محمد مدني يكتب: انتخابات 2026 في المغرب.. سياق معقد وقواعد متغيرة ونتائج مفتوحة
يضع أستاذ القانون الدستوري سابقاً بجامعة محمد الخامس، محمد مدني، الانتخابات التشريعية المغربية المرتقبة في شتنبر 2026 ضمن سياق سياسي ومؤسساتي واجتماعي شديد التعقيد، داعياً إلى تجاوز القراءة التي تختزلها في مجرد منافسة بين الأحزاب أو في توقعات مسبقة لنتائج الاقتراع.
وفي مداخلة أكاديمية خصّ بها موقع «لكم»، يتناول مدني وظائف الانتخابات والسياق الذي تجري فيه، وقواعد المنافسة وأدوار الدولة والأحزاب وسلوك الناخبين، معتبراً أن فهم العملية الانتخابية يقتضي النظر إلى تفاعل هذه العناصر، بما فيها القواعد القانونية والممارسات السياسية غير المكتوبة.
وتقدم «لكم» المداخلة كاملة، لما تطرحه من قراءة تحليلية للانتخابات المقبلة، وللسياقات والقواعد والفاعلين الذين يساهمون في تشكيل مسارها ومخرجاتها.
وفي ما يلي نص المقال/ المداخلة
# الانتخابات في المغرب .. تخمينات مؤقتة وغير مرتبة حول الوظيفة والسياق
أبدأ هذه التخمينات بالسؤال التالي: “لماذا تصلح الانتخابات؟” تتعدد الأجوبة حول الوظائف التي تؤديها الانتخابات في الدول الحديثة، وسأقتصر في البداية على ثلاثة أجوبة رئيسة:
* الجواب الأول: تمثله فتيحة، وهي ترى أن الانتخابات لا تصلح لأي شيء ولا تأثير لها على الحياة اليومية للمواطنين.
* الجواب الثاني: يطرحه الفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر، يقدم فيه فكرة رئيسية مفادها أن الانتخابات هي بطبيعتها مجرد «فخ للأغبياء» ووهم بورجوازي يجرد المواطنين من سلطتهم الفعلية.
* أما الجواب الثالث: فهو لمواطن متتبع لتطورات الحياة السياسية، يرى أنها مجرد تصديق على اختيار قبلي لرئيس الحكومة المقبلة، ليظهر هذا الخيار أنه نابع من صناديق الاقتراع، ويتم بذلك التحايل على الدستور.
ويبدو، من منظور وظيفي خالص، أن الانتخابات تقوم بعدة وظائف، البعض منها ظاهرة والبعض الآخر كامنة أو خفية.
تعد الانتخابات في النظام السياسي وسيلة من وسائل استقطاب النخب واحتوائها، إضافة إلى كونها طقساً، بالمعنى الأنثروبولوجي، يؤكد مشروعية السلطة الحاكمة ويظهر للجمهور الوطني والدولي أن النظام القائم يستند إلى مبدأ سيادة الأمة وإرادتها.
فضلاً عن كونها أداة من أدوات توزيع السلطة داخل النخبة الحاكمة، تعد أكثر إنصافاً من التعيين.
ومن وظائفها أيضاً تقديم تحفيزات متباينة للتنظيمات السياسية المعارضة التي تسعى إلى الاستفادة من المؤسسات التمثيلية في المنافسة السياسية.
ومن وظائف الانتخابات كذلك أن نتائجها قد تعتمد كمؤشر دال لتحديد مواقع المدافعين عن النظام أو كذلك مواقع المعارضين.
ما هو الفهم المفيد الذي قدمه هذا الوصف المقتضب لمجموعة من الوظائف التي تتولى الانتخابات القيام بها؟
إن الطروحات المختلفة حول وظائف الانتخابات، والتي اقتصرت على بعضها وقدمته بإيجاز، قد تتضمن قسطاً من الصحة، لكنها لا تخلو من عيوب وثغرات منهجية واضحة.
فمن ناحية، تتسم بالعمومية والتجريد، مما يجعلها عاجزة عن الأخذ بعين الاعتبار نوعية الانتخابات المدروسة، ذلك أن الانتخابات الوطنية ليست هي الانتخابات المحلية أو المهنية، وانتخابات أعضاء مجلس النواب تتميز عن انتخابات أعضاء الغرفة الثانية، وتختلف الانتخابات التشريعية عن الانتخابات المتزامنة، أي التشريعية والجهوية والمحلية، كتلك التي أجريت في نفس اليوم في 8 شتنبر 2021.
