من الانتخابات إلى مشاورات الحكومة.. هل تحولت الأحزاب المغربية إلى “أحزاب كارتيل” هدفها اقتسام السلطة لا تمثيل المجتمع؟
أعادت الانتخابات التشريعية المغربية في 23 شتنبر 2026، وما أعقبها من مشاورات لتشكيل الحكومة، سؤالا قديما إلى واجهة النقاش السياسي؛ هل توجد في المغرب فعلا أحزاب سياسية؟ أو بصيغة أخرى هل ما يزال الحزب في المغرب مؤسسة تنشأ داخل المجتمع، وتحمل مشروعا سياسيا وأيديولوجيا، وتمثل مصالح وفئات اجتماعية وتسعى للوصول إلى السلطة لتنفيذ برنامجها، أم أننا أمام كائنات سياسية، أو تنظيمات حزبية تحول بعضها إلى هياكل انتخابية تعيش أساسا داخل الدولة ومن مواردها، أصبحت المشاركة في المؤسسات والحكومة، بالنسبة لها، غاية في حد ذاتها؟
السؤال لا يتعلق بوجود “أحزاب” معترف بها من الناحية القانونية، فالمغرب يتوفر على عدة أحزاب قانونية، وشارك في انتخابات 2026 وحدها 27 حزبا سياسيا، بحسب المعطيات الرسمية. لكن كثرة الأحزاب لا تعني بالضرورة تعددية سياسية موازية في الأفكار والمشاريع الاجتماعية، مثلما أن المشاركة المنتظمة في الانتخابات لا تكفي وحدها لإثبات قوة الصلة بين الحزب والمجتمع.
ومن هنا يمكن استدعاء مفهوم “حزب الكارتيل”، الذي صاغه عالما السياسة ريتشارد كاتز وبيتر ماير في دراسة شهيرة نشرت سنة 1995، ليس بوصفه حكما جاهزا على الأحزاب المغربية، وإنما أداة لفهم التحولات التي أصابت جزءا كبيرا منها.
عندما ينتقل الحزب من المجتمع إلى الدولة
ظهر مفهوم “حزب الكارتيل” لوصف تحول شهدته الديمقراطيات الغربية منذ العقود الأخيرة من القرن العشرين. فبعد حزب الأعيان ثم الحزب الجماهيري المرتبط بطبقات ونقابات وقواعد اجتماعية واسعة، وبعد نموذج “الحزب الجامع” الذي حاول استقطاب ناخبين من شرائح مختلفة، لاحظ كاتز وماير ظهور نموذج جديد تتراجع فيه علاقة الحزب بالمجتمع، بينما تتعزز علاقته بالدولة.
في هذا النموذج، لا يختفي الحزب، بل يحدث العكس أحيانا، لأنه يصبح أكثر احترافية وتنظيما وحضورا داخل مؤسسات الدولة، لكنه يعتمد بصورة متزايدة على التمويل العمومي وعلى الموارد التي يوفرها وجوده داخل الدولة، بينما تتراجع أهمية اشتراكات المنخرطين والعمل التطوعي والقواعد الاجتماعية والأيديولوجية التي كانت تمنحه هويته.
ويصف كاتز وماير هذا التحول باعتباره انتقالا تصبح معه الأحزاب أقرب إلى وكلاء للدولة، تستخدم مواردها لضمان بقائها الجماعي، بدلا من أن تكون أساسا مؤسسات صاعدة من المجتمع لتمثيله داخل مؤسسات الدولة.
ولا يعني ذلك أن كل حزب يحصل على تمويل عمومي يصبح تلقائيا “حزب كارتيل”، فالتمويل العمومي للأحزاب معمول به في عدد كبير من الديمقراطيات، وقد يكون وسيلة للحد من تأثير المال الخاص وضمان قدر من تكافؤ الفرص. المؤشر الحقيقي يبدأ عندما يجتمع الاعتماد المالي على الدولة مع ضعف العضوية والتأطير المجتمعي، وتراجع الاختلافات في البرنامج، واحتراف نخبة حزبية مستقرة داخل المؤسسات، وتحول الوصول إلى الحكومة والمناصب إلى عنصر مركزي في استمرار التنظيم.
