cron lakome2 - لكم :موقع إخباري مستقل cron
  1. البرلمانية ماء العينين: بنكيران ليس حائطا قصيرا واحتجاج أساتذة الغد تم استغلاله والركوب عليه
  2. تعالوا نخفي سوط الله وسيفه
  3. بالصوتI خطيب جمعة بسلا: المحذرات وراء زلزال الريف.. والجفاف عقوبة إلهية
  4. "راجعين"
  5. الحكومة تهدد الأساتذة المتدربين بالإعلان قريبا عن "سنة بيضاء"
  6. بالفيديو.. بنكيران: إضراب 24 فبراير ليس إعلان حرب وسأستمر في إصلاح التقاعد مهما كانت الظروف
  7. الكونفدرالية الديمقراطية للشغل: الإضراب العام حقق نسبة مشاركة فاقت 85 في المائة إلى حدود الظهيرة
  8. كريم التازي لـ"فاينانشل تايمز": مصالح قوية في النظام ستحاربك اذا كنت ترغب في محاربة الفساد
الرئيسية | رأي | حول رفع الأعلام الوطنية وصور الملك والهتاف بحياته

حول رفع الأعلام الوطنية وصور الملك والهتاف بحياته

آخر تحديث: 15 يونيو, 2017 10:51:00

أتذكر آخر مرة حملت فيها العلم المغربي، كانت لحظة آخر مشاركة مشرفة للمنتخب الوطني في مونديال 98، حيث خرجنا بالرباط فرحين بتلقائية، من أجل استقبال اللاعبين، مع الهتاف بأسمائهم وبالوطن، وبنفس الحماس كانت جماهير البلدان الأخرى المشاركة تتعامل مع منتخباتها، إذا حصلت على نتائج مرضية في المواجهات الكروية، فتتفن في الاحتفاء برموزها. ومنذ تلك المناسبة لا أعرف لماذا لم أعد متحمسا، لحمل الراية كما في السابق.

ولم أنسى حينما كنا صغارا، أن الراية المغربية كانت مرتبطة بالأعياد الوطنية وخاصة "عيد العرش"في الثالث من مارس، حيث كان يُفْرَضُ من طرف أم الوزارات (في عهد البصري) على كل الدكاكين المجاورة لأحيائنا، أن تتزين قسرا بالأعلام الحمراء، بالإضافة إلى ابتزازهم من أجل إعطاء مساهمة مالية، من أجل إقامة حفلات هذه المناسبة.

وعلى غرار ما أثير من لغط حول احتجاجات الريف، واتهامات للمحتجين بالانفصال، نظرا لحملهم لراية عبد الكريم الخطابي، والعلم الأمازيغي، ذهب المحلل السياسي  عبد الصمد بلكبير في برنامج حواري، إلى أن على المحتجين بالريف حمل الأعلام الوطنية، وبعد ذلك يمكن الانصات إلى مطالبهم، مما يعد موقفا يجعل من الانتماء للوطن يمر أساسا عبر الارتباط برموزه وتبنيها، مع العلم، أن المحتجين الصحراويين، لم يرفعوا يوما هذه الأعلام، بل يتجاوزون ذلك برفع علم انفصالي مُعْلَن، ورغم ذلك يتم الإنصات إلى مطالبهم، ولم تمنع هذه المناطق من التنمية والمنشئات التي حرمت منها مناطق أخرى كالريف. 

إننا هنا بصدد الحديث عن أبعاد رمزية معقدة، يختلط فيها ما هو وعي ولاوعي، فالرموز تأخذ دلالتها ومعانيها، عبر تراكم العديد من التفاصيل الدقيقة، والتي تنتج عنها مواقف متفاوتة بين الناس، إذ يعطيها كُلٌّ معنى مختلف بحسب مساره وموقعه. إن علم البلاد، وغير ذلك من الأشكال ذات الطابع الرمزي المرتبط بالهوية الوطنية، كلها رمزيات ذات قيمة ترتبط بمدى تحقيق تماسك البناء الاجتماعي، وتبرز أهميتها بالخصوص عند المشاركة في المحافل الدولية، أو عن الشعور بتهديد للبلاد من الخارج، وحين مواجهة الأخطار المهددة للحمة المجتمع وهوياته.

إن تضخم الحديث بشكل مبالغ فيه،عن حمل الراية المغربية، يعد أمرا مقلقا، كما يخفي في صميمه الإخفاق في إبداع تعايش بين هوياتنا المتعددة، وصولا إلى هوية متوازنة مُحْتَضِنَة، وذلك عبر تحقيق تعاقد مجتمعي، حول ضمان مساحات لهذه الهويات على مستوى مواقع السلطة والحكم. 

إن تضخم الحديث بشكل مبالغ فيه،عن حمل الراية المغربية، يعد أمرا مقلقا، كما يخفي في صميمه الإخفاق في إبداع تعايش بين هوياتنا المتعددة، وصولا إلى هوية متوازنة مُحْتَضِنَة، وذلك عبر تحقيق تعاقد مجتمعي، حول ضمان مساحات لهذه الهويات على مستوى مواقع السلطة والحكم. وقد عرف السوسيولوجي الكاتالوني مانويل كاستلز الهوية باعتبارها مصدرا للمعنى (لماذا أقوم بهذا العمل؟)، إنها عملية بناء للمعنى، استنادا إلى مجموعة متصلة من السمات الثقافية.

وفي الكثير من الدول نجد أن هناك اختلافا تجاه التعامل مع هذه الرمزيات، فتيارات اليمين (وخاصة اليمين المتطرف)، تتشبث بحمل الأعلام، بل تدعو إلى رفعها في أبواب المنازل أو الشرفات، كتعبير عن هذه النزعة، وتحافظ على الهتاف بشعارات ومقدسات الأجداد والوطن. وفي الجهة المقابلة، هناك تيارات تحبذ التعامل بمرونة مع هذه القضية، معتبرة أن الأهم هو ضمان الحريات والحقوق، لكي يتحقق الارتباط بالوطن كتتويج للتعاقد المجتمعي.

إن التوتر المجتمعي الحاصل، يشكل تهديدا لتماسك الهويات المتعددة داخل المجتمع. فقد تحدث كاستلز عن صناعة الهويات، وقسمها إلى هوية (Legitimizing identity)، والتي تنطلق من المؤسسات لكي تُشَرْعِنَها في الوعي وداخل المجتمع. فنلاحظ في المغرب، أن هوية الدولة تمارس هيمنتها عبر كل القنوات والوسائل، كما تنتقي من التاريخ رموزا تعيد تشكيلها وتفسيرها، وتفرضها كهوية وطنية، بشكل إقصائي. 

أما الشكل الثاني، فيتمثل في الهوية/المُقَاوَمَة  (Resistance identity)، والتي يحملها فاعلون يتعرضون للسيطرة والانتقاص والوصم، من طرف المؤسسات المهيمنة، فلقد عاشت لدينا هويات وضعا مشابها في فترات سابقة كالأمازيغية، لكن بعد مرور هذه المرحلة تتحول إلى شكل الهوية/المشروع (Project identity)، والتي تخرج إلى الوجود، لكي تجعل لنفسها موقعا اجتماعيا، متحدية بذلك سطوة الهوية المهيمنة.

إن شعور بعضنا بإحساس الغرابة والحرج، تجاه علم البلد، يفسره أن الكثيرين من المحظوظين والناهبين، يتباهون بمعانقة هذه الرموز، ويتشدقون بالوطنية، مما يجعل المرء في مسافة رمزية ونفسية مع هذا المنطق. فرغم الإحساس بالانتماء إلى رصيد من التاريخ والأرض والثقافة، إلا أن الانتماء إلى القيم أولى، فليس التشبه بأولئك المتشدقين بالوطنية، والمتمسحين بالأعلام صباح مساء، أمرا مطلوبا، بل المطلوب هو مقاومة هيمنة هذه الفئات ومحاصرتها.

إننا نحس بالغرابة في بلدنا، ونرى أن من يحتكر خيراته وثرواته ومواقع السلطة فيه، لم يترك لنا الفرصة لمعانقة رموزه، كما أن تصرفات البعض تساهم في التنقيص من هذه الرمزيات، فماذا يعني الاحتفاء بفنانين من الخارج، يحرص منظمو المهرجانات بعد أن أغدقوا الأموال عليهم، أن يعطوهم الراية الوطنية لكي تُقْتَنَص لهم صورة معها، في سلوك يضع العلم موضع الابتذال.

أما عن حمل صور الملك وتعليقها على الجدران والمحلات التجارية، فأعتقد أنه أمر يندرج في سياق تشكيل ثقافة الزعيم الخالد الأوحد، والتي كانت شائعة في البلدان القائمة على الاستبداد. إننا نعلم أن هناك سياسة تسويق الصورة لدى العديد من الرؤساء والملوك في العالم، ويتم إنفاق أموال طائلة حول هذا الموضوع، وفي المغرب نجد مؤسسات متخصصة في الاتصال، مهمتها الترويج لصورة الملك، من أجل تقديمها في أحسن حلة. لكن المثير للجدل هو الخروج عن التلقائية، ومحاولة إرغام كل الاحتجاجات على حمل صور الملك، بل يبدو أن هناك من يتكفل من أجهزة الدولة بهذا الغرض، من خلال فرضها على المظاهرات، حتى يترسخ أن الملك ليس موضع انتقاد أو احتجاج، وأن الجميع يتودد إليه، حتى في لحظات التنديد والمطالبة. 

إنني أعتقد أن أفضل ترويج للصورة، هو الإعلاء من كرامة المواطنين، وتمكينهم من عيش كريم، والسعي إلى حل المعضلات التي يتخبط فيها الكثيرون، مثل السكن والصحة والعدل والتمدرس... فكم كان يحتاج مانديلا من متخصصين في الاتصال والماركوتينغ، من أجل أن يقنع مواطنيه بالتشبت به لولاية ثانية، ورغم ذلك رفض، وفضل ترك الكرسي، والاستمرار في خدمة قضايا العدالة الاجتماعية في بلده وفي العالم.

إن تعليق صور الملك على الجدران، وطبعها كتقليعة جديدة على الزجاج الورائي لبعض الطاكسيات، وإضافة البعض لعبارة "أعظم ملك في العالم"، يمكن اعتبار أن الغرض من هذه الأمور هو "الحفظ من الشرور"، مثل تعليق "لخميسة"، أو آية الكرسي، أو أي من رموز طلب الحماية، إذ أن واضعيها يعلنون تشبتهم بالمقدسات المهيمنة، ويأملون أن تحفظهم من بطش السلطة.

أما بخصوص الهتاف بحياة الملك، فهذا شائع لدى شعوب الملكيات والرئاسيات. ومن العادات في العهد الملكي في فرنسا، أنهم كانوا بمجرد وفاة ملك، ينادون "مات الملك، وعاش الملك"، حتى لا يتركوا فراغا في الحكم، قد يؤدي إلى قلاقل غير مرغوب فيها. وفي المغرب إبان عهد الحماية، أظهر المغاربة تشبثا بالسلطان، وخاصة عند تعرضه للنفي، فكان الوطنيون يواجهون غطرسة المستعمر، عبر الهتاف بحياة السلطان. إن من يهتفون بحياة الملك اليوم كثيرون، وهم مقتنعون لا محالة بذلك، وبعضهم احترف هذه المهنة، ولا أظن أن هناك من يرغمهم على هذا الحماس، لكن هل نكره الآخرين على أن يحذوا حذوهم؟ 

لا أظن أن من يعلي صوته بالهتاف، والتأييد الدائم هو الأنفع للملكية، فاحتمال وقوع الأخطاء وارد، نظرا للطبيعة البشرية للملك، وحينها، سيتبرم كل هؤلاء المتوددون، من توجيه أي تنبيه، تاركين الأمور تسوء دون تدخل، وعندئذ نكون أحوج إلى من يؤدي بشجاعة واجب التقويم، فقد عبر عن ذلك محمد الساسي قائلا: "إن الذي يحب الملك عليه أن يقول له الحقيقة".

التعليقات ( الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع )

المجموع: | عرض: