مقاربات من أجل فهم الجامعة المغربية
الجامعة في المغرب ليست وليدة اليوم، ولا حتى صنيعة الاستعمار. أسس المغاربة جامعاتهم الأولى التقليدية لما أحسوا بأن هناك حاجات اجتماعية ملحة لأطر عالية التكوين في الشريعة بمفهومها العام الذي يتضمن الأعراف التي تقضي في النوازل والقضايا اليومية المستعصية. وكان من ضمن هؤلاء القضاة والعدول والموكلين في الخصام، وكذلك المؤقتين والأطباء و المهندسين والرياضيين. التعليم العالي متجذر في التاريخ المغربي سواء الحضري في قرويين فاس أو ابن يوسف مراكش، أو القروي، سواء في الزاوية الدلائية، بالأطلس المتوسط، أو زاوية سيدي حمزة بالأطلس الكبير.
آراء أخرى
1 المقاربة التاريخية
لا يمكن فهم حالة الجامعة اليوم دون العودة إلى تاريخها وعلاقة معارفها وعلومها بالمجتمع. وذلك وفق مراحل ثلاث أساسية: ما قبل الاستعمار، وأثناءه، ثم ما بعد الاستعمار.
قبل الاستعمار:
كما مر في المقدمة لم يجد المستعمر الفرنسي المغرب خاليا من المعارف العليا، سواء في انتاج الأطر أو المساهمة في تأطير المجتمع، ومن اعلى مستوى أحيانا كما في البيعة، أو انتاج المعرفة الصرفة، أو مايصطلح عليه الآن بالبحث العلمي. كما أن الأمر لم يخل من تقويم الكفايات وإجازة الخريجين، بل وإمكانية تتبعهم والعودة إلى صفوف التعلمات، بل ودون المجازفة، كانت البيداغوجيا جد ملائمة تعتمد الفروق الشخصية، وتعطي للأستاذ كامل الحرية والاستقلالية في التتبع والتقويم والإجازة، وهو ما تعاني منه الجامعة اليوم من تدخلين مهلكين، الإداري البيروقراطي الفج في توحيد التقويم وزمنه مثلا، أو التدخل السياسوي في اختيار المسؤولين الإداريين على أساس معيار الولاء مقابل التعيين والحماية. ماضي جامعاتنا التقليدية كان أنظف ويعتمد الاستحقاق الذي جعل بعض الآفاقيين يتفوقون على الحضريين، نموذج المفكر اليوسي القروي الذي بز أقرانه الفاسيين، واستطاع أن يصل إلى أعلى الدرجات، وكذلك الزياني، والعياشي، وغيرهم كثير.
التعليم العالي في عهد الاستعمار:
الملفت في هذه المرحلة أن قرارات السياسية الفرنسية تجاه المغرب فيما يخص التعليم، كان نفعيا وموجها لخدمة مصالح الفئات الفرنسية التي تعيش في المغرب وحاجتها، بذلك كان جد ملفت أن تنشيء هذه السياسة ما له علاقة بالإدارة والقانون أو العرف والأمازيغي خاصة، أو العلوم الطبيعية، بإنشاء أكبر مدرسة فلاحية في المغرب بمكناس. أما الأبحاث التي تسمى سوسيولوجية وانثربولوجية فقد ارتبطت بالغالب بالإدارة المدنية للمراقبين في المدن، وضباط الشؤون الأهلية في القرى، مع مؤسسة غير مشتغلة كفاية وهي المعهد العالي للدراسات العليا. من هنا نلاحظ غياب كليات الحقوق والآداب والعلوم، إلى حد أن من يريد متابعة دراسته من المغاربة غالبا ما كان يذهب إلى فرنسا وبعضهم إلى الجزائر. هذه الحالة تركت المغرب بدون تعليم عالي رغم بعض ما أشرنا إليه وتدخل السلطات الاستعمارية لتنظيم تعليم القرويين، الذي لم يكن يتوخى في العمق سوى المراقبة وليس العصرنة.
رهانات الجامعة بعد الاستعمار:
يمكن باختصار شديد أن نتحدث فيما يخص هذه المرحلة عن فترات ثلاث رئيسية:
الفترة الأولى منذ الاستقلال حتى الثمانينات من القرن الماضي: في هذه الفترة لم يكن التعليم العالي بحاجة لأي تدخل اصلاحي، فهو فقط بحاجة إلى التقوية والتوزيع، وبحكم الندرة كان الأساتذة في أعلى مستوى التكوين من جهة والوعي السياسي من جهة ثانية، ببساطة لأن جلهم تخرج من الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وبذلك استطاعوا أن يبنوا نقابة قوية لم تكن تهادن، وكانت حليفة القوى السياسية المعارضة، وكذلك النقابية، وحتى المدنية مثل اتحاد كتاب المغرب. ربما في هذه الفترة عاشت الجامعة أزهى أيامها. لكن ما أن حلت الثمانينات، وبعيد حظر نقابة الطلبة، وبعد الانقلابات، وتوصيات المنظمات الدولية، ستدخل الجامعة في أزمة، تجلت في خلق تيارات معارضة للمد اليساري، بل وتأسس ما سمي بالحرس الجامعي، لتنتقل الجامعة من مجال انتاج الأفكار إلى ما يشبه مدارس ثانوية كبرى. وأمام تنفيذ توصيات المنظمات المالية اتخذت الدولة تدابير محاصرة الطالب الذي لم يعد يجد جدوى في الجامعة التي لا تؤهل للشغل. لتعرف الجامعة مظاهر سلبية كبيرة منها الاكتظاظ وسوء التدبير وغياب الطلبة والهدر المدرسي، في إطار بيداغوجيا تقليدية غير مرنة تعتمد توحيد الإمتحان والدورة الثانية.
نظام LMD
مع دخول القرن الحالي فكر المسؤولون المركزيون اصلاح الجامعة بربطها بما جد بيداغوجيا في الاتحاد الأوروبي، من أجل تسهيل الاتصال والتواصل، فاستوردت نظام الإجازة والماستر والدكتوراة، وقد كان امرا محمودا في فلسفته وروحه، لأنه يعيد الاعتبار للأستاذ، الذي يستطيع أن يجيز الطالب، كما كان يفعل الأستاذ الفقيه في القرويين. هذا النظام الذي يرتكز بالأساس على المراقبة المستمرة، وعدم توحيد الإمتحان، والعمل على تتبع الطالب بالتشخيص والمساعدة على الاستقلالية في التعلمات، ثم التقويم وفق ذلك، مع ادخال تقنيات جديدة، لعل أهمها الترصيد من أجل عدم إضاعة المجهود والزمن، والتعويض من أجل انصاف الطالب وفق تكامل المعارف، ثم إمكانية تغيير المسار كمرونة تساعد على التغير الايجابي في حياة الطالب.
هذه الإجراءات كلها أو جزئيا اصطدمت بواقع غير ملائم يتجلى أساسا في الاكتظاظ، وعدم قدرة الأستاذ على تتبع العدد الكبير من الطلبة، فبرز الباطن من جبل الجليد، وهو عدم قدرة الدولة في مسايرة عدد الطلبة، سواء على مستوى البنايات والمعدات، أم على مستوى توظيف عدد كاف من الاساتذة الجدد.
استمرت بعض ملامح النظام الجديد التي بقيت فقط في مستواها التقني، مثل الترصيد والتعويض والجبر، كمجهود إضافي للأستاذ الذي اصبح يقوم بالعمليات كلها، التدريس والبيداغوجيا والإدارة، ويطلب منه ملف علمي من أجل الترقية…
2 المقاربة الأنثروبولوجية القيمية و الثقافية
الجامعة رغم كونها تبدو كيانا له شخصيته، فهي في العمق مؤسسة منغرسة في جماعة لها عوائدها وقيمها وأعرافها، وكل ذلك يشتغل بدون وعي ويؤثر في الأفعال والتوجهات.
تشتغل الجامعة المغربية ليس فقط وفق القوانين وما تريده الدولة والنخب الريعية، وهي قصة سوسيولوجية سوف نعود إليها، وإنما وفق ما انغرس في جماعة محافظة لها خلفيات وثنية عامة، و قبلية مختلفة ومتنوعة، وأخرى دينية وصلت إلى ما يسمى إمارة المؤمنين، وفق شريعة الإمام مالك المعروفة بالمزاوجة بين النص الديني والأعمال أو العرف، وهو أمر قوي في العمق لو لم يتكلس في فقه مغلق يعيد نفسه إلى مالا نهاية، لأن العرف ببساطة يعني التوافق على مقتضى الحال مطرد التطور. لكن وكأي معرفة مؤسساتية مست الدوغمائية الفقه المالكي المغربي لينزع نحو الجمود على الموجود في مراقبة لحن الأذان والصلاة بالسدل والقراءة الجماعية، وغيرها من الطقوس الشكلية ذات الدلالة الهوياتية الرمزية الضيقة من أجل رسم الحدود وفق ما اصطلح عليه رسميا بالأمن الروحي، وفي مجابهة العقائد التي تعتبر رسميا فاسدة وعلى رأسها الشيعة… هذا هو المناخ التقليدي للقيم المغربية المحافظة التي تكبل المجتمع برمته وضمنه الجامعة. إلى جانب هذه المحافظة الموروثة يتبنى المجتمع المغربي الحداثة بمعنى جد انتقائي انتهازي يهتم بما ينفع بالمعنى الضيق للكلمة، ومن ثمة كل باب الزبونية والفساد. المغرب ثقافيا يبدو محافظا ويتمركز حول الدين وبظاهراتية لم تتغير قيد أنملة في كثير من الأمور مثل حرية العقيدة؛ والحريات العامة؛ والفردية؛ وتدبير العواطف؛ والأسرة؛ والإرث؛ وحتى نظام الحكم والديمقراطية. وهذا كله يتسرب إلى الجامعة، ليس فقط أكاديميا، بل وعبر الفصائل التي تحاول التنبيه دوما إلى عدم مساس حدود حمراء اعتقادية وجدانية.
إلى جانب ذلك مد حداثوي مبتور، يقرر دون أن يفهم، ويخاصم دون أن يحاور، وانتهى جل الفعل الجامعي المعرفي والنقابي إلى انتهازية وفردانية تعتمد أنا ومن بعدي الطوفان.
3 المقاربة السوسيولوجية
الجامعة مؤسسة لها بنية وتنظيم قانوني وإداري، ومداخل ومخارج، ويمكن ملاحظة واحصاء ومقابلة الفئات المنتمية إليها من طلبة وأساتذة وإداريين، من حيث الجنس والانتماء المجالي والاجتماعي والعمري. كما يمكن فحص وثائق إدارية من مذكرات ورسائل، ومحاضر اجتماعات الشعب واللجن العلمية ومجالس الكليات والمدارس والجامعات. كما يمكن فحص وتأويل المناهج، وأشكال التقويم، والهندسات البيداغوجية، ودفاتر الضوابط، وأنشطة وانتاجات المجموعات والمختبرات والمراكز والأقطاب…
كما يمكن تتبع أنشطة المكاتب النقابية وسبوراتها، والفاعلين فيها وأثر السياسة في ذلك.
الجامعة بكل ذلك مختبر يمكن أن يدرس مغلقا ومفتوحا، بالقوانين والمساطر، وبالأفعال.
الجامعة اليوم تتعرض لضغوطات ملوثة خارجها، تتحكم أول ما تتحكم في مناصب المسؤولية بدءا بالرئاسة والعمادة والإدارة، ومنها إلى الأجهزة من المجالس واللجان، وقد يصل الأمر إلى البيداغوجيا، هذا الفساد شبه المعمم يستغل أمورا منها الأزمة القيمية العامة للمجتمع الذي يتحكم فيه الأعيان، والحال المادي و المعنوي للمؤسسات على مستوى البنايات والوسائل، واكتظاظ الطلبة وندرة الأساتذة، أم على تدهور دور نقابتي الأساتذة والطلاب، الأولى بالإختراق، والثانية بالصراعات الجانبية المفتعلة.
أمام هذا الوضع الرديء، انكمش دور الجامعة ليس الاشعاعي فحسب، بل وحتى التكويني، وتفشت ظواهر التغيبات والهدر، وهروب الطلبة إلى مجالات خارج الجامعة يمكن أن توفر لهم العيش الكريم. إن الذي أفسد الجامعة ليس الأستاذ، وإنما أستاذ ما سقط في أحابيل الطموح المبالغ فيه والاحتراف السياسي، إنه ليس الطالب، وإنما طالب استسلم للإستعمال بوعي أو بدون وعي، كما أنه ليس الإداري البسيط، الذي لا يترك أي ملف يركد فوق المكتب، بل هو ذلك الإداري الذي يتقن تتبع الأسرار والرياح والمقالب وينصر من أصبح.
لقد أصبحت الجامعة بدون عقلانية، وهي التي يجب ان تعلمها ونشرها، كما أصبحت مسحورة بعدما كانت هي المرشحة لإزالة السحر عن العالم….
4 المقاربة السياسية
كل المؤسسات الحكومية في المغرب أمرها سياسي بالدرجة الأولى، وأمام هذا الشرط يصبح حالها ومآلها ليس بمن ينتمي إليها، وإنما بمن يقرر لها في المكاتب المكيفة في الرباط، سواء في التمويل، أو التدخل من أجل تزكية مسؤول مركزي أو جهوي أو محلي، المسألة مرتبطة بالوزير ومن يحيط به، أما المؤسسات الاستشارية مثل المجلس الأعلى للتعليم وغيره، فلا حول ولا قوة لها، فهي استشارية فحسب، تقوم بالدراسات والتوصيات وتنسحب، بل وتقوم بذلك وفق نصوص معدة من طرف معينين مثل الكتاب الأبيض، والرؤية الاستراتيجية، وقانون الإطار… بل وأكثر من ذلك عدم تطبيق ما جاء في هذه النصوص المرجعية، والتي تعتبر في اجمالها متقدمة تهتم بالتشخيص والبحث عن نقط الضعف والتقويم والبحث عن الحلول.
5 مقاربة البحث العلمي والبيداغوجيا
يخطيء من يظن أن البحث العلمي مسألة تخص الأستاذ الباحث فحسب، بل هي مسألة اختيارات سياسية وتنظيم مؤسساتي وتمويل.
الاختيار السياسي:
سؤال البحث العلمي هو سؤال الدولة وغاياتها و استراتيجيتها، وتصريفها للأفعال المؤدية لتلك الغايات والأهداف، بداية بالقوانين والمساطر المؤطرة للبحث ومراميه وانواعه ومقاصده الكبرى، مثل السيادة الطاقية؛ والأمنية؛ والصحية؛ والتعليمية؛ والقضائية. إن مسألة التسطير للبحث العلمي ليست تقنية، خاصة في المرامي، مع ضرورة إشراك ذوي الاختصاص، من أجل بلورة ليس الأهداف المسطرة فحسب، بل وكذلك خرائط الطريق من أجل عدم ضياع الوقت و المجهود والمال.
إن مسألة الاختيارات الكبرى لطبيعة البحث العلمي الذي نريد ونحتاجه وفق متاحنا وطموحنا، قضية حياة أو موت بالنسبة للأمم حتى لا تبقى رهينة بما يبتكره ويبدعه الآخرون. صحيح أنه في هذا المستوى هناك ما يتجاوز السياسة الحزبية نحو حتى نوع من السرية، لكن رغم ذلك فأي مشروع اجتماعي عمومي وضمنه البحث العلمي يجب أن يخضع للمساءلة.
بعد الاختيار الكبير لمنحى وتوجه البحث الأساسي والتنموي والتدخلي يجب أن يسبح كل ذلك في الحرية، الحرية الأكاديمية للأساسي بتمتيع مجموعات البحث والمختبرات والمراكز والأقطاب بما يكفي من حرية حصر الموضوعات وتهييء الكفاءات اللازمة لذلك من أساتذة باحثين وباحثين وطلبة، مع امكانية التنسيق وعقد شراكات أكاديمية ومقاولاتية، ومع المنظمات غير الحكومية.
إن مسألة البحث العلمي، والاساسي خاصة، تستدعي الاستقلالية الحقيقية للباحث، سواء في الكليات، او المدارس والمعاهد العليا، مع محاولة ارجاع التي لاتؤطرها وزارة التعليم العالي إلى ذلك الحضن، أو بخلق جسور حقيقية للتنسيق وتبادل الخبرات…
أما البحث التنموي فيجب أن يخضع هو أيضا للمراقبة وفسح باب المنافسة الشريفة حتى يتم تنمية ليس فقط المنتوجات، بل وحتى المهارات. الأمر الذي قد يفيد البحث الأساسي بربطه بالواقع الاقتصادي والاجتماعي. ويعتبر البحث التدخلي جد ملائم لحالتنا التي يجب أن ينال فيها البحث التشخيصي كل المجالات من أجل التدخل المستعجل التصحيحي والتقويمي…
مسألة البحث بكل ما سبق لا تهم الأستاذ الباحث وحده ولا تحمله المسؤولية التي تتجاوزه والتي ترتبط أساسا بإرادة سياسية تريد إفراغ الجامعة من مضمونها الذي يجعلها رأس المجتمع وليس يديه أو رجليه.
خلاصة
بكل ما سبق يعتبر أمر اصلاح الجامعة مستعجلا في كل مناحيها، وخاصة الأخلاقي، إذ لم يعد مستساغا ولا حتى ممكنا تجريد الجامعة من دورها الريادي الذي تجعل منه الأمم شرط حياتها وتفوقها وسيادتها …