من هنا تصبح الحالة المغربية جديرة بالانتباه، والبداية من قراءة تقارير المجلس الأعلى للحسابات الذي يتولى، بموجب الدستور والقانون التنظيمي للأحزاب، مراقبة مساهمة الدولة الموجهة إلى الأحزاب لتغطية نفقات التسيير والمؤتمرات والحملات الانتخابية. وتظهر أحدث البيانات التفصيلية المتاحة أن التمويل العمومي مثّل سنة 2023 نحو 58% من مجموع الموارد التي صرحت بها الأحزاب، مقابل 42% فقط للموارد الذاتية. والأكثر دلالة أن التمويل العمومي كان يمثل لدى خمسة من الأحزاب المستفيدة نحو 100% من مواردها، وتراوح لدى تسعة أحزاب أخرى بين 76% و99%.
هذه الأرقام لا تثبت وحدها وجود “كارتيل حزبي”، لكنها تكشف مقدار اعتماد قطاع واسع من الحقل الحزبي على الدولة.
وليست هذه القراءة مجرد إسقاط لنظرية سياسية على الأحزاب المغربية، فقد سبق لدراسة أكاديمية للباحثين بوشعيب زيات وعبد الله وسخين بعنوان “الأحزاب المغربية والارتباط بالدولة: تحول نحو نموذج الحزب الكارتل”، أن خلصت إلى أن الحقل الحزبي المغربي عرف منذ نهاية القرن الماضي تحولا تدريجيا في هذا الاتجاه، خصوصا مع دخول ما يعرف بـ “أحزاب الحركة الوطنية” إلى الحكومة، ثم تعزز هذا المسار بعد وصول العدالة والتنمية إلى رئاسة الحكومة سنة 2011، مع ازدياد ارتباط الأحزاب بالدولة واستفادتها من إمكاناتها المالية.
ليست كل الأحزاب في الموقع نفسه
مع ذلك، سيكون من التبسيط وضع جميع كل الأحزاب المغربية في خانة واحدة. فدرجة الاقتراب من نموذج “حزب الكارتيل” تختلف باختلاف التاريخ والتنظيم والعضوية والقدرة على التعبئة والاستقلال المالي ووضوح الهوية السياسية.
أحزاب مثل التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري تقدم، من زاوية هذا التحليل، مادة واضحة لدراسة العلاقة بين الحزب والمؤسسات والنخب الانتخابية والأعيان والمشاركة المستمرة في تدبير السلطة. لكن وصف أي منها نهائيا بأنه “حزب كارتيل” يحتاج إلى قياس أدق لبنيته المالية والتنظيمية وقواعده الاجتماعية، وليس فقط إلى موقعه داخل الحكومة.
وحتى الأحزاب التاريخية المنحدرة من الحركة الوطنية أو اليسار، مثل الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، لا يمكن إعفاؤها من السؤال نفسه. فقد احتفظت هذه الأحزاب بمرجعيات تاريخية وأيديولوجية وببعض شبكاتها التنظيمية، لكن مشاركتها الطويلة في المؤسسات والحكومات، وتراجع التعبئة الجماهيرية مقارنة بمراحل سابقة، يطرحان سؤال المسافة التي باتت تفصلها عن نموذج الحزب الجماهيري الذي نشأت في إطاره.
وفي المقابل، تبدو أحزاب وتنظيمات أخرى أكثر احتفاظا بسمات الحزب ذي الهوية السياسية الواضحة والقواعد القابلة للتعبئة. وينطبق ذلك، بدرجات مختلفة، على حزب العدالة والتنمية، وعلى مكونات تحالف اليسار الذي يجمع الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي، وهما تنظيمان أعلنا في يونيو 2026 ميثاقا سياسيا وبرنامجيا مشتركا يقوم على مرجعيات معلنة في الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
لكن ذلك أيضا لا يمنح هذه الأحزاب حصانة نظرية ضد “الكارتلية”. فالعدالة والتنمية نفسه قاد الحكومة عشر سنوات وشارك طويلا في المؤسسات واستفاد، شأنه شأن الأحزاب المستوفية للشروط القانونية، من التمويل العمومي. ولذلك فالسؤال العلمي ليس من هو “حزب حقيقي” ومن هو “حزب مزيف”، وإنما أي الأحزاب ما زال يستمد الجزء الأكبر من حيويته من المجتمع والمنخرطين والفكرة السياسية، وأيها أصبحت الدولة والانتخابات والمؤسسات شرطا رئيسيا لاستمراره.
