حين تُطوى مباراة الطب: سابقة تهدد كل مباريات الولوج بالمغرب
حرف واحد. هذا كل ما تحتاجه لتسرق سنوات من عمر شخص آخر.
آراء أخرى
في مباراة تعتمد الاختيار من متعدد، يكفي أن يصلك “38:C” لتقفز فوق سنوات من السهر، وفوق آلاف المترشحين، وفوق مبدأ دستوري اسمه تكافؤ الفرص. لا حاجة لأوراق مهربة ولا لتزوير معقد: رقم سؤال وحرف واحد، يمر في ثانية عبر سماعة صغيرة أو ساعة ذكية.
في ماي 2026، وقف وزير التربية الوطنية أمام البرلمان ليعلن عن تعبئة ألفي جهاز إلكتروني لمحاربة الغش في البكالوريا، واعدًا بامتحانات “دون غش”. وفي يوليوز، بعد شهرين فقط، وأمام وقائع ثابتة للغش المنظم في مباراة ولوج كليات الطب، جاء الجواب من وزارة أخرى: الملف يُطوى، وإعادة المباراة “مستحيلة”، والمطالبة بها “طرح شعبوي”.
بين الوعد والطيّ، هناك آلاف الشباب ينتظرون أن يقول لهم أحد إن الاجتهاد ما زال يُجدي.
وما نناقشه هنا ليس ملف مباراة واحدة، بل منطقًا يهدد كل مباريات الولوج في المغرب. مباراة الطب هي النموذج الأوضح لأنها الأكثر تغطية وتوثيقًا، لكن الثغرات التي كشفتها موجودة في مباريات المدارس الهندسية والمعاهد والكليات ذات الاستقطاب المحدود جميعها.
أولا: ظاهرة لم تبدأ اليوم
لم تولد قضية مباراة الطب من فراغ. فهي الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة بدأت من امتحانات البكالوريا نفسها، حيث تحوّل الغش تدريجيًا من استثناء مُدان إلى ممارسة مألوفة، بل ومنظّمة أحيانًا عبر مجموعات على شبكات التواصل، بأدوات متطورة تتناقلها شهادات المترشحين وأوليائهم على المنابر الإعلامية.
وقبل أن يكون الغش خرقًا لمسطرة امتحان، هو خيانة لعقد أخلاقي ضمني: أن يُكافأ المجتهد بجهده، وأن تُقاس القيمة بالكفاءة لا بالوسيلة. وحين يتحول هذا الخرق من حالة فردية معزولة إلى ظاهرة يُتحدث عنها علنًا، ويُتاجر بها مقابل مبالغ مالية، فإن ما ينهار ليس نتيجة مباراة واحدة، بل ثقة جيل كامل في أن الاجتهاد يُجدي.
والمفارقة أن الدولة نفسها كانت قد أقرّت بخطورة الظاهرة قبل أشهر قليلة فقط، حين أعلن وزير التربية الوطنية محمد سعد برادة عن تلك الأجهزة الإلكترونية (رغم ما شابها من عيوب و تشويش على التلاميذ) لرصد الهواتف داخل مؤسسات الامتحان. أي أن الاعتراف الرسمي بأن الغش صار ظاهرة تستدعي تسليح أبواب القاعات بالتكنولوجيا كان حاضرًا وموثقًا.
وهنا يظهر التناقض الصارخ: وزارة تعبّئ ألفي جهاز وخطابًا بنبرة الحرب لمحاربة الغش في البكالوريا في ماي، ووزارة أخرى تعتبر في يوليوز أن المطالبة بحسم جاد في شبهة غش منظم بمباراة الطب “طرح شعبوي”. فإما أن الغش ظاهرة خطيرة تستحق التعبئة، وإما أنه مجرد “حالات معزولة” لا تستدعي شيئًا. لا يمكن أن يكون الأمران صحيحين في آن واحد.
هذا التطبيع التدريجي، مضافًا إليه تفاوت الجدية بين الخطاب والفعل، هو ما جعل انتقال الظاهرة إلى المباريات الوطنية الكبرى أمرًا شبه متوقع. فمن اعتاد الغش في البكالوريا لن يجد حرجًا في الغش في مباراة الطب، ومن غشّ في مباراة الطب لن يجد حرجًا لاحقًا في التزوير المهني.
