قراءة في برامج 8 أحزاب سياسية.. 11 كلمة تكشف خريطة الخطاب السياسي في انتخابات 2026
ليست البرامج الانتخابية مجرد قوائم للوعود والأرقام والإجراءات التي تعرضها الأحزاب على الناخبين قبيل الاقتراع. إنها، قبل ذلك، نصوص سياسية تكشف الطريقة التي تنظر بها الأحزاب إلى البلاد ومشكلاتها، وإلى المواطن والدولة والمجتمع، كما تكشف المفردات التي تختارها لتحديد الأولويات التي تريد أن تجعل منها موضوعا للنقاش العمومي خلال الحملة الانتخابية.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة البرامج الانتخابية للأحزاب الثمانية التي تتنافس في الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026 من خلال إحدى عشرة كلمة أو عبارة تبدو كأنها مفاتيح صغيرة لفتح أبواب كبيرة: “الحرية”، “الديمقراطية”، “محاربة الفساد”، “إطلاق سراح المعتقلين”، “الفراقشية”، “الريع”، “التحكم”، “حرية الصحافة”، “حرية التعبير”، “العدالة الاجتماعية” و”الكرامة”.
لا يتعلق الأمر بمجرد عد آلي للكلمات، ولا بالقول إن الحزب الذي يستعمل كلمة أكثر من غيره هو بالضرورة الأكثر ديمقراطية أو عدالة. فاللغة السياسية لا تقاس فقط بتكرار المفردات، وإنما أيضا بالسياق الذي توضع فيه، وبالمكان الذي تحتله داخل البرنامج، وبالسياسات التي تقترحها لترجمة تلك المفردات إلى إجراءات. لكن المقارنة بين هذه الكلمات تكشف، مع ذلك، فروقا لافتة في الطريقة التي اختارت بها الأحزاب أن تخاطب الناخب المغربي في انتخابات 2026.
ومن اللافت، قبل الدخول في تفاصيل كل برنامج، أن كلمة “الكرامة” تكاد تتحول إلى مفردة جامعة بين تيارات سياسية متباعدة. فقد جعلها التجمع الوطني للأحرار جزءا مركزيا من عنوان برنامجه “كرامة وفرص للجميع”، بينما اختار الاتحاد الاشتراكي “التنمية العادلة والعيش الكريم”، وذهب تحالف اليسار إلى جعلها في صدر شعاره: “الكرامة أولا.. من أجل مغرب ديمقراطي، منتج وعادل”. لكن الكلمات الأخرى هي التي تكشف الاختلاف الحقيقي في تعريف هذه الكرامة: هل هي أساسا تحسين الدخل والخدمات، أم العدالة الاجتماعية، أم الحريات والديمقراطية، أم مزيج من هذه العناصر جميعا؟
الأحرار.. “الكرامة” بوصفها نتيجة للإنجاز
يبدو برنامج التجمع الوطني للأحرار الأكثر انسجاما مع الصورة التي حاول الحزب ترسيخها منذ وصوله إلى الحكومةـ والمتمثلة في شعارات الدولة الاجتماعية، القدرة الشرائية، التشغيل، الصحة، التعليم، السكن والحماية الاجتماعية. حتى عندما يستعمل البرنامج كلمة “الكرامة”، فإنها تظهر في سياق السياسات العمومية التي يفترض أن تجعل حياة المواطن أفضل.
وهذا مهم في قراءة الكلمات الإحدى عشرة. فالأحرار لا يقدمون “الكرامة” أساسا باعتبارها مطلبا سياسيا أو حقوقيا، وإنما باعتبارها نتيجة يفترض أن تنتج عن تحسين شروط العيش. ومن ثم، فإن مفردات مثل الحرية والديمقراطية وحرية الصحافة وحرية التعبير لا تحتل الموقع نفسه الذي تحتله مفردات الإنجاز والخدمات والتشغيل والاستثمار.
إنه خطاب يمكن اختصاره في معادلة بسيطة: الإنجاز يولد الكرامة. وهذا ينسجم مع طبيعة الخطاب الانتخابي لحزب يقود الحكومة ويريد من الناخب أن يحاكمه أساسا على ما يعتبره حصيلة ولايته، لا على وعود انتقال سياسي أو مؤسساتي جديد.