وخارج هذه اللعبة المؤسساتية يقف حزب النهج الديمقراطي العمالي، الذي قرر مقاطعة انتخابات 2026، معلنا أن شروط المشاركة الديمقراطية غير متوفرة من وجهة نظره. كما توجد جماعة العدل والإحسان خارج المنافسة الانتخابية والحزبية التقليدية. وهي حالات مختلفة تماما، لكنها تذكر بأن النشاط السياسي في المغرب لا ينحصر في الأحزاب المشاركة في الانتخابات.
انتخابات 2026 تكشف أزمة الوساطة
مرة أخرى قدمت لنا الانتخابات التي شهدها المغرب هذا العام أحد أوضح الاختبارات لهذه التحولات. فقد بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية 15.8 مليون ناخبا، بينما بلغت نسبة المشاركة الرسمية بالكاد 38.02%، أي أن نحو ستة من كل عشرة ناخبين مسجلين لم يشاركوا في الاقتراع. ولا تتوافر في المصادر الرسمية التي أمكن التحقق منها معطيات تثبت رقم مليوني ورقة ملغاة المتداول في بعض النقاشات، ولذلك ينبغي التعامل بحذر مع هذا الرقم.
لكن نسبة المشاركة نفسها تطرح سؤال الوساطة السياسية، فالامتناع عن التصويت ليس كتلة سياسية متجانسة. هناك من يقاطع لأسباب سياسية واعية، ومن يعزف بسبب الإحباط، ومن لا يجد بين المرشحين من يمثله، ومن يبتعد عن السياسة تماما. كما أن الورقة الملغاة قد تكون خطأ تقنيا وقد تكون تصويتا احتجاجيا، لذلك لا يمكن تحويل كل الممتنعين إلى معارضة سياسية للنظام أو للأحزاب.
غير أن استمرار مستويات واسعة من العزوف يصبح أكثر دلالة عندما يتزامن مع ضعف الانتماء الحزبي وتراجع الفوارق بين البرامج وعجز الأحزاب عن تعبئة قطاعات واسعة من المجتمع، وخصوصا الشباب.
وهنا تكمن المفارقة، ففي الوقت الذي تبدو فيه قاعدة المشاركة الانتخابية محدودة، يستمر عدد كبير من الأحزاب في العمل والمشاركة في الانتخابات والمؤسسات. وهنا يصبح السؤال مشروعا عن أسباب استمرار كائنات سياسية، رغم أنها ضعيف العضوية والتعبئة والاستقلال المالي، حية ومستمرة سنوات طويلة؟
وبالعودة إلى نظرية حزب الكارتيل يمكن أن نجد أحد الأجوبة الممكنة لهذا السؤال، فالدولة نفسها قد تصبح البيئة التي تسمح للحزب بالبقاء عندما لم يعد المجتمع قادرا أو راغبا في تمويله وتغذيته بالمنخرطين والنشطاء، وهذا حال العديد من “الكائنات السياسية” التي تعيش داخل هذه البيئة التي تشبه “أكواريوم”، ولا يمكنها أن تعيش خارجها.
مشاورات تشكيل الحكومة أوضح اختبار لأحزاب الكارتيل
وبالعودة إلى الواقع الحالي للحالة المغربية، تقدم لنا مشاورات تشكيل الحكومة بعد انتخابات 23 شتنبر مثالا آخر يمكن قراءته من زاوية نظرية “أحزاب الكارتيل”، فبعد تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المكلفة بتشكيل الأغلبية، أجرت مشاورات مع التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية والاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية، وكلها بدون استثناء أظهر استعدادها للمشاركة في الحكومة. وفي المقابل، اختار العدالة والتنمية وتحالف اليسار موقع المعارضة ولم يدخلا مسار التفاوض على المشاركة الحكومية.
ولا يعني استعداد حزب للدخول إلى الحكومة أنه تحول تلقائيا إلى حزب كارتيل. ففي النظام البرلماني، الوصول إلى الحكومة هو أصلا أحد أهداف الأحزاب. لكن المسألة تصبح أكثر إثارة للأسئلة عندما تستطيع أحزاب ذات أصول ومرجعيات سياسية شديدة الاختلاف أن تنتقل بسهولة بين الأغلبية والمعارضة، أو أن تعلن استعدادها للتحالف مع قوى كانت تنافسها انتخابيا، من دون أن تظهر خطوط برنامجية واضحة تجعل بعض التحالفات ممكنة وبعضها الآخر مستحيلا. عندها لا يعود السؤال؛ من سيحكم؟ بل؛ ماذا سيتغير في السياسات باختلاف من يحكم؟
وكلما تقلصت الإجابة عن هذا السؤال، اقترب النظام الحزبي من إحدى السمات الأساسية التي وصفها كاتز وماير؛ أحزاب تتنافس بشدة في الانتخابات على توزيع المواقع، لكنها تتقارب في علاقتها بالدولة وفي حاجتها إلى الموارد والمؤسسات التي تضمن استمرارها.
وهذا قد يفسر جزءا من المفارقة المغربية، فبالرغم من كثرة الأحزاب إلا أنها لا تعكس تعددية حقيقية، وأكثر من ذلك لا تقدم للمواطن خيارات سياسية متنوعة توازي تعدد الأحزاب.
عندما يفقد صندوق الاقتراع قدرته على التمييز
هذا النقاش يعيد أيضا إلى الواجهة سؤالا أقدم حول جدوى الانتخابات نفسها عندما تضعف الفوارق بين المتنافسين. ولا يعني طرح هذا السؤال أن الانتخابات بلا جدوى أو أن الديمقراطية التمثيلية يمكن الاستغناء عنها ببساطة. لكنه يساعد على فهم الخطر الذي يواجه أي نظام انتخابي عندما يصبح المواطن مقتنعا بأن تغيير ورقة التصويت لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير السياسة العامة التي لا تستجيب لمتطلباته.
فالانتخابات تكتسب معناها عندما توجد اختيارات حقيقية بين مشاريع مختلفة، وعندما يعرف الناخب أن تصويته لهذا الحزب بدلا من ذاك قد يغير السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. أما عندما تتقارب البرامج والتحالفات وتصبح معظم القوى مستعدة للحكم بعضها مع بعض، فإن المنافسة قد تتحول تدريجيا من صراع حول التوجه العام للدولة إلى منافسة حول التدبير اليومي لمؤسساتها.
وهنا ربما تكمن الدلالة الأعمق لانتخابات 2026، فالمشكلة ليست في أن المغرب يتوفر على عدد كبير من الأحزاب شاركت فيها، ولا في أن الدولة تمولها، لأن التمويل العمومي في حد ذاته آلية مشروعة ومعروفة في الديمقراطيات. المشكلة التي تستحق البحث هي ما إذا كانت الأحزاب لا تزال تؤدي الوظيفة التي يفترض أن تبرر وجودها، أي تنظيم وتأطير المجتمع، إنتاج الأفكار والنخب، تمثيل المصالح المتعارضة، تحويل المطالب الاجتماعية إلى برامج سياسية، وربط المواطن بمؤسسات القرار.
إذا ضعفت هذه الوظائف، بينما ازدادت حاجة الأحزاب إلى التمويل العمومي والمقاعد والمناصب والمؤسسات لضمان استمرارها، فإن مفهوم “حزب الكارتيل” يصبح أكثر من استعارة سياسية، بل يصبح فرضية جدية لفهم جزء من أزمة السياسة المغربية.
وعندها لا تعود نسبة المشاركة البالغة 38.02% مجرد رقم انتخابي، بل مؤشرا يستحق القراءة إلى جانب مؤشرات أخرى عن الثقة والعضوية الحزبية والتمويل والاستقلال التنظيمي. فالانتخابات لا تخبرنا فقط بمن حصل على المقاعد، وإنما أيضا بمن لم يعد يرى في الأحزاب وسيلة للتعبير عن مصالحه.
وربما يكون السؤال الأكثر أهمية بعد انتخابات 2026 ليس لماذا امتنع هذا العدد الكبير من الناخبين عن التصويت، وإنما لماذا لم تعد الأحزاب قادرة على إقناعهم بأن الاختيار بينها يمكن أن يُحدث فرقا حقيقيا في حياتهم ومعيشتهم اليومية.
