مأساة سبتة المحتلة بعد شهر.. إعادة بناء سردية أحداث أزمة لم تنته بعد كشفت فجوة بين الصمت المغربي والاستنفار الإسباني
بعد شهر على موجة العبور الجماعي التي شهدها المعبر بين المغرب وسبتة المحتلة يومي 30 و31 يوليوز، لا تزال تداعيات الأزمة تتفاعل على جانبي الحدود، بعدما تحولت في وقت قياسي من حادث هجرة جماعية إلى أزمة إنسانية وأمنية وسياسية غير مسبوقة، كشفت فجوات كبيرة في الاستعداد والتواصل وتدبير الأزمة، ووضعت العلاقة المغربية-الإسبانية أمام أسئلة جديدة.
ففي حين اختارت السلطات المغربية، في الأيام الأولى، خطابا رسميا مقتضبا ركز على التضليل الرقمي وشبكات الاتجار بالبشر، ثم انحصر النقاش الحكومي لاحقا في تصريحات متفرقة، انتقل الجانب الإسباني، رغم الانتقادات الحادة التي تعرض لها، إلى سلسلة من الإجراءات الأمنية واللوجستية والسياسية والمالية، انتهت بإحداث قيادة موحدة للأزمة وطلب مساعدة أوروبية، فيما تستعد الحكومة الإسبانية لضخ 165 مليون يورو إضافية في سبتة.
وبعد شهر، لا تزال الصورة غير مكتملة. فلا توجد حصيلة نهائية متوافق عليها لعدد الذين حاولوا العبور، ولا لعدد الضحايا، كما أن مصير عدد من القاصرين والجثامين لا يزال جزءا من أزمة إنسانية لم تغلق فصولها.
30 يوليوز.. الانفجار الذي سبقته مؤشرات
لم تبدأ الأزمة صباح 30 يوليوز من فراغ. فقد شهدت المنطقة المحيطة بمدينة الفنيدق، خلال الأيام السابقة، توافد أعداد متزايدة من الشباب والقاصرين والعائلات، فيما تحدثت تقارير حقوقية وإعلامية عن رسائل عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي تدعو إلى التوجه نحو الحدود والعبور الجماعي.
وأفاد المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في خلاصاته الأولية المنشورة في 7 غشت، بأن فرق الرصد الميداني سجلت خلال يومي 29 و30 يوليوز توافد أعداد كبيرة إلى الفنيدق، وأن مجموعات من الشباب قالت إنها تلقت رسائل عبر تطبيق “واتساب” تدعوها إلى التوجه إلى بوابة العبور بعد منتصف الليل من أجل المرور الجماعي إلى سبتة. كما وثق المجلس إجراءات لتقييد التنقل من مدن مغربية عدة باتجاه الشمال.
وفي الجانب الإسباني، كانت السلطات قد بدأت في رصد تصاعد الضغط قبل الانفجار الكبير، بينما قال رئيس حكومة سبتة المحلية إن المدينة تواجه “حالة طوارئ إنسانية واجتماعية كاملة”. وفي الساعات الأولى من 30 يوليوز، كان التقدير الأولي يتحدث عن آلاف الوافدين، قبل أن تتضخم الأرقام بسرعة مع اتساع عمليات العبور.
وفي ذلك اليوم، اندفع عشرات الآلاف نحو الحدود، عبر البحر والحاجز الحدودي، في مشهد تجاوز في حجمه الطاقة الاستيعابية لمدينة يبلغ عدد سكانها نحو 80 ألف نسمة. وبحلول نهاية الأزمة، قدرت السلطات الإسبانية العدد الإجمالي لمن دخلوا سبتة بنحو 72 ألف شخص، معظمهم عادوا إلى المغرب خلال الساعات والأيام التالية.
مأساة إنسانية وحصيلة لم تستقر
الوجه الأكثر مأساوية للأحداث كان في البحر. فمنذ الساعات الأولى، بدأت فرق الإنقاذ الإسبانية في انتشال جثامين من محيط الحاجز البحري لتاراخال. ارتفع العدد من 57 جثة في 31 يوليوز إلى 67 في اليوم التالي، ثم إلى أكثر من 80 في الأيام اللاحقة. وأعلنت السلطات الإسبانية لاحقا أن 82 جثة انتشلت من الساحل، بينما تحدثت مصادر لاحقة عن حصيلة بلغت نحو 90 وفاة مرتبطة بالأحداث.