ثانيا: سياق المباراة الأخيرة والوقائع الموثقة
أُجريت المباراة الوطنية الموحدة يوم 18 يوليوز 2026، وأُعلنت نتائجها في اليوم الموالي مباشرة. وفي الأيام التي تلت، انتشر على شبكات التواصل تسجيل سمعي-بصري لشخص مجهول الهوية يعرض محادثات مجموعة على تطبيق واتساب، مدّعيًا أنه مكّن مترشحين من الأجوبة أثناء اجتياز الامتحان، وأن كثيرا منهم نجح فعلًا.
على إثر ذلك، أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار فتح تحقيق قضائي، وأحالت النيابة العامة بالرباط البحث على الفرقة الوطنية للشرطة القضائية. وبالتوازي، أطلق طلبة متضررون وأولياء أمورهم عريضة إلكترونية وطنية تطالب بتحقيق مستقل، جمعت أكثر من 13.751 توقيعًا، موجهة إلى وزير التعليم العالي وعمداء كليات الطب ورئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.
لكن يوم 29 يوليوز، صرّح مصدر رفيع المستوى بالوزارة لجريدة هسبريس بأن الوزير عز الدين الميداوي قرر “طيّ ملف الجدل”، وأن خيار إعادة المباراة “أمر مستحيل وغير مطروح”، مستندًا إلى مقارنة إحصائية بين معدلات البكالوريا ونتائج المباريات خلصت إلى أن أصحاب معدلات 16 و17 و18 يحققون نسب نجاح تتراوح بين 80 و95 في المائة، ليستنتج أن “أصحاب المعدلات المنخفضة الذين قد يلجأون إلى الغش ليسوا بالأساس ضمن المقبولين”. هذا التصريح يضرب في جدوى إجراء المباراة كلها، ويبين أنه يمكن تعويضها بالانتقاء فقط.
ثالثا: الاختيار من متعدد (QCM)، ثغرة بنيوية لا عرضية
النقطة التقنية الأخطر في هذا الملف هي طبيعة الامتحان نفسه. فصيغة الاختيار من متعدد، رغم مزاياها في سرعة التصحيح الآلي وموضوعيته الظاهرية، تحمل عيبًا قاتلًا: ما يسهّل تصحيحها آليًا هو نفسه ما يسهّل غشّها. فالإجابة تُختزل في رقم سؤال وحرف واحد، وهو ما يمكن تمريره في ثوانٍ عبر رسالة نصية أو سماعة دقيقة، وهو تحديدًا ما ظهر في التسجيل المتداول.
بعبارة أخرى: نحن أمام صيغة امتحان تجعل الغش عملية لوجستية بسيطة للغاية، ثم نتفاجأ حين يقع. الإشكال ليس في نية الغشاش وحده، بل في تصميم اختبار يجعل الغش منخفض الكلفة عالي المردودية. وهذه الملاحظة لا تخص مباراة الطب وحدها، بل كل مباراة تعتمد الاختيار من متعدد، وهي الصيغة السائدة في أغلب مباريات الولوج بالمغرب.
رابعا: مسؤولية موزعة، لا مسؤولية غائبة
الحديث عن “شبكات إجرامية” وحدها تبسيط مريح. فالمسؤولية موزعة على مستويات متعددة: الوزارة والجامعات في تصميم صيغة الامتحان وتأمين ظروف إجرائه؛ أطر الحراسة في مراقبة القاعات وضبط الوسائط الإلكترونية؛ كل من يسهّل الغش ويصمت عنه؛ وكل من طبّع مع منطق “باك صاحبي” والريع، حيث يتعلم الشاب مبكرًا أن العلاقات والحيلة أنجع من الجهد.
وهنا يُطرح سؤال تربوي عميق: أين التربية على القيم، بما فيها القيم الإسلامية التي تجعل الأمانة والصدق والاستحقاق في صميم التعامل، من مناهجنا وبرامجنا؟ لا يكفي أن تُدرَّس هذه القيم كمادة نظرية معزولة إذا كان الواقع اليومي حول التلميذ يعلّمه العكس تمامًا. الغش في نهاية المطاف عرض من أعراض منظومة قيمية مختلة، ومحاربته بالأجهزة التقنية وحدها معالجة للعرض دون الداء.
خامسا: تكافؤ الفرص مبدأ دستوري، لا اعتبار ثانوي
هنا يكمن جوهر الخلاف مع موقف الوزارة. فحين يُقال إن إعادة المباراة “مستحيلة” لاعتبارات مادية أو لوجستية، أو حفاظًا على هيبة الامتحان والمؤسسة، فإننا نضع في كفة الميزان مبدأً دستوريًا مركزيًا هو تكافؤ الفرص، مقابل كلفة مالية وتنظيمية.
هذه المعادلة مغلوطة وخطيرة. فأي كلفة مادية مهما بلغت تبقى أهون من الإجهاز على مبدأ دستوري يُؤسس لعقد الثقة بين الدولة ومواطنيها. ثم إن الحجة المتعلقة بـ”الهيبة” تنقلب على نفسها: هيبة المؤسسة ومصداقية الامتحان لا تُصان بالتستر على شبهة، بل بالشجاعة في تصحيحها. والأخطر أن عدم الحسم اليوم يعني أن أفواج الأطباء المتخرجين من هذه الدفعة سيحملون طيلة مسارهم المهني وصمة الشك، وهو ظلم مضاعف يطال حتى الناجحين باستحقاق، الذين لم يقترفوا شيئًا وسيدفعون ثمن سمعة ملطخة.
كما أن الاستدلال الإحصائي الذي قدمته الوزارة، مهما بدا منطقيًا، لا يصلح دليل نفي. فكون أغلب الناجحين من أصحاب المعدلات المرتفعة لا ينفي إمكانية أن يكون بعض هؤلاء أنفسهم قد استعان بالغش، ولا ينفي وجود متضررين حُرموا من مقاعدهم. والمصدر ذاته يعترف بأن “هذه الخلاصة ليست نهائية”. فكيف تُبنى على خلاصة غير نهائية قرارٌ نهائي بطي الملف؟
سادسا: سابقة وطنية تنسف حجة “الاستحالة“
الحجة الأقوى ضد مقولة “إعادة المباراة مستحيلة” هي سابقة مغربية موثقة: في سنة 2015، أعادت وزارة التربية الوطنية امتحان مادة الرياضيات لمسلك العلوم الفيزيائية في البكالوريا بعد تأكد تسريبه. لم تكن العملية سهلة ولا مجانية، لكن الدولة قامت بها لأن البديل كان أخطر.
إذا كان ذلك ممكنًا في امتحان وطني يهم عشرات الآلاف من التلاميذ، فكيف يكون مستحيلًا في مباراة أكثر محدودية من حيث عدد المترشحين والمراكز؟ الاستحالة هنا ليست تقنية، بل قرار سياسي وإداري.
سابعا: من الطبيب إلى المهندس، حين يبدأ المسار المهني بخطأ
هذا الملف ليس شأنًا أكاديميًا داخليًا. فالمعني هنا تكوين أطباء المستقبل، أي أشخاص ستُوضع أرواح المواطنين بين أيديهم. من يستسهل الغش في مباراة الولوج، ما الذي يضمن ألا يستسهل لاحقًا التساهل في التشخيص، أو التزوير في وثيقة طبية، أو استغلال المريض تجاريًا؟ الطب مهنة قوامها الضمير قبل الشهادة. وعندما يُخترق باب الدخول إليها، يُخترق معه المنطق الأخلاقي الذي تقوم عليه.
والأمر لا يتوقف عند الطب. فالمهندس الذي دخل مدرسته بالغش سيوقّع غدًا على مخططات بناية، وحسابات مقاومة، وتصاميم شبكة كهربائية، وأنظمة أمن معلوماتي. وخطأ واحد في حساب حمولة أو في تقدير مادة قد يكلف أرواحًا. والصيدلي والممرض والقاضي والمحاسب: كلهم يدخلون مهنًا يترتب على تقصيرهم ضرر مباشر على الناس. القاعدة واحدة: من تعلّم أن النتيجة تُنتزع لا تُستحق، سيحمل هذا المنطق معه إلى مكتبه وورشه ومختبره. نحن لا نتحدث فقط عن مقاعد مسروقة، بل عن منظومة كاملة تبدأ معطوبة من أول خطوة.
