«الجهاد في الإسلام: الضمانة الأساسية للسلام العالمي».. حين يعاد الاعتبار إلى مفهوم أُسيء فهمه
قلّما حظي مصطلحٌ في الوعي العام المعاصر بقدرٍ من الالتباس يضاهي ما حظي به مصطلح «الجهاد»؛ ففي نشرات الأخبار يُختزل في مشاهد القتال والتفجيرات، وفي بعض المعاجم غير العربية يُشرح بعبارة «الحرب المقدسة»، وعلى ألسنة الجماعات المتطرفة يُرفع شعاراً لتسويغ العنف، وبين هذه الاختزالات الثلاثة يضيع المعنى الذي حملته النصوص الأولى للكلمة، وتضيع معه صورة دينٍ يؤكد أتباعه أنه دين رحمة وسلم.
آراء أخرى
في هذا المناخ تأتي دراسة الدكتور محمد الناصري، أستاذ الفكر الإسلامي بجامعة السلطان مولاي سليمان بالمغرب، لتقدّم أطروحةً صريحة منذ عنوانها: الجهاد في الإسلام ليس خطراً على السلام العالمي، بل هو ضمانته الأساسية، وهي أطروحة تقلب الصورة الرائجة رأساً على عقب، وتدعو القارئ إلى مراجعة ما استقر في ذهنه من أن الجهاد والسلم نقيضان لا يلتقيان.
وتحاول هذه القراءة أن تتتبع مسار هاته الدراسة خطوةً خطوة، فتعرض حججها كما أرادها صاحبها، فالدكتور محمد الناصري بدايةً يقر بأن الجهاد من أكثر المفاهيم الإسلامية حظاً من العناية، فلا يكاد كتاب في الفقه الإسلامي منذ نشأته يخلو من الحديث عن أحكامه وأنواعه ومقاصده وفضله وعقوبة المتخلفين عنه، ولذلك يعلن أنه لن يعيد ما كُتب، وإنما سيركّز جهده على قضايا بعينها تتصل بتوظيف المفهوم ضمانةً لتحقيق السلم في تعامل المسلمين مع الخارج.
ويحدد لنفسه مهمتين متلازمتين: الأولى بيان العلاقة بين مفهومي «الجهاد» و«القتال»، والثانية رفع اللبس عن شبهة «الإرهاب» التي تُلصق بالإسلام بناءً على فهمٍ مغلوط ومشوه للجهاد، وهو تحديدٌ ذكي لميدان المعركة؛ إذ يجعل التفكيك المفاهيمي مدخلاً للدفاع عن صورة الدين فلا يبدأ بالرد على التهم واحدةً واحدة، ذلك أنه يسعى لتصحيح المصطلح الذي قامت عليه.
ينطلق الدكتور الناصري من الآيات التي ورد فيها لفظ الجهاد في القرآن الكريم، فيستعرض جملةً منها: ﴿وجاهدهم به جهاداً كبيراً﴾ في سورة الفرقان، و﴿ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه﴾ و﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ في العنكبوت، و﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ في الحج، إلى آياتٍ في المائدة والحجرات والصف، ومن ثم يستخلص من ذلك أن الجهاد المقصود في هذه المواضع هو جهاد النفس: تقويمها وكفّها عن الانحراف.
ويسند هذا الفهم بالحديث النبوي الذي عرّف المجاهد بأنه من جاهد نفسه في طاعة الله، وبأقوال السلف، ومنها ما نُقل عن عبد الله بن المبارك في تفسير الجهاد بمجاهدة النفس والهوى، مستحضراً ابن القيم الذي جعل جهاد النفس مقدَّماً على جهاد العدو الخارجي وأصلاً له، لأن من لم يجاهد نفسه أولاً لتفعل ما أُمرت به وتترك ما نُهيت عنه لم يقدر على جهاد عدوه في الخارج، وبناءً على هذه الشواهد يرسم الكاتب مفهوماً رحباً للجهاد: عملُ القلب بالنية والعزم، وعملُ اللسان بالدعوة والبيان، وعملُ العقل بالرأي والتدبير؛ فهو استفراغ الوسع واستنفاد كل الإمكانات المتاحة للتفاعل مع الإسلام فهماً وتطبيقاً ونشراً وتعليماً.
ثم يوظّف حديث شعب الإيمان تمثيلاً؛ فكما أن للإيمان بضعاً وسبعين شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، فللجهاد شعبٌ كثيرة أعلاها مجاهدة النفس وأدناها القتال في سبيل الله، والقتال، أي استعمال السلاح في مواجهة الأعداء، ليس إلا الشعبة الأخيرة من شعب الجهاد.
