من أجل تخليق الحوار حول قضايا الساعة
نشر موقع “لكم“ مقالا للسيد فريد آيت لحسن بعنوان “عصيد أو براح المخزن عالي التخصيب“، وبغض النظر عن الطابع التحريضي وأحكام القيمة المنبعثة من العنوان، فسيكون مفيدا أكثر عرض مواقفي التي نشرتها خلال الأسبوعين الماضيين فقط في موضوع أمريكا وإسرائيل وإيران، والتي يبدو أن كاتب المقال لم يطلع عليها. وأشكره بدءً على اهتمامه بي، رغم أنني لا أستحق ذلك أمام القضايا الكبرى والوقائع الهائلة التي تجتاح العالم، ما دمتُ مجرد مواطن مغربي يعبر عن أفكار شخصية جدا ولا تلزم غيره، ولكن إذا كنت أسمح للآخر بأن يختلف معي، أو أن يتحامل على شخصي، بل وحتى أن يُحرّض العامة ضدّي ـ وهو أسلوب من الأفضل تجنبه ـ إلا أنني لن أتنازل أبدا عن حريتي في التعبير عن رأيي بدون تحفظ، دون مراعاة التيار العام ولا توجهات الدولة، ذلك لأن هذه الحرية هي الرأسمال الرمزي الوحيد الذي يملكه المثقف.
آراء أخرى
اعتبر الكاتب بأنني أتماهى مع مواقف السلطة في موضوع السياسة الخارجية الأمريكية، لكنني أعتذر عن تخييب أمله بأن أعرض مواقفي المنشورة بهذا الصدد وقبل أيام فقط على الشكل التالي:
بتاريخ 1 مارس 2026 على الساعة الواحدة وسبع دقائق، كتبت على صفحتي الرسمية في الفيسبوك أقول: “لست مع أمريكا لأنها تستعمل منطق القوة وتدوس على كل القوانين والأعراف الدولية، ولست مع إسرائيل لأنها دولة احتلال لا شرعية لها إلا بقيام دولة فلسطين المستقلة، ولست مع إيران لثلاثة أسباب:
أولا لأن نظام الملالي من أسوأ الأنظمة التي عرفها العالم باستعباده لشعب كامل على مدى 45 سنة، ولم يقدم أي نموذج صالح للحكم الرشيد والديمقراطي.
ثانيا لأن “مسلمي“ إيران جعلوا من العداء لبلدي المغرب نهجا راسخا منذ 1979 إلى اليوم، وعملوا على تقسيم المغرب وساندوا كل أعداء وحدته.
ثالثا لأن العمائم السوداء أنفقوا أموال الشعب الإيراني على تسليح كل العصابات الشيعية في بلدان الجوار: في العراق وسوريا ولبنان واليمن والساحل، وحاولوا إثارة القلاقل في بلدان الخليج، فكانوا أكبر مشعلي الحرائق في المنطقة على مدى عقود“.
وللقارئ أن يرى إن كان هذا هو موقف السلطات المغربية مما يجري حاليا في الشرق الأوسط.
وبتاريخ الجمعة 6 مارس 2026 على الساعة الخامسة وثلاثين دقيقة كتبت أقول:” عندما أعلن الرئيس جورج بوش بأنه سيعيد العراق إلى “العصر الحجري“، وهو يقصد تدمير البنيات المادية، أمطرت أمريكا وحلفاؤها العراق بوابل من الصواريخ من كل الأنواع على مدى شهر ونصف، وأعادته فعلا إلى “العصر الحجري“ كما وعد بوش آنذاك، لكن العراق لم يتحول إلى بلد ديمقراطي ناهض، لأنه عاد إلى “العصر الحجري“ فكريا وذهنيا وقيميا أيضا، حتى صار الناس فيه يناقشون سنة 2025 “زواج بنت التسع“، واختفت الكثير من مظاهر الازدهار الثقافي والفكري والفني.
