تحليل إخباري: حروب الأرقام في برامج 8 أحزاب سياسية في انتخابات 2026
مع دخول الحملة الانتخابية لتشريعيات 23 شتنبر مراحلها الحاسمة، لا تتنافس الأحزاب السياسية الثمانية فقط على تقديم شعارات وبرامج عامة، وإنما تخوض أيضا ما يشبه “حرب أرقام”، من خلال تحديد كلفة برامجها، وعدد مناصب الشغل التي تتعهد بإحداثها، ونسب الزيادة في الأجور، ومستويات الاستثمار، وأهداف النمو والبطالة والعجز والمديونية، فضلا عن المخصصات المقترحة للتعليم والصحة والبحث العلمي، والإعفاءات أو الزيادات الضريبية.
وتكشف مقارنة الأرقام الواردة في برامج ثمانية أحزاب رئيسية هي التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والعدالة والتنمية، والتقدم والاشتراكية، والحركة الشعبية، وتحالف اليسار، عن تفاوت كبير في درجة اعتماد الأحزاب على الأهداف الكمية. فبعضها حدد كلفة إجمالية ومصادر تمويلها، فيما اكتفى بعضها الآخر بتحديد أهداف قطاعية أو اجتماعية دون تقديم غلاف مالي شامل.
التجمع الوطني للأحرار: 224 مليار درهم إضافية، واستثمار عند 33% وعجز في حدود 3%
يقدم حزب التجمع الوطني للأحرار خارطة “مغرب 2031″ بغلاف مالي إضافي يفوق 224 مليار درهم خلال الفترة 2026-2031، أي ما يقارب 45 مليار درهم سنويا. ويستهدف الحزب بلوغ معدل استثمار في حدود 33% من الناتج الداخلي الخام، مع حصر العجز الميزانياتي في حدود 3%.
وفي التشغيل، يتبنى الحزب هدف إحداث مليون منصب شغل خلال الولاية، مع خفض معدل البطالة من 10,8% إلى 9% في أفق 2031. ويقترح رفع الحد الأدنى للأجر إلى 5000 درهم شهريا، وربط الدعم الاجتماعي بالتضخم، ومنح ائتمان ضريبي يصل إلى 5000 درهم سنويا عن كل طفل لفائدة الأسر.
كما يقترح تعميم مدارس وإعداديات الريادة بحلول 2028، والثانويات في أفق 2031، ورفع عدد الجامعات من 12 إلى 27، وتأهيل 1600 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية وإحداث 200 مؤسسة إضافية و100 وحدة متنقلة، مع إحداث 12 خدمة جهوية لـ”SAMU”.
أيضل، يستهدف الحزب تطوير الرقمنة وخلق مئات الآلاف من فرص الشغل المرتبطة بالصناعة والخدمات والاقتصاد الرقمي. ويقدم هذه الأهداف ضمن فرضية نمو بلغت 4,5% سنة 2025 وتضخم متوقع في حدود 0,9%، مع الحفاظ على التوازنات المالية.
الأصالة والمعاصرة: 350 مليار درهم، مليون منصب، وبطالة في حدود 7%
يحدد حزب الأصالة والمعاصرة الكلفة الإضافية لبرنامجه في 350 مليار درهم خلال خمس سنوات، أي نحو 70 مليار درهم سنويا. وتتوزع الكلفة على 150 مليار درهم لميثاق القدرة الشرائية، و100 مليار لميثاق المواطنة، و50 مليار لإدماج الشباب، و50 مليار لميثاق الأمان.
ويقول الحزب إنه سيعبئ 300 مليار درهم من الأثر الإضافي للنمو، و40 مليار درهم من مساهمة الجماعات الترابية، و10 مليارات درهم من إعادة التخصيص والنجاعة الميزانياتية.
ويستهدف الحزب خلق مليون منصب شغل صاف خلال 2027-2031، موزعة على 360 ألفا مرتبطة بكأس العالم 2030 والأنشطة المواكبة، و270 ألفا في اقتصاد المعرفة والخدمات ذات القيمة المضافة، و250 ألفا في الصناعة وتعويض الواردات، و80 ألفا في الفلاحة بالعالم القروي، و40 ألفا في اقتصاد الرياضة.
كما يستهدف خفض البطالة من 10,8% إلى 7% في أفق 2031، أي خلق ما لا يقل عن 200 ألف منصب صاف سنويا. كما يلتزم بتكوين 5000 مؤطر في الذكاء الاصطناعي، ويطرح رفع الحد الأدنى للأجر إلى 5000 درهم، ورفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم، وإعفاء الأجور الخام التي تقل عن 15 ألف درهم من الضريبة على الدخل، ومجانية فواتير الكهرباء التي تقل عن 100 درهم.