ولا يمكن أن نضع في نفس الكفة الاقتراعات التي نظمت مباشرة بعد ظهور حركة 20 فبراير واستحقاقات 8 شتنبر التي أجريت أثناء حالة الطوارئ الصحية في ظل جائحة كورونا.
ومن ناحية أخرى، فإن هذه الطروحات الوظيفية تتبنى مقاربة تغفل عاملاً أساسياً في التحليل، ويتعلق الأمر بالسياق الذي تجري فيه الاستحقاقات الانتخابية والذي يؤثر في نتائجها. إذا تجاهلنا السياق، فلن نتمكن من فهم القوى الحقيقية المحركة للأحداث، ونفتقد القدرة على استيعاب ما يطرأ من مفاجآت أو اختراقات مستجدة، كما حدث مثلاً في انتخابات 2015 و2016. كما أننا لن نستطيع التقدم في تفسير النتائج «غير المفهومة» و«غير المنطقية»، كنتائج 8 شتنبر 2021.
فما هو السياق الذي يؤطر الاستحقاقات التشريعية المقبلة، وما هو تأثيره على التوازنات السياسية اللاحقة؟
إن الانتخابات التشريعية لشتنبر 2026 لا تجري في حقل سياسي بكر أو أرض خلاء، بل في حلبة سياسية تتسم بانعدام التوازن الهيكلي بين الفاعلين السياسيين لصالح التشكيلة الملكية ومختلف التنظيمات المرتبطة بها. إن الاقتراع المقبل لن يحدد بشكل مباشر مصير الحكام من الدرجة الأولى، بل يهم بالخصوص الحاكمين من الدرجة الثانية.
لقد أخذ النظام السياسي بالحكم التمثيلي الذي يستند على وجود صنفين من الفاعلين السياسيين، حيث يجمع بين الفاعلين السياديين المستمدين لسلطتهم من خارج المسار الانتخابي، وبين أولئك الذين يمرون عبر صناديق الاقتراع.
ويحكم العلاقة بين الصنفين منطق التداخل والاعتماد المتبادل، ويعني التأثير المتبادل أن فشل، مثلاً، أحزاب مقربة من السلطة أو عدم حصولها على أغلبية يؤثر على الفئة غير المعنية بالانتخاب وعلى النظام ككل، ذلك أن أي نظام حكم، أياً كانت طبيعته، ولو كان وراثياً، يظل بحاجة ماسة إلى أغلبية برلمانية تتيح له إدارة البلاد بأريحية، بغض النظر عن مدى سلامة ونزاهة الآلية التي أفرزت تلك الأغلبية. وهذا ما ستبينه بوضوح انتخابات 2016 والزلزال السياسي الذي أعقبها.
تأسيساً على ما تقدم، يتميز السياق الحالي بجملة من الخصائص نسلط الضوء على أبرزها.
تتجلى أولى هذه الخصائص في استمرار تأثير الإشعاعات التحكيمية للدولة الناتجة عن تطبيق حالة الطوارئ الصحية، فرغم الإعلان عن رفع حالة الطوارئ بشكل رسمي في أواخر فبراير 2023، بقيت الدولة مصرة على فرض وصاية شاملة على المجتمع وضبط كل حركة وسكنة فيه، وتسييج المجال العام وتقليص فضاءات التجمع واللقاء التي كانت موجودة.
ورافق هذه الوصاية الشاملة على المجتمع استسلام جماعي للتنظيمات السياسية المؤثرة.
وكانت المحاولة الوحيدة الجدية للخروج من منطق حالة الطوارئ الصحية هي حراك مجموعة «جيل ز» والاحتجاجات التي قادتها على غلاء المعيشة وتردي خدمات التعليم والصحة، لكنها وئدت في مهدها، وقوبلت بالعنف والمتابعات والأحكام القضائية.
وتكمن إحدى خصائص السياق الحالي في التآكل الملحوظ لدستور 2011 والتراجع عن الوعود التي قدمتها الدولة خلال اللحظة التأسيسية، وتحلل النخب الحاكمة من التزاماتها، خصوصاً تلك المتعلقة ببرلمنة النظام وضمان الحقوق والحريات، وتم تعويض الاحتكام إلى مقتضيات الدستور باستراتيجية التسامح أو التغاضي السياسي.
وبمقتضى هذا المنطق، تضع السلطة السياسية المواطنين والمنظمات السياسية والجمعيات في منطقة رمادية لا تكون فيها أنشطتهم مشروعة تماماً ومحظورة تماماً، وتُدخل الفعل السياسي أو المدني في دائرة اللبس الدستوري، إذ تمنح استراتيجية التسامح السلطات العمومية هامشاً تقديرياً واسعاً لغض الطرف أو الامتناع عن التدخل أو تطبيق القانون كما تؤوله هي.