الأصالة والمعاصرة.. “المواطنة” بين الأمان والنمو
برنامج الأصالة والمعاصرة يقدم نفسه من خلال خمسة مواثيق و20 التزاما، ويضع في المقدمة القدرة الشرائية وإدماج الشباب والمواطنة والأمان والنمو والاستدامة، مع كلفة إجمالية معلنة تبلغ 350 مليار درهم.
ومن خلال هذه البنية، تبدو الكلمات الإحدى عشرة أقل حضورا من قاموس آخر يركز على المواطنة والأمان والنمو والعدالة المجالية والاقتصاد. فالبرنامج لا يبني هويته الانتخابية على خطاب الصدام مع مفردات مثل “التحكم” أو “المعتقلين”، وإنما على محاولة تقديم الحزب باعتباره قوة سياسية قادرة على تدبير مرحلة جديدة من التنمية.
إذا كان الأحرار يقولون للناخب “الكرامة والفرص”، فإن البام يبدو أقرب إلى القول: المواطنة والأمان والنمو.
وهذا يعكس موقع الحزب داخل الأغلبية، لكنه يعكس أيضا رغبته في الاحتفاظ بصورة حزب ذي مرجعية سياسية أكثر تعددية وأقل ارتباطا بشخص رئيس الحكومة.
الاستقلال.. “محاربة الفساد” من داخل الأغلبية
حزب الاستقلال يحتل موقعا مختلفا نسبيا داخل هذه الخريطة. فهو جزء من الأغلبية، لكنه يحاول الاحتفاظ بقاموس سياسي تقليدي يجعل من محاربة الفساد والحوكمة والريع جزءا من خطاب الحزب.
وهنا تصبح كلمة “محاربة الفساد” أكثر دلالة من مجرد الحديث عن تحسين الإدارة. فالاستقلال يربط برنامجه بمحاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، إلى جانب القدرة الشرائية والخدمات الاجتماعية والاقتصاد والسيادة الاستراتيجية.
وهذا يمنحه موقعا وسطا بين خطاب الإنجاز الذي يميز أحزاب الحكومة، والخطاب الاحتجاجي الذي يميز قسما من المعارضة واليسار.
يمكن تلخيص قاموس الاستقلال في معادلة: التنمية مع تنظيف قواعد اللعبة. وهو خطاب يحاول أن يقول للناخب إن مشكلات الاقتصاد والمجتمع ليست كلها مرتبطة بنقص الموارد، وإنما أيضا بطريقة توزيعها وتدبيرها.
الاتحاد الاشتراكي.. “التنمية العادلة” بدل النمو وحده
إذا كانت كلمة واحدة قادرة على اختصار برنامج الاتحاد الاشتراكي، فهي “العدالة”، فالحزب اختار لبرنامجه شعار “التنمية العادلة”، ووضع عشرين التزاما موزعة على محاور سياسية واقتصادية واجتماعية. وفي تقديم البرنامج، يربط صراحة بين التنمية والكرامة والعدالة الاجتماعية والحريات والديمقراطية المؤسساتية.
الأهم أن إدريس لشكر لا يقدم الحزب باعتباره مجرد معارض للحكومة، وإنما يستعيد هويته الاشتراكية الديمقراطية ويضع “الحرية، والمساواة، والعدالة الاجتماعية، والإنصاف المجالي، والديمقراطية المؤسساتية” في صلب المرجعية التي يفترض أن يفهم من خلالها البرنامج.
وهنا تختلف كلمة “الكرامة” عن استعمالها لدى الأحرار. فالكرامة عند الاتحاد الاشتراكي لا تختزل في الخدمة العمومية أو الدخل، وإنما تشمل تقليص الفوارق وضمان الحريات وتكافؤ الفرص. فشعار الحزب، إذن، يمكن اختزاله في: التنمية، لكن بعدالة.
العدالة والتنمية.. “الديمقراطية” كمعركة سياسية
برنامج العدالة والتنمية يدخل إلى الانتخابات من موقع سياسي مختلف تماما عن أحزاب الأغلبية الحالية. ولذلك فإن قاموسه الانتخابي يستعيد بدرجة أكبر المفردات السياسية التي ارتبطت تاريخيا بالمعارضة: الديمقراطية، الحكامة، الفساد، الريع، الحريات والعدالة.
الحزب يتيح برنامجه الانتخابي الكامل لسنة 2026 في منصة مستقلة، ويقدم معه عرضا تلخيصيا لمحاوره.
لكن ما يميز قراءة البرنامج ليس فقط عدد المرات التي تظهر فيها كلمة “الديمقراطية”، وإنما الوظيفة التي تؤديها. فهي ليست مجرد بند مؤسساتي بين الصحة والتعليم والاقتصاد، وإنما جزء من تصور سياسي أوسع لطبيعة الدولة والحكامة والثقة في المؤسسات.
ولهذا يمكن اختزال خطاب العدالة والتنمية في عبارة: الإصلاح السياسي شرط للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي.
وهذا يفسر أيضا حساسية كلمات مثل “التحكم” و”الريع” و”الفساد” داخل قاموس الحزب، لأنها تحيل إلى ما يعتبره اختلالات في بنية تدبير السلطة والاقتصاد، وليس فقط إلى أخطاء إدارية قابلة للإصلاح التقني.
التقدم والاشتراكية.. “العدالة الاجتماعية” عنوانا للبديل
يأتي التقدم والاشتراكية من موقع يساري واضح، ولذلك لا تبدو مفردة “العدالة الاجتماعية” في برنامجه مجرد وصف لسياسة اجتماعية، وإنما مدخلا لإعادة النظر في توزيع الثروة والفرص.
البرنامج يربط بين الاقتصاد المنتج والخدمات العمومية والحماية الاجتماعية والعدالة، ويضع الحريات والديمقراطية ضمن تصور سياسي أوسع للتغيير.
لكن خصوصية التقدم والاشتراكية تكمن في محاولته الجمع بين خطاب اجتماعي تقليدي لليسار ولغة حديثة حول الاستثمار والإنتاج والنمو. أي أنه لا يريد أن يقدم نفسه بوصفه حزب توزيع فقط، بل بوصفه حزبا يريد تغيير طريقة إنتاج الثروة وتوزيعها في الوقت نفسه.
يمكن تلخيص شعاره السياسي المستخلص من الكلمات الإحدى عشرة في: العدالة الاجتماعية قبل أن تصبح التنمية مجرد أرقام.
الحركة الشعبية.. “التنمية المجالية” في المقدمة
الحركة الشعبية تدخل المنافسة بخطاب مختلف عن خطاب اليسار وأكثر التصاقا بالقضايا المجالية والاجتماعية والاقتصادية، وبقضايا المناطق القروية والجبلية والجهات التي تعتبرها خارج دائرة الاستفادة المتكافئة من التنمية.
ولهذا فإن قراءة البرنامج من خلال الكلمات الإحدى عشرة لا ينبغي أن تبحث فقط عن “الديمقراطية” و”الحرية”، وإنما عن الطريقة التي تظهر بها “العدالة الاجتماعية” و”الكرامة” في علاقتها بالإنصاف المجالي.
فالحركة، تاريخيا، بنت جزءا مهما من هويتها السياسية على الدفاع عن العالم القروي والمناطق المهمشة والبعد الأمازيغي والعدالة بين الجهات.
وإذا كان شعار الأحرار هو الكرامة من خلال الخدمات، وشعار الاتحاد الاشتراكي هو التنمية العادلة، فإن قاموس الحركة الشعبية يمكن تلخيصه في: الكرامة تبدأ من المكان الذي يعيش فيه المواطن.
تحالف اليسار.. “الكرامة أولا” وعودة السياسة إلى البرنامج
هنا تصل الكلمات الإحدى عشرة إلى أقصى درجات كثافتها السياسية، فتحالف اليسار، الذي يجمع فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، قدم برنامجه تحت شعار “الكرامة أولا.. من أجل مغرب ديمقراطي، منتج وعادل”، ويتضمن 431 إجراء، مع غلاف مالي معلن يصل إلى 500 مليار درهم.
لكن الأهم من عدد الإجراءات هو هندسة البرنامج. فالتحالف لا يفصل بين الديمقراطية والاقتصاد والعدالة الاجتماعية.
برنامجه السياسي يضع الحرية والعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات في قلب مشروعه، ويتحدث صراحة عن استقلال القضاء وحرية الصحافة والحق في الوصول إلى المعلومة، كما يجعل محاربة الفساد والاستبداد جزءا من تعريفه للبديل السياسي.
وفي برنامجه الانتخابي الجديد، تكتسب المسألة بعدا أكثر مباشرة، إذ يقترح عفوا شاملا وفوريا عن معتقلي الحراكات الاجتماعية، بما فيها حراك الريف وجرادة وجيل “زد”، خلال المائة يوم الأولى.
هنا لا تعني “الكرامة” فقط تحسين مستوى العيش. إنها تعني أيضا الحرية والعدالة السياسية والمواطنة والمساواة.
ولذلك يمكن تلخيص قاموس تحالف اليسار في عبارة: الكرامة تبدأ من الديمقراطية وتنتهي بالعدالة الاجتماعية.
الخلاصة..
حين تتشابه الكلمات وتختلف المعاني
تكشف قراءة البرامج الانتخابية من خلال هذه الكلمات الإحدى عشرة أن الأحزاب المغربية دخلت انتخابات 2026 وهي أقل اختلافا مما قد توحي به خطاباتها في ما يتعلق ببعض المفردات العامة، لكنها أكثر اختلافا في المعنى الذي تمنحه لهذه المفردات.
الجميع تقريبا يستطيع أن يتحدث عن الكرامة، لكن الكرامة ليست شيئا واحدا. والجميع يتحدث عن العدالة الاجتماعية بدرجات مختلفة، لكن العدالة الاجتماعية ليست هي نفسها لدى حزب حكومي يقيسها بعدد المستفيدين من برامج الدولة الاجتماعية، وحزب يساري يقيسها أيضا بطريقة توزيع الثروة والسلطة.
والفارق يصبح أكبر عندما ننتقل إلى الكلمات الأكثر حساسية: “الحرية”، “الديمقراطية”، “حرية الصحافة”، “حرية التعبير”، “التحكم”، “الريع”، و”إطلاق سراح المعتقلين”.
فهذه الكلمات لا تتعلق فقط بكفاءة الحكومة في تدبير الاقتصاد، وإنما بطبيعة النظام السياسي وعلاقة المواطن بالمؤسسات وحدود السلطة وحقوق المعارضة والإعلام والمجتمع المدني.
عدة خطابات وثلاثة مستويات
ومن هنا يمكن رسم الخريطة العامة للخطاب الانتخابي في 2026 على ثلاثة مستويات.
في المستوى الأول، نجد خطاب الإنجاز، الذي تتركز فيه الكرامة على التشغيل والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والقدرة الشرائية والاستثمار. وهو الخطاب الأقرب إلى أحزاب الأغلبية.
وفي المستوى الثاني، نجد خطاب الإصلاح المؤسساتي والاجتماعي، حيث تصبح التنمية غير كافية ما لم تكن عادلة، ويصبح النمو مطالبا بأن يصل إلى الطبقة الوسطى والفئات الهشة، مع محاربة الفساد وتضارب المصالح والريع. ويظهر هذا بوضوح في خطاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، وإن بدرجات مختلفة.
وفي المستوى الثالث، نجد خطاب التحول السياسي والاجتماعي، حيث لا تكفي الدولة الاجتماعية ولا النمو ولا الاستثمار إذا لم تترافق مع توسيع الحريات وإعادة بناء الثقة الديمقراطية ومحاربة التحكم والريع والفساد وضمان استقلال المؤسسات. وهذا هو المجال الذي يظهر فيه تحالف اليسار بأكثر وضوح، بينما يقترب منه العدالة والتنمية في عدد من المفردات السياسية.
وبذلك، فإن الكلمات الإحدى عشرة لا تكشف فقط ما تقوله الأحزاب، وإنما تكشف أيضا ما لا تريد أن تجعله في مركز حملتها.
