استقلالية الأستاذ الجامعي بين الواقع والمظهر
مقدمة
آراء أخرى
أثار النقاش المرتبط بإمكانية جمع الأستاذ الجامعي بين ممارسة المحاماة والوظيفة الأكاديمية جدلاً واسعاً داخل الحقلين القانوني والجامعي بالمغرب، خصوصاً بعد السجال الذي برز بين علي أنوزلا وأحمد بوز حول مفهوم “الاستقلالية” وحدودها.
وقد انصبّ الجزء الأهم من النقاش على سؤال يبدو في ظاهره قانونياً ومهنياً، لكنه في العمق سؤال مؤسساتي وأخلاقي يتعلق بطبيعة الثقة العامة في المؤسسات المهنية والأكاديمية: “هل تكفي الاستقلالية الفعلية لضمان الثقة في المؤسسة، أم أن الاستقلالية في المظهر لا تقل أهمية عنها؟”.
هذا السؤال ليس جديداً في أدبيات الحكامة والتدقيق المرتبط بالوظيفة العمومية، فقد كرّست المعايير الدولية والممارسات الفضلى، تمييزاً حاسماً بين:
- الاستقلالية في الواقع (Independence in Fact)؛
- والاستقلالية في المظهر (Independence in Appearance).
وهو تمييز أصبح حجر الزاوية في أنظمة الرقابة والتدقيق المرتبطة بالوظيفة العمومية، وفي سياسات مكافحة تضارب المصالح وصيانة الثقة العامة في المؤسسات.
أولاً: مفهوم الاستقلالية في المعايير الدولية
- الاستقلالية في الواقع (Independence in Fact)
يقصد بها قدرة الشخص أو المؤسسة على اتخاذ قراراته بحرية فعلية، دون تأثير أو ضغط أو تبعية مباشرة. وقد أكدت معايير إنتوساي INTOSAI أن الاستقلالية الفعلية شرط جوهري لمصداقية أي وظيفة رقابية أو مهنية.
وينص معيار ISSAI 130 الخاص بأخلاقيات المهنة على ضرورة أن يكون المهني قادراً على ممارسة “الحكم الموضوعي …..” دون خضوع لأي تأثير خارجي.
- الاستقلالية في المظهر (Independence in Appearance)
هذا المفهوم أكثر عمقاً وتعقيداً. فوفق معيار ISSAI 130 “الاستقلالية في المظهر تعني غياب الظروف التي قد تدفع طرفاً معقولاً ومطلعاً إلى التشكيك في نزاهة وموضوعية واستقلال المهني.” أي إن المشكلة لا تتمثل فقط في وجود التأثير الحقيقي، بل كذلك في وجود وضعية قد تخلق لدى العموم أو المتعاملين أو المستفيدين انطباعاً بوجود تأثير محتمل.
وقد أصبح هذا المفهوم اليوم أحد أهم مرتكزات:
- أخلاقيات التدقيق في القطاع الحكومي؛
- الحكامة العمومية؛
- تدبير تضارب المصالح؛
- وتعزيز الثقة المؤسساتية.
ثانياً: مقاربة منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لتضارب المصالح والثقة العامة
تعتبر منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أن تضارب المصالح لا يقتصر فقط على التأثير الفعلي، بل يشمل كذلك:
- التضارب الحقيقي؛
- التضارب المحتمل؛
- والتضارب الظاهري أو المتصور.
وقد أكدت المنظمة أن: “حتى تضارب المصالح غير المتحقق فعلياً يمكن أن يقوض الثقة العامة في المؤسسات.” وتضيف أن الحكامة الحديثة تقوم على:
- الوقاية من المخاطر المؤسسية؛
- حماية صورة الحياد؛
- وصيانة الثقة العامة.
ثالثاً: لماذا لا يكفي الاحتجاج بالاستقلالية الشخصية؟
الحجة الأساسية التي يقدمها المدافعون عن الجمع بين الأستاذية والمحاماة تقوم على أن: “الاستقلالية مسألة أخلاق شخصية وليست مجرد وضعية إدارية.”
غير أن هذه المقاربة، رغم وجاهتها الأخلاقية، لا تنسجم بالكامل مع فلسفة الحكامة الحديثة. فالمعايير الدولية لا تبني الثقة المؤسساتية فقط على حسن نية الأفراد، وإنما على:
- الأنظمة الوقائية؛
- تدبير المخاطر؛
- تجنب الشبهات؛
- وحماية صورة المؤسسة.
ولهذا السبب تمنع العديد من الأنظمة المهنية:
- القاضي من بعض الأنشطة الخاصة؛
- المدقق العمومي من مراجعة جهة تربطه بها مصالح أو حتى مجرد علاقة مهنية سابقة؛
- المسؤول العمومي من بعض الوضعيات المهنية المتداخلة.
وليس ذلك لأن الجميع محل شبهة، بل لأن الحكامة تقوم على منع الشكوك قبل وقوعها، وعلى اعتبار أن استقلالية الانطباع لا تقل أهمية عن استقلالية الواقع، إن لم تكن أكثر تأثيراً في بناء الثقة العامة.
رابعاً: الجامعة ليست مجرد وظيفة عمومية
أحد مواطن الضعف في الأطروحة المدافعة عن الجمع هو اختزال الأستاذ الجامعي في مجرد “موظف عمومي”.
بينما الأستاذ الجامعي، في النظم الحديثة، هو:
- أستاذ؛
- وباحث؛
- ومنتج للمعرفة؛
- ومؤطر للفكر النقدي.
فالصفة الجوهرية هنا ليست “التدريس” فقط، بل “البحث العلمي”.
وفي الجامعات الكبرى:
- ترتبط الترقية بالنشر العلمي؛
- وترتبط السمعة الأكاديمية بالإنتاج المعرفي؛
- ويُعدّ التفرغ العلمي شرطاً مركزياً للجودة الجامعية.
وتزداد أهمية هذا النقاش في السياق المغربي بالنظر إلى التحديات التي تواجهها الجامعة الوطنية في مجال البحث العلمي، سواء من حيث محدودية النشر الأكاديمي أو ضعف الحضور في التصنيفات الدولية، وهو ما يجعل مسألة التفرغ العلمي ليست مجرد خيار مهني، بل رهانا مؤسساتيا يرتبط بجودة الجامعة نفسها.
وقد أكدت عدة تقارير وطنية مرتبطة بإصلاح التعليم العالي على الحاجة إلى تعزيز البحث العلمي وتحسين جودة التأطير الجامعي وربط الترقية الأكاديمية بالإنتاج المعرفي الفعلي.
خامساً: التجارب الدولية لا تؤيد الجمع المطلق
غالباً ما يُستشهد بالتجارب المقارنة لتبرير الجمع، غير أن القراءة الدقيقة لهذه التجارب تكشف أن الأمر ليس مطلقاً.
- النموذج الأمريكي
في العديد من كليات القانون الأمريكية، يمارس بعض الأساتذة المحاماة، لكن:
- بشكل جزئي؛
- وتحت مراقبة صارمة لتضارب المصالح؛
- مع إلزامية المحافظة على الإنتاج العلمي.
كما أن الأستاذ الذي يتحول إلى ممارس مهني متفرغ ينتقل غالباً إلى وضعيات أكاديمية خاصة من قبيل:
- Adjunct Professor أستاذ غير متفرغ؛
- Professor of Practice أستاذ ممارس.
أي إنه لا يحتفظ دائماً بنفس الوضع الأكاديمي الكامل للأستاذ الباحث المتفرغ.
- النموذج الفرنسي
في فرنسا، يُسمح لبعض أساتذة القانون بممارسة المحاماة، لكن:
- تحت قيود تنظيمية؛
- ومع مراقبة التنافي؛
- ومع استمرار تقييم البحث العلمي.
ومع ذلك، لا يزال النقاش قائماً داخل الجامعات الفرنسية حول:
- تأثير الممارسة المهنية المكثفة على البحث العلمي؛
- وعلى استقلالية الجامعة.
- التجربة البريطانية
في المملكة المتحدة يتم الفصل غالباً بين:
- الأكاديميين الباحثين؛
- والممارسين المهنيين.
ويُمنح للممارسين عادة وضع “أستاذ ممارس” أو “محاضر مهني”، وليس دائماً صفة أستاذ باحث متفرغ.
سادساً: الإشكال الحقيقي هو صورة الجامعة ووظيفتها العلمية
النقاش حول الجمع بين الأستاذية الجامعية والمهن الحرة لا ينفصل عن تنامي الانشغال العمومي بمسألة تعدد الأنشطة المهنية الموازية داخل الجامعة، وما يطرحه ذلك من تساؤلات حول الزمن الأكاديمي المخصص للبحث والتأطير العلمي.
ويزداد هذا الإشكال تعقيداً في ظل الشكاوى المتكررة داخل بعض المؤسسات الجامعية بشأن ضعف الحضور الأكاديمي أو محدودية التأطير العلمي مقارنة بتوسع الانشغال بالأنشطة المهنية الخارجية.
الإشكال الحقيقي ليس: “هل الأستاذ الجامعي نزيه أو مستقل؟” بل: “هل الجمع الدائم بين المحاماة والأستاذية يحافظ على صورة الجامعة كمؤسسة علمية مستقلة ومتفرغة للمعرفة؟”؛ وهنا يبرز مفهوم “الاستقلالية المؤسسية”. فالجامعة، لكي تحافظ على هيبتها، تحتاج إلى:
- تفرغ علمي حقيقي؛
- إنتاج معرفي مستمر؛
- استقلال عن المصالح المهنية الخاصة.
سابعاً: مقاربة الحكامة الرشيدة — الحل ليس المنع المطلق ولا الجمع المطلق
لا يقتصر هذا التوتر على كليات الحقوق، بل يظهر بدرجات مختلفة في تخصصات أخرى كالهندسة والطب، حيث يطرح التوازن بين الخبرة المهنية والتفرغ الأكاديمي تحديات مستمرة أمام الحكامة الجامعية.
ولذلك، ومن منظور الحكامة الرشيدة، فإن أفضل الحلول ليست الإقصاء المطلق، ولا التحرير الكامل غير المنظم، وإنما اعتماد نموذج توازني يقوم على:
- الانقطاع المهني المؤقت
السماح للأستاذ الجامعي بممارسة المحاماة لفترة محددة ضمن مساره المهني، عبر:
- الإلحاق؛
- التفرغ المؤقت؛
- أو الانقطاع الأكاديمي المنظم.
- العودة إلى الجامعة بخبرة مهنية
بعد اكتساب التجربة العملية، يعود الأستاذ إلى الجامعة من أجل:
- إغناء التدريس؛
- تطوير البحث التطبيقي؛
- وربط النظرية بالممارسة.
- 3. الحفاظ على مركزية البحث العلمي
يجب أن يبقى:
- النشر العلمي؛
- التأطير الأكاديمي؛
- والإنتاج المعرفي؛
هو أساس الشرعية الأكاديمية.
ثامناً: الدروس المستخلصة من المعايير الدولية والممارسات الفضلى
تكشف الأدبيات الدولية الحديثة أن الاستقلالية:
- ليست مجرد وضع قانوني؛
- وليست فقط أخلاقاً شخصية؛
- وإنما منظومة متكاملة للثقة العامة.
وقد أكدت المعايير الدولية أن: “العوامل غير الرسمية والانطباعات العامة تؤثر بشكل مباشر على الثقة في المؤسسات واستقلاليتها.” كما أوضحت أن: “الاستقلالية لا تعني العزلة، لكنها تتطلب حماية المؤسسة من التأثيرات المباشرة وغير المباشرة.”
ختاما: استقلالية الجامعة تقتضي التفرغ الأكاديمي
إن النقاش حول الجمع بين الأستاذية الجامعية وممارسة المحاماة لا ينبغي أن يُختزل في الدفاع عن “حق مهني”، ولا في مواجهة بين فئتين تنتميان معاً إلى منظومة العدالة والمعرفة، بل يجب أن يُطرح ضمن سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الوظيفة الجامعية وحدود الاستقلالية كما استقرت عليها معايير الحكامة الحديثة.
فالحجة التي تقوم على أن الأستاذ الجامعي يحتفظ باستقلاليته الشخصية والفكرية رغم انتمائه للوظيفة العمومية، وهي الحجة المركزية التي دافع عنها أحمد بوز، تبقى حجة ذات وجاهة أخلاقية من زاوية “الاستقلالية في الواقع”، لكنها لا تبدو كافية من منظور المعايير الدولية المعاصرة التي لم تعد تكتفي بالنزاهة الفعلية، بل أصبحت تشترط كذلك الحفاظ على “الاستقلالية في المظهر” وصيانة الثقة العامة في المؤسسات.
ففي فلسفة إنتوساي ومنظمة التنمية والتعاون الاقتصادي، لا يكفي أن يكون المهني مستقلاً فعلاً، بل يجب أيضاً ألا يوجد في وضعية قد تثير لدى العموم أو المتعاملين أو الطلبة أو المتقاضين شبهة التداخل بين الأدوار أو تضارب المصالح أو ضعف التفرغ الوظيفي. ولهذا لم تعد الحكامة الحديثة تُبنى على الثقة الشخصية وحدها، وإنما على الوقاية المؤسساتية وحماية صورة الحياد والاستقلالية.
ومن هنا، فإن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بالتشكيك في نزاهة الأستاذ الجامعي أو استقلاليته أو كفاءته المهنية، وإنما بطبيعة الوظيفة الأكاديمية نفسها. فالأستاذ الجامعي ليس مجرد موظف يؤدي ساعات تدريس، بل هو أستاذ باحث، والبحث العلمي ليس نشاطاً ثانوياً يمكن ممارسته على الهامش، وإنما هو جوهر الشرعية الأكاديمية ومصدر استقلال الجامعة المعرفي والفكري.
كما أن التجارب المقارنة، التي يُستشهد بها كثيراً لتبرير الجمع، لا تؤسس في الواقع لفكرة الجمع المطلق والدائم، بل تعتمد في أغلب الأحيان صيغاً مقيدة ومنظمة تقوم على التوازن بين الانفتاح على الممارسة المهنية وبين الحفاظ على التفرغ العلمي والإنتاج الأكاديمي. ولذلك فإن استدعاء هذه التجارب دون استحضار شروطها المؤسسية والتنظيمية يبقى استدلالاً ناقصاً.
وبناءً عليه، يبدو أن المقاربة الأكثر انسجاماً مع مبادئ الحكامة الرشيدة واستقلالية المؤسسات ليست هي الجمع الكامل والمتزامن والدائم بين الوظيفتين، ولا المنع المطلق، وإنما اعتماد نموذج مهني متوازن يقوم على:
- إمكان الانقطاع المؤقت لممارسة المحاماة؛
- أو التفرغ المهني المحدود زمنياً؛
- ثم العودة إلى الجامعة بخبرة عملية تغني التدريس والبحث العلمي.
ذلك أن الحفاظ على استقلالية الجامعة، في المظهر والواقع معاً، يقتضي أن يبقى الانتماء الأكاديمي قائماً أساساً على البحث العلمي والإنتاج المعرفي والتأطير الجامعي، لا على مجرد الاحتفاظ الشكلي بالصفة الجامعية بالتوازي مع ممارسة مهنية أخرى تستنزف الزمن الأكاديمي وتعيد تشكيل الأولويات المهنية.
فالجامعة، في نهاية المطاف، ليست فقط فضاءً لنقل المعرفة، بل مؤسسة لإنتاجها، واستقلاليتها الحقيقية تبدأ من قدرة الأستاذ الباحث على التفرغ لوظيفته العلمية، وعلى تجسيد صورة الحياد والاستقلالية التي تشكل أساس الثقة في المؤسسة الجامعية نفسها.
والرهان الحقيق لا يتعلق فقط باستقلالية الأستاذ الفردية، وإنما كذلك باستقلالية الجامعة المعرفية، أي قدرتها على إنتاج المعرفة بشكل متفرغ ومستقل عن الضغوط المهنية والسوقية.
خبير دولي في الحكامة وباحث ومحاضر جامعي