فبعض الأنشطة يكون مسموحاً بها في بعض المدن أو الجهات وتكون ممنوعة في أخرى. ويمكن أن يرخص لمظاهرات هنا وأن تحظر هناك تبعاً لما تمليه الحسابات الأمنية والتوازنات السياسية الظرفية. وهكذا يُحتفظ بالدستور ككتاب، لكن تطبيق مقتضياته غير مستقر أو انتقائي أو معطل إلى حين.
فضلاً عن ذلك، يتأثر السياق الحالي بعامل إضافي، وهو تفاقم الفجوة بين الدولة والمجتمع كنتيجة لتداعيات توقيع اتفاقية تطبيع العلاقات مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأمريكية وحرب الإبادة التي تلتها، خاصة في أعقاب 7 أكتوبر.
ورغم عدم توفرنا على استطلاعات للرأي دقيقة وموثوق بها، فالملاحظ أن جزءاً مهماً من الرأي العام يعارض الاتفاقية ويتظاهر في الشوارع، في وقت قدرت فيه الدولة أن التوقيع ربح جيوستراتيجي كبير يخدم مصالحها ويسند حل الحكم الذاتي في الصحراء، إلا أن هذه الفجوة، إن تعمقت، قد تؤدي إلى عودة التصور الجماعي الذي كان سائداً في بداية الاستقلال عن الدولة ككيان أجنبي غريب يطفو فوق سطح المجتمع.
ولا نعلم كيف سيؤثر هذا العامل في العملية الاقتراعية، وهل سيعيد الحياة إلى حزب العدالة والتنمية، وكيف ستكون النتائج التي سيحصل عليها مرشحون معروفون بمناهضتهم للتطبيع، وكيف ستتعامل الدولة معهم؟
ومما يطبع المشهد الحالي أيضاً أن الملعب الذي ستقام فيه المنافسة الانتخابية قد تم إعداده وتهيئته سلفاً بشكل لا يسمح للمعارضين الفعليين بالفوز بسهولة.
لقد لجأت النخب الحاكمة إلى مجموعة من الأدوات للتأثير في نتائج الانتخابات التشريعية المقبلة.
من بينها التحكم في موارد الدولة للحفاظ على الوضع القائم وتوفير الشروط للبقاء في السلطة ودعم الأحزاب الموالية لها، ونعلم أن هذا التحكم يكون قوياً في بنية اقتصادية مثل البنية المغربية، حيث تسيطر الدولة على قطاع عام واسع، كما يوجد القطاع الخاص تحت رحمتها لأنه يعتمد على الدعم التمويلي والاستثماري العمومي وعقود الشراكة مع القطاع العام في مشاريع البنية التحتية الكبرى، مثل تحلية مياه البحر ومشاريع الطاقة المتجددة، إلخ.
وبما أن الانتخابات التشريعية المقبلة هي لحظة للحصول على موارد الدولة وليست فقط ساحة منافسة بين أحزاب وبرامج، فإن عدداً من الناخبين يميلون إلى مساندة المرشحين الذين يتوفرون على علاقات وثيقة مع أطراف السلطة أو الذين ينتمون إلى أحزاب قريبة من الإدارة.
وارتباطاً بما سبق، أطلقت السلطة السياسية مبادرات وسياسات عمومية متعددة لا تتيح للفقراء القطيعة النهائية مع الفقر، وتجعلهم معتمدين بشكل دائم على مساعدات الدولة المباشرة أو غير المباشرة للعيش. وتساهم هذه المبادرات والبرامج في خلق وحفظ زبونية انتخابية للدولة.
إن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وقد دخلت مرحلتها الثالثة، والوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي، والسجل الاجتماعي الموحد، وقوافل التضامن، وآليات تحسين الدخل للشباب، هي برامج عمومية لها أهداف معلنة تتمثل في تشخيص أسباب الفقر ومحاربته، ولكنها في الواقع تؤدي إلى استمراره وإلى تحويل الفقراء إلى زبناء دائمين للدولة وإلى احتياطي انتخابي.
وبهذا تصبح وسائل الدولة الاجتماعية وآليات الدعم المباشر أدوات للاستثمار السياسي وتكوين خزان للأصوات.
وإلى جانب وسائل الدعم الاجتماعي، تؤثر النخب الحاكمة في المشهد الانتخابي عبر التحكم في قواعد اللعبة، وتلعب القواعد المنظمة للمنافسة الانتخابية دوراً مهماً في تحديد نتائجها، وتنقسم هذه القواعد إلى نوعين: قواعد قانونية وقواعد عملية.