وفي المقابل، أعلنت وزارة الداخلية المغربية في 2 غشت تسجيل 11 وفاة على الجانب المغربي، بينها عشر حالات غرق وحالة وفاة بسبب السقوط من منطقة صخرية، وقدمت في البداية رقما يقارب 40 ألف شخص توجهوا نحو سبتة و1135 نحو مليلية.
وفي وقت لاحق، أشارت مصادر دولية إلى تأكيد 14 وفاة على الجانب المغربي، في حين رفعت منظمات حقوقية مغربية ودولية تقديراتها إلى مستويات أعلى بكثير. فقد تحدثت “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” عن 141 وفاة مرتبطة بأحداث سبتة ومليلية، بينما قدرت منظمة “كاميناندو فرونتيراس” في مرحلة مبكرة 141 وفاة، بينها 63 جثة قالت إنها عُثر عليها في الأراضي المغربية.
وهنا تكمن إحدى أكبر مشكلات الأزمة: غياب حصيلة إنسانية موحدة وشفافة. فالأرقام ليست مجرد خلاف إحصائي. وراء كل رقم جثمان وعائلة ومفقود ينتظر معرفة مصير قريب أو ابن أو أب.
وفي الجانب الإسباني بدأت عملية الطب الشرعي وأخذ البصمات والعينات البيولوجية، قبل أن تنطلق عمليات الدفن، في ظل استمرار صعوبة تحديد هويات عدد كبير من الضحايا. وبحسب مصادر إعلامية، بدأ في 21 غشت دفن ضحايا مجهولي الهوية في مقبرة المسلمين بسبتة، فيما كان نحو 70 جثمانا مبرمجا للدفن في المدينة، مع وضع أرقام على القبور تحسبا لإمكان التعرف على أصحابها لاحقا.
وكان ملف الجثامين من أكثر الملفات إثارة للانتقادات الحقوقية، إذ دعا “المجلس الوطني لحقوق الإنسان” إلى إنشاء آلية مشتركة ومسؤولة لتحديد هويات الضحايا وتسهيل تسليم الجثامين إلى أسرهم لدفنهم بكرامة، لكن لا شيء أٌحدث من الجانب المغربي.
أول رد مغربي.. بعد أيام من الصمت
أول توضيح رسمي مغربي شامل سيصدر في 2 غشت، أي بعد أيام من بداية الأزمة، على لسان الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية، الذي قال إن الأحداث لم تكن عفوية أو وليدة ظروف ظرفية، وربطها بتداخل عوامل من بينها استغلال الفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضللة، ونشاط شبكات الاتجار بالبشر، وتأويلات خاطئة لمعطيات قانونية وإدارية أوهمت بعض الأشخاص بإمكانية دخول الفضاء الأوروبي بسهولة.
كما أعلنت الوزارة فتح أبحاث بشأن الأحداث، وقدمت الحصيلة الرسمية الأولى للوفيات.
كان ذلك أول تفسير رسمي مغربي واسع لما جرى، لكنه لم يجب عن أسئلة أساسية: كيف تمكنت أعداد بهذا الحجم من التوجه في وقت واحد نحو الحدود؟ لماذا لم تكن المؤشرات السابقة كافية لاتخاذ إجراءات وقائية أوسع؟ وما الذي جرى في الساعات التي سبقت التدفق الجماعي؟ ومن يقف وراء الدعوات الرقمية؟ وهل كانت شبكات التهريب وحدها قادرة على تحريك عشرات الآلاف؟
هذه الأسئلة لم تجد، بعد شهر، إجابات رسمية شاملة ومعلنة.
من “الصمت” إلى المقاربة الأمنية
بعد أن تحولت المأساة إلى حدث إعلامي دولي، اضطر السلطات المغربية إلى التحرك ، وجاء الرد الأمني المغربي أسرع بكثير من الرد السياسي أو الاتصالي.
وانتشرت القوات الأمنية في المنطقة، وأعيد تشديد المراقبة على الطرق المؤدية إلى الشمال، وأوقفت السلطات رحلات ونقلت قيودا على حركة المسافرين المتجهين نحو المنطقة، فيما جرى تفكيك تجمعات المهاجرين ومنع محاولات جديدة للعبور.
وفي 1 غشت، أعلنت السلطات المغربية توقيف 70 شخصا على خلفية أحداث عنيفة، قبل أن تتوسع الاعتقالات لاحقا. وبعد ظهور دعوات جديدة على مواقع التواصل الاجتماعي لعملية عبور جماعية في 15 غشت، اعتقلت السلطات المغربية 111 شخصا، بينهم 109 من دول إفريقيا جنوب الصحراء ومغربيان، وشددت الانتشار الأمني على الحدود واستخدمت وسائل لتفريق التجمعات.
وبذلك بدا أن الدولة استطاعت، أمنيا، منع تكرار المشهد في منتصف غشت، لكنها لم تقدم في المقابل معالجة سياسية أو اجتماعية موازية لحجم الصدمة التي كشفتها الأحداث.
“المجلس الوطني لحقوق الإنسان”.. أول محاولة مؤسساتية للتوثيق
في خضم الصمت السياسي، جاء تدخل “المجلس الوطني لحقوق الإنسان” ليشكل إحدى أبرز المحاولات المؤسساتية لفهم ما حدث.
ففي 7 غشت، نشر المجلس خلاصات أولية اعتمدت على الرصد الميداني والرقمي وشهادات متعددة المصادر، وأكد أن الأحداث أثارت مخاوف جدية تتعلق بالحق في الحياة، وحقوق الطفل، والهجرة، والسلامة الجسدية والكرامة الإنسانية. كما دعا إلى آلية مشتركة لتحديد الجثامين وتسليمها إلى الأسر.
والأهم أن المجلس سجل وجود تضارب بين الأرقام المغربية والإسبانية، سواء بشأن عدد الأشخاص الذين حاولوا العبور، أو عدد الذين عادوا، أو عدد من بقوا في سبتة، أو عدد القاصرين الموجودين فيها.
وهذا التضارب تحول مع مرور الوقت إلى أحد عناصر الأزمة نفسها.
لماذا غاب النقاش السياسي المغربي؟
ربما كانت المفارقة الأكبر في هذه الأزمة أن حدثا شارك فيه عشرات الآلاف من المغاربة، وسقط فيه عشرات الضحايا، وارتبط بأطفال وقاصرين وبأزمة ثقة وشعور باليأس لدى جزء من الشباب، لم يتحول إلى نقاش سياسي وطني واسع يتناسب مع حجمه.
فبينما فتحت المؤسسات الإسبانية أبوابها للاستجواب والمساءلة، وتحدث الوزراء والشرطة والحكومة المحلية والبرلمان ووسائل الإعلام بصورة شبه يومية عن تفاصيل الأزمة، ظل النقاش المغربي محدودا، وغلب عليه الطابع الأمني أو الحزبي أو الإعلامي المتفرق.
حتى الانتقادات التي صدرت من بعض الأحزاب والنقابات ركزت، بدرجات متفاوتة، على فشل السياسات العمومية وأوضاع الشباب والبطالة والتعليم والقدرة الشرائية. فقد اعتبرت نقابات مغربية أن موجة الهجرة الجماعية تعكس اختلالات متراكمة في التشغيل والتعليم والحماية الاجتماعية وتراجع القدرة الشرائية، فيما وصف سياسيون الحدث بأنه “جرس إنذار” ورسالة تعكس اليأس.
لكن هذه المواقف لم تتحول إلى نقاش وطني للأسباب العميقة للظاهرة.
وهنا تبرز نقطة جوهرية؛ ليس كافيا تفسير ما حدث بشبكات الاتجار بالبشر أو التضليل الرقمي، لأن السؤال الأهم هو لماذا وجد التضليل أصلا عشرات الآلاف المستعدين لتصديقه والمخاطرة بحياتهم؟
فالشائعة لا تصنع اليأس من العدم. إنها تستثمر في خوف أو إحباط أو رغبة موجودة مسبقا في الهروب.
وهبي.. الصوت الحكومي المثير للجدل
في غياب تواصل حكومي موسع، برز وزير العدل عبد اللطيف وهبي في تصريحات إعلامية متفرقة، تحدث فيها عن مسؤولية إسبانيا، وعن صعوبة منع الهجرة غير النظامية في ظل ما اعتبره تسهيلات قانونية ومؤسساتية إسبانية للمهاجرين.
وقال وهبي إن وقف الظاهرة “صعب بدون تنسيق بين البلدين”، وطالب لاحقا بإعادة القاصرين المغاربة إلى المغرب، محملا إسبانيا جزءا من المسؤولية عن تعقيدات الوضع.
لكن هذه التصريحات لم تقدم جوابا عن السؤال المغربي الداخلي: لماذا حاول عشرات الآلاف مغادرة المغرب في يوم واحد؟
كما أن نقل النقاش بسرعة إلى مسؤولية إسبانيا والمطالبة باستعادة القاصرين لم يعالج القضية الأساسية المتعلقة بالسياسات التي أنتجت الرغبة في الهجرة، ولا بمصير الضحايا، ولا بنتائج الأبحاث التي أعلنت عنها وزارة الداخلية.
في الضفة الأخرى.. الأزمة تقابلها المساءلة
لم تكن إدارة مدريد للأزمة ناجحة هي الأخرى، بل تعرضت لانتقادات واسعة.
فقد اتُهمت الحكومة المركزية بالتأخر في تقدير حجم الأزمة، وبأنها احتاجت أسابيع قبل إحداث قيادة موحدة، في وقت ظل فيه آلاف المهاجرين يعيشون في الشوارع وعلى الشواطئ والمناطق المفتوحة.
لكن الفارق المؤسسي ظهر في مسار التطورات اللاحقة. فالحكومة الإسبانية أعلنت منذ اليوم الأول تحريك موارد الدولة، وأرسل الجيش وقوات الشرطة والحرس المدني إلى المدينة، فيما أعلن بيدرو سانشيز في 31 يوليوز أن ما حدث يمثل، في وصفه، “انتهاكا واعتداء على السلامة الترابية” لمدينة إسبانية، متعهدا بتعبئة موارد الدولة لاستعادة الأمن والنظام.
وبعد ذلك دخلت الأزمة إلى البرلمان، وظهر وزراء ومسؤولون أمام اللجان البرلمانية، واستمرت الصحافة الإسبانية في نشر التحقيقات والتقارير المتعارضة حول أعداد الداخلين والوفيات والاستعدادات الأمنية.
وفي 24 غشت، وبعد نحو أربعة أسابيع، أعلنت الحكومة الإسبانية اعتبار وضع سبتة “حالة ذات أهمية للأمن الوطني” وإنشاء قيادة موحدة للأزمة برئاسة وزير السياسة الإقليمية أنخيل فيكتور توريس، لتنسيق عمل 11 وزارة.
تأخر هذا القرار يمثل نقطة ضعف واضحة في أداء مدريد، لكنه في الوقت نفسه يكشف أن المؤسسات الإسبانية اضطرت، تحت ضغط الأزمة والإعلام والمعارضة والشارع، إلى مراجعة طريقة إدارتها.
الأزمة الإسبانية تتحول إلى ملف أوروبي
لم تبق أزمة سبتة شأنا إسبانيا محليا، فمع استمرار وجود آلاف المهاجرين في المدينة، طلبت مدريد مساعدة الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل “فرونتكس” في معالجة ملفات المهاجرين، كما طلبت دعما إضافيا من الاتحاد الأوروبي. وبحسب مصادر إعلامية، كان بين 5 آلاف و8 آلاف شخص لا يزالون في سبتة في 28 غشت، فيما كانت السلطات تحاول تسريع عمليات التحقق والإعادة.
وفي الوقت نفسه، تحولت الأزمة إلى مشكلة اجتماعية وأمنية داخل المدينة. ففي 16 غشت، نظم مئات المهاجرين احتجاجا مطالبين باللجوء وعدم إعادتهم إلى المغرب، بينما كانوا يعيشون في ظروف صعبة على الشواطئ ومحيط المدينة.
وبحلول أواخر غشت، تصاعد التوتر بين السكان والمهاجرين. وشهد 27 غشت اشتباكات وتدخلات للشرطة، كما أُحرقت أجزاء من مخيمات للمهاجرين، واعتُقل 12 شخصا على خلفية رشق مركبة عسكرية بالحجارة، في مؤشر على أن الأزمة تحولت من أزمة حدود إلى أزمة داخلية في المدينة.
5 آلاف في سبتة.. و1500 قاصر على الأقل
وبعد عودة الغالبية الساحقة من الذين دخلوا إلى المغرب، ظل آلاف الأشخاص في سبتة.
وقدرت وزارة الداخلية الإسبانية في 28 غشت العدد بنحو 5 آلاف، بينهم نحو 1500 قاصر، بينما تتحدث تقديرات أخرى عن أعداد أعلى.
وفي 23 غشت، أعلنت وزيرة الإدماج أن السلطات الإسبانية تمكنت من تحديد هوية نحو 2500 قاصر منذ بداية الأزمة، وهو رقم يعكس حجم الضغط الذي تعرضت له منظومة حماية الطفولة في المدينة.
وهنا أيضا ظهرت فجوة بين الأرقام الحكومية والتقديرات المحلية والسياسية، لكنها أصبحت موضوعا للنقاش العام والبرلماني والإعلامي في إسبانيا، وليس رقما محاطا بالصمت.
الجثامين.. الوجه الأكثر قسوة للأزمة
ربما لا يوجد ملف يجسد مأساة سبتة أكثر من مصير الضحايا. في إسبانيا، جرى تشريح الجثامين وأخذ البصمات والعينات البيولوجية ومقارنتها ببيانات متوفرة لدى السلطات وبعينات من عائلات الضحايا.
وفي 21 غشت بدأت عمليات دفن عدد من مجهولي الهوية في مقبرة المسلمين بسبتة، مع الإبقاء على إمكانية التعرف عليهم مستقبلا.
وفي المقابل، ظل مسار إعادة الجثامين إلى المغرب بطيئا ومعقدا، فيما طالبت منظمات حقوقية بإعطاء الأولوية للتعرف على الضحايا وإعادتهم إلى أسرهم.
وهنا يصبح الصمت الرسمي المغربي أكثر كلفة؛ لأن التعامل مع الموتى لا يمكن اختزاله في خلاف دبلوماسي أو في سؤال حول السيادة.
المحزن، أن الحكومة المغربية، على لسان وزير العدل عبد اللطيف وهبي، اتخذت من الجثامين ورقة للضغط والتفاوض.
ما الذي كشفته الأزمة عن المغرب؟
بعد شهر، يصعب اختزال مأساة سبتة في “هجرة غير نظامية” فقط. لقد كشفت في آن واحد عن أربعة مستويات من الأزمة.
الأول، أمني؛ قدرة عشرات الآلاف على التحرك نحو منطقة حدودية حساسة خلال فترة قصيرة، قبل أن تستعيد الدولة السيطرة الكاملة على الوضع.
الثاني، إنساني؛ سقوط عشرات الضحايا، بينهم شباب وقاصرون، واستمرار مشكلة المفقودين والجثامين.
الثالث، اجتماعي واقتصادي؛ حجم الاستعداد للمخاطرة بالحياة من أجل الوصول إلى أوروبا يكشف عمق أزمة التوقعات لدى جزء من الشباب، مهما كان حجم تأثير شبكات التهريب والتضليل.
الرابع، سياسي ومؤسساتي؛ ضعف التواصل الرسمي، وتضارب الأرقام، وغياب التحقيق العلني والمساءلة السياسية، جعل الدولة المغربية تخسر جزءا من قدرتها على التحكم في الرواية.
وإذا كان التضليل الرقمي وشبكات الاتجار بالبشر قد لعبت دورا في تحريك الناس، فإن السؤال السياسي الأعمق يبقى قائما: لماذا أصبح آلاف المغاربة مستعدين لتصديق رسالة مجهولة المصدر تقول إن الحدود مفتوحة؟
هل كان المغرب ضحية لأزمة أم طرفا في تدبيرها؟
لا توجد، حتى الآن، أدلة علنية حاسمة تسمح بالجزم بأن الحكومة المغربية خططت لعملية العبور أو قررت استخدامها أداة ضغط على إسبانيا.
بل إن مسؤولين مغاربة قالوا إنهم يعتبرون شبكات الاتجار بالبشر والتضليل الرقمي من أبرز أسباب الأحداث، بينما قالت مدريد إن التعاون مع المغرب ساعدها على إعادة الغالبية الساحقة من الداخلين. كما انتقد مسؤول مغربي إسبانيا لعدم توقع تأثير حكم قضائي إسباني صدر في يوليوز بشأن إعادة المهاجرين الذين يصلون إلى سبتة ومليلية.
لكن غياب الدليل على التخطيط الرسمي لا يلغي سؤالا آخر أكثر إلحاحا: هل فشلت الدولة المغربية في توقع الأزمة؟
وإذا كانت المؤشرات موجودة قبل أيام، وإذا كانت السلطات قد استطاعت لاحقا تعبئة آلاف العناصر ومنع محاولة جديدة في 15 غشت، فإن السؤال المشروع هو لماذا لم يحدث المستوى نفسه من الاستعداد قبل 30 يوليوز؟
وهذه ليست مسألة اتهام، بل مسألة تقييم للأداء المؤسساتي.
درس مدريد: ضعف في البداية وتصحيح تحت الضغط
لا ينبغي تقديم التجربة الإسبانية باعتبارها نموذجا ناجحا. فالحكومة الإسبانية تعرضت لانتقادات بسبب بطء الاستجابة، وعدم توفير أماكن الإيواء بسرعة، وتأخر إنشاء القيادة الموحدة، كما أن آلاف المهاجرين ظلوا أسابيع في ظروف قاسية.
لكن التجربة الإسبانية أظهرت، في المقابل، قدرة المؤسسات على الانتقال من الإنكار أو التقليل من حجم المشكلة إلى الاعتراف بها، ثم فتحها أمام البرلمان والإعلام والقضاء والمجتمع المدني، وصولا إلى تخصيص موارد مالية كبيرة.
فقد أعلنت مدريد حزمة طوارئ بقيمة 165 مليون يورو لسبتة، تضاف إلى خطة أخرى بقيمة 180 مليون يورو، مع تخصيص أموال للمقاولات والتجارة والسياحة والتعليم والصحة والعدالة.
وهذا لا يعني أن المال يحل الأزمة، لكنه يعني أن الأزمة أصبحت، في نهاية المطاف، مسؤولية سياسية معلنة للدولة.
الدرس المغربي: الأمن وحده لا يجيب عن السؤال
في المغرب، كان الرد الأمني أكثر وضوحا من الرد السياسي. استطاعت السلطات منع محاولات عبور جديدة، وأوقفت أشخاصا متهمين بالتورط في الأحداث، وشددت مراقبة الحدود ووسائل التواصل، لكن الجانب الآخر من المعادلة ظل غائبا: من سيشرح للشباب لماذا وصلوا إلى درجة المخاطرة بالموت؟ ومن سيجيب الأسر التي فقدت أبناءها؟ ومن سيقدم حصيلة نهائية للضحايا؟ ومن سيكشف نتائج الأبحاث التي أعلنت عنها وزارة الداخلية؟
والأهم؛ من سيفتح نقاشا وطنيا حول الأسباب التي دفعت عشرات الآلاف إلى محاولة مغادرة البلاد في لحظة واحدة؟
فإذا كان الحل الأمني قد نجح في منع تكرار المشهد في 15 غشت، فإنه لا يستطيع بمفرده منع تكراره مستقبلا إذا بقيت الأسباب التي تغذي الرغبة في الهجرة على حالها.
أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة حدود
تكمن أخطر نتائج أحداث 30 يوليوز في أنها حولت الحدود إلى مرآة لأزمة أعمق، والهجرة الجماعية إلى استفتاء على حصيلة عهد كامل.
فالشاب الذي يترك مدينته وعمله وأسرته ويخاطر بالغرق لا يفعل ذلك فقط لأن رسالة على هاتفه أخبرته بأن الحدود مفتوحة. الرسالة قد تكون الشرارة، لكنها تحتاج إلى بيئة من اليأس أو الإحباط أو انعدام الثقة حتى تتحول إلى حركة جماعية.
وهنا يصبح من الصعب فصل الهجرة عن قضايا التشغيل والتعليم والعدالة الاجتماعية والقدرة الشرائية والحكامة والثقة في المؤسسات.
لقد قدمت الأحداث صورة صادمة لمغربين، بلد يحتفل في اليوم نفسه تقريبا بخطاب سياسي يتحدث عن الشباب والتنمية والكرامة، بينما كان آلاف الشباب بالقرب من القصر الملكي يلقون بأنفسهم في البحر أملا في الوصول إلى الجانب الآخر.
وهذه المفارقة أكبر من أن تعالج ببيان أمني.
النتيجة.. أزمة لم تنته
بعد شهر، لم تنته أزمة سبتة؛ تغير شكلها فقط. فقد انتهى العبور الجماعي تقريبا، وعاد معظم من دخلوا إلى المغرب، لكن بقيت أزمة القاصرين والمهاجرين الذين لم يعودوا، وأزمة الجثامين والمفقودين، وأزمة المدينة الإسبانية التي تبحث عن استعادة توازنها، وأزمة سياسية للحكومة الإسبانية، وأزمة صمت وتواصل في الجانب المغربي.
أما العلاقة بين الرباط ومدريد، التي تصفها الحكومتان بأنها استراتيجية، فقد كشفت الأزمة أنها تظل شديدة الحساسية عندما يتعلق الأمر بالهجرة وسبتة ومليلية.
وإذا كان التعاون الأمني بين البلدين قد نجح في احتواء الموجة ومنع تكرارها، فإن ذلك لا يلغي الأسئلة التي أنتجتها.
خلاصة الدرس
أظهرت أزمة 30 يوليوز أن الحدود لا تحميها الأسلاك وحدها، والعلاقات الجيدة بين الحكومات لا تعفي الدول من المساءلة، والهجرة لا يمكن اختزالها في شبكات التهريب والتضليل، كما أن الصمت لا يدفن الأزمات بل يؤجل انفجارها.
أسبانيا، رغم أخطائها وتأخرها، اضطرت إلى فتح الأزمة أمام المؤسسات وتخصيص الموارد والاعتراف بأنها مشكلة وطنية وأوروبية. أما المغرب، فنجح في استعادة السيطرة الأمنية بسرعة نسبية، لكنه لم يقدم بعد رواية رسمية مكتملة لما حدث، ولا حصيلة نهائية للضحايا، ولا تفسيرا سياسيا واجتماعيا مقنعا لأسباب تلك الهجرة الجماعية.
وبعد شهر، تبدو سبتة أقل شبها بأزمة حدودية عابرة وأكثر شبها باختبار مزدوج؛ اختبار لقدرة الدولة على حماية حدودها وحياة مواطنيها، واختبار لقدرتها على مواجهة الأسئلة التي يطرحها مواطنوها عندما يصبح الهروب من الوطن، ولو إلى المجهول، خيارا يبدو لبعضهم أقل كلفة من البقاء فيه.
وهذا هو الدرس الذي لا تستطيع الإجراءات الأمنية، ولا البيانات الرسمية، ولا عودة آلاف المهاجرين إلى المغرب، أن تغلقه.
فالأزمة التي بدأت على الحدود قد تنتهي أمنيا، لكن أسبابها السياسية والاجتماعية والإنسانية ستظل موجودة ما لم تبدأ الإجابة عن السؤال الذي بقي، بعد شهر، بلا جواب: لماذا أراد كل هؤلاء المغاربة الهروب من بلدهم؟