حزب الاستقلال: 99 مقترحا، 5000 درهم للزواج، و40% ضريبة على الأرباح الاحتكارية
لا يقدم حزب الاستقلال غلافا ماليا إجماليا موحدا لبرنامجه، لكنه يطرح 99 مقترحا موزعة على خمسة محاور. ومن أبرز الأرقام الواردة في البرنامج تخصيص دعم مالي يصل إلى 5000 درهم للشباب المقبلين على الزواج، وتكوين 100 ألف شاب وتأهيلهم للاندماج في الاقتصاد الرقمي العالمي، وإحداث 2000 طبيب متخصص في المستعجلات في أفق 2031.
ويقترح الحزب أن يضمن برنامج “تجربتي” لإدماج الخريجين مواكبة تمتد بين 6 و18 شهرا، وأن يتم تأهيل 100% من المدارس بالإنترنت في نهاية الولاية الابتدائية. وفي المجال الجبائي يقترح فرض ضريبة بنسبة 40% على أرباح الأنشطة الاحتكارية، إلى جانب خصم ضريبي للأسر التي تتحمل تكاليف تمدرس أطفالها.
كما يقترح عدم بقاء أي شاب خارج التعليم أو التكوين أو العمل أو المواكبة لأكثر من 6 أشهر، ويضع 2031 كأفق للخطة الوطنية لتقوية الطبقة الوسطى. ويعتمد الحزب كذلك على 16 تدبيرا لحماية القدرة الشرائية للأسر، مع الرفع التدريجي للأجور والمعاشات، ورقمنة 100% من الخدمات العمومية.
الاتحاد الاشتراكي: 250 ألف وظيفة صناعية، نمو إضافي بـ1,5 نقطة، وزيادة الأجور بـ20%
يحدد الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مجموعة واسعة من الأهداف الكمية تحت شعار “التنمية العادلة”. ويتعهد بخلق 250 ألف منصب شغل صناعي، ورفع الصادرات الصناعية بنسبة 40%، وإضافة 1,5 نقطة مئوية سنويا إلى النمو عبر التصنيع، وخفض البطالة إلى أقل من 8%، وبطالة الشباب إلى أقل من 10%، ورفع مشاركة النساء في سوق الشغل إلى أكثر من 30%.
ويقترح رفع متوسط الأجور بنسبة 20% والدخل الصافي للأجراء بنسبة 15%، ودعم 250 ألف أسرة من الطبقة المتوسطة لاقتناء السكن، وخفض كلفة الصحة والتعليم على الأسر بنسبة 20%.
كما يقترح زيادة الاستثمار العمومي الموجه إلى الجهات الأقل نموا بنسبة 50%، مع الحفاظ على الاستثمار العمومي في حدود 30% من الناتج الداخلي الخام، ومواكبة 100 ألف مقاولة صغيرة ومتوسطة، وتخصيص 30% من الصفقات العمومية لفائدتها.
وفي الصحة يستهدف رفع عدد مقدمي الخدمات الصحية إلى 4,5 لكل ألف نسمة وتقليص زمن الانتظار بـ50%، وفي التعليم رفع ميزانية البحث العلمي إلى 2% من الناتج الداخلي الخام، وتقليص الاكتظاظ بـ40%، ورفع إدماج الخريجين إلى 60%، وإحداث 10 أقطاب جامعية جديدة، ورقمنة الخدمات الجامعية بنسبة 100%.
كما يقترح إحداث 200 ألف منصب شغل قروي، وإدماج 200 ألف شاب سنويا في الشغل أو المقاولة، ودعم 50 ألف مقاولة شابة، ورفع الإدماج بعد التكوين المهني إلى 80%.
العدالة والتنمية: 467 إجراء، و40% ضريبة على القطاعات الاحتكارية، و1,5% للبحث العلمي
يقدم حزب العدالة والتنمية برنامجا يضم 467 إجراء، لكنه يختلف عن برامج البام والأحرار والتقدم والاشتراكية في أنه لا يحدد غلافا ماليا إجماليا واضحا ولا رقما مستهدفا للنمو أو العجز أو المديونية.
ويشير الحزب في تشخيصه إلى 1,6 مليون عاطل سنة 2025، وإلى تجاوز بطالة الشباب بين 15 و24 سنة 37%، وإلى أن نحو ثلث الشباب بين 15 و29 سنة يوجد خارج العمل والتعليم والتكوين، كما يسجل إحداث 94 ألف منصب شغل فقط بين 2022 و2025، وارتفاع دين الخزينة بنحو 315 مليار درهم خلال الولاية الحكومية الحالية.
