بين "الفضيلة الميكافيلية" و"الكتلة التاريخية": لماذا عجزت "الديمقراطية الشكلية" عن بناء الأوطان؟
تُغريني دائماً تلك الصورة الفلسفية التراجيدية للفراشة الإغريقية، وهي تطير مدفوعة بشغف أعمى نحو اللهب؛ تظنه في عتمة الليل منبع النور والدفء المطلق، لكنها كلما اقتربت منه خطوة، ذابت أجنحتها واهترأ جسدها، لينتهي بها المطاف محترقة في قلب النار التي عشقتها. هذا الانتحار الشغوف ليس حكراً على عالم الفراشات، بل هو عين ما يحدث للوجوه والنخب في واقعنا المعاصر حين تلتهمهم غواية النفوذ والاقتراب من ممرات السلطة وصناع القرار؛ يظنون القرب من “الشمس السياسية والاقتصادية” رفعة وتمكيناً، ولا يدركون أن اقترابهم من تلك الممرات الضيقة والمظلمة —دون وعي بنيوي— هو بداية الاحتراق المعنوي والفكري، والذوبان في منظومة “الديمقراطية الشكلية” التي تستهلك الفاعلين ثم تلفظهم خارج حسابات الزمن الحضاري.
آراء أخرى
إن معضلة النفوذ المعاصر تفرض طرح تساؤل جوهري حول الأهمية الاستراتيجية للاعتكاف الأكاديمي والالتزام بالقلم ومدرج الجامعة بدلاً من الركض في دهاليز السياسة الآنية؛ والحقيقة أن هذا التوجه لا يعبر عن انكفاء سلبي أو هروب من معارك الإصلاح، بل هو نتاج تفكيك بنيوي لطبيعة السلطة والنفوذ في عالمنا المعاصر، وإدراك متقدم بأن الممرات السياسية المتاحة قد أُفرغت من محتواها السيادي. من هنا، يصبح الالتزام بمحراب التدريس والبحث الأكاديمي بمثابة انحياز واعي لساحة الفعل الحقيقية والأبقى، حيث الجامعة والمدرج هما المختبر الوحيد لبناء عقول حرة قادرة على تجاوز مأزق ديمقراطيات الصناديق الصورية التي عجزت بنيوياً وتطبيقياً عن صياغة مشروع مستقل للنهوض.
نيكولا ميكافيلي
إن هذه الجاذبية المهلكة هي ذاتها التي تفطن إليها “نيكولا ميكافيلي” في كتابه الأمير، حين صاغ مفهوم “الفضيلة الميكافيلية” ليس كقيمة أخلاقية، بل كقدرة براغماتية حادّة على اقتناص الفرص ومغازلة الحظ والتمدد في مساحات السلطة. غير أن ميكافيلي، الذي وضع هندسة صارمة لآليات التقرب من النافذين وبناء شبكات “رأس المال الاجتماعي”، مات هو الآخر وحيداً ومنبوذاً خارج الدوائر التي أفنى عمره في تفكيك شفراتها، وكأن التاريخ يسجل مفارقة أبدية: أن النفوذ القائم على إرضاء الحاكم والركض في دهاليز الاستبداد ينتهي دائماً بلفظ الوجوه فور انتهاء صلاحية الدور المرسوم لها. من هنا، يتولد خياري المبدئي بالابتعاد عن هذه الدهاليز والالتزام بمحراب التدريس والكتابة، ليس انكفاءً سلبيًا، بل هو انحياز استراتيجي مفادُه أن بناء الإنسان وتفكيك النماذج التنموية المعاقة هو المنطلق الوحيد لأي نهوض حضاري حقيقي.
الوهم الإجرائي
إن تفكيك حركية المشهد الانتخابي في واقعنا الراهن، عبر عدسات علم السياسة والاقتصاد السياسي، يكشف بوضوح أن هذه الاستحقاقات أضحت مجرد طقوس شكلية مفرغة من السيادة الهيكلية الكفيلة بصناعة قرار وطني مستقل. علمنا علم الاجتماع السياسي أن الصناديق التي تُجرى في بيئات مكبلة بإملاءات الصناديق الدولية والمديونية العابرة للقارات لا تنتج سوى “ديمقراطية إجرائية بائسة”، تحصر طموح الشعوب في منافسة عقيمة حول “من يدير الأزمة” لا “من يملك الحل”. الذهاب إلى صناديق الاقتراع في ظل غياب سيادة حقيقية للمؤسسات المنتخبة هو مساهمة في تزييف وعي الجماهير، وتزكية مجانية للوهم، وإيهام للمجتمع بأن التغيير رهين بورقة توضع في صندوق، بينما القرار الفعلي مرتهن بموازين قوى خارجية تفرض سياسات التقشف والتبعية الاقتصادية.
فشل تنموي
وعلى مستوى الأرقام، يتجلى هذا الفشل التنموي في عالمنا العربي الذي يضم 459 مليون نسمة موزعين على 22 دولة، ويمتلك 61% من احتياطي النفط العالمي و25.5% من احتياطي الغاز، فضلاً عن أرصدة سيادية في الأسواق العالمية تُقدر بـ 3 إلى 4 تريليون دولار. ومع ذلك، فإن هذه المنطقة لا تجني سوى 2% من دخل العالم، بينما يمثل سكانها 5% من سكان الأرض! إنه هدر لامحدود للموارد الطبيعية وإمكانات الذات الرافدة للاستقلال، حيث تعاني معظم بلدان الإقليم من الفقر، والبطالة، وعدم المساواة التي تصل في التعليم وحده إلى 38%. وحتى ذلك التقدم الشكلي الذي تسجله بعض الدول النفطية بناءً على أدلة التنمية البشرية، هو تقدم لم ينتج عن رُقي معرفي أو تقدم تقني محلي، وإنما هو مجرد شكل من أشكال الاستهلاك والمظهريّة التي تتيحها الوفرة المالية المؤقتة الناجمة عن تسويق مصادر الطاقة الأحفورية.
الاستلاب المعرفي
تكمن معضلتنا الكبرى في التبعية المعرفية والثقافية الجاثمة على عقول النخب؛ حيث تم إسقاط آليات الديمقراطية الغربية كقوالب جاهزة دون مراعاة لخصوصيتنا الحضارية، بدلاً من التأسيس لنموذج تحرري ينطلق من فقه المعاملات والاقتصاد السياسي الإسلامي المرتكز على العدالة ومحاربة الاحتكار والريع. والنتيجة الحتمية لهذا المسار المعوج هي صعود نخب تكنوقراطية وزبائنية، تتقن لغة الأرقام والمؤشرات لاسترضاء الدوائر الخارجية وتغترب تماماً عن واقع مجتمعاتها وموروثها القيمي. إن قبول اللعب وفق هذه القواعد الفاسدة بنيوياً يعني الدوران في فلك ظاهرة “الباب الدوار” The Revolving Doorالتي تتبادل عبرها نخب المال والسياسة الأدوار لتمرير تشريعات تخدم المصالح الاحتكارية الضيقة، مما يعمق الفجوة بين الأمة واستقلالها الحضاري المنشود.
لقد سيطر الفكر التقليدي للتنمية لفترة طويلة، مفترضاً وجود نموذج وحيد على الدول النامية محاكاته عبر نقل رأس المال والتخلي عن التقاليد والثقافة. وبناءً عليه، اتبعت البلدان العربية نظريات قاصرة شجعت الاستثمار الأجنبي على حساب الوطني، وحتى سياسات التصنيع ومحاولات إحلال الواردات اتبعت استراتيجية “النمو المتوازن” القائمة على توزيع المشاريع جغرافياً وقطاعياً، مما أدى إلى هدر الموارد لغياب الكوادر المؤهلة ورؤوس الأموال الكافية لكل الأوراش في آن واحد. وكان الأجدى اتباع استراتيجية “النمو غير المتوازن” عبر أسلوب التجميع Grouping بتركيز البنية التحتية والخبرات في قطاعات وأنشطة محددة لتنتقل عدوى التنمية من قطاع إلى آخر ومن حيز جغرافي إلى آخر، تماماً كما فعلت ماليزيا التي اتخذت من التقاليد المحلية والأخلاق الإسلامية منطلقاً للإقلاع التنموي.
الطغيان الأمني
لا يمكن فصل الفشل التنموي المعاق نظرياً وتطبيقياً في المنطقة العربية عن ظاهرة انتشار الفساد والمحسوبية، وظاهرة زواج السلطان بالتجارة. الفساد في عالمنا العربي يقتل روح المبادرة والتنافس العلمي الشريف، ويحبط رغبة الأفراد في الترقي والمعرفة، ويشوه قيم الثقافة المجتمعية. وتكلفته الاقتصادية باهظة؛ إذ يرفع التكاليف في القطاع الخاص بمعدل يزيد عن 10%، وتعتبره أكثر من 53.2% من الشركات العائق الرئيسي أمام الأعمال. هذا الفساد يؤدي مباشرة إلى انخفاض فعالية المساعدات، تعريض الدولة للأزمات النقدية، زيادة معدلات الفقر، وتحويل إنفاق الحكومات من الأنشطة الإنتاجية إلى الأنشطة الاستهلاكية والقمعية.
ويتعمق هذا الخلل البنيوي بتغليب المنظور الأمني المحض على المنظور التنموي الشامل؛ فالأنظمة البوليسية القمعية تنظر للمواطن على أنه عدو محتمل وليس شريكاً فاعلاً في بناء الدولة. إن الدولة العربية تعادي المجتمع والفرد، في حين أن الاستقرار الحقيقي والتقدم لا يُقاسان بمنفعة السلع والخدمات المظهرية، بل بالقدرات الجوهرية التي تمكّن الفرد من العيش بكرامة وحرية. لقد نجحت ماليزيا لأنها أسست لشراكة وتعاون متبادل بين الأفراد والمجتمع والنظام السياسي، القائم على أساس الديمقراطية التشاركية، بينما نعيش في الإقليم العربي واقع التجزئة السياسية وصراع “ملوك الطوائف” الذي يطحن المنطقة ويغيب إرادة الأغلبية في اختيار من يحكمها، معطلاً أي أفق للتكامل الاقتصادي العربي الشامل.
النماذج الملهمة
ولكي تكتمل الصورة وتتضح معالم الرؤية؛ لستُ من الرافضين لمبدأ المشاركة السياسية على إطلاقه، ولا من دعاة العزلة السلبية أو الانكفاء العدمي؛ فالتاريخ الإنساني والحديث يزخر بنماذج ملهمة استثمرت العمل السياسي لخدمة الصالح العام وإحداث طفرات تنموية حقيقية لأوطانها. لعل تجربة مهاتير محمد في ماليزيا تجسد كيف يمكن للرؤية السياسية والالتزام بالديمقراطية التشاركية أن تنقل أمة من غياهب التخلف إلى مصاف الدول الصناعية، وتجربة نجم الدين أربكان في تركيا الذي أسس لمدرسة التنمية الاقتصادية المستقلة وتصنيع الآلات متحدياً أعتى بنيويات التبعية، ناهيك عن تجربة بول كاغامي في رواندا الذي انتشل بلاده من ركام الإبادة الجماعية إلى مصاف الاقتصادات الرقمية والواعدة.
وتثبت هذه النماذج الحية والمثمرة بالأدلة القاطعة أن الأزمة ليست في “العمل السياسي” كأداة شرعية لإدارة المجتمع وتوجيه طاقاته، بل المعضلة تكمن في انحراف هذه الأداة في واقعنا الراهن لتتحول إلى دكان للمصالح الشخصية، والزبونية الفجة، وشراء الذمم، والنفاق السياسي الذي يفتقر لأي أفق رسالي أو مشروع نهضوي حقيقي يخدم الإنسان.
إن القراءة المتأنية لكواليس هذا الصعود التنموي، ولا سيما في النموذج الماليزي، تكشف عن معادلة ثلاثية الأبعاد شكلت “ثالوث المعجزة التنموية”؛ حيث التقت الديمقراطية التشاركية كبنية أساسية لخلق بيئة مستقرة سياسياً ومجتمعياً، مع الاختيارات التنموية الصائبة التي صيغت لتنسجم بدقة مع الاحتياجات المحلية والإمكانات الذاتية للبلاد، وتوّج هذا المسار بوجود قيادة سياسية حكيمة وصارمة نجحت في تحويل هذه السياسات والخطط النظرية إلى واقع ملموس على الأرض. هذا التلاحم العضوي بين الاستقرار، وحسن التخطيط، وجدية التنفيذ هو ما يفتقده الواقع العربي الراهن.
المقاطعة السيادية
بناءً على هذا الفهم الهيكلي، فإن موقفي الثابت بمقاطعة الانتخابات السابقة و اللاحقة هو فعل مقاومة سياسي واعي يسحب الشرعية المعنوية عن مسرحية مرسومة السقف والنتائج سلفاً، لغياب الحد الأدنى من مقومات الفعل البناء المماثل للتجارب السالفة. إن المقاطعة النقدية هنا هي صرخة احتجاج واعية ترفض أن يكون المثقف والأكاديمي المستقل شاهد زور في طقوس سياسية مفرغة من غاياتها العدالية، وتبيع الوهم للفقراء دون امتلاك القدرة أو الإرادة على التغيير الهيكلي. حين ترفض النخب الملتزمة الانخراط في هذه المسارات الراكدة, فإنها تضع المنظومة الحاكمة أمام مرآة عجزها البنيوي، وتكشف زيف شرعيتها الشكلية، وتحول الطاقة الفكرية من ركود الصناديق إلى حركية صناعة الوعي المجتمعي الذي يسبق ويؤلف لأي إصلاح سياسي حقيقي ومثمر.
الكتلة التاريخية
إن حجر الزاوية في مشروعي الفكري والسياسي، والذي أفردتُ له مساحات واسعة من البحث والكتابة، يتلخص في ضرورة تشكيل “الكتلة التاريخية الحية” بمفهومها الحضاري العميق. إن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يولد من رحم المساومات السياسية الهشة أو التحالفات المصلحية العابرة، بل يبدأ من صياغة جبهة عريضة تتجاوز الاستقطابات الإيديولوجية العقيمة، وتلتقي على أرضية المصلحة الوطنية العليا والاستقلال المعرفي والاقتصادي. هذه الكتلة لا تُطبخ في كواليس الأحزاب المتصارعة على كعكة المناصب، بل تُبنى لبنة لبنة في محاضن الفكر، وقاعات الجامعات، ومنابر الوعي؛ حيث يلتقي المثقف الملتزم، والطالب الواعي، والصانع المستقل على رؤية موحدة لفكاك الأمة من ربقة التبعية للغرب واسترداد سيادتها الشاملة.
وهنا تبرز مسؤولية الشعوب والنخب معاً؛ فالخيرية مشروطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما جاء في محكم التنزيل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَت لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. وهل هناك منكر أكمل وأكبر مما تعيشه بلداننا اليوم من سفك للدماء، وتكالب على الجار، ونهب لأموال الشعوب، ومحاباة لأعداء الأمة، وإضرار بمستقبل ملايين البشر عبر الحكم عليهم بالفقر والحرمان؟ إن النهي عن هذا المنكر الهيكلي يتطلب أولاً بناء هذه الكتلة الواعية القادرة على التغيير الحقيقي والعميق.
بديل الوعي
إن تفرغي الكامل للكتابة والالتزام بمنصة التدريس الأكاديمي هو الخيار الاستراتيجي والترجمة العملية لتأسيس هذه الكتلة التاريخية الحرجة من الأسفل؛ فالجامعة هي المختبر الحقيقي الذي تُصنع فيه عقول الغد الحرة وتُفكك فيه آليات الهيمنة والاستعمار الجديد. إن زراعة الفكر النقدي المستقل في عقول أجيال المستقبل، وشرح هندسة تدفق الثروات، ونقد المركزية الغربية، هي الأفعال الحقيقية التي تخشاها المنظومات الراكدة؛ فالسياسي والوزير والبرلماني يزولون جميعاً بزوال مناصبهم وتُمحى قوانينهم المؤقتة، أما الفكرة التحررية الأصيلة التي تُزرع في وعي طالب علم، فهي شجرة ممتدة الجذور، يستحيل صياغتها بريموت كنترول التبعية، وهي الضمانة الوحيدة لنهوض الأمة وفكاكها من واقع التخلف والاستلاب..
اقتصاد في سياسة
ولمن أراد التحرر من سطحية الطروحات الكلاسيكية والتعمق أكثر في هذه الرؤية الجيو-اقتصادية والفلسفية الشاملة، ومتابعة تفاصيلها الرياضية والكمية وأبعادها السوسيو-اقتصادية المقارنة بالتحليل المرئي والمسموع، يمكنه الانضمام إلى النقاشات الأكاديمية المعمقة وبسط هذه الجدليات المعقدة عبر حلقات برنامج “اقتصاد في سياسة” المتاحة على المنصة الرقمية من خلال الرابط التالي: youtube.com/@TarikLissaoui.. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..
أكاديمي وكاتب مغربي