ثامنا: من قاعة الامتحان إلى أمواج سبتة، خسارة مضاعفة
في نفس الشهر الذي انفجر فيه ملف مباراة الطب، آلاف الشباب المغاربة خاضوا البحر وتسلقوا الأسوار نحو سبتة المحتلة، وسقط منهم من سقط في الماء. لا علاقة سببية مباشرة بين الحدثين، ولا ينبغي افتعالها. لكن بينهما قاسمًا مشتركًا لا يمكن تجاهله: شعور متنامٍ لدى جزء من الشباب بأن أبواب المستقبل في بلدهم لا تُفتح بالجهد والكفاءة.
فحين يكون قرابة ثلاثة ملايين شاب مغربي بين 15 و29 سنة خارج الدراسة والتكوين والعمل، وحين يرى الشاب المجتهد مقعده يضيع أمام عينيه لصالح من غشّ، تتراكم قناعة واحدة قاتلة: لا مكان لي هنا.
وهذا هو مربط الفرس: بلد يفقد شبابه في البحر لا يملك ترف أن يفقد أيضًا كفاءاته المحلية بإقصائها داخل قاعات الامتحان. فالطالب المتفوق الذي يُحرم من مقعده لن يقف عند الاحتجاج فقط؛ سيعيد المحاولة سنة أخرى في أحسن الأحوال، أو سيحمل ملفه إلى جامعة أجنبية ولن يعود، وهو ما تشهد عليه شهادات آباء أرسلوا أبناءهم لدراسة الطب في أوروبا بعد إخفاقهم في المباراة هنا.
إنصاف هؤلاء الطلبة إذن ليس ترفًا أخلاقيًا ولا استجابة لضغط الرأي العام، بل مصلحة استراتيجية لبلد في أمسّ الحاجة إلى أطبائه ومهندسيه وكفاءاته.
تاسعا: نحو حلول عملية، لا شعارات
المطلوب ليس فقط إدانة الظاهرة، بل اقتراح مخرج عادل. وهذه أهم المسارات الممكنة:
– على المدى الفوري (إنصاف المتضررين):
إعادة المباراة على غرار سابقة 2015، واستكمال التحقيق القضائي باستعجال وشفافية، ونشر خلاصاته للرأي العام لا طيّها. وإن تعذر ذلك، فالحد الأدنى هو إلغاء نتائج من ثبت في حقهم الغش تبعا لمخرجات التحقيق، وتعويضهم بمترشحين من لوائح الانتظار حسب الاستحقاق، مع نشر الإجراءات المتخذة بشكل علني ليستعيد الرأي العام ثقته.
– على المدى المتوسط (مراجعة جذرية لمنطق الولوج):
السؤال الذي ينبغي طرحه ليس كيف نجعل المباراة أكثر تحصينًا ضد الغش، بل: لماذا المباراة أصلًا؟
لدينا بالفعل امتحان وطني موحد، مؤطر ومنظم ومُصحح مركزيًا، اسمه البكالوريا، تُخصص له الدولة موارد ضخمة وتُحشد لأجله أطر ومراكز على امتداد التراب الوطني. فإن كنا لا نثق في نتائجه إلى درجة أن نفرض على حامله اجتياز اختبار آخر بعد أسابيع، فما جدوى البكالوريا إذن؟ وإن كنا نثق فيه، فلماذا لا نبني عليه؟
المقترح إذن هو إلغاء مباريات الولوج إلى المدارس والمعاهد والكليات ذات الاستقطاب المحدود، واعتماد نتائج البكالوريا مباشرة، مع تطبيق معاملات مختلفة على المواد حسب كل مؤسسة وكل تخصص: معاملات مرتفعة لعلوم الحياة والأرض والكيمياء لولوج كليات الطب والصيدلة، وللرياضيات والفيزياء لولوج المدارس الهندسية، وهكذا. هذه الصيغة تكافئ سنوات الاجتهاد المتراكم بدل رهن المصير بأداء يوم واحد، وتُلغي في الآن ذاته الحاجة إلى امتحان إضافي أثبت أنه ثغرة أكثر منه ضمانة.
وهناك حجة ثانية لا تقل أهمية: هذه المباريات تحولت إلى سوق ربحية قائمة بذاتها. مراكز إعداد خاصة برسوم مرتفعة، ونفقات تنقل وسكن تتحملها الأسر لمرافقة أبنائها إلى مراكز امتحان بعيدة، وكتب ودورات تكوينية. عبء مالي كامل يقع على كاهل الأسر، ويقصي عمليًا التلاميذ من ذوي الدخل المحدود، ويحوّل تكافؤ الفرص إلى شعار.
يضاف إلى ذلك إشكال مضموني: عدد من هذه المباريات تختبر المترشحين في مدارك لم تُدرَّس أصلًا في مقررات البكالوريا (ثقافة عامة، مفاهيم متقدمة في الميكانيك أو الإلكترونيك…). فبأي منطق نطالب تلميذًا بإتقان ما لم يُدرَّس له؟ وأي كفاءة يقيسها اختبار من هذا النوع، غير قدرة الأسرة على تمويل ساعات إعداد إضافية؟
-على المستوى التنظيمي (ما دامت المباريات قائمة):
تشديد ظروف إجراء الاختبارات (تقليص عدد المترشحين في القاعة الواحدة، منع صارم لكل الوسائط الإلكترونية بما فيها الساعات الذكية، تعطيل شبكات الاتصال في محيط مراكز الامتحان)، وتعدد نسخ الامتحان بحيث تُسحب النسخة المعتمدة عشوائيًا قبل الاختبار بدقائق، وترتيب مسؤولية واضحة على مستوى الحراسة ورؤساء المراكز.
– على المستوى التربوي والقيمي:
لا جدوى من أي إجراء تقني إذا نشأ التلميذ في محيط يعلّمه أن “باك صاحبي” أنجع من الاجتهاد. الأمر يستدعي إعادة الاعتبار للتربية على القيم داخل المناهج، وربطها بممارسة واقعية داخل المؤسسة التعليمية، لا كدرس نظري يُحفظ ويُنسى.
– وأخيرا، على مستوى محاربة الفساد:
لا يمكن مطالبة تلميذ بالنزاهة في قاعة امتحان بينما يرى حوله ريعًا ومحسوبية وغشًا في مجالات أوسع بكثير لا تُواجَه بنفس الحزم. وكما لاحظ الصحافي يونس مسكين ساخرًا، الدولة قادرة على تعبئة ألفي جهاز إلكتروني لضبط هاتف تلميذ، لكن نفس الإرادة والوسائل لا تظهر دائمًا حين يتعلق الأمر بأشكال أخرى من الغش أوسع أثرًا وأبعد خطرًا على مصير البلد. ومحاربة الغش في الامتحانات، إن لم تكن جزءًا من معركة أشمل ضد الفساد، ستظل معالجة سطحية لعرض واحد من أعراض داء أعمق.
خاتمة: لأن السكوت اليوم يعني التعميم غدا
الخطر الحقيقي في هذا الملف ليس في مباراة واحدة، بل في السابقة التي يؤسسها. فإذا مرّ الأمر بلا حسم، فالرسالة الواصلة إلى آلاف الشباب واضحة: الغش مربح ولا يُعاقَب. وحينها لن يقتصر الأمر على مباراة الطب. فمباراة الطب ليست الاستثناء الذي يجب معالجته، بل الإنذار المبكر لما ينتظر مدارس المهندسين والمعاهد العليا والوظيفة العمومية. ما يُقرر في هذا الملف اليوم سيصبح القاعدة المعمول بها في كل المباريات غدًا.
هؤلاء الشباب الذين سهروا الليالي وضحّوا بسنوات من عمرهم يستحقون جوابًا واضحًا، لا “طيًّا للملف”. ليس المطلوب انتقامًا ولا تعميمًا للاتهام على كل ناجح، بل ببساطة: تحقيق شفاف، ونتائج معلنة، وإنصاف من ثبت تضرره.
فبلد يشاهد شبابه يخوضون البحر بحثًا عن أفق، ليس أمامه ترف أن يغلق الأفق في وجه من بقي واجتهد. والعدالة، حين تتأخر أو تُطوى، لا تُنقذ هيبة المؤسسة، بل تُفقدها آخر ما تبقى منها.
فاعل نقابي
