كيف تدار الحروب؟ والاختراق الصهيوني لمنظومة الوعي العربي..
لابد أن نستعمل فضيلة التفكر والتأمل أمام تراكم الأحداث وتسارعها وتعقدها.. فالأمر لم يعد مجرد حرب تدور رحاها على الجبهات، فهناك حرب أخطر بكثير، أخذت من عقول الشعوب العربية جبهات، ومن بنية الدول محاور.. ومن كرامة بعض القادة العرب مطرحا لرمي قاذورات ترامب ووقاحته السياسية وغير السياسية..
آراء أخرى
ولابد من مواجهة أنفسنا بهذا السؤال: هل تكمن المشكلة في قوة عدونا؟ أم في هشاشة الأنظمة العربية وقابلية مجتمعاتها للاختراق؟
وما هي الأمور الحقيقية التي كشفت عنها الحرب الصهيوأمريكية على إيران والتي لها علاقة بالعالم العربي شعوبا وأنظمة؟ هل الأمر متعلق بتوازن القوى فقط؟ أم كشفت عما هو أخطر؛ الفارق بين من يملك مشروعا يدفعه إلى المواجهة والصمود والتحدي، وبين من فقد سيادته وقراره فصار جزءا صغيرا وظيفيا في مشروع غيره؟
من بين أهم ما أظهرته هذه الحرب أنه لا يمكن اختزال الحروب كلها في مجرد صراع بين جيوش… كما كشفت عن خرائط خفية، وعرَّت بنى عميقة، وفضحت أوهامًا ترسخت في الوعي السياسي العربي لعقود طويلة.
فالحرب الصهيوأمريكية على إيران لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بالمعنى التقليدي، بل كانت لحظة كاشفة لِتَبايُن سياسي واجتماعي وثقافي عميق بين نموذجين: نموذج استطاع أن يصمد رغم الحصار والضغط، ونموذج آخر يتآكل من الداخل رغم فائض الثروة ومظاهر القوة، ويهان من الخارج رغم كل الخدمات التي قدمها وما يزال يقدمها.. ومن هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: ما سر صمود إيران كنظام وكشعب؟ ولماذا تبدو الأنظمة العربية، ومنها المغرب، أكثر هشاشة رغم كل ما تملكه من موارد طبيعية، وغالبا ما يحتاج إلى غيره من القوى الاستكبارية لتحقيق مكاسب سياسية خاصة به؟
قطعا، لا يكمن الجواب في السلاح فقط… بل في شيء أعمق، في بنية الوعي، وطبيعة الدولة، ووظيفتها داخل منظومة الهيمنة.. وهنا يبدأ الخيط الذي يقودنا مباشرة إلى فهم أعمق لما يمكن أن نسميه «الصهيونية كاختراق بنيوي»… لا ككيان خارجي فقط.. وهذا ما سنحاول الوصول إليه من خلال هذا المقال..
أولًا/ منظومة الوعي… حين تتكامل أدوار العالِم والمثقف والإعلامي:
«منظومة إنتاج الوعي»أو « منظومة صناعة الوعي» هي منظومة تقوم على ثلاثة أعمدة مترابطة:
– عالم الدين الذي يمنح الصراع معناه الأخلاقي والحضاري بمرجعية دينية..
– المثقف/المفكر (كوحدة وظيفية) الذي ينتج الإطار التفسيري ويمنع تبسيط الواقع أو تسطيح الوقائع..
– الإعلامي الذي يحول هذا الوعي إلى خطاب مؤثر وممتد جماهيريا وشعبيا..
وهذا التكامل ليس شكليًا، بل هو ما يصنع درعًا ثقافيا واقيا، ووعيًا فكريا سميكا يحمي المجتمع من الاختراق الثقافي أو الفكري الوافد من العدو، الذي يفسد الوعي ويفكك المجتمع ويضعف مناعته الفكرية..
الذي يميز إيران أنها تمتلك عشرات القنوات الإعلامية الوطنية والدولية، ومئات الصحف والمجلات بلغات كثيرة، ومنصات إعلامية متعددة اللغات، تشتغل كلها ضمن سردية عامة قادرة على مواجهة الدعاية السياسية والوافدة من الخارج، وتوجيه الرأي العام نحو الرؤية الرسمية للدولة، ثم الأهم في كل هذا هو منع تفكك المجتمع وحمايته من التطاحن والاستقطاب الداخلي..
وفي المقابل، تعيش المجتمعات العربية حالة تهميش وتفكك في هذه المنظومة، حيث نجد العالِم مُقيّدا، والمثقف العضوي مُهمّشا أو مضطهدا، والإعلامي تابعا أو مسخرا.. فتتسيد التفاهة واللعب والملاهي المشهد الإعلامي، ويسيطر الفكر السطحي على وعي وعقول الجماهير المدجنة.. لتُفتح الأبواب – بعد ذلك – على مصراعيها أمام القابلية للاختراق الثقافي والفكري قبل القابلية للاستبداد السياسي..
إن أهم ما يفسر الصمود الإيراني، وتفتقده الدول العربية هي هذه المنظومة؛ منظومة إنتاج وصناعة الوعي..
فمن أكبر الأخطاء في قراءة الصراعات الدولية، اختزال القوة في الجيوش والصواريخ والتحالفات، بينما الحقيقة الأعمق، التي تكشفها التجارب التاريخية، هي أن القوة الحقيقية تُبنى في المجتمع… لا في الثكنات فقط، وهنا يظهر الفارق الجوهري الذي كشفت عنه الحرب على إيران.
فرغم حصار دام لعقود، وضغوط سياسية واقتصادية وعسكرية متواصلة، استطاعت إيران أن تبني قاعدة علمية متقدمة (عشرات الآلاف من الأبحاث سنويًا)، ومنظومة ثقافية نشطة (آلاف المكتبات، إنتاج معرفي ضخم)، وصناعة سينمائية عميقة تعالج قضايا المجتمع لا تلهيه، ونظامًا صحيًا متقدمًا نسبيًا رغم محدودية الموارد، وتحسنًا واضحًا في نسب التعليم ومحو الأمية.. وكل هذا ليس تفصيلًا… بل هو العمق الاستراتيجي الحقيقي لأي دولة تريد أن تحقق استقلالها وسيادتها الحقيقية..
فالدولة التي تستثمر في العقل والثقافة والتعليم والصحة إنما تبني إنسانًا قادرًا على الفهم… والصمود… والتضحية، وهذا هو الفرق بين مجتمع يُقاوم ومجتمع يُدار، فرغم أن امتلاك وصناعة السلاح مهم لأنه من مظاهر القوة، وبسبب ما يحققه من ردع وهيبة، إلا أن صناعة الإنسان لابد أن تكون قبل صناعة السلاح، أو مصاحبة له، فالأيادي التي يجب أن تمسك بالسلاح لا يجب أن تكون مرتعشة، والعقول التي تحمله لا يصح أن تكون مرتبكة أو مضطربة..
وحين تنتج دولة كتبًا وأفلامًا ومعرفة.. فهي لا تنتج “ترفًا”، بل تنتج رؤية للعالم تحمي وعي المجتمع، وهذا ما يؤكده غرامشي بقوله: “المعركة الحقيقية هي معركة الهيمنة الثقافية”، لأن المجتمع الذي يملك سرديته لا يُهزم بسهولة
ولا يُخترق بسرعة..
في المقابل، حين تتحول الثقافة إلى ترفيه مفرط، والسياسة إلى مجرد استعراض ودعاية، ويتحول الاقتصاد إلى استهلاك بلا إنتاج.. فإن الدولة لا تبني قوة… بل تبني مجتمعًا هشًا قابلًا للاختراق، وهنا تصبح المشكلة المركزية ليست في نقص الإمكانيات… بل في سوء توظيفها.
وإذا كان مالك بن نبي قد تحدث عن القابلية للاستعمار، فإن ما تكشفه هذه النماذج هو تطور أخطر، متمثل في القابلية للاختراق، أي مجتمع ضعيف معرفيًا، هش ثقافيًا، تابع إعلاميًا، مدجن تعليميا، ومفلس اقتصاديا.. وهذا النوع من المجتمعات لا يحتاج إلى احتلال، بل يُدار عن بُعد.. بعد أن أحدثت الصهيونية اختراقات كبيرة في منظومته المتعلقة بصناعة وإنتاج الوعي..
فالصهيونية لا تخاف من الجيوش فقط… بل من الوعي، ولا تخشى من السلاح … بقدر ما تخشى من مجتمع واعٍ، متعلم، منتج للمعرفة.. لأن هذا النوع من المجتمعات لا يُخدع بسهولة، ولا يُطبع بسهولة، ولا يُعاد تشكيله بسهولة.. أي لا يخترق بسهولة..
وإذا كانت منظومة الوعي تمثل الإطار الرمزي للصمود، فإن البنية الاجتماعية والمعرفية تمثل قاعدته المادية العميقة..
والخلاصة التي يمكن أن نصل إليها هي أن القوة ليست في عدد الصواريخ فحسب، بل في عدد الكتب.. وليست الهيمنة في السلاح فقط… بل في السيطرة على العقول، فالدولة التي تبني الإنسان… تصمد إمام العدوان أياًّ كان مصدره وقوته، أما الدولة التي تُهدره فهي قابلة للاختراق بسهولة لأنها بدون مناعة.
ثانيًا/ لماذا فشلت أمريكا في إسقاط النظام الإيراني؟
فرغم الحصار الذي تجاوز الأربعين سنة، والتحريض الذي مورس عليها من قبل بعض الأنظمة العربية، وتوظيف وتحريض وتمويل المعارضة الداخلية والخارجية… ورغم القصف المتواصل واغتيال جل قيادات الصف الأول من النظام الإيراني وعلى رأسهم مرشد الجمهورية لم يسقط النظام إلى حدود اليوم!! فكيف نفهم ذلك؟
فإلى جانب ما ذكرناه حول منظومة صناعة وإنتاج الوعي، تظهر هناك قاعدة سوسيولوجية مهمة وحاسمة تقول: لا يسقط أي نظام إلا إذا انفصل عن مجتمعه انفصالًا تامًا.. فرغم كل الانتقادات والملاحظات والمؤاخذات التي يمكن لأي شخص أن يسجلها على النظام الإيراني (وأنا واحد منهم)، فإنه لم يصل إلى الحد الذي يجعله منفصلا عن شعبه ومنقطع الصلة مع مجتمعه إلى المستوى الذي يؤدي إلى إسقاطه.
بل إن النظام الإيراني أجاد – بشكل يتجاوز بكثير الدول العربية مجتمعة – استعمال منظومة صناعة وإنتاج الوعي عبر جميع القنوات المتاحة، ولذلك وبرغم التناقضات الداخلية ومظاهر المعارضة والاحتجاج التي ظهرت مؤخرا لم تصل إلى مستوى التفكير في إسقاط النظام، بل أظهر المجتمع في الآونة الأخيرة عن تماسك قوي في وجه العدوان الصهيوأمريكي..
ورغم الحصار أيضا، استطاعت إيران تطوير صناعاتها، وبناء قدراتها العسكرية، وتحقيق تقدم علمي في مجالات متعددة.. وهذا يؤكد أن الضغط الخارجي قد يتحول إلى قوة داخلية… إذا وُجد مشروع نهضة، بينما في غياب المشروع، وفي غياب منظومة صناعة وإنتاج الوعي تتحول الثروة إلى عامل ضعف واستغلال من طرف قوى الاستكبار الخارجي، وعنصر هدر وتبذير من قبل قوى الاستبداد الداخلي .
في المقابل، تعيش الأنظمة العربية وضعًا مختلفًا تماما، حيث يتضح بجلاء انفصالها العميق عن المجتمع، وخوفها الدائم من الشعب، واعتمادها شبه الكلي على الخارج للحماية أكثر من اعتمادها على التكنولوجيا والصناعة والغذاء.. مع استنزاف لمقدراتها الطبيعية وهدرها في اقتصاد استهلاكي غير منتج، وفي مشاريع ترفيهية تصنع إنسانا فارغا فكريا.. لذلك تتحول الدولة في عموم الوطن العربي إلى كيان قوي أمنيًا… ضعيف اجتماعيًا.. تابع سياسيا واقتصاديا.. وبقاءها واستمرارها على رأس السلطة ليس بالضرورة تعبيرا على الاستقرار، ولا على التماسك الاجتماعي، بقدر ما هو تعبير عن التحكم والاستبداد السياسي..
ثالثًا/ وهْم الحماية… حين تتحول القواعد العسكرية إلى أدوات ضبط:
لقد كشفت هذه الحرب – أيضا – أن القواعد الأمريكية لم تحم ولا دولة واحدة من دول الخليج، ومنصاتها الجاثمة على الأراضي الخليجية لم تعترض صاروخا واحدا قادما من إيران.. فهي لم تُنشأ لحماية هذه الدول أصلًا، بل هي أدوات لضبط المجال، وحماية المصالح الأمريكية وأمن كيان الاحتلال، وتكريس التبعية، والهيمنة الاقتصادية والعسكرية على المنطقة، هي منظومة رعب موجهة لدول الخليج أكثر ما هي موجهة لإيران.. وهذا واضح من خلال تهميش وتجاهل ترامب لدول الخليج المتضررة من هذه الحرب خلال تفاوضه مع إيران، حيث لم يخصص لها ولو بندا واحدا من البنود الخمسة عشر المقترحة على إيران لإنهاء الحرب..
لذلك فتمسك الأنظمة العربية بأمريكا وقواعدها العسكرية إنما تُمْسك – في الواقع – بخيط دخان… وتحتمي بدرع مصنوع من الوهم.. ومن غير المستبعد، إذا تحولت المصالح وتبدلت قواعد اللعبة السياسية، أن تنقلب ذات يوم هذه القواعد على من استضافها واقتطع لها جزءا ثمينا من أرضها، ومجالا واسعا من سماءها..
ولا أدري إلى أي حد أدركت الأنظمة العربية هذه الحقيقة؟ وهل استوعبت الدرس بالشكل الذي يدفعها إلى مراجعة حساباتها وولاءاتها وأولوياتها..؟
رابعا/ الجغرافيا… حين تتحول إلى سلاح و إلى مشروع قوة لا مجرد موقع
لقد أجادت إيران توظيف موقعها الجغرافي استراتيجيًا وسياسيًا وعسكريًا، فأصبحت فاعلًا ومؤثرا في المنطقة. بينما بقيت الجغرافيا العربية فرصة مهدورة… أو مجالًا مفتوحًا للهيمنة..
فالجغرافيا ليست مجرد خرائط صامتة… بل هي في علم الاجتماع السياسي أحد أهم مصادر القوة، حين تُفهم وتُستثمر، وأحد أخطر أسباب الضعف حين تُهدر وتُترك للغير. وما تكشفه الحرب على إيران بوضوح، هو أن هذه الدولة لم تتعامل مع موقعها كمعطى جغرافي فقط، بل كأداة استراتيجية لإنتاج القوة..
ويكفي أن نبدأ من النقطة الأكثر حساسية، مضيق هرمز، هذا الممر البحري الضيق الذي يمر عبره جزء كبير من نفط العالم (20%) ومواد أخرى استراتيجية ومؤثرة في الاقتصاد العالمي، هو ليس مجرد معبر… بل نقطة اختناق استراتيجية، ورقة ضغط عالمية، وأداة ردع غير مباشرة..
إيران تدرك أن من يملك القدرة على السيطرة على هذا المضيق، يملك القدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي، ورفع كلفة أي حرب ضدها، وفرض نفسه كفاعل لا يمكن تجاوزه.. وهنا تتحول الجغرافيا إلى سلاح اقتصادي وسياسي وعسكري في آن واحد.
إضافة إلى ذلك، فإيران ليست دولة معزولة جغرافيًا، بل هي دولة ذات حدود واسعة مع العراق، تركيا، أفغانستان، باكستان ودول القوقاز.. وهذا الامتداد يمنحها تنوعًا في العلاقات، وقدرة على التحرك في أكثر من مجال، وإمكانية بناء نفوذ إقليمي متعدد الأبعاد.. فهي لا تنظر إلى حدودها كخط دفاع فقط، بل كمجال حيوي للتأثير والتوسع الاستراتيجي.. فجعلت من حدودها الممتدة عمقا جيوسياسيا متحركا وفاعلا..
أما في الشمال، فإيران تملك عمقا طاقيا استراتيجيا من خلال منفذ بحر قزوين، وهو ليس مجرد بحر داخلي، بل خزان ضخم للثروات من النفط والغاز وطرق نقل الطاقة، وكل هذا يمنح إيران تنوعًا في مصادر القوة، واستقلالًا نسبيًا عن الخليج، وقدرة على المناورة في سوق الطاقة..
وفي الجنوب، تطل إيران على الخليج، حيث القواعد العسكرية الأمريكية، وطرق الطاقة، ومراكز التوتر الدولي.. وهذا الحضور يجعلها جزءًا من كل معادلة أمنية، وطرفًا لا يمكن عزله، وعنصرًا دائم التأثير في التوازنات الإقليمية والدولية.. الأمر الذي منحها حضورا مباشرا في قلب التوتر العالمي..
الفرق الجوهري هنا ليس في الموقع… بل في طريقة التعامل معه.. فإيران لم تكتف بامتلاك الجغرافيا، بل قرأتها سياسيًا ووظفتها عسكريًا، واستثمرتها اقتصاديًا، وربطتها بمشروعها الإقليمي.. فأصبحت الجغرافيا لديها رافعة للسيادة… لا مجرد حدود سياسية..
في المقابل فإن الجغرافيا العربية تحولت من قوة كامنة إلى هشاشة مفتوحة.. فالمفارقة الصادمة أن العالم العربي يملك موقعًا جغرافيًا هو من بين الأهم عالميًا من مضائق استراتيجية (هرمز – باب المندب – السويس)، وثروات طاقية، وموقع بين ثلاث قارات.. لكن بدل أن تتحول هذه الجغرافيا إلى قوة، تحولت إلى مجال مفتوح للقواعد الأجنبية، ممر آمن للمصالح الخارجية، وورقة تُدار من الخارج لا من الداخل.. وهنا تتحول الجغرافيا من نعمة إلى ثغرة استراتيجية تُستغل من طرف الأجنبي بدل أن تُوظف من طرف الوطني..
المشكلة عندنا نحن ليست في أن الجغرافيا العربية ضعيفة… بل إن من يديرها لا يفهم قيمتها. وقوة إيران ليست في موقعها فحسب… بل في وعيها بما يتيحه هذا الموقع.. فالجغرافيا في حد ذاتها لا تصنع القوة… بل العقل الذي يديرها.
وإذا كانت الحرب على إيران قد كشفت كيف يمكن لدولة أن تحوّل موقعها الجغرافي إلى أداة قوة، فإن الضفة الأخرى من العالم العربي تكشف المفارقة المعاكسة تمامًا.. فنحن أمام فضاء جغرافي لا يقل أهمية عن مضيق هرمز، وهو البحر الأبيض المتوسط… ومضيق جبل طارق، هذا المجال الذي يربط أوروبا بإفريقيا، والأطلسي بالمتوسط، والتجارة العالمية بالممرات الحيوية.
البحر الأبيض المتوسط ليس مجرد بحر… بل هو أحد أهم مفاصل الجغرافيا السياسية في العالم حيث يمثل مضيق جبل طارق نقطة عبور رئيسية بين الأطلسي والمتوسط، وممرًا حيويًا للتجارة العالمية، وموقعًا عسكريًا بالغ الحساسية..
لكن المفارقة الصادمة أن التحكم الفعلي في هذا المضيق ليس بيد الدول العربية المطلة عليه أو الأقرب إليه.. في الضفة الأوروبية هناك إسبانيا، وبريطانيا (عبر جبل طارق) التي تتعامل مع هذا الموقع كقاعدة عسكرية، ونقطة مراقبة استراتيجية، وأداة ضمن منظومة الناتو. بينما تبقى الضفة الجنوبية العربية مجال عبور… لا مجال تأثير..
البحر الأبيض المتوسط، تاريخيًا، كان فضاء حضارات، ومجال تفاعل اقتصادي، وساحة للحروب، وجسرًا بين الشعوب.. لكن في واقعه الحالي، أصبح مجالًا غير متكافئ في السيطرة، حيث الضفة الأوروبية توظفه في التجارة، الصناعة، الأمن.. بينما الضفة العربية تظل في موقع المستهلك أو المعبر أو المجال المفتوح للنفوذ الخارجي..
فلماذا نجحت الضفة الأوروبية وفشلت الضفة العربية؟
الفرق هنا ليس في الجغرافيا أيضا… بل في طريقة التفكير في الجغرافيا؛ فالضفة الأوروبية ربطت البحر بالاقتصاد، استثمرت في الموانئ والبنية التحتية، وحولت الموقع إلى عنصر سيادي..
أما في الضفة العربية (المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، مصر، فلسطين المحتلة، لبنان، سوريا) فغابت الرؤية الاستراتيجية المشتركة، وضعفت البنية الاقتصادية المرتبطة بالبحر، فبقيت الجغرافيا منفصلة عن المشروع الوطني أو الوحدة العربية المتوسطية..
وإذا انتقلنا إلى قناة السويس… أحد أهم ممرات العالم التي من المفترض أن تكون ورقة ضغط، وأداة سيادة، وعنصر قوة.. لكنها في الواقع تُدار كممر تجاري داخل منظومة عالمية أكبر، تدر المال… نعم.. لكن هل تصنع القرار؟ هنا يظهر الفارق بين من يوظف الجغرافيا… ومن يكتفي بتأجيرها.
وإني أضيف وأكرر، إن الجغرافيا، في حد ذاتها، لا تمنح القوة، بل تتحول إلى قوة فقط حين تُقرأ سياسيًا، وتُستثمر اقتصاديًا، تُحمى سياديًا، وهذا ما فعلته إيران مع مضيق هرمز، وفعلته أوروبا مع المتوسط… ولم تفعله معظم الدول العربية في مجالاتها البحرية، فكانت النتيجة: جغرافيا واحدة بنت نظامين اقتصاديين وسياسيين مختلفين تمامًا.. نظام مستقل وسيادي، ونظام تابع بلا سيادة..
في هذا السياق، لا يمكن فهم هذا الاختلال فقط كفشل داخلي، بل أيضًا كجزء من إعادة توزيع المجال الجيوسياسي ضمن منظومة الهيمنة، حيث تُترك بعض الدول في موقع الضعف، ويُعاد توظيف مواقعها لخدمة مراكز القوة.. وهنا تلتقي هذه الوضعية مع مشروع الصهيونية، ليست فقط كمشروع احتلال… بل باعتباره مشروع إعادة ترتيب المجال لصالح قوى بعينها.. وعلى رأسها كيان الاحتلال إقليميًا، وأمريكا عالميا..
الجغرافيا العربية ليست فقيرة… بل مُعطلة.. وقوة أوروبا ليست في موقعها فقط… بل في قدرتها على تحويله إلى مشروع… وهذا إن كان يحسب لأوروبا مجتمعة، فإنه يحسب لإيران منفردة.. فالموقع لا يصنع القوة… بل العقل الذي يديره.
خامسا: انكشاف الغرب… وسقوط وهم القوة المطلقة
لقد كشفت هذه الحرب حدود القوة الأمريكية وهشاشة الكيان الصهيوني، وتردد الغرب في الدخول إليها.. ولكن المشكلة ليست في هذه الحقيقة التي أضحت واضحة بما يكفي… بل في تأخر الوعي بها عربيًا..