ويقترح رفع تمويل البحث العلمي تدريجيا إلى 1,5% من الناتج الداخلي الخام، وإنشاء قطب جامعي مدمج واحد على الأقل في كل جهة، واعتماد التناوب اللغوي في بعض المواد العلمية والتقنية بما لا يتجاوز 30% من الحصص.
وفي الصحة يقترح إعادة إدماج أكثر من 8 ملايين مستفيد سابق من “راميد”، ومعالجة وضعية أكثر من 54 ألف أرملة أقصين من برامج الدعم الاجتماعي المباشر. وفي الضرائب يقترح فرض ضريبة بنسبة 40% على الشركات العاملة في قطاعات ذات وضعيات احتكارية أو شبه احتكارية، وإعادة ضريبة الشركات الصغرى جدا والصغرى إلى 10% للمقاولات التي لا يتجاوز ربحها السنوي 300 ألف درهم، واعتماد تعريف للمقاولة المتناهية الصغر التي لا يتجاوز رقم معاملاتها 3 ملايين درهم.
التقدم والاشتراكية: 575 مليار درهم، موارد إضافية بـ622 مليار، ومليون منصب
يقدم حزب التقدم والاشتراكية واحدا من أكثر البرامج تفصيلا من حيث الأرقام، إذ يضم 63 هدفا و220 التزاما و996 إجراء، ويقدر الكلفة الإضافية لتنفيذه خلال خمس سنوات بـ575 مليار درهم، مقابل موارد إضافية يقدرها الحزب بـ622 مليار درهم، أي بفارق 47 مليار درهم بين الموارد والنفقات الإضافية.
ويستهدف الحزب خلق مليون منصب شغل، من بينها 100 ألف منصب في القطاع الرقمي، وتشغيل 500 ألف أجير في القطاع الصناعي، ورفع مساهمة الصناعة في الناتج الداخلي من 15% إلى 20%.
كما يقترح رفع الأجور بنسبة 15% على مرحلتين، ورفع الحد الأدنى للأجر وربطه بالتضخم، ومنح 1000 درهم عن كل طفل متمدرس، ورفع الدعم الاجتماعي المباشر للأسر إلى 1000 درهم، وتعبئة استثمارات وموارد إضافية في الصحة والتعليم والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
كما يتضمن البرنامج إصلاحات ضريبية تستهدف العدالة الجبائية ومحاربة اقتصاد الريع، وإنشاء بنك عمومي للاستثمار، إلى جانب دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة والإنتاج الوطني.
الحركة الشعبية: أرقام أقل، وتركيز أكبر على الإجراءات المجالية والضريبية
يختلف “التعاقد الحركي” للحركة الشعبية عن البرامج التي تعتمد غلافا ماليا إجماليا، إذ اختار الحزب، بحسب أمينه العام محمد أوزين، تجنب ما وصفه بـ”مزاد الأرقام”، وعدم تقديم وعود مالية لا يستطيع ضمان تمويلها. ومع ذلك، يتضمن التعاقد عددا من الأهداف الرقمية، منها إحداث حساب ضريبي اجتماعي للأسر يسمح بخصم مصاريف التعليم الخاص والصحة والخدمات الأساسية من الوعاء الضريبي، وإطلاق منصة وطنية للأسعار مع آلية تدخل عند ارتفاع سلة المواد الأساسية بنسبة 20% خلال 30 يوما، ورقمنة الإجراءات الإدارية والجبائية للمقاولات.
كما يركز الحزب على توسيع الاستفادة من دعم السكن إلى العالم القروي، وتقوية الخدمات في المناطق الجبلية والقروية، وتعميم تدريس الأمازيغية، وينتقد اختزال ميزانية الأمازيغية، بحسب أوزين، في نحو مليار درهم دون انعكاس كاف على الواقع.
ولا يقدم الحزب، في المقابل، غلافا ماليا إجماليا أو أهدافا كمية مماثلة لما قدمته أحزاب مثل البام والتقدم والاشتراكية وتحالف اليسار، وهو ما يجعل برنامجه أقل قابلية للمقارنة الحسابية المباشرة.