1- القواعد القانونية
رغم تراكم التجارب الانتخابية والخبرة الروتينية التي اكتسبها النظام السياسي، إلا أن المغرب لا يزال يفتقر إلى قانون انتخابي مقروء وواضح. نلاحظ حالة من التشتت القانوني وتوالي التعديلات التشريعية التي يتكدس بعضها فوق بعض بشكل يجعل منها ليس مدونة لتنظيم اللعبة، ولكن متاهات قانونية تبحث عمن يستكشف خباياها.
كما أن التغيرات والتنقيحات المتواترة للقوانين التنظيمية المتعلقة بمجلس النواب وبالأحزاب السياسية والقانون المتعلق باللوائح الانتخابية، تحمل في طياتها تفاصيل تكون مؤثرة على اللاعبين وعلى قواعد اللعبة برمتها، ولكنها لا تفهم غالباً إلا بعد أن يكون قد فات الأوان.
ويعتبر ضبط اللوائح الانتخابية مسبقاً عاملاً مؤثراً في العملية الانتخابية، فهذا الضبط يُبقي من جهة ملايين المواطنين خارج الهيئة الناخبة، ومن جهة أخرى يسمح التنقيب والتشطيب بالتحكم في الكتلة الناخبة التي تراجعت بنحو 2.18 مليون ناخب مقارنة بانتخابات 2021، وهو تراجع غير مفهوم.
كما أن تقسيم الدوائر على مقاس أحزاب تراهن عليها السلطة والحفاظ على القاسم الانتخابي الذي تم إقراره قبيل اقتراع 8 شتنبر 2021 لها، كلها عوامل تترك حتماً أثراً على الخريطة السياسية وعلى التمثيلية الانتخابية.
ويلاحظ جلياً، في هذا السياق، استمرار استراتيجية تهميش مغاربة الخارج بالاعتماد على التصويت بالوكالة، الذي يفرغ من جوهره الفصل 17 من الدستور ويضع عقبات أمام ملايين مغاربة العالم لممارسة حقوق المواطنة الكاملة.
وأعلنت وزارة الداخلية قبيل اقتراع 23 شتنبر 2026 عن تخصيص منصة إلكترونية في الخارج لإجراء وكالة التصويت.
ورغم أن المنصة أنشئت لخفض كلفة التصويت في الخارج، إلا أن تركيزها على مجموعة من الشروط، مثل تحميل نسخة من الوكالة وإرسالها إلى الوكيل والآجال التي حددت، قد يحولها إلى عقبة إضافية تعقد مشاركة مغاربة العالم.
ولا يقتصر عمل السلطة السياسية على اللجوء إلى القواعد القانونية بمختلف أصنافها لضبط الحقل الانتخابي، بل توظف أيضاً قواعد أخرى: القواعد العملية.
2- القواعد العملية
وهي عبارة عن قواعد تنبع من الممارسة السياسية والواقع الميداني، لا من القوانين المكتوبة. ورغم غيابها عن النصوص الرسمية، فهي تؤدي دوراً أساسياً في تنظيم وتأطير التنافس الانتخابي.
من بينها تنظيم لقاءات تشاورية بين وزارة الداخلية وقادة وممثلي الأحزاب السياسية، واعتماد استراتيجية التوافق للتحضير للاستحقاقات الانتخابية، على غرار الاجتماعات التي توجت بالاتفاق على تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات برئاسة وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة.
وتحكم القواعد العملية أيضاً العلاقات بين الولاة والعمال من جهة، والمرشحين والأحزاب من جهة أخرى. وتتمثل في إرسال إشارات وتقديم وعود أو توجيه تهديدات أو وعود وتهديدات معاً.
كما تضبط هذه القواعد غير المكتوبة طريقة اشتغال المنظومة الإدارية على مستوى الحقول السياسية المحلية في بناء تحالفات ميدانية مع القوى الاجتماعية المؤثرة في المنطقة. علاوة على ذلك، تحدد أدوار بيروقراطية الشارع في الانتخابات، والمكونة من الشيوخ والمقدمين التابعين لوزارة الداخلية.
يضاف إلى هذا المركب من القواعد القانونية والعملية التحكم في وسائل الإعلام وتوظيف أدوات السلطوية الرقمية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي والخوارزميات لإحكام الرقابة على الفضاء العمومي، وتقييد حرية المعارضين، وخلق ونشر حقائق بديلة.
ومع ذلك، لا ينبغي لهذا العرض المختصر للقيود المفروضة على الساحة الانتخابية أن يقودنا إلى استبدال التحليل الرصين بالتنبؤ.
لقد بات التنبؤ بنتائج الاقتراع وبهوية الحزب الذي سيتصدر الانتخابات هواية وطنية تحظى باهتمام بالغ في شبكات التواصل الاجتماعي.
والواقع أن نتائج اقتراع 23 شتنبر 2026 لا يمكن عزلها عن السيرورة، وبالتالي فأولئك الذين يرون أن النتائج المتوقعة لصالح حزب من أحزاب الدولة هي مضمونة سلفاً، وأن مسلسل ضمانها وتأمينها لا أهمية له، يخلطون بين أمرين مختلفين: التنبؤ والسيرورة.
أما التنبؤ فيرتبط بما سيقع يوم 23 شتنبر، فهو يمثل احتمالاً مستقبلياً وقد يكون صحيحاً، ويفوز مثلاً حزب الأصالة والمعاصرة أو حزب التجمع للأحرار أو حزب الاستقلال بالمرتبة الأولى، بالرغم من عدم صحة المقدمات التي بُني عليها التوقع.
في حين تجسد السيرورة المجرى الفعلي والواقعي للأحداث، فهي كما هي.
وحتى لو افترضنا وجود قرار مسبق يقضي بفوز حزب معين بصدارة الترتيب في مجلس النواب الذي سيفرزه اقتراع 23 شتنبر 2026، وتعيين شخص بعينه لرئاسة الحكومة المقبلة، فإن القرارات لا تترجم أوتوماتيكياً بمجرد اتخاذها.
إن تطبيق أي قرار سياسي يحتاج إلى المرور عبر قنوات متعددة، رسمية وغير رسمية، وإلى شبكات من الفاعلين ومجموعة من الأفعال والمؤسسات. وبعبارة أخرى، لا يمكن عزل القرار الانتخابي عن سلسلة من التدابير والأفعال الملموسة التي يمكن أن تتم أو لا تتم، أو التي يمكن أن تتم بشكل مخالف للتوقعات.
ومن ثم ترتبط مخرجات الاقتراع ارتباطاً وثيقاً بمنظومة الحلقات والدوائر التقريرية، الرسمية منها وغير الرسمية، التي يمر عبرها القرار الانتخابي، فضلاً عن تأثرها المباشر بطبيعة وآليات اشتغال الأحزاب السياسية من جهة، وسلوك الهيئة الناخبة من جهة أخرى.
1- دور الناخبين
يمكن الإدلاء هنا بثلاث ملاحظات جوهرية تساعد في فهم دور الناخبين.
الملاحظة الأولى: إن الحديث عن الناخب المغربي في عموميته لا يعتمد على أي معيار موضوعي أو دراسة إمبريقية، فالهيئة الناخبة في المغرب لا تشكل كتلة متجانسة تصوت بشكل معين، بل هناك كتل ناخبة ترابية متنوعة: في المدن وضواحيها، وفي القرى والجبال.
وسيكون من المفيد تبني خط تحليلي يعتمد على التراتبيات الاجتماعية وعلى الفوارق المجالية وتأثيراتها في تطور الحقل الانتخابي.
الملاحظة الثانية: هناك تصور سائد أن الناخبين لا دور لهم في السياقات السلطوية، وأنهم في المغرب ضحية نظام انتخابي لا يتيح لهم التعبير الحر عن آرائهم وموقفهم دون خوف أو تردد، كما أن الوضعية الاجتماعية لأغلبية الهيئة الناخبة مكونة من فقراء ومعوزين لا يحسنون فن التصويت السياسي ويقتصرون على التصويت «الخبزي».
يتضمن هذا التصور، بدون شك، بعض الحقائق، منها ثقل القيود المفروضة على القضاء السياسي وغياب الديمقراطية، كما أن الفقر ليس عاملاً مساعداً لخلق تنافس انتخابي حقيقي ونزيه، وكون تصويت كتل انتخابية اجتماعية يكون تصويتاً خبزياً أكثر منه تصويتاً على برامج وأفكار يشكل جزءاً من الحقيقة التي يؤكدها الواقع الملموس. لكن هذا الحكم لا يمكن إسقاطه على جميع الكتل الانتخابية الاجتماعية، فهناك شرائح انتخابية تنتمي للطبقات المتوسطة والشعبية التي تصوت بشكل مستقل، إن صح التعبير، إما بناء على قناعات أو إيديولوجيات أو حسابات عقلانية.
الملاحظة الثالثة والأخيرة: تتعلق الملاحظة الثالثة والأخيرة بالناخبين القرويين، إذ يسود تصور عام يمثل العالم القروي كفضاء محافظ بنيوياً وخاضع بشكل دائم للمخزن ومناهض للحداثة والديمقراطية، خلافاً للعالم الحضري الذي ينظر إليه كمجتمع حامل لقيم الحرية والتغيير.