يدلّ هذا على أن البلدان لا تنتقل إلى الديمقراطية بالقنابل والصواريخ التي تسقط عليها بغزو أجنبي، بل بمسلسل داخلي يعرف تحولات بنيوية نظرية وحوارا وطنيا، يقنع الأجيال المتتالية بأن يقبل الناس فيها بعضهم بعضا ويتوافقوا على قوانين عادلة وتعاقد اجتماعي مبني على المشترك الوطني، وعلى حقوق المواطنة للجميع“.
وفي يوم الأحد 8 مارس 2026 كتبت أقول: “عودة (إسرائيل الكبرى) إلى الخطاب العلني ارتبطت بصعود اليمين الديني المتطرف في إسرائيل والذي تحالف معه ناتانياهو، وإذا جمعناه مع كل أنواع التطرف الإسلاموي في منطقتنا، وأضفنا إليه التطرف الأمريكي باستعمال الدين من طرف شخصيات من محيط البيت الأبيض وحتى من ضباط الجيش الأمريكي، بل ومن وزير الخارجية الأمريكي نفسه عبر القول بأن أمريكا تدافع عن “العالم المسيحي“، وسفير أمريكا بإسرائيل الذي برر جرائم الدولة العبرية بالوعد الإلهي لليهود، ووأخذنا في الاعتبار إعلان ناتانياهو عن أن اليهود يقاومون ل “النجاة من الإبادة“ التي وقعت لهم قبل 2500 سنة، دون الحديث عن إيران والشيعة الذين بدأوا هذا الهذيان منذ 1979، ودون ذكر كل العصابات السنية المسلحة التي لا تتوقف عن تبشير أتباعها بالجنة كلما بالغوا في القتل والتخريب، وتوعد غيرها بالنار وسوء المصير وكأنهم جالسون مكان الرب. إذا أخذنا كل هذه الظواهر الخطيرة التي تدل على غباء البشر، فسوف نجد أنها تمثل تكرارا حرفيا لأخطاء الماضي“ .
وفي يوم 25 فبراير 2026 على الساعة الثالثة وأربع دقائق كتبت أقول: “إذا لم تقم أمريكا بإقالة سفيرها في إسرائيل، بسبب التصريح الذي أدلى به حول أحقية الدولة العبرية في التمدّد بين النيل والفرات باعتبار ذلك “وعدا دينيا من الله“، فإن ذلك سيكون بمثابة دليل على أن أمريكا لا يمكن أن تستمر في الزعم بأنها راعية سلام في المنطقة“.
وعندما صرح ناتانياهو بأن إسرائيل “تسعى لتشكيل محور جديد ضد المحورين الشيعي المنهار والسني الذي يتشكل“ كتبت يوم 23 فبراير 2026 على الساعة العاشرة وأربعين دقيقة ما يلي: “ولنا أسئلة إلى ناتانياهو على الشكل التالي:
ـ قبل التفكير في مواجهة المحورين السني والشيعي أليس من الأولوية التفكير في تفكيك اليمين الديني المتطرف داخل إسرائيل والذي دفع بقوة في اتجاه اقتراف جرائم الإبادة في “غزة“ ويدفع حاليا نحو الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين في الضفة الغربية، كما دفع نحو انتزاع تصويت بالأغلبية الساحقة من الكنيسيت ضد أي قيام للدولة الفلسطينية ؟
ـ ماذا كانت “منجزات“ المحور الشيعي غير إنفاق أموال الشعب الإيراني في تدمير بلدان الجوار نيابة عن إسرائيل ؟ وماذا حقق المحور السني الذي تشكل من 1979 ضد المدّ الخميني، ألم ينفق ملايير الدولارات من أجل إشاعة التطرف الوهابي العنيف في جميع بلدان المعمور، حتى تسبب، إضافة إلى خراب بلدان المسلمين، في استيقاظ اليمين المتطرف العنصري في الغرب واكتساحه للانتخابات بسبب الإسلاموفوبيا التي غدّاها الإسلام الإخواني والسلفي؟
– أليس الأجدى أن يكون انهيار المحور الشيعي بإرادة الشعب الإيراني الذي تعب من الاستبداد والحرمان، وليس بإيعاز خارجي أو عدوان أجنبي ؟.
وفي يوم السبت 7 مارس 2026 على الساعة الخامسة وخمسين دقيقة مساء كتبت أقول: “ما زال التيار المناوئ للديمقراطية والذي لم يهضم أبدا مبادئها وقيمها، يحاول الخلط بين المبادئ الكبرى للديمقراطية – والتي لا غنى عنها في أي بلد – والسياسة الخارجية الأمريكية ضدّ بلدان العالم، كما لو أن في الديمقراطية ما يدعو إلى إلقاء صواريخ على بلد آخر. وينكشف هذا التيار نفسه عندما يرفض الخلط بين الدين الإسلامي وسلوك “داعش“ ومن على شاكلتها، حيث يقول إن “داعش لا تمثل الإسلام“، وهو تناقض صارخ لا يمكن الخروج منه إلا بالقول إن المبادئ الكبرى والقيم الإنسانية العليا لا يمكن الطعن فيها بسبب أخطاء البشر“.
وفي 1 مارس 2026 على الساعة الواحدة و25 دقيقة كتبت أقول: “أتابع تفاصيل الحرب الدائرة رحاها حاليا، ويبدو واضحا أنها مغايرة كليا للحرب السابقة على إيران، والتي كانت أقرب إلى حرب استنزاف وتحجيم للقدرات الإيرانية، بينما الحرب الحالية تبدو شاملة وتسعى إلى القضاء على النظام الإيراني بالنظر إلى الإمكانيات التي تم حشدها لها، وللخطاب الذي أعلنه ترامب ونتانياهو وهما يتوجهان إلى الشعب الإيراني مباشرة في شبه إعلان بأن النظام سينتهي.
لا يوجد في التحاليل التي تُنشر حاليا أي تصور لخريطة الشرق الأوسط “الجديد“ كما تسعى إليه أمريكا، ولكن من المؤكد أن تغييرات كبرى ستطال المنطقة. غير أن هذا التدخل في إيران لن يكون له أي أفق إيجابي على الشعب الإيراني، إلا إذا أخذ الشعب المبادرة من أجل تدبير المرحلة الانتقالية بشكل ديمقراطي“.
وفي يوم 26 يناير 2026 كتبت حول تحرك الأسطول الأمريكي نحو الخليج الفارسي: “الحشد العسكري الضخم الذي تقوم به الولايات المتحدة بالجوار الإيراني يهدف إما إلى ضربات عسكرية مباشرة أو إلى تقوية الضغط المعنوي لانتزاع تنازلات من النظام التيوقراطي لأصحاب العمائم خلال المفاوضات.
وفي رأيي لن يؤدي الأمران معا إلى أي تغيير، فالضربات العسكرية من الخارج تؤدي إلى تكتل حول النظام من طرف مشايعيه مما يضعف معارضيه الداخليين، وأما الضغط عبر التهديد العسكري فلا يؤدي إلى تغيير في مواقف الملالي، والحل الوحيد الأكثر واقعية هو اتساع نطاق الغضب الداخلي وإسقاط شرعية العمائم السوداء لاستعادة الشرعية الشعبية، وتدبير الموارد وفق مصلحة البلد وليس تبذيرها من أجل أوهام إيديولوجية خرقاء، وهذا بحاجة إلى صمود كبير من الشعب الإيراني“.
وقبل الحرب الحالية على إيران كتبت حول اقتحام القوات الأمريكية لفنزويلا واختطاف رئيسها يوم 3 يناير 2026 ما يلي: “التدخل السافر لأمريكا في فنزويلا واختطاف رئيسها انتهاك صارخ لسيادة دولة، وسلوك خارج القوانين والأعراف الدولية. وموضوع المخدرات يمكن تسويته بحراسة مشدّدة على الحدود والمياه الإقليمية وليس باقتحام أجواء وأراضي دولة مستقلة“، وفي اليوم الموالي 4 يناير كتبت:” إعلان الرئيس الأمريكي عن أن الولايات المتحدة ستتولى مباشرة إدارة شؤون فنزويلا هو استعمار لا غبار عليه، واستهتار بكل المرجعيات الدولة، هدفه الرئيسي سرقة ثروات فنزويلا أمام أعين العالم“.
وفي يوم 5 يناير 2026 وتفاعلا مع بعض القراء كتبت: “صحيح أن الثروة النفطية الهائلة التي تتمتع بها فنزويلا لم يستفد منها البلد والشعب الفنزويلي بسبب الاستبداد والفساد الكبير للنظام الفنزويلي، لكن هذا ليس مبررا لأن يستولي الأجنبي الأمريكي على هذه الثروة النفطية بالقوة، لأن نتيجة الاحتلال هي الظلم المزدوج في حق شعب فنزويلا، الذي سيكون عليه مقاومة الاحتلال الأجنبي والاستبداد الداخلي في نفس الوقت“.
وفي يوم 6 يناير 2026 بعد مساندة الرئيس ماكرون لترامب في انتهاك سيادة فنزويلا كتبت ما يلي: “تصريح الرئيس الفرنسي ماكرون بشأن اختطاف الرئيس الفنزويلي ومساندته للعملية الأمريكية استهتار بقيم الجمهورية الفرنسية ومبادئها، وحنين للتاريخ الاستعماري السيء الذكر“.
لا أدري كيف يمكن جعل هذه الأفكار والمواقف مطابقة للمواقف الرسمية للسلطات في المغرب، والتي يرى صاحب المقال المحترم بأنها تُملى عليّ من فوق. فمن الواضح أن مواقفي هي ضدّ أي تدخل عسكري أجنبي في دول الغير، وإذا كان هناك تغيير ما ممكن ـ وهو ما أتمناه في إيران ـ فلابد أن يأتي بإرادة شعبية داخلية.
أما عن انضمام المغرب لـ“مجلس السلام“ الذي أحدثه ترامب فلم أقف فيه بجانب أمريكا بل بجانب المغرب، لعلمي بأن الهدف هو الحفاظ على مسلسل الضغط الأمريكي على الجزائر لإنهاء مشكل الصحراء والحسم فيه لصالح الحكم الذاتي، غير أن هذا لم يجعلني أنسى طبيعة المجلس المرتبطة بمنطق القوة ووضعية الدول المنخرطة فيه في علاقتها بموازين القوى الدولية، ولهذا قلت في فيدو تحليلي منشور على قناة “المشهد“ يوم 21 يناير 2026 بعنوان “لماذا انخرط المغرب في مجلس السلام ؟: “غير أن هذه المكاسب المحتملة لا تلغي وجود مخاطر وحدود، فالمغرب مطالب بالحفاظ على استقلالية قراره الدبلوماسي، وعدم الانخراط في أي إطار قد يُستعمل لتصفية حسابات جيوسياسية أو لفرض رؤى أحادية لا تنسجم مع القانون الدولي أو مع ثوابته، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية أو بمبدأ عدم التدخل. كما أن إسم “ترامب“ نفسه يثير حساسية لدى عدد من الفاعلين الدوليين، ما يفرض على المغرب تدبير مشاركته بذكاء وتوازن“.
إنني أعلم بأن الاحتقان النفسي الكبير الذي يحرك التيارات الإيديولوجية الراديكالية منذ مدة لا يسمح بالتفكير، ولا بالقراءة النزيهة لأفكار الغير، كما يحتاