من حق التمدرس إلى حق التعلم: تأملات في تقرير اليونسكو 2026
يأتي تقرير الرصد العالمي للتعليم لسنة 2026، الذي أصدرته منظمة اليونسكو في نهاية مارس 2026، ليضع المنظومة التربوية المغربية تحت مجهر المساءلة الدولية، في لحظةٍ فارقة تتسمُ بتصاعد الخطاب حول “مدرسة الريادة” وتجاهل المرجعيات المؤطرة لإصلاح التعليم. وإذا كان التقرير قد أفرح المغاربة عندما أغدق الثناء على التجربة المغربية في تقليص أعداد الأطفال خارج المدرسة، واضعاً إياها في رتبةٍ متقدمة تضاهي تجارب دولية ناجحة كفيتنام، فإن القراءة الرصينة تفرضُ علينا تجاوز نشوة الأرقام للغوص في دلالاتها العميقة. إن الإشكالية الجوهرية التي يطرحها هذا المقال تتمثل في التوتر القائم بين الإنصاف اللوجستي الذي يتجسد في توفير مقاعد الدراسة وبين الإجحاف المعرفي الذي يتجلى في ضعف جودة التعلمات، وهو توترٌ يُعزى في جوهره إلى هيمنة الزمن السياسي الباحث عن المنجزات السريعة على حساب الزمن التربوي الذي يتطلب التراكم والاستمرارية.وهو ما يفرض علينا التساؤل المحوري: هل استطاع المغرب تحويل الحق في التمدرس إلى حق في التعلم لجميع المتعلمين والمتعلمات؟
إن تحليل المسار التاريخي والسياسي للمنظومة منذ عام 2002 يكشف عن فجوة واسعة بين الحقين؛ حيث نجحت الدولة في كسب رهان الإيواء المدرسي للتلاميذ، لكنها خسرت في محطات مفصلية رهان الاستحقاق البيداغوجي. إن هيمنة هاجس التسويق الوطني والدولي للأرقام، جعلت المدرسة المغربية تتحول أحياناً إلى قاعة انتظار تؤجل انفجار أزمة الشباب بدون عتاد (NEET) على أن تسلحهم بالكفايات الضرورية للقرن الحادي والعشرين.
آراء أخرى
التحقيب السياسي وتطور المنظومة خلال ربع قرن (2002-2026)
لا يمكن فهم الانهيار الكلي الذي سجلته نتائج تيمس 2023 حين تراجع أداء المتعلمين المغاربة 25 سنة إلى الوراء في التعليم الإعدادي دون العودة إلى أركيولوجيا الإصلاح في المغرب، وتفكيك الحقب السياسية التي شكلت ملامح المدرسة الحالية منذ دخول الميثاق الوطني للتربية والتكوين نظريا حيز التطبيق.
1. حقبة المراهنة على التعميم (2002-2007): دُشنت هذه الفترة بعد ذهاب حكومة التناوب التوافقي واتسمت باعتبار الميثاق الوطني للتربية والتكوين مرجعية للإصلاح التربوي ببلادنا، وكان هاجسها الأساس هو تعميم التمدرس. إحصائياً، نجح المغرب في خفض عدد الأطفال خارج المدرسة في الابتدائي من 612 ألفاً سنة 2002 إلى 433 ألفاً سنة 2007. بيد أن هذا التوسع العمراني للمدارس لم يصمد أمام اختبار الجودة؛ فقد كشفت دراسة بيرلز 2006 أن 26% فقط من تلاميذ الرابع ابتدائي يمتلكون الحد الأدنى من كفايات القراءة، مسجلة تراجعا بسبع نقط مائوية عن النسبة التي بلغت 33% سنة 2001. أما في العلوم والرياضيات فقد سجلت دراسة تيمس تراجعا في هذا المؤشر بين سنتي 2003 و2007 على التوالي من 24% إلى 21%، ومن 29% إلى 26%. أما في الإعدادي فقد نجح المغرب في خفض عدد الأطفال خارج المدرسة من 760 ألفاً سنة 2002 إلى 576 ألفاً سنة 2007. لكن على خلاف الابتدائي فإن هذا التقدم الكمي لم يؤثر بشكل سلبي على جودة التعلمات بحيث سجلت دراسة تيمس تقدما طفيفا في نسبة المتحكمين في الحد الأدنى للكفايات في العلوم التي ارتفع فيها المؤشر بين سنتي 2003 و2007 من 48% إلى 51% واستقرارا في الرياضيات التي حافظت تقريبا على نسبة 41%.لقد نجحت هذه الحقبة في تقليص عدد الأطفال خارج المدرسة في التعليم الإلزامي ب363 ألفا مما جعل منها إعلاناً صريحاً عن ميلاد مدرسة الحضور البدني على حساب النضج المعرفي خاصة في التعليم الابتدائي، أما في التعليم الإعدادي فالآثار السلبية على جودة التعلم لن تظهر سوى لاحقا.
2. مرحلة السخاوة المالية والبرنامج الاستعجالي (2007-2012): شهدت هذه الفترة ضخاً مالياً غير مسبوق تحت مسمى البرنامج الاستعجالي. وبالرغم من استمرار تقليص الهدر في الابتدائي ليصل لـ 318 ألفاً، فقد استمر التراجع في الكفايات القرائية لتنخفض النسبة إلى 21% في بيرلز 2011، ويستقر مؤشر الرياضيات في حدود 26% في تيمس 2011. غير أن العلوم عرفت تراجعا إلى 16% في نسبة المتحكمين في الحد الأدنى من الكفايات بعدما بلغت 21% سنة 2007. أما في السلك الإعدادي فقد تراجع عدد الأطفال الموجودين خارج المدرسة إلى 376 ألفا سنة 2012 لكن صاحب هذا الإنجاز الكمي تراجع في نسبة التمكن الأدنى في الرياضيات إلى 36% وانهيار على مستوى العلوم حيث تراجع المؤشر ب12 نقطة لتستقر النسبة عند 39% في تيمس 2011. وبتقليصها لعدد الأطفال خارج المدرسة في التعليم الإلزامي ب316 ألفا أثبتت هذه الحقبة أن المراهنة على بناء الحجرات والداخليات إذا لم يُصهر في مقاربة نوعية تروم تجويد التعلمات وتكوين المدرسين، فإنه ينتج سراباً إحصائياً سرعان ما يتبخر عند أول تقييم دولي.
3. نافذة التراكم الذهبية وبوادر الرؤية الاستراتيجية (2012-2016): تُعد هذه الفترة استثناءً منهجياً في التعامل مع ثنائية الكم والكيف في المدرسة المغربية؛ حيث توازى فيها تقليص الهدر بكيفية عقلانية مع قفزة نوعية في الجودة. انخفض عدد الأطفال خارج المدرسة في الابتدائي لـ 299 ألفاً، وانخفض عددهم في الإعدادي إلى 256 ألفا. وشهدت هذه الحقبة بالموازاة مع التحسن الكمي المحسوب، بحيث لم يتم تقليص عدد الأطفال خارج المدرسة في التعليم الإلزامي سوى ب139 ألفا، تقدما كبيرا على مستوى جودة التعلمات. وهكذا ارتفع في الابتدائي مستوى التمكن الأدنى في القراءة لـ 36% في بيرلز 2016 مقابل21% في بيرلز 2011، وفي الرياضيات لـ 41% وفي العلوم إلى35% في تيمس 2015 بعدما لم تتجاوز النسبة 26% و16% على التوالي في تيمس 2011 . كما استعاد السلك الإعدادي بعض عافيته بصعود الحد الأدنى من التمكن ليصل إلى 41% في الرياضيات و47% في العلوم. هذا التراكم الإيجابي كان ثمرة استثمار بيداغوجي نسبي في جودة التعلمات بدأ يلامس جوهر الممارسات التربوية في الميدان مع دخول الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 مجال التطبيق ولو بشكل غير مكتمل.
4. طفرة الاحتفاظ الإحصائي وبشرى القانون الإطار (2016-2021): دخل المغرب في هذه الفترة مرحلة الطفرة الإحصائية في التعليم الابتدائي، إذ انخفض عدد الأطفال خارج المدرسة لـ 91 ألفاً في الابتدائي مسجلا لأول مرة منذ 2002 تقليصا بلغ 208 ألفا في ولاية حكومية واحدة، أما في الإعدادي فانخفض العدد إلى 193 ألفا مسجلا تقليصا ب63 ألفا فقط. واستمر في هذه الفترة نمو الجودة رغم تباطؤ وتيرته مقارنة مع المرحلة السابقة. وهكذا ارتفع في الابتدائي مستوى التمكن الأدنى في القراءة لـ 41% في بيرلز 2019 مقابل36% في بيرلز 2016، وفي الرياضيات لـ 43% وفي العلوم إلى42% في تيمس 2019 بعدما بلغت هذه النسبة41% و35% على التوالي في تيمس 2015 . أما السلك الإعدادي فحافظ على المستوى الذي كان عليه في تيمس 2015 بحيث استقر الحد الأدنى من التمكن في 41% في الرياضيات و48% في العلوم في تيمس 2019. وهو ما يعني أن المجهود الكبير الذي بذل على المستوى الكمي لم يكن له تأثير سلبي على المستوى النوعي رغم الانعكاسات السلبية لكوفيد 19، لكن تباطؤ وتيرة التقدم في جودة التعلمات كان ينذر بانهيار وشيك، خصوصا على مستوى الإعدادي الذي بدأ يستقبل الأعداد التي تم الاحتفاظ بها في الابتدائي رغم عدم توفرها على الكفايات المطلوبة. لتدارك الأمر كان معولا على تطبيق الأحكام ذات الصلة بالجودة التي جاء بها القانون الإطار 51.17 سنة 2019.
مرحلة الانهيار وانكشاف المستور (2021-2026): بالرغم من وصول أعداد خارج المدرسة في الابتدائي لـ 46 ألفاً وفي الإعدادي إلى 86 ألفا فقط سنة 2024، أو على الأرجح بسبب ذلك مع وجود أسباب أخرى لها صلة أساسا بتهميش القانون الإطار، فإن نتائج تيمس 2023 كانت بمثابة شهادة وفاة لهذا النمط من الإصلاح المبني على المقاربة الكمية؛ إذ انهار الحد الأدنى من التمكن في الإعدادي لـ 36% في الرياضيات و18% في العلوم مسجلا تراجعا غير مسبوق بلغ 30 نقطة مائوية مقارنة مع تيمس 2019. ورغم التقدم الطفيف الذي عرفه الابتدائي والذي بلغ 3 نقط في الرياضيات وخمسة في العلوم، فإن التقهقر الخطير في الإعدادي الذي يشكل السلك المفصلي في أي إصلاح هو الضريبة التي دفعتها المنظومة مقابل سياسات “الإنجاح دون استحقاق” واللجوء إلى التكرار من أجل تخفيض نسب الهدر المدرسي بشكل مفتعل أضر بجودة المنظومة التربوية.
المغرب وفيتنام.. مفارقة “سنوات التمدرس الضائعة”
يضع تقرير اليونسكو 2026 المغرب وفيتنام في نفس الرتبة بخصوص خفض عدد الأطفال خارج المدرسة، لكن استخدام مؤشر البنك الدولي “سنوات التمدرس المعدلة بجودة التعلمات”يفضح عمق الفجوة بين البلدين. ففي المغرب، قد يقضي الطفل متوسط 10.5 سنوات متوقعة من التمدرس، لكن عند تعديلها بجودة التعلمات الفعلية، نكتشف أن الطفل المغربي لا يحصل إلا على ما يعادل 6.2 سنوات من التعلم الحقيقي. هذا يعني أن هناك أزيد من 4 سنوات ضائعة يقضيها الطفل داخل المدرسة دون أن يكتسب فيها أي معرفة تذكر. بالمقابل، نجد أن الفجوة في فيتنام ضيقة جداً؛ فالسنوات المتوقعة للتمدرس حوالي 11 سنة تُترجم إلى ما يقرب من 10.2 سنوات تعلم فعلي. فيتنام تضمن لمواطنيها حق التعلم وليس فقط حق الجلوس في الفصل الدراسي. هذا الفرق الجوهري يفسر لماذا تُنتج المنظومة المغربية تحت ضغط الكم شباباً في وضعية NEET، يملكون شهادات حضور مدرسي ويفتقرون للكفايات.
الإنصاف المنقوص.. بين “تأنيث” النجاح وفخ “الإتمام”
أفرد تقرير اليونسكو 2026 مساحةً واسعة لتحليل النوع الاجتماعي، وهنا تتجلى مفارقةٌ أخرى؛ فالمغرب لم يحقق المساواة فحسب، بل شهد ثورة تعليمية للإناث. فقد تجاوزت الإناث الذكور في التعلمات بفارق يصل لـ 36 نقطة في القراءة، وفي الولوج للتعليم الأولي حتى في العالم القروي.
بيد أن هذا الإنصاف يظل هشاً أمام انغلاق الأفق؛ فالتقرير يكشف أن 26% فقط من التلاميذ هم من يتمون مسارهم بنهاية الثانوي التأهيلي. هذا الرقم المقلق يعني أن 74% من الخامة البشرية التي استقطبتها المدرسة في الابتدائي تضيعُ في منتصف الطريق. هذه الفجوة بين الالتحاق والإتمام هي المولد الرئيسي لكتلة الـ NEET التي تصل إلى 1.5 مليون شاب ما بين 15 و24 سنة؛ فالمدرسة التي تتستر على الفشل المعرفي عبر الإنجاح، تساهم في قذف هؤلاء الشباب إلى الشارع بمسارات مبتورة لا تمنحهم حق العمل ولا حق التعلم المستمر.
خارطة الطريق نحو مدرسة الاستحقاق
للخروج من نفق التيه التربوي الذي يزيحنا عن طريق الجودة في التعليم، لا بد من القطع مع الممارسات التي حوّلت الإصلاح إلى جسد بلا روح، وتبني توصيات نسقية تتجاوز المقاربة التقنية الصرفة، نذكر منها:
• القطيعة مع “التايلورية البيداغوجية” والتدريس من أجل الاختبار: يجب تحرير الممارسة الصفية من “التايلورية البيداغوجية” التي تُجزئ المعرفة وتُنمّط عقول المتعلمين كقطع غيار في مصنع إحصائي. المنظومة الحالية غارقة في “التدريس من أجل الاختبار”، حيث يصبح الهدف هو اجتياز الامتحانات لا امتلاك الكفايات. التوصية هي إعادة الاعتبار لعمق التعلمات وبناء الفكر النقدي، بدلاً من تكديس المعلومات المؤقتة.
• من “مشروع المؤسسة المملى” إلى القيادة التربوية المستقلة: يعاني الواقع الميداني من “مشروع المؤسسة المملى من فوق”، وهو أداة إدارية تُفرض عمودياً لتنزيل تعليمات المركز، مما يفرغه من محتواه كأداة للتغيير النابع من الخصوصيات المحلية. يجب الانتقال نحو تدبير أفقي يمنح المؤسسة استقلالية حقيقية في بناء مشروعها التربوي بعيداً عن “التدبير العمودي” الخانق للمبادرات.
• تجاوز “الارتباك الاستراتيجي” و”التقييم الخانق”: تتسم المنظومة بـ “ارتباك استراتيجي” ناتج عن تهميش القانون الإطار وتجنب إعمال المقاربة النسقية للمنظومة. يرافق ذلك ما يمكن وصفه بـ”التقييم الخانق”؛ وهو تقييم إداري جامد يركز على المحاسبة العقابية والامتثال للأرقام الرسمية، بدلاً من التقييم التطويري. لتفادي ذلك نوصي بمأسسة “الإطار المرجعي للجودة” كنظام تقييم خارجي ومستقل يراقب القيمة المضافة تربويا، بعيداً عن لغة الأرقام الجوفاء.
• ربط الدعم الاجتماعي بالاستحقاق المعرفي: يجب تحويل برامج الدعم الاجتماعي من محفزات للحضور البدني فقط إلى محفزات للتحصيل. إن الاحتفاظ دون تعلم هو هدر تربوي؛ لذا يجب أن يكون البقاء في المدرسة مرتبطاً بنمو حقيقي في الكفايات، لضمان ألا تُنتج المدرسة أجيالاً من “الأميين الوظيفيين” الذين ينتهي بهم المطاف في خانة الـ NEET.
نحو العودة إلى جادة الإصلاح
إن تأملاتنا في تقرير اليونسكو 2026 تقودنا إلى استنتاجٍ واحد: المغرب حقق “ثورة إيواء” ناجحة، لكنه يواجه خطر إفلاس تربوي صامت. إن الانتقال من حق التمدرس كإجراء إداري إلى حق التعلم كاستحقاق وطني يتطلب فك الارتباط بين الزمن السياسي والزمن التربوي، وجعل جودة التعلمات هي العملة الوحيدة المقبولة في سوق الإصلاح. وهو ببساطة ما ينص عليه القانون 51.17 فهل نعود إلى الالتزام بمقتضياته على بعد أربع سنوات من انتهاء صلاحيته؟
