cron lakome2 - لكم :موقع إخباري مستقل cron
  1. البرلمانية ماء العينين: بنكيران ليس حائطا قصيرا واحتجاج أساتذة الغد تم استغلاله والركوب عليه
  2. تعالوا نخفي سوط الله وسيفه
  3. بالصوتI خطيب جمعة بسلا: المحذرات وراء زلزال الريف.. والجفاف عقوبة إلهية
  4. "راجعين"
  5. الحكومة تهدد الأساتذة المتدربين بالإعلان قريبا عن "سنة بيضاء"
  6. بالفيديو.. بنكيران: إضراب 24 فبراير ليس إعلان حرب وسأستمر في إصلاح التقاعد مهما كانت الظروف
  7. الكونفدرالية الديمقراطية للشغل: الإضراب العام حقق نسبة مشاركة فاقت 85 في المائة إلى حدود الظهيرة
  8. كريم التازي لـ"فاينانشل تايمز": مصالح قوية في النظام ستحاربك اذا كنت ترغب في محاربة الفساد
الرئيسية | رأي | الإيمان الديني بين إيمان العجائز وإيمان الاعتبار والتدبر

الإيمان الديني بين إيمان العجائز وإيمان الاعتبار والتدبر

آخر تحديث: 08 أكتوبر, 2017 08:03:00

 رسخ في أذهان السلف أن إيمان العجائز هو أكمل من إيمان الفلاسفة والمتكلمين، وقد أوردوا في هذا الصدد حكاية عن عجوز وقفت أمام الجموع الغفيرة، المشيعة للإمام الباقلاني المتكلم الأشعري المشهور، وتساءت عن صاحب هذه الجنازة المهيبة من يكون؟ .. فقيل لها أنه العالم النحرير الذي أقام ألف دليل على وجود الله، فردت بشكل تعجبي؛ سبحان الله وهل يحتاج الله إلى دليل؟!.. وقد راق للسلف وللخلف من بعضهم هذا الموقف ليروجوا داخل الأتباع إيمان العجائز المبهر، وهذا الموقف ليس بريئا، بل له سياقه التعليلي، فقد أملاه موقف آثري متشدد مناهض لمدرسة الرأي لأبي حنيفة، ومناهض لمدرسة العقل للمتكلمين والفلاسفة، حاول أن يجرد مسمى الإيمان عن كل ميزة عقلانية أو تحررية، وكأن العقل والحرية رجس من عمل الشيطان مطالب منا مناهضتهما، في حين أن الحرية والعقلانية هي التي ميزت الإنسان المكرم والخليفة عن الحيوان، فبفضل الحرية والعقل، اللذان جعلت الشريعة الإنسان بموجبهما مكلفا ومسؤولا عن أفعاله، انفصل الإنسان عن تبعيته العمياء للطبيعة، وقطع حبله السري بها، وحولها إلى مادة مسخرة يدرسها ويختبرها ويتجاوز إكراهاتها وضروراتها، ولولاهما لبقي الإنسان رهينة لمرحلة إحيائية يقدس فيها الطبيعة ويؤسطرها، وقد استطاع التيار الآثري المتشدد أن يشيع الكثير من المتون العقائدية والتي استقرت في أذهان المؤمنين بأن " أوَّل واجبٍ يجبُ علَى المكلِّفِ شهادةُ أنْ لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ، لا النَّظرُ، وَلا القصدُ إلى النَّظرِ، وَلا الشَّكُّ، كمَا هيَ أقوالٌ لأرْباَبِ الكلامِ المَذمومِ"!!! ضاربا عرض الحائط العدد المستفيض والمحكم من الآيات الداعية للاعتبار والتدبر والقراءة بتحويل المجهول إلى معلوم.، وذاما الشك الذي هو مرحلة ضرورية سابقة للإيمان ومؤسسة له؛ كشك ابراهيم عليه السلام وغيره، وهو شك منهجي يحقق الاتصال الوجودي وينبذ الانفصال العدمي، ومن لم يشك أو يذق طعم الشك عاش في الظلام ولم ينظر بنور الله الذي أودعه الله الخلق من خلال العقل والحرية.

ولو تم تبرير إيمان العجائز في إطار ما يسمى بالعلوم الضرورية الفطرية التي لا يمكن لأحد أن يسقطها، لأنها هي أساس العلم وصلبه، وهذه العلوم هي التي وقف عندها ديكارت عندما قام بعملية مسح الطاولة من كل المعارف والمقولات القبلية، وشك فيها جميعا، إلا الشك في ذاته من حيث هو موجود، أو الشك بأن لهذه الذات خالقا، يرتبط بها ارتباط العلة بالمعلول والسبب بالمسبب.. فلو تم تأويلها ضمن هذا المعقول البرهاني لكانت دعما للعقلانية الإسلامية، ولكنها استخدمت في سياق أخر ذرائعي سجالي يريد إقصاء العقل والمعقولات من دائرة العقائد.

 وهكذا تكرس الجهل في الاعتقاد والتسليم السلبي، لتنفذ داخله الكثير من الأساطير والخرافات الوافدة من خلال المتون الإسرائلية، والتي تتعارض مع المعقول الديني في ذاته، ومعلوم أن مسلمات الاعتقاد لا تخرج عن إحدى هذه الثلاث؛ إما أن تكون موافقة للعقل وهي ما سماها العلماء نور على نور باعتبار الحق لا يضاد الحق، وأن الشريعة هي الأخت الرضيعة للعقل، وإما أن تكون فوق العقل وهي ما يصطلح عليه في المعقول الديني بالايمان بالغيب، باعتبار أن العقل محدود ونسبي ابستمولوجيا، ولا يمكن أن يخضع المتعالي الذي لا سقف له لعقل سقفه المعرفي نسبي وتاريخي، وإما أن تكون متعارضة مع العقل والمعقول الديني في ذاته، فهذه الأخيرة ينبغي تحرير الخطاب الاعتقادي والديني منها، لأنها لا تعكس ثوابت راسخة، وإنما تعكس ثوابت جامدة ومتحجرة ودخيلة.

فمثلا يعتمد المعقول الديني على استفاضة البلاغ والبيان وخاصة في المهمات والقضايا العلمية الاعتقادية، ليقيم الحجة على الناس، فكيف اختلت الموازين وسرنا نسلم في نظام اعتقادنا بنوازل وفتن لم تدل عليها آية محكمة ولا حديث متواتر؟! وهي ليست من قبيل الهامش المهمل التي يمكن أن لا تحفل بها النصوص الدينية المحكمة، فلو كانت هذه النوازل صحيحة في ذاتها، لم تكتفي النصوص الظنية فحسب بإيرادها في إطار متن متهافت ومتعارض بعضه مع بعض.

 وفي هذا الصدد يمكن أن نرد أحاديث عن المهدي والدجال وعودة المسيح وغيرها من أحاديث الفتن، والتي تأثر بها السلف من ديانات سابقة إسرائيلية وفارسية وهندية، وهي نوازل  كما تؤكد سرديتها سيترتب عنها تحولات وجودية كبرى، وابتلاءات عميقة ستمس أجيالا من البشرية، فكيف يبرر لنا أن النصوص المحكمة قد أهملتها، ولم تأت على ذكرها، وهي التي استفاضت في ذكر قصص السابقين للعبرة، فكيف تعجز عن ذكر نوازل الفتن تصريحا وهي للابتلاء؟! فأيهما أولى بالذكر قصص العبر الماضية أو نوازل الفتن المستقبلية؟! أيهما أولى ذكر كلب أهل الكهف وناقة صالح ونملة سليمان أم ذكر المهدي والدجال وعودة المسيح؟!!!.. لا يستطيع العقل الديني التقليدي أن يجيب لأنه مقيد بالكثير من القيود التاريخية النسبية وهو يحسبها وحيا مطلقا، وغير قادر  على التمييز بين الثابت الراسخ المحكم والثابت الجامد الظني.

إن إعادة تأسيس نظام الاعتقاد على أسس عقلانية وتحررية، يدافع  ويذب ويحاجج عن مسمى الايمان بالدلائل العقلية والعلمية في الأنفس والأفاق، ويعيد وصل الدين بالعقل والحرية باعتبارهما مناطا التكليف، وهما من صفات أولي الألباب الذين أثنى الله عليهم في قرآنه المحكم، وتحريره من كل ما يعارض العقل والمعقول الديني في ذاته من قيود تاريخية واسرائليات خرافية، وإعادة تقعيد القواعد الدينية ليكون لها عمق ابستمولوجي مؤسس، يحول دون تحول الدين إلى طقوس وشعائر مجردة عن مقاصدها، ويساهم في نقل عقلنا من عقل فقهوي كهنوتي استنباطي، يعيد إنتاج الإنتاج  بشكل تسليمي، متنكبا لكل نزعة شكية أو نقدية، إلى عقل حضاري عمراني مدني استقرائي، ينتج الإنتاج من جديد بشكل مختلف ومتباين مع مقول القول في الماضي والثرات.

إن المعقول الديني اليوم مطلوب منه أن يعيد للخطاب الفلسفي مكانته، ويعيد للمتكلم الإسلامي دوره في المحاججة عن نظام الاعتقاد بالحجج والبيانات والبراهين، في إطار علم كلام جديد، بعدما أزاحه عن هذا الدور الخطاب التقليدي الجامد، الذي كرس اعتقاد العجائز والصبيان في مسمى الإيمان، وكرس الذل والخنوع  أو الانتظارية في السياسة الشرعية، فاختار الجم الغفير من الأمة مسايرة الواقع، واعتبار أن الشرعية تنال بالشوكة والغلبة، واختار آخرون نظام التقية وانتظار الإمام الغائب وأسطرة الحلول، أي تعليقها بنظام المعجزة والخرافة، وسلبها عن عالم الإرادة والمشيئة الإنسانية، ليعيش الإنسان في ثراتنا التاريخي مستلبا وغير قادر على الفعل في التاريخ، لأنه رسخ في ذهنه أنه خارج إمكاناته، فلقد حاول العقل الديني التقليدي إخراجنا من الوثنية الدينية المتمثلة في عبادة الأصنام، وأقحمنا للأسف في الوثنية السياسية التي ترفع الحاكم إلى مرتبة الإله!!! .

مطلوب أيضا من المعقول الديني أن يتخلص من القيود التاريخية، ومن كل الانتماءات المبتدعة مذهبيا واعتقاديا، ويعيد النظر في مفاهيم أسست للامعقول ديني كرس عصمة آل البيت وعدالة الصحابة، باعتبارهما يعكسان ثناية ضدية أنتجتها الصراعات السياسية المقيتة، وتخلو النصوص المحكمة منها، لأنهما يؤسسان لمفهوم خرافي يرفع الكائن الإنساني النسبي إلى مرتبة القداسة والمطلق، وتخل بحقيقة ختم النبوة وميلاد العقل الاستدلالي، حتى يكون البرهان والدليل هما منار السبيل، وليس أقوال آل البيت أو السلف أو الشيخ هي الحجة.

إن إيمان العجائز والصبيان قد أنتج أوضاعا لا تطاق، أنتج تدينا تقليديا محافظا بعناوين إلهية وبمضامين خرافية وسلطوية، وأنتج علماء سلطة يحللون للحاكم ما يحرمونه على العامة، وأنتج جمهورا من المؤمنين يتشددون في الصغائر والهوامل، ويترخصون في الكبائر والعظائم، وأنتج كائنات مدمنة على الطقوس والشكليات ومهملة للمعاني والمقاصد .. وهنا اكتملت حلقات التدجين والغباء الديني.

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

التعليقات ( الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع )

المجموع: | عرض: