التكفير بين الفقه والسياسة.. قراءة تكاملية في مقال الدكتور أحمد الريسوني "تكفير المسلمين بدعة وضلالة"
في الوقت الذي يصل فيه الاضطراب السياسي أوجه والاستقطاب المذهبي منتهاه، لا تصبح المفاهيم الدينية مجرد قضايا علمية أو فقهية قابلة للنقاش، بل تتحول أحيانًا إلى أدوات فتاكة في الصراع، تستدعيها المجتمعات والدول على السواء لتبرير مواقفها أو لنزع الشرعية عن خصومها.
آراء أخرى
ولعل مفهوم التكفير من أكثر المفاهيم التي عرفت هذا التحول عبر التاريخ الإسلامي؛ إذ انتقل في كثير من الأحيان من دائرة البحث العقدي المحدود والمقبول إلى فضاء الصراعات السياسية والمذهبية الماحقة.
وفي هذا السياق كتب الدكتور أحمد الريسوني مقالًا لافتًا بعنوان «تكفير المسلمين بدعة وضلالة»، دعا فيه إلى مراجعة جذرية لمنطق التكفير، والتنبيه إلى مخاطره الدينية والأخلاقية والسياسية.
وقد استوقفني هذا المقال لما يتضمنه من أفكار عميقة تتقاطع مع بعض الأسئلة التي أثرتها في كتاباتي حول علاقة الدين بالصراع السياسي، وحول الكيفية التي تتحول بها بعض المفاهيم الدينية إلى أدوات تعبئة في معارك السلطة والنفوذ.
غير أن هذه القراءة (التي أضعها بين يدي القارئ) لا تنطلق من منطق المعارضة أو السجال، بقدر ما تعتبر محاولة في إبراز التكامل الممكن بين مقاربتين مختلفتين: مقاربة فقهية مقاصدية يمثلها الدكتور الريسوني، تسعى إلى بيان الحكم الشرعي وضبط المفاهيم، ومقاربة سوسيولوجية سياسية تحاول فهم السياقات التي تظهر فيها هذه الظواهر وتتحول فيها المفاهيم الدينية إلى أدوات في إدارة الصراع داخل المجتمعات.
فاختلاف زاوية النظر هنا لا يعني اختلافًا في المنطلقات أو النتائج، بل يعكس تعدد الحقول العلمية التي يمكن أن تسهم مجتمعة في فهم ظاهرة معقدة مثل ظاهرة التكفير، ولن أبالغ إذا قلت إن لهما المنطلقات والنتائج ذاتها ولو أنهما ينتميان إلى حقلين علميين مختلفين من حيث المنهج والمفاهيم والمصطلحات.
وليس المقصود من هذا النقاش الدعوة إلى إقصاء الدين من المجال السياسي، كما قد يتوهم البعض، فالدين في جوهره مشروع قسط وعدل، والسياسة – في أحد معانيها – هي تدبير شؤون الناس على أساس من الأحكام والقيم والمعايير. لكن الإشكال يبدأ حين يتحول الدين من مرجعية أخلاقية وفكرية تضبط السياسة وتقومها إلى أداة توظفها الصراعات السياسية نفسها، فيصبح الدين ضحية لسوء استعماله، وتتحول مفاهيمه من وسائل للهداية إلى أدوات للاستقطاب والاحتراب.
من هذا المنطلق تأتي هذه القراءة لمقال الدكتور أحمد الريسوني، محاولةً إبراز أهم أطروحاته، ثم الوقوف عند بعض نقاط التقاطع بينها وبين مقاربة سوسيولوجية سياسية لظاهرة التكفير، في أفق فهم أعمق لهذه القضية التي ما تزال تلقي بظلالها الثقيلة على واقع الأمة المعاصر.
أولاً/ الفكرة المركزية في مقال الدكتور أحمد الريسوني
ينطلق الدكتور أحمد الريسوني في مقاله من ملاحظة واقعٍ معاصر يتمثل في عودة الخطاب التكفيري إلى الواجهة، خاصة في سياق الصراعات السياسية والعسكرية التي تعرفها المنطقة. فمع كل أزمة كبرى أو حرب إقليمية، تعود لغة التكفير لتفرض حضورها في بعض المنابر الدعوية والإعلامية، حيث يُسارع بعض المتحدثين إلى إصدار الأحكام بالكفر أو الضلال على أفراد أو جماعات كاملة من المسلمين.
وفي مواجهة هذه النزعة، يطرح الريسوني أطروحة واضحة مفادها أن التكفير في ذاته ليس تكليفًا شرعيًا أُمر به المسلمون، ولا وظيفة من وظائف العلماء أو الدعاة، بل هو في الغالب تعبير عن نزعة من الغلو والتنطع، نشأت تاريخيًا في سياقات الصراع والانقسام، ثم تحولت مع الزمن إلى جزء من الخطاب الديني المتداول.
ومن هنا ينتقد الريسوني ما يسميه العقلية التكفيرية التي تجعل من البحث في عقائد الناس وتصنيفهم في دوائر الإيمان والكفر شغلا شاغلًا دائمًا لبعض المتدينين، في حين أن الأصل – في نظره – أن يُترك أمر السرائر لله عز وجل، وأن يُعامل من أعلن إسلامه على هذا الأساس دون الدخول في محاكمات عقدية لا طائل منها.
كما يستحضر الريسوني في مقاله عددًا من الوقائع التاريخية التي عرفت فيها الساحة العلمية الإسلامية محاولات لتكفير بعض كبار العلماء أو الطعن في عقائدهم، مثل ما وقع للإمام أبي الوليد الباجي وغيره من الأعلام، حيث تحولت بعض النقاشات العلمية المحدودة إلى حملات اتهام وتشكيك في الدين والعقيدة.
حيث لم يكن هذا النمط من المحاكمات العقدية مقتصرًا على الفرق المتصارعة سياسيًا، بل امتد أحيانًا إلى المجال العلمي نفسه، حيث تعرض عدد من كبار العلماء للتكفير أو التشكيك في عقائدهم بسبب مسائل اجتهادية. فإلى جانب ما ذكره الدكتور أحمد الريسوني في مقاله إلى ما وقع للإمام أبي الوليد الباجي حين اتهمه بعض معاصريه بالزندقة بسبب مسألة علمية جزئية، قد عرف التاريخ الإسلامي اتهامات مشابهة طالت علماء كبارًا مثل النووي وابن حجر العسقلاني وابن رشد.
ومن خلال هذه الأمثلة يريد الريسوني أن يلفت الانتباه إلى أن ثقافة التكفير ليست مجرد مسألة نظرية في علم العقيدة، بل هي ظاهرة لها آثار اجتماعية وسياسية خطيرة، لأنها تفتح الباب أمام الانقسام والتمزق داخل الأمة، وتمنح الصراعات الفكرية والمذهبية طابعًا وجوديًا لا يقبل التعايش ولا يؤمن بالاختلاف.
وقد أدرك كثير من علماء المسلمين منذ وقت مبكر خطورة التوسع في التكفير، فدعوا إلى الاحتياط الشديد في هذا الباب. ومن أشهر ما قيل في ذلك ما ذكره الإمام أبو حامد الغزالي حين قال: “والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم.” وهو تنبيه مبكر إلى أن التوسع في التكفير قد يفتح الباب أمام مفاسد أعظم من الخطأ في ترك الحكم به.
كما شدد العلماء المسلمون على ضرورة التثبت الشديد قبل إصدار أحكام التكفير، لأن الخطأ في هذا الباب قد يؤدي إلى مفاسد عظيمة. وفي هذا السياق يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: “وليس لأحد أن يكفّر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبيّن له المحجة.” وهو ما يعكس إدراكًا عميقًا لخطورة هذا الحكم وضرورة تضييق دائرته إلى أقصى حد ممكن.
لهذا يدعو الريسوني إلى تجاوز منطق البحث عن ضوابط التكفير وشروطه، والانتقال إلى مقاربة أكثر حذرًا تقوم على سد هذا الباب في وجه التوسع والتوظيف السياسي، خاصة في زمن أصبحت فيه الخطابات الطائفية وقودًا لكثير من النزاعات التي تشهدها المجتمعات الإسلامية.
ثانياً/ التقاطع بين المقاربة الفقهية والمقاربة السوسيولوجية
وإذا كانت مقاربة الدكتور الريسوني تنتمي في جوهرها إلى الحقل الفقهي المقاصدي، فإن ما استوقفني في هذا المقال التقاء كثير من نتائجه – من زاوية أخرى – مع بعض القراءات السوسيولوجية والسياسية لظاهرة التكفير.
ذلك أن اختلاف الأدوات والمنهج لا يعني بالضرورة اختلاف النتائج؛ إذ قد تلتقي المقاربات المختلفة في فهم ظاهرة واحدة من زوايا متعددة.
فالفقه يسأل: ما حكم التكفير؟ وما ضوابطه؟
أما التحليل السوسيولوجي فيطرح سؤالًا مكملاً: متى يظهر التكفير؟ ولماذا يشتد حضوره في بعض اللحظات التاريخية دون غيرها؟
وإذا كان الفقه قد اهتم عبر التاريخ بضبط مفهوم التكفير والتحذير من التوسع فيه، فإن السؤال الذي يطرحه التحليل السوسيولوجي هو: لماذا يظهر هذا المفهوم بقوة في لحظات الصراع السياسي بالذات؟
أي إن الفقه يبحث عادة في الحكم الشرعي للمسألة وضوابطها، بينما تحاول المقاربة السوسيولوجية فهم السياقات التي تظهر فيها الظاهرة ووظائفها داخل المجتمع. لكن رغم اختلاف الأدوات والمنهج، فإن النتيجة في كثير من الأحيان تكون متقاربة: إذ يتبين أن ظاهرة التكفير لا يمكن فهمها فقط من خلال نصوص العقيدة، بل ينبغي النظر أيضًا في إطار الظروف الاجتماعية والسياسية التي تسمح بانتشارها.
السؤال السوسيولوجي يقودنا – إذن – إلى ملاحظة أن التكفير، في عدد من المحطات التاريخية، لم يكن مجرد نتيجة لاجتهاد عقدي خالص، بل ارتبط أحيانًا بسياقات الصراع على السلطة والشرعية داخل المجتمع. فحين يحتدم التنافس السياسي أو المذهبي، يصبح إسقاط الشرعية الدينية عن الخصم أحد الأساليب الأكثر تأثيرًا في تعبئة الأنصار وإضفاء طابع أخلاقي على الصراع.
ومن هذه الزاوية يلتقي التنبيه الفقهي الذي يطرحه الريسوني مع القراءة السوسيولوجية؛ فكلاهما ينبه – بطريقته الخاصة – إلى خطورة تحويل التكفير من مسألة عقدية محدودة إلى أداة في الصراع داخل الأمة.
ثالثاً/ التكفير بين الدين والسياسة، حين تتحول المفاهيم الدينية إلى أدوات في الصراع
غير أن فهم ظاهرة التكفير لا يكتمل – في تقديري – إذا اقتصرنا على بعدها العقدي أو الفقهي وحده، لأن كثيرًا من الوقائع التاريخية تشير إلى أن هذه الظاهرة كثيرًا ما ارتبطت أيضًا بسياقات سياسية واجتماعية معينة. فالمفاهيم الدينية لا تتحرك دائمًا في فضاء نظري خالص، بل تتأثر – كما تتأثر غيرها من الأفكار – بالظروف التي تنشأ فيها وبالصراعات التي تعرفها المجتمعات.
ولعل من أقدم الأمثلة على هذا التحول ما وقع في تجربة الخوارج بعد الفتنة الكبرى، حين انتقل الخلاف السياسي حول التحكيم إلى حكم عقدي بتكفير الخصوم.. فقد تحولت قضية سياسية مرتبطة بإدارة الحكم إلى نزاع ديني وجودي، وهو ما يوضح بجلاء كيف يمكن أن تتحول المفاهيم الدينية – في لحظات الصراع – إلى أدوات لإعادة تعريف الشرعية داخل المجتمع.
وفي اتجاه آخر من التاريخ الإسلامي يمكن أن نرى كيف استُعملت القضايا العقدية في إدارة السلطة نفسها، كما وقع في محنة خلق القرآن في العصر العباسي، حين قرر الخليفة المأمون فرض رأي عقدي معين بالقوة، وتعرض بسبب ذلك عدد من العلماء للاضطهاد، وفي مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل. وقد كشفت هذه الحادثة – أيضا – كيف يمكن أن تتحول الخلافات العقدية إلى أدوات في الصراع حول السلطة والشرعية.
وإذا كان التاريخ الإسلامي قد عرف لحظات استُعملت فيها القضايا العقدية في إدارة السلطة، فإن التاريخ الأوروبي عرف بدوره ظواهر مشابهة، كما في تجربة محاكم التفتيش التي ظهرت في إسبانيا في أواخر القرن الخامس عشر، حيث استُعملت العقيدة الرسمية للدولة أداة لملاحقة المسلمين واضطهادهم. وهو ما يكشف أن توظيف الدين في الصراع السياسي ليس ظاهرة مرتبطة بحضارة بعينها، بل ظاهرة عرفتها مجتمعات مختلفة حين تحاكم العقيدة لفائدة السلطة.
وقد بلغت هذه الظاهرة في التاريخ الأوروبي حدًّا جعل الاختلاف الفكري نفسه يُعامل بوصفه انحرافًا دينيًا يستوجب العقاب، ومن أشهر الأمثلة على ذلك محاكمة الفيلسوف الإيطالي جوردانو برونو أمام محاكم التفتيش في نهاية القرن السادس عشر، حيث انتهت محاكمته بإعدامه سنة 1600 بسبب آرائه الفلسفية التي اعتُبرت هرطقة. ويكشف هذا المثال، كما تكشف غيره من أحداث التاريخ الأوروبي، كيف يمكن أن يتحول الخلاف الفكري أو السياسي إلى قضية دينية أو مذهبية تستوجب المحاكمة والعقاب على هذا الأساس.
ومن هذا المنظور يمكن القول إن التكفير، في عدد من محطات التاريخ الإسلامي وغير الإسلامي، لم يكن مجرد نتيجة لاجتهاد عقدي مستقل، بل كان أحيانًا جزءًا من آليات الصراع على السلطة أو الشرعية. فحين يحتدم التنافس السياسي أو المذهبي، يصبح نزع الشرعية الدينية عن الخصم أحد الأساليب الأكثر تأثيرًا في تعبئة الأنصار وإضفاء طابع أخلاقي أو ديني على الصراع.
وهكذا يتحول التكفير من مسألة فقهية دقيقة، كان يفترض أن تبقى محاطة بأقصى درجات الحذر، إلى سلاح رمزي في معارك النفوذ، وبدل أن يكون الدين ميزانًا يضبط الصراع ويحدّ من انحرافاته، يصبح – في لحظات معينة – أحد الأدوات التي تُستعمل في إدارة هذا الصراع نفسه وتغذيته.
ولا يقتصر الأمر على التاريخ القديم، بل يمكن ملاحظة الظاهرة نفسها في عدد من النزاعات المعاصرة، حيث يجد الدين نفسه – أحيانًا – مستدعى إلى صراعات لم يكن جوهرها دينيًا بالضرورة، فتُعاد صياغة الخلافات السياسية بلغة عقدية أو مذهبية، الأمر الذي يضاعف من حدّة الانقسام ويجعل الخلاف يبدو وكأنه صراع بين الإيمان والكفر، لا مجرد اختلاف في الرأي أو المصالح، وكل ذلك يجعل إمكانية التفاهم أكثر صعوبة، بل يصل في أحايين كثيرة إلى الاستحالة المطلقة.
ومن هنا تكتسب دعوة الدكتور أحمد الريسوني إلى الحد من منطق التكفير أهمية عظيمة؛ لأنها لا تعالج فقط مسألة فقهية تتعلق بضوابط الحكم على العقائد، بل تمس أيضًا إحدى القنوات التي يمكن أن يتسلل عبرها الصراع السياسي إلى المجال الديني كما قد يتسرب الخلاف الديني إلى المجال السياسي.
وإذا كان الإشكال في تقديري لا يكمن في حضور الدين في المجال السياسي في حد ذاته، كما قد يتوهم أو يسعى البعض، فالدين في أصله مشروع قسط وعدل ومنظومة رحمة وتعايش له قدرة هائلة على تأطير واستيعاب الخلافات، وجاء ليهدي حياة الناس في مختلف مجالاتها، ومنها المجال العام والسياسي، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الدين من مرجعية أخلاقية تضبط السياسة وتقوّمها إلى أداة تستعملها القوى السياسية نفسها في صراعاتها بطريقة تسيء إلى الدين والدولة على حد سواء، فيُستدعى الدين أحيانًا لتبرير الاستبداد أو لإقصاء الخصوم أو لتعبئة الجماهير في صراعات لا يكون جوهرها دينيًا بالضرورة.
وهنا تظهر خطورة الظاهرة: إذ لا يعود التكفير مجرد حكم ديني خاطئ، بل يتحول إلى آلية وأداة فتاكة لإدارة الصراع داخل المجتمع، تتيح للبعض تحويل الخلاف السياسي إلى خصومة دينية، وهو ما يضاعف من حدته ويجعل التسوية أو التعايش أكثر تعقيدا.
وقد أخذ هذا التوظيف السياسي للمذهب أبعادًا أكثر وضوحًا في بعض الصراعات التاريخية الكبرى، كما حدث في المواجهة بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية في القرن السادس عشر، حيث استُعمل التكفير المتبادل لتعبئة المجتمعات وتبرير الحرب بين الدولتين، الأمر الذي يكشف كيف يمكن أن تتحول الخلافات المذهبية إلى جزء من الصراع الجيوسياسي.
وليس توظيف الخلافات الدينية في الصراع السياسي ظاهرة خاصة بتاريخ المسلمين على مستوى الدول والأنظمة، بل عرفتها حضارات أخرى أيضًا.. فقد شهدت أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر حروبًا دينية طويلة بين الكاثوليك والبروتستانت، بلغت ذروتها في حرب الثلاثين سنة التي دمرت أجزاء واسعة من القارة. وقد بينت تلك التجربة أيضا كيف يمكن للخلافات الدينية أن تتحول إلى أدوات في صراع الممالك والإمبراطوريات على النفوذ والسلطة في العالم بأسره.
ولا يقتصر هذا التداخل بين التكفير والصراع السياسي على التاريخ البعيد، بل يمكن ملاحظة حضوره أيضًا في عدد من النزاعات المعاصرة، حيث يُعاد إحياء الخطاب الطائفي في سياقات سياسية أو جيوسياسية معقدة، فتتحول الخلافات السياسية إلى صراعات مذهبية تغذي الانقسام داخل المجتمعات الإسلامية.
خاتمة
إن القراءة المتأنية لمقال الدكتور أحمد الريسوني تكشف عن محاولة جادة لإعادة النظر في منطق التكفير والتنبيه إلى مخاطره الدينية والأخلاقية، وهي محاولة تكتسب أهمية خاصة في زمن تتداخل فيه الصراعات السياسية مع الانقسامات المذهبية.
غير أن فهم هذه الظاهرة يقتضي – في تقديري – الجمع بين أكثر من مقاربة علمية: فالمقاربة الفقهية المقاصدية، التي يمثلها الريسوني، تضع الضوابط الشرعية وتحذر من الغلو والتنطع، بينما تساعد المقاربة السوسيولوجية والسياسية على فهم السياقات التي تتحول فيها بعض المفاهيم الدينية إلى أدوات في الصراع.
وهكذا يتبين أن المسألة ليست مجرد خلاف عقدي حول حدود التكفير، بل هي جزء من إشكالية أوسع تتعلق بالعلاقة بين الدين والسلطة والصراع داخل المجتمعات. فإذا كان الدين قد جاء ليكون ميزانًا للعدل والقسط بين الناس، فإن التحدي الحقيقي يكمن في حماية هذا الميزان من أن يتحول – بفعل الصراعات البشرية – إلى أداة في يد هذه الصراعات نفسها.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى خطاب ديني وفكري يعيد المفاهيم إلى سياقها الصحيح، والأحكام إلى أصولها الحقة، والاجتهاد إلى قواعده العلمية الصارمة، ويحرر الدين من التوظيفات التي قد تُسهم – عن قصد أو غير قصد – في تعميق الانقسام داخل الأمة بدل أن يكون عامل جمع ووحدة بينها.
