابة الشرارة الأولى للوعي الثقافي والسياسي الأمازيغي، وهو الحدث الذي تزامن مع اندلاع انتفاضة تافسوت ن ايمازيغن/ الربيع الأمازيغي في تيزي وزو بالقبايل… فهو منخرط في الدفاع عن القضية الامازيغية بكل جرأة، بالتفكير والتنظير والتقعيد الأكاديمي خاصة في مجال البحث التاريخي…الذي يعد مدخلا أساسيا وجوهريا في معركة الوعي الأمازيغي. وظل أزايكو منافحا، مدافعا عن الأمازيغية إلى أن توفي سنة 2004. ودفن بمسقط رأسه في سفح الشمس بأطلس درن.
أما أحمد التوفيق، (اسمه الأصلي هو أحمد آيت واحمان قام بتغييره إلى التوفيق حسب ما جاء في سيرته الذاتية) فقد ازداد سنة 1943 بقرية “إمَرِغْنْ” غير بعيد عن مدرسة “تينملل” بحوض نفيس مهد الدولة الموحدية، وبالتالي فهو ابن السفح الشمالي “لأطلس دْرْنْ“، المقابل لمدينة مراكش، أي سفح الظل كما يسميه التوفيق في سيرته الذاتية “طفولة سفح الظل” ويقول فيها : “والقصد بسفح الظل الجهة التي تنظر إلى الشمال الغربي من جبال الأطلس الكبير، حيث توجد قرية إمرغن..”. درس التوفيق في مراكش، ثم في الرباط، حيث أعد رسالته الجامعية حول “إينولتان ” بجامعة محمد الخامس، وهي الرسالة التي أحدث بها التوفيق ثورة حقيقية في كتابة التاريخ المغربي، وخلق بها مدرسة قائمة الذات في كتابة التاريخ. عمل التوفيق في التعليم الابتدائي ثم الجامعي في شعبة التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بين عام 1971 وعام 1989، ثم عين مديرا لمعهد الدراسات الافريقية إلى سنة 1995، وبعدها عين محافظا للخزانة العامة، إلى سنة 2002 حيث عين وزيرا للأوقاف والشؤون الإسلامية، وهو المنصب الذي لازال يشغله إلى اليوم.
سي أحمد التوفيق هو مفكر ومؤرخ وأديب، له عدة مؤلفات في التاريخ والتحقيق والآداب، أهمها دراسة “المجتمع المغربي خلال القرن 19 نموذج إينولتان“، وتحقيق مخطوط “التشوف إلى رجال التصوف” لإبن الزيات، ومخطوط “دعامة اليقين في زعامة المتيقن“، وله مجموعة من الروايات هي “جارات أبي موسى” و “شجيرة حناء وقمر” و“السيل” و“غريبة الحسين” و“واحة تينونا” و“جيران أبي العباس” وسيرة “والد وما ولد” ومقالات ودراسات كثيرة…
اختصرنا كثيرا في مسار العالمين والمؤرخين “صدقي علي أزايكو” و“أحمد التوفيق“، اللذان تجمعهما صداقة متينة وروابط قوية، يقول أحمد التوفيق متحدثا عن علاقته بأزيكو، في تقديمه لكتاب “التاريخ المغربي أو التأويلات الممكنة“: طلب مني السيد حسن أوريد، أكتب تصديرا لهذه المجموعة التي تنشر من أبحاث صديقي الأستاذ علي صدقي أزايكو، طلبا نابعا، على ما يبدو، لا من اعتبارات أكاديمية غرضها الإبراز أو التقويم، بل من حسن ظنه بأنني أقرب الناس إلى المؤلف في بيئة النشأة، وفي المجايلة، وفي التخصص، وفي بعض المعاناة، أمور نبتت منها على مر الأيام أحاسيس زاخرة متبادلة وبث شكوى… معرفتي الخاصة بسيرة علي صدقي في البحث، بعد أن جلسنا معا على مقعد الابتدائي والثانوي وتكوين المعلمين وكلية الآداب.”
هكذا إذن كانت علاقة الصداقة والمجايلة والدراسة والعمل بين أزايكو والتوفيق، لكن الشخصان يختلفان كثيرا، اختلاف حرارة الشمس وبرودة الظل. لا يخفي التوفيق اختلافه مع صدقي علي أزايكو حول طريقة طرح القضية الأمازيغية منذ فترة الثانوية التي جمعتهما في مراكش، حين دخل أزايكو في مشادات كلامية بين أستاذه المصري حول زيارة “جمال عبدالناصر” لمدينة أنفا/ الدارالبيضاء، حيث أعلن أزايكو بشكل قوي داخل الفصل الدراسي رفضه المطلق لأفكار القومية العربية، ودخل في شجار مع أستاذه المصري الذي كان يفتخر برئيسه جمال عبدالناصر.. في سيرته الذاتية يطرح التوفيق المزيد من التفاصيل حول هذه الجوانب التي ظلت غائبة في حياة “صدقي علي أزايكو“، مادام لم تخرج يومياته إلى النشر… فبالرغم من اقتناع احمد التوفيق خلال شبابه ببعض أفكار صديقه أزايكو خاصة حول القضية الأمازيغية إلا أنه ظل متحفظا حول طريقة الدفاع عنها، فالتوفيق يفضل الاشتغال في الظل بعيدا عن الأضواء مخافة من ترصد الأعين والأجهزة، خلاف أزايكو الذي كان يتمتع بالشجاعة والجرأة والشعور بالمسؤولية التاريخية تجاه القضية الأمازيغية، وذلك ما جعله يتعرض للاعتقال والحبس بسبب نشر مقال تاريخي. فأزايكو ظل مقتنعا بضرورة أداء الضريبة عن الدفاع على الأمازيغية في سياق سياسي صعب جدا، يتلعلع فيه الرصاص، وينتشر فيه الاعتقال التعسفي وفُتحت فيه أبواب السجون والمعتقلات السرية أمام المثقفين والنخبة والطلبة…
وظهر هذا الاختلاف بين ازايكو والتوفيق في طبيعة تعاملهما وانخراطهما في العمل الجمعوي الثقافي الأمازيغي الذي ظهر نهاية عقد الستينيات في المغرب، في شخص الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي، فقد كان أزايكو فاعلا ومنخرطا بشكل مباشر في تلك الدينامية الأمازيغية الجمعوية، في حين ظل التوفيق محترزا ومحتشما، يناضل عن الامازيغية في مجال الكتابة والتحقيق التاريخي، دون أن يثير اهتمام أحد…وقد يكون حدث اعتقال صديقه أزايكو سنة 1982 والحكم عليه بالسجن وهو أستاذ جامعي، قد أحدث رجة داخلية لدى أحمد التوفيق، بنى عليها طريقته الخاصة في تصريف مواقفه وتعامله مع الأمازيغية…
اتجه ازايكو إلى الشعر، للتعبير عن فلسفة الوجود الأمازيغي، وأسس مدرسة جديدة في الشعر الأمازيغي المعاصر، فيما اتجه أحمد التوفيق إلى الرواية، للتعبير عن التاريخ المحلي والتحولات المجتمعية بهدوء وتأني، ثم اجتذبته الكتابة الصوفية فيما بعد خاصة بعد تقلده للوزارة، فلم يعد يثير في كتاباته الأدبية مشاكل التاريخ والجبال وغيرها..
أزايكو بالرغم من اعتقاله سنة 1982 ظل صامدا في المواقف والكتابة الجريئة حول قضايا التاريخ والهوية والمشكلة الثقافية، مبتعدا عن الأحزاب والأوساط المخزنية، إلا أن تم تعيينه في المجلس الإداري للمعهد الملكي للثقافة الامازيغية، سنة 2001، كتعبير عن مصالحة بين المخزن والأمازيغية، واعتراف المخزن بكون اعتقاله كان خطأ جسيما في حقه وفي حق الأمازيغ والأمازيغية، ويظهر أن قبول أزايكو التعيين في المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بعد تأسيسه، أملته العديد من العوامل الذاتية والموضوعية المحيطة بأزايكو، على رأسها الوطنية الصادقة التي كان يؤمن بها حسن تفكيره في مستقبل وطنه، واقتناعه الشديد بعدالة القضية الأمازيغية، فهو يفكر في الوطن وأصالته وعراقته في وقت كان أغلب المثقفين المغاربة ومعهم الأحزاب والمخزن، يؤمنون بالايديولوجية الوهمية، التي سببت للمغرب في مصائب كثيرة لازلنا نؤدي فاتورتها الباهظة الثمن، وهي “القومية العربية“. فها هي اليوم هذه الايدويولوجية المشؤومة تتفكك باستمرار حتى في بلدانها الأصلية ولم يعد أحدا في المغرب يريد حتى تذكر أيامها البالية، وهذا معناه أن أزايكو انتصر في معركته التي بدأها وحيدا وبمعية ثلة قليلة من المناضلين الذين يعدون على رؤوس الأصابع…
فصدقي علي أزايكو، ابن الشمس، استعاد التوازن للشخصية المغربية التي كانت تعاني من اختلال كبير جراء أفكار وايديولوجيات ويقينيات فتاكة…. لكن الشمس لا تصنع التوزان وحدها، فلابد لها من الظل؟
ومن سفوح ظل أطلس درن الشمالية، في منبع مهد الموحدين وادي نفيس، خرج معدن الملح الأصيل، بقرية إمريغن، ليعيد الكفة الثانية في توزان الشخصية المغربية، في سنة 2002 حيث عاش المغرب ظروفا صعبة نتيجة انتشار الأفكار الوهابية والسلفية المتشددة، وما أعقبها من الانفجارات الإرهابية في ماي 2003 بالدارالبيضاء، عين المؤرخ أحمد التوفيق وزيرا للأوقاف والشؤون الإسلامية، للإشراف على مشروع اصلاحي ضخم، يتمثل في تدبير الشأن الديني وفق الثوابت المغربية. وهو الورش الذي نجح فيه التوفيق بشكل مبهر، فقد توفق سي أحمد في الحفاظ على الخصوصية المغربية في التدين، والتصدي للأفكار الوافدة المتزمتة والمتطرفة، وهو العارف بأسرار الإسلام الامازيغي الذي ظل معتدلا طيلة قرون، يزاوج بين الشرائع والأعراف الأمازيغية، فهو الدارس لتجربة المرابطين والموحدين والمرينيين، حين كان “المغرب الامبراطوري” يحكم مجالات شاسعة في شمال افريقيا والصحراء والأندلس، بفضل مزج الأُسر الحاكمة لهذه الدول بين الدعوة الدينية/ المذهب، وبين المرجعية الأمازيغية، أو ما يسميه ابن خلدون بفهوم “العصبية“.
إن ما بدأه أزايكو ابن الشمس، بنوع من حرارة السؤال وحدة لغة الشعراء، أكمله صديقه التوفيق ابن الظل، بتوافق لغة الرواة وحكمة المتصوفة، وهما الاثنان، أزايكو والتوفيق، نجحا في استعادة التوازن للشخصية المغربية..
وهو توازن وتكامل بين السفح الجنوبي لأطلس درن، تارودانت، والسفح الشمالي له، مراكش، “فأطلس دْرْنْ” الأطلس الكبير هو دائما صمام أمان للمغرب والمغاربة، بحمولته الثقافية وثقله الحضاري الأمازيغي.