تحالف اليسار: 500 مليار درهم و431 إجراء، وخفض الدين إلى 63%
يضع تحالف اليسار، الذي يضم فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، غلافا ماليا قدره 500 مليار درهم لتنفيذ 431 إجراء خلال 2027-2031. ويحدد البرنامج مسارا تمويليا سنويا يبلغ 70 مليار درهم في 2026، و36 مليارا في 2027، و102 مليار في 2029، و130 مليارا في 2030، و162 مليار درهم في 2031، مع هدف خفض دين الخزينة إلى 63% والحفاظ على عجز يتراوح بين 3,8 و4%.
ويقترح تعبيد 15 ألف كيلومتر من الطرق القروية، وربط 90% من الدواوير بالماء الصالح للشرب، ورفع حصة الطاقات المتجددة إلى ما بين 30 و40% في أفق 2031، وتخصيص 30% من الصفقات العمومية للمقاولات الصغرى.
اجتماعيا، يقترح منحة ولادة قدرها 5000 درهم لكل أم تضع مولودها في مستشفى عمومي، وإحداث 3000 دار حضانة مجانية، ومنحة 1500 درهم شهريا للخريجين الباحثين عن العمل لمدة لا تتجاوز سنة، وخلق 150 ألف منصب شغل للشباب العاطل، ورفع الحد الأدنى للأجر إلى 5000 درهم صاف في أفق 2029، ومنحة استقلالية للأشخاص في وضعية إعاقة بقيمة 1500 درهم شهريا، ودخل كرامة بقيمة 1500 درهم شهريا للمسنين بدون معاش، وزيادة 2000 درهم شهريا في المعاشات.
ويقترح أيضا تخصيص 70,9 مليار درهم للتعليم والجامعة و80,2 مليار درهم للصحة، ورفع ميزانية البحث والتطوير إلى 1,2% من الناتج الداخلي الخام، وتوظيف 15 ألف مهني صحي وما بين 8 آلاف و10 آلاف أستاذ باحث، وخفض أسعار الأدوية بنسبة تتراوح بين 30 و50%، وإعفاء المواد الأساسية والأدوية بالكامل من الضريبة على القيمة المضافة.
“حروب الأرقام”
وتظهر هذه المقارنة أن “حروب الأرقام” لا تعني فقط التنافس على أكبر غلاف مالي. فالأرقام تكشف اختلافا في طبيعة البرامج نفسها: الأحرار يربطون وعودهم بميزانية إضافية تبلغ 224 مليار درهم وباستثمار يعادل 33% من الناتج وعجز في حدود 3%؛ والبام يحدد برنامجه بـ350 مليار درهم ومليون منصب وبطالة مستهدفة عند 7%؛ والتقدم والاشتراكية يرفع الكلفة إلى 575 مليار درهم مقابل موارد إضافية بـ622 مليار؛ وتحالف اليسار يضع 500 مليار درهم لـ431 إجراء مع هدف دين عند 63%؛ بينما يقدم الاتحاد الاشتراكي حزمة واسعة من الأهداف القطاعية، ويقدم الاستقلال أرقاما محددة في التشغيل والضرائب والخدمات، في حين يعتمد العدالة والتنمية والحركة الشعبية بدرجة أكبر على الإجراءات والإصلاحات دون غلاف مالي شامل.
وتطرح هذه الأرقام في النهاية سؤالا يتجاوز حجم الوعود؛ ما الفرضيات الاقتصادية والجبائية التي تقوم عليها؟ فكل زيادة في الأجور أو الدعم أو الاستثمار تحتاج إلى مورد، وكل خفض في الضرائب يحتاج إلى تعويض، وكل تعهد بخفض العجز والمديونية يتطلب ضبطا للإنفاق أو نموا أعلى أو موارد جبائية جديدة.
لذلك فإن المقارنة الأكثر دلالة بين البرامج ليست فقط معرفة الحزب الذي وعد بأكبر عدد من المليارات، وإنما معرفة أي حزب حدد بدقة أكبر كلفة وعوده، ومصادر تمويلها، وأهداف النمو والعجز والمديونية التي يفترض أن تجعل تلك الوعود قابلة للتنفيذ.
الخلاصة، أن المقارنة الرقمية بين البرامج الانتخابية الثمانية لا تقدم فقط صورة عن حجم الوعود، بل تكشف أيضا اختلاف التصورات الاقتصادية؛ فبينما يراهن بعضها على النمو والاستثمار الخاص، يوسع بعضها الآخر دور الدولة والإنفاق العمومي، وتراهن برامج أخرى على إعادة توزيع الثروة والإصلاح الضريبي. ويبقى السؤال الذي ستفرضه الأرقام على الأحزاب بعد الانتخابات هو نفسه الذي تفرضه عليها خلال الحملة: من أين ستأتي الأموال لتنفيذ كل هذه الوعود؟
