الكتاب الذي لم يكتبه المهدي بنسعيد
على خطى بعض الوزراء الفرنسيين الذين استهووا مزج بريق السلطة بشغف الحبر، وأصدروا كتباً وروايات وهم ما يزالون يمارسون مهامهم الحكومية، كما هو الحال بالنسبة لوزير الاقتصاد والمالية السابق برونو لومير، الذي ألّف ستة كتب في ظرف سبع سنوات، ما دفع الكثيرين للتساؤل عما كان يفعله حقاً وزير المالية في مكتبه بحي “بيرسي” وبماذا كان ينشغل؛ أصدر وزيرنا في الثقافة والشباب والتواصل، المهدي بنسعيد، أول أمس الخميس، كتاباً اختار له عنوان «الثقافة طموح مغربي»، من وحي تجربته الوزارية التي تشارف على الانتهاء؛ في مسعاه للحصول على ورقة تأهل تضمن له مقعداً في حكومة ما بعد 23 شتنبر المقبل.
آراء أخرى
لا أخفي “معالي الوزير” أنني، وإلى حدود كتابة هذه الأسطر، اكتفيتُ فقط بقراءة البلاغ الصحفي الذي وزعته دار النشر على وسائل الإعلام لتقديم الكتاب؛ وظني أنني لن أجد في القادم من الأيام دافعاً لقراءته أو تقليب صفحاته، حتى لو توصّلت بنسخة منه بالمجان مهداة بتوقيعه الكريم. المسألة هنا لا تتعلق بزهدي في اكتشاف أول إنتاج فكري لوزيرنا الشاب، ولكن لأن تراكمات التجربة علمتني أن فجوة المسافة الفاصلة بين “المدينة الفاضلة” التي تبشر بها أدبيات المسؤولين أمثال بنسعيد على الورق، وبين واقع الارتجال الذي يعيشه قطاع الثقافة والقطاعات الأخرى على أرض الواقع، تجعل من قراءة هذا النوع من المؤلفات مجرد تمرين إضافي في الترف النظري؛ لا يسمن ولا يغني من جوع الواقع البئيس الذي نعيشه جميعاً في المرحلة الأخيرة.
ولعل المثير في تجربة الشاب المهدي، الذي أتحفنا بكتاب يُنظّر من خلاله لحال الصناعة الثقافية المغربية ومستقبلها، هو اعتقاده الراسخ بأن معاليه هو أفضل وزير تولى تدبير قطاع الثقافة في السنوات الأخيرة؛ وهي نرجسية سياسية تبقى مفهومة من ناحية، بل ومطلوبة في بورصة التموقع السياسي، إلا أن المشكلة تكمن في كون هذا التنظير الورقي الباذخ غالباً ما ينسى، أو يتناسى، أن منصات المهرجانات والحفلات وبهرجة المعارض التي تخصّص في تفريخها منذ دخوله الحكومة في أكتوبر 2021، لا تصنع بالضرورة نهضة ثقافية، وأن الحكم الحقيقي على حصيلته لن يأتي من مساحيق الماركتينغ الثقافي والسياسي الذي يبتغيه من خلال هذا الكتاب، وإنما من عمق الواقع الذي يعرف فيه الجميع أن حكاية “أفضل وزير ثقافة“، التي يروّجها محيطه، لا تعدو كونها مجرد انطباع ذاتي معزول، تؤثثه فصول كتاب لن يقرأه في الغالب أحد، ولن يتعدى مفعوله حدود الترويج الحزبي الضيق خلال الحملة الانتخابية.
الحقيقة هي أننا لو كنا في سياق ديمقراطي ومؤسساتي آخر، على الأقل شبيه بذلك الذي عشنا على إيقاعه في الخمس سنوات الأولى من عُمر دستور 2011، لما أسعف الوقت بنسعيد لتأليف أي كتاب، لأنه كان سيغادر سفينة الحكومة مباشرة بعد اندلاع الزوبعة التي أثارتها نقاشات تضارب المصالح المرتبطة بمساهمته في شركة “نيو” للسيارات؛ لذلك، فإنه اليوم يجب أن يكون مديناً لانتكاستنا السياسية الجماعية التي مكنته من الاستمرار وزيراً في الحكومة، والتي يبدو أنها قد تحمل حزب الأصالة والمعاصرة؛ الذي هو عضو في قيادته الثلاثية، إلى رئاسة الحكومة، محمولاً على طموحات فوزي لقجع الذي أصبح يرى فيه “التراكتور” وسيلته الوحيدة لتحقيق حلم قيادة الحكومة الذي لطالما راود مهندسي “البام” منذ تأسيسه سنة 2008.. لكن، وحتى لو ركب لقجع عجلات الجرار المتهالك في الأيام القادمة، فإن ذلك لن يمحو بسهولة إرثاً سياسياً محفوراً في الذاكرة الجماعية؛ لأن المغاربة لم ولن ينسوا أبداً أنهم في 20 فبراير 2011، رفعوا لافتات كانت خفيفة على اللسان لكنها ظلّت ثقيلة في ميزان التاريخ، اختصرت موقفاً شعبياً عارماً بكلمتين لا تقبلان التأويل : “PAM Dégage”.
شخصياً، لا مشكلة لدي مع السي المهدي، وإن كنتُ أرى أن مروره في قطاعي الثقافة والتواصل قد ساهم كثيراً في تراجع دور وتأثير الصحافة والثقافة في صناعة النقاش العمومي. مشكلتي الحقيقية هي مع المشروع الذي يحمله المهدي ورفاقه من يساريي الأمس في حزب الأصالة والمعاصرة الذين، وبعد فشلهم في القيام بالثورة على نظام الحسن الثاني في الستينيات والسبعينيات، تحالفوا مع جهة في المخزن سنة 2008 بدافع مواجهة الإسلاميين لإعادة هندسة المشهد السياسي على مقاسهم؛ بنزعة سلطوية واضحة كانت تريد استيراد نموذج التجمع الدستوري الديمقراطي التونسي في سنوات بنعلي.. لذلك، وجب تذكير السيد الوزير، بمناسبة صدور أول كتاب له، أن التاريخ لا يرحم، وهو في جميع الأحوال يؤكد كل مرة أن “البام” لم يكن يوماً حزباً سياسياً ذا مشروع مجتمعي وحداثي، بقدر ما كان مجرد تعبير عن الخوف من حدوث انتقال ديمقراطي حقيقي في مغرب محمد السادس.