ويرى الدكتور الناصري أن شيوع تفسير الجهاد عند الفقهاء بمعنى قتال العدو، حتى صار هو المتبادر إلى الأذهان ودخل المعاجم غير العربية مفسِّراً به، قد أفضى إلى تحريفٍ خطير لمعنى اللفظ، وقع بوجهين: أن يُحمل الجهاد على القتال من أجل التسلط العسكري وبسط النفوذ السياسي، أو على القتال من أجل القهر الديني وبسط النفوذ العقدي.
الجهاد، عند أخلاقيي المغرب كما ينقل الكاتب، عملٌ روحي بالأصالة، لا طلبٌ للرئاسة الدنيوية ولا تشدّدٌ عقدي، هنا وفي هامش الدراسة التفاتةٌ لافتة إلى المفكر المغربي طه عبد الرحمن، الذي يرى أن مدلول الجهاد عند رجال الأخلاق المغاربة لا يتعلق بالتطلع إلى الرئاسة في الدنيا ولا بالتشدد العقدي، وإنما بمجاهدة النفس وبذلها في سبيل الدفاع عن حوزة الإسلام، فهو عملٌ روحي في أصله وليس عملاً سياسياً ولا سلوكاً إيديولوجياً.
يطرح الدكتور الناصري سؤالاً لا مفر منه: إذا كان الجهاد بهذه السعة فما سرّ تكرر ورود القتال في القرآن الكريم؟ أليس قتال العدو من الجهاد في سبيل الله؟ ويجيب بأن في القرآن أزيد من مائة وخمسين آيةً تناولت القتال من زوايا مختلفة يمكن ردّها إلى ثلاثة أنماط:
– التأكيد والوعد: آياتٌ تؤكد القتال ووجوبه وتعد المقاتلين بالجزاء العظيم، كما في الأنفال والبقرة والحديد والصف.
– التحذير: آياتٌ تتوعد المقصّرين والمتخاذلين عنه، وأبرزها ما ورد في سورة التوبة.
– بيان الغاية: آياتٌ تبيّن أهدافه والغاية من فرضه، كما في الحج والبقرة.
وخلاصة الكاتب أن هذه الكثافة تدل على أهمية القتال في الخطاب القرآني، لكنها لا تجعله مرادفاً للجهاد، فهو شعبة من شعبه وليس كله، ويُحسب للكاتب، في هذا السياق، أنه لا يتهرب من هذه الكثافة النصية، فلا يقلّل من شأن آيات القتال ولا يتجاهلها، بل يقرّ بمكانتها ثم يعيد وضعها في موضعها من سلّم المفاهيم، وهذه مقاربة أكثر إقناعاً من الخطاب الاعتذاري الذي يتحاشى النصوص الصعبة خوف الحرج.
يتساءل الدكتور الناصري عن طبيعة الحرب في القرآن: أهي ابتدائية هجومية أم دفاعية احترازية؟ ويذكّر بأن الفقهاء ناقشوا هذا الإشكال تحت عنوان جهاد الدفع وجهاد الطلب؛ فجهاد الدفع عندهم مقاومة العدو إذا دخل أرض الإسلام واحتل منها ولو مساحة قليلة، أو اعتدى على الأنفس والأموال والحرمات، أو اضطهد المسلمين في عقيدتهم وفتنهم في دينهم، أو أذاق المستضعفين من الرجال والنساء والولدان سوء العذاب. أما جهاد الطلب فأن يكون العدو في عقر داره لم يبدأنا بعدوان ظاهر، ولكننا نحن الذين نتعقبه ونبادئه.
ويضيف في خلاصته قطع الفتنة وحماية الدعوة الإسلامية، ثم يطرح سؤاله الحاسم: أين هذه الأهداف من القتال الهجومي؟ فاعتبار الجهاد مبادأةً للناس بالقتال وأسلوباً لفرض الإسلام بالقوة والإكراه غير صحيح في نظره البتة لأن الدعوة لا تتحقق إلا بالحكمة والموعظة الحسنة، والقتال إنما هو خيارٌ أخير لحماية الدعوة من التحديات التي تواجهها؛ فهو وسيلة للحماية والدفاع وليس هدفاً في ذاته.
ويستشهد بقول عبد الهادي بوطالب إن المسلم لا يخوض حرباً إلا إذا بادأه عدوه بالأذى والضرر، وإن المعتدي على غيره عدوٌّ للسلام. ومن ثم يرى أن تقسيم الجهاد إلى جهاد طلب «ابتدائي» وجهاد دفع لا ينسجم مع التصور القرآني لمجال العلاقات الخارجية للمسلم، القائم على السلم والتعايش مع مختلف مكونات المجتمع الإنساني.
ينتقل الكاتب إلى التاريخ ليختبر فرضيته بمنطق بسيط: لو كان القتال في الإسلام ابتدائياً لبدأ النبي صلى الله عليه وسلم الكفار بالقتال، والوقائع تشهد بأن غزواته كانت دفاعية، ويعرض لذلك أمثلةً من غزوات النبي، معززاً هذا الاستقراء بقاعدةٍ صاغها ابن القيم: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقاتل من حاربه وقاتله، أما من سالمه وهادنه فلم يقاتله ما دام مقيماً على هدنته. فصالح يهود المدينة وأقرّهم على دينهم حتى نقضوا عهده وبدؤوه بالقتال، وهادن قريشاً عشر سنين فلم يبدأهم بقتال حتى بدؤوا هم ونقضوا العهد. وينقل عن ابن تيمية قوله إن القتال لمن يقاتلنا، وإن الكفر في ذاته ليس سبباً لقتل أهله، مستدلاً بحديث المرأة المقتولة في بعض المغازي وقوله صلى الله عليه وسلم: ما كانت هذه لتقاتل.
ثم يجمع الدكتور الناصري هذا كله في آيتين من سورة الممتحنة يعدّهما قاعدةً في تعامل المسلمين مع غيرهم؛ فالله لا ينهى عن البرّ والقسط مع الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين ولم يخرجوهم من ديارهم، وإنما ينهى عن موالاة من قاتلوهم وأخرجوهم، ويضيف آية الأنفال التي تأمر بالجنوح للسلم إذا جنح إليه الأعداء، ليخلص إلى أن الإسلام يفضّل السلام على الحرب متى مال إليه الخصم.
إذا تعينت الحرب سبيلاً وفُرض القتال لأحد أسبابه المشروعة، فهل أباح الإسلام سياسة الأرض المحروقة؟ وهل الحرب فيه شاملة مطلقة لا تتقيد بمبادئ الإنسانية؟ يجيب الدكتور الناصري بأن الإسلام وضع دستوراً أخلاقياً للحرب يُلزم المسلمين بالفضيلة والمبادئ الإنسانية قبل القتال وبعد انتهائه، وتتلخص معالمه في حصر القتال في المقاتلين في الميدان، فلا يُقتل من لا يقاتل: كالأطفال والشيوخ والنساء والرهبان والعمال والفلاحين، النهي عن الإفساد وتخريب العمران، تحريم التعذيب والإسراف في القتل والتمثيل بالجثث، ووجوب احترام جثث القتلى ودفنها، كما دُفن قتلى بدر، عدم التعرض للجرحى والفارّين من المعركة، وتأمين من أغلق بابه يوم فتح مكة، ناهيك عن حسن معاملة الأسرى بين المنّ والفداء والمبادلة، والعدل مع المهزوم، والوفاء بالعهود واجتناب الغدر.
ويجد الكاتب جماع هذه الأخلاقيات في وصايا النبي صلى الله عليه وسلم لأمراء جيوشه قبل توجههم إلى المعارك، وفي وصية أبي بكر الصديق لجيشه المتوجه إلى الشام، التي نهتهم عن الخيانة والغدر والتمثيل وقتل الطفل والشيخ، وعن عقر النخل وحرقه وقطع الشجر المثمر، وأمرتهم بترك الرهبان وما تفرّغوا له.
ومن هذه الأحكام يستنتج أن الحرب في الإسلام حربٌ غير مطلقة وغير شاملة بخلاف الحروب التي عرفها العالم المعاصر، وأخطرها الحربان العالميتان الأولى والثانية، وأن القرآن يرجّح خيار الصبر والعفو عند المقدرة، ويجيز المعاقبة بالمثل دون تجاوز، ثم يعلن أن الصبر خيرٌ للصابرين، وعليه فهو يصل إلى أن «سبيل الله» الذي يُقاتَل فيه كلمةٌ تتسع لكل القيم السامية التي لا يتأتى معها ظلم ولا جور ولا غدر ولا عدوان بغير حق، وهو ما يجعل السلم هو الهدف المنشود من الجهاد.
إذاً ففلسفة الجهاد في القرآن ليست حرباً صليبية ولا تبشيرية، بل رسالةٌ لحماية حق الاختيار وصون التعدد ومواجهة فرض العقائد والنظم بالقوة.
ولعل أغلب الاتهامات الموجهة إلى الإسلام، حسب طرح الدكتور الناصري، من كونه دين عنف وتربةً لتفريخ المتطرفين وأن التطرف عنصر ذاتي في رسالته، ترتبط بوجه أو بآخر بمفهوم الجهاد، ثم يعرّف الإرهاب بما ورد في بيان مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر عام 2001: ترويع الآمنين وتدمير مصالحهم ومقومات حياتهم، والاعتداء على أموالهم وأعراضهم وحرياتهم وكرامتهم الإنسانية بغياً وإفساداً في الأرض. وهو عنده عملٌ مستبشع في شريعة الإسلام توعّد الله مرتكبيه بالعذاب الأليم، مستدلاً بآية الحرابة في المائدة وآية قتل المؤمن عمداً في النساء، فالعنف والتطرف والإرهاب وجوهٌ لعملة واحدة، وموقف الإسلام منها جميعاً واحد: الرفض والإدانة.
ويلفت إلى أن هذه المفاهيم تعرضت لتوظيف إيديولوجي وسياسي خطير، أدى إلى خلطٍ وقلبٍ للحقائق استحال معه التوصل إلى تعريف عالمي موحد للإرهاب، ناقلاً عن طه جابر العلواني وصفه بأنه مفهوم سائل يسقطه الأقوياء على الضعفاء.
بقي، بين قوسين، الاعتراض الأكبر؛ قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾؛ فقد اتخذ خصوم الإسلام لفظة «ترهبون» دليلاً على أن القرآن كتاب عنف وتطرف يشجع على الإرهاب.
هنا يردّ الكاتب بأن الخطاب القرآني قصر الإرهاب على الإعداد والتهيئة قبل الحرب بهدف إشعار الآخر بالرهبة ومنعه من الاعتداء على المسلمين الآمنين؛ فالقصود إذاً بـ«ترهبون» هو التوقّي والحذر والدفاع والردع، وليس الابتداء والهجوم والاعتداء، وهو ما يرادف ما يسمى اليوم «السلم المسلَّح» أي أن الدولة التي تتقن تسليحها لا لتحمي نفسها فحسب بل لتفرض على غيرها احترام سلمها، فيعلم من يفكر في الاعتداء عليها أن إثم الحرب معها أكبر من نفعها.
ويستدل بالسيرة النبوية؛ حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة في عشرة آلاف من الصحابة فارتدع مشركو مكة واستسلمت قريش، فكان الفتح سلمياً لم تُرق فيه الدماء، وكان أهل مكة راغبين في قتاله لولا قوة عدته، ويستحضر تحذير أبي سفيان لقومه بأن النبي قد جاءهم بما لا قِبَل لهم به، ثم يربط ذلك بمبدأ «توازن الرعب» في العصر الحديث، حيث تدعو الدول إلى السلام وهي تصنع أسلحة الدمار الشامل، لأن النمر لا يعتدي على النمر، وإنما يعتدي على الأرنب.
يختم الدكتور محمد الناصري بربط الجهاد بالمقاومة؛ فإذا كانت المقاومة تنطوي على كل أفعال مواجهة الاحتلال الاستعماري لبلاد المسلمين، فإن بينها وبين الجهاد فعلاً مشتركاً هو رفض الاحتلال والعمل على تصفيته والتحرر منه، بوسائل عسكرية قتالية أو بوسائل الصمود الاقتصادي والسياسي والثقافي بحسب ما تسمح به الظروف، ومطلوبٌ من المسلمين استنفاد كل السبل التي قد تعيد ما اغتُصب منهم دون إراقة دماء، لكن ليس مطلوباً منهم المهادنة الأبدية ولا قبول محاولات صلحٍ لا يُراد من ورائها إلا تعطيل الجهاد وإبقاء الأراضي في يد البغي.
الدراسة تنجح في إعادة فتح السؤال على مفهومٍ أُغلق عليه باب النقاش بحكم الاعتياد، فهي تحرّر الجهاد من أسر القتال، وتعيد القتال إلى سياقه الاستثنائي المقيَّد بالمقاصد والأخلاق، وتقدم خطاباً يمكن أن يُحاور به غير المسلم والمسلم المتشدد على السواء. أطروحتها الكبرى، أن الجهاد ضمانة السلام العالمي. وفي زمنٍ ينشغل فيه الناس بالصور أكثر من المفاهيم، تذكّرنا هذه الدراسة العلمية بأن معركة الفهم تسبق كل معركةٍ أخرى، وأن من يملك المصطلح يملك جزءاً كبيراً من الحكاية.