وقد انتشرت هذه الأفكار المسبقة بشكل سريع داخل الحقل السياسي المغربي بواسطة نخب الحركة الوطنية التي ظهرت كحركة حضرية واعتبرت نفسها هي المؤهلة تاريخياً لتحقيق الاستقلال والتنمية في مواجهة حشود قروية متخلفة.
كما أن جزءاً من النخب اليسارية يعتقد أن الطبقة العاملة وحدها هي الطليعة القادرة على إحداث تغيير ثوري حقيقي، خلافاً لسكان البوادي المتزمتين والخاضعين للنخب التقليدية.
وبما أن القرويين يشكلون كتلة ناخبة قوية تناهز 45% من المسجلين، رغم أنهم لا يمثلون سوى قرابة 37% فقط من مجموع السكان حسب نتائج الإحصاء العام الأخير لسنة 2024، فإن ذلك يؤدي إلى اختلال التوازن في العملية الانتخابية من أساسها.
إن هذه الصور النمطية الجاهزة حول التصويت المحافظ أو الرجعي للناخبين في البادية لا تصمد أمام الملاحظة الجدية، أولاً، لأن الانتفاضات والحركات الاحتجاجية في القرى والبوادي رافقت سيرورة تكوين الدولة المستقلة ولعبت دوراً أساسياً في دينامية تشكلها.
كما شهدت القرى والمناطق الجبلية في السنوات الأخيرة موجة من الانتفاضات والحراكات الشعبية التي طالبت بتحسين الخدمات الأساسية وفك العزلة عنها. وانطلقت مسيرات حاشدة مشياً على الأقدام في اتجاه العمالة، كما هو الشأن بالنسبة لمسيرة «الكرامة والعدالة الاجتماعية» بآيت بوكماز في 2025. كما نظمت وقفات ومسيرات في مناطق الحوز المتضررة من الزلزال الذي ضربها سنة 2023.
ويحق لنا أن نتساءل: لماذا لا تظهر آثار دينامية الاحتجاج دائماً في صناديق الاقتراع؟ فهل لأن القرويين وسكان الجبال غير قادرين على إحداث قطيعة مع طبيعتهم المحافظة والرجعية؟
إن المأخذ الرئيسي على هذا التصور يكمن في قفزة فوق السيرورة التكوينية للأحزاب المغربية المؤثرة كأحزاب حضرية لم تستطع أن تنفذ إلى العالم القروي، وأن تتواجد بصفة دائمة على الأرض، وأن تقدم عروضاً سياسية واقتصادية مغرية.
أضف إلى ذلك أن السلطة السياسية تبذل جهوداً مكثفة منذ الاستقلال إلى يومنا هذا لعزل العالم القروي عن التجاذبات الحزبية والاستقطاب السياسي.
فعوض أن نقوم بإدانة السلوك الانتخابي لسكان البادية، سيكون من الأجدى الالتفات إلى الأسباب الحقيقية للتصويت الذي تقوم به هذه الفئة الانتخابية أو تلك في المجال القروي. وعليه، فلا يمكن إرجاع السلوك التصويتي للقرويين إلى مجرد طبيعتهم المتزمتة أو عبوديتهم الطوعية.
فالأسباب الكامنة وراء التصويت متداخلة ومعقدة، لاسيما أن هيئة الناخبين القرويين، أي 45% من المسجلين، لا تشكل كتلة منسجمة.
وبالتالي، تتعدد أنماط تصويتها، فمنها التصويت الزبوني القائم على تبادل المصالح، والتصويت العائلي أو العشائري، والتصويت العقابي، والتصويت الإيديولوجي، فضلاً عن التصويت البراغماتي المبني على الحسابات العقلانية والتوقعات النفعية… إلخ.
2- الأحزاب السياسية
يضعنا المشهد الانتخابي قبيل انتخابات 23 شتنبر أمام تنوع ملحوظ في الأذواق والتيارات السياسية، بحيث لا يمكن اختزال الصورة في مجرد صراع بين أحزاب إدارية وأخرى مستقلة، أو حصره في تقاطب ثنائي أو ثلاثي بين كتل سياسية.
إن مقولات الأحزاب الإدارية والأحزاب الوطنية والإسلامية، التي تم توظيفها خلال مراحل سياسية وانتخابية سابقة ويستعان بها اليوم، يجب أن تتناول كما هي، أي مفاهيم عملية مرنة وغير مستقرة، غايتها السياسية وصف وتبسيط واقع انتخابي متعدد الأوجه وشديد التعقيد. ويساهم هذا التبسيط عملياً في صهر مكونات ناخبة متباينة وتوجيهها نحو مرجعيات مشتركة أو تكتلات وتحالفات سياسية.
إلا أن الحاجة العملية إلى التبسيط لا ينبغي أن تنسينا حقيقة أساسية، وهي أن الساحة الانتخابية تتسم بتنوع كبير وتفرعات لا يمكن حصرها.
ولهذا التنوع علاقة وثيقة بتنوع الرهانات الموجودة. فرغم أن الانتخابات التشريعية هي انتخابات وطنية، إلا أنها في الواقع تجري في 92 دائرة محلية، ولكل دائرة رهاناتها وخصوصياتها وموازين القوى المحركة لها.
ورغم وجود عائلات حزبية كبرى، نلاحظ تنوعاً داخل كل عائلة سياسية. فنفس العائلة السياسية المكونة للأحزاب الإدارية تشهد تنوعاً هيكلياً ملموساً. فبينما تتمتع بعض المنظمات، مثل حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، ببنية مؤسسية محكمة نسبياً وبماكينات انتخابية، تظل أحزاب أخرى صغيرة الحجم مرتبطة بشكل وثيق بشخصية رئيسها أو مؤسسها، ولا تظهر إلا في أوقات معينة.
وقد يضم الحزب الواحد في بنيته ثلاثة تيارات على الأقل. وهكذا تتعايش وتتنافس داخل حزب فيدرالية اليسار وداخل حزب العدالة والتنمية ثلاث حساسيات على أقل تقدير، وهي حساسيات أفرزتها مسارات تشكل هذين الحزبين، ولا يزال لتلك المسارات أثر ممتد حتى يومنا هذا.
هناك من يرى أن الانقسامات الإيديولوجية والسوسيولوجية التي عرفها المغرب في الماضي قد تجووزت بشكل نهائي، وأن مفهوم اليمين واليسار لم يبق له أي معنى، وأن الإسلاميين قد انتهوا، إلخ.
والواقع أن النزاعات الانتخابية هي نزاعات متعددة الأبعاد، لا يمكن حصرها في الثنائية التقليدية بين اليمين واليسار أو بين إسلاميين وعلمانيين، ذلك أن الصراع الانتخابي يتعلق برهانات متنوعة جداً: المؤسسات، والتطبيع، والاقتصاد، والمدرسة، والصحة، إلخ، ومتجددة باستمرار.
ورغم ذلك، فإن انقسامات الماضي لا تكون غائبة تماماً. فانطلاقاً من هذا الإرث تتشكل بنية الصراع السياسي، وكذلك المفاهيم المتغيرة المرتبطة به، كاليمين واليسار والوسط، التي يعاد تعريفها وتمفصلها حول رؤى ومصالح سوسيو-اقتصادية غير متجانسة.
كما أن لنزاعات الماضي تأثيراً على التقديرات الحزبية المختلفة لثمن المشاركة، خصوصاً بالنسبة للتنظيمات المعارضة، اليسارية منها والإسلامية. وأود التأكيد على عبارة «اختلافات في التقدير»، لأن حتى جماعة العدل والإحسان تنبه أن مقاطعة الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 اجتهاد سياسي وليست ركناً ثابتاً من أركان العقيدة.
فالمشاركة في الانتخابات بالنسبة للمعارضين اليساريين والإسلاميين هي سلاح ذو حدين: فقد تمنح للمعارضة فرصة للتعبير عن مواقفها في سياق يتميز بالمراقبة القوية التي تمارسها الدولة على الحقل السياسي، لكن من جهة أخرى، فالمشاركة تعطي شرعية إضافية للنظام السياسي. كما قد تكون نتائج المشاركة لحظة إحباط جماعي وإضعاف لمعنويات المناضلين.
وفي الغالب، يخضع القرار الحزبي بالمشاركة في الانتخابات أو مقاطعتها إلى التوازنات الداخلية وموازين القوى، فضلاً عن طبيعة التفاعل والجدل القائم بين الإيديولوجيين والبراغماتيين، إن صح التعبير.
بيد أن تحليل مواقف الأحزاب عشية الاستحقاقات لا يظل كافياً ما لم يأخذ بعين الاعتبار أدوار الدولة باعتبارها فاعلاً سياسياً مركزياً في العملية الانتخابية.
إن تعامل الدولة مع الأحزاب المساندة للنظام السياسي يختلف عن سلوكها مع الأحزاب المستقلة أو التي لا تندرج في خانة الموالاة.
وتقوم العلاقة بين الدولة والأحزاب المساندة لها على التداخل في الوظائف وتبادل الأدوار، فأحزاب مثل التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة تقوم بأدوار أمنية وسياسية واجتماعية، من خلال تسخير موارد الدولة لخلق زبونية انتخابية.
وتنبني علاقة الدولة بهذه الأحزاب السياسية على التحالف وتبادل المصالح، وتستفيد من التمويل المعروف وغير المعروف، ومن الدعاية في أجهزة الإعلام الرسمية، ومن دعم الجهاز الإداري الذي يعبئ الناخبين لحضور تجمعاتها الانتخابية، إلخ.
خاتمة
لا نتوفر في المغرب، خلافاً لدول أخرى، على بنك رقمي للمعطيات الانتخابية يغطي المرحلة من 1959، تاريخ إجراء أول اقتراع محلي، إلى يومنا هذا، لفهم سلوك الناخبين وتفسير تحولات المشاركة السياسية على المدى الطويل وعلاقتها بالتفاوتات الاجتماعية والمجالية.
وفي غياب معطيات مفصلة ودقيقة من هذا النوع، يمكن فقط أن ندلي بتخمينات وفرضيات عامة. إذ تظهر ملاحظة الاقتراعات على المدى الطويل أن هناك محطات كبرى تميزت بتقاطبات كان لها أثر كبير على الرهانات الانتخابية وعلى المشهد السياسي ككل، وتتغذى هذه التقاطبات من بنية الصراع السياسي ومن استراتيجيات الفاعلين المؤثرين، كالتقاطب بين الأحزاب المنحدرة من الحركة الوطنية والأحزاب المقربة من القصر، أو التقاطب بين الكتلة الديمقراطية وتحالف الوفاق في التسعينات من القرن الماضي، أو بين العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة في الفترة ما بعد 2011.
أما التقاطب قبيل انتخابات 23 شتنبر، فيتخذ صورتين: تقاطب بين حزب العدالة والتنمية والأحزاب الإدارية الكبرى: الأحرار ثم حزب الأصالة والمعاصرة، وتقاطب آخر بين مكونين أساسيين للتحالف الحكومي: حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار.
وربما يجادل قائل بأن هذا الخلاف الأخير هو خلاف مصطنع أو فصلاً من مسرحية انتخابية محبوكة أخرجت لإخفاء النزاع الأول. الجواب: لا يهم، كما قال ماكس فيبر، الذي يهمنا هو التداعيات الفعلية لهذا الصراع بين الحزبين على الأرض.
إن حدة الصراع المفتوح بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، والتراشق المباشر بين الزعامات، قد يعطي نتائج غير متوقعة، وقد يؤثر، بشكل من الأشكال، في انتظارات الناخبين وفي حسابات النخب الحزبية.
وبناء عليه، يمكن افتراض أن انتخابات 23 شتنبر ستضع النظام السياسي أمام تحديين رئيسيين: تحدٍ يأتي من الأعلى، وآخر نابع من الأسفل.
التحدي من الأعلى يجسده احتدام الصراع بين النخب الاستراتيجية داخل الكتلة الحاكمة، وتنعكس آثاره على الأحزاب التابعة لها، إذ يسعى كل طرف جاهداً لتأمين مواقعه وتوطيد نفوذه في مرحلة ترتيب التوازنات المقبلة.
التحدي الثاني يجسده الانتعاش النسبي لحزب العدالة والتنمية، إذ يمتلك الحزب فرصة للاستفادة من السياق السياسي لانتخابات 23 شتنبر، ويعود ذلك إلى تموقعه الحالي في المعارضة وتحرره من قيود حالة الطوارئ الصحية التي طبعت محطة 2021، إلى جانب تركيزه على قضايا حيوية كالهوية ومناهضة التطبيع والزواج ودور الأسرة، وهي قضايا تخاطب جمهوراً واسعاً من الناخبين المحافظين، ويساهم الحضور الميداني لزعيم الحزب في إعادته إلى الواجهة كبديل قوي ينافس التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة. فكيف سيكون تعامل الدولة مع هذا الانتعاش؟
وما هو الأثر المرتقب لتلك الأحداث التي تبدو في ظاهرها بعيدة عن الحسابات السياسية المحضة، مثل احتجاجات جيل زد 212 ومسيرات مناهضة التطبيع والهروب الجماعي الكبير إلى سبتة، لكن سرعان ما ينكشف لاحقاً أنها تشكل أبرز المحركات المؤثرة في إعادة صياغة المشهد الانتخابي؟
هل ستترك هذه العوامل خارج الانتخابية انعكاسات ملموسة على نتائج حزب العدالة والتنمية، على غرار ما شهدته محطة 2011 حين نجح في استثمار موجة احتجاجات حركة 20 فبراير؟
ـ ـ ـ
+ مداخلة في ندوة «ما وراء التصويت» التي نظمها مركز الرباط في 25 يونيو 2026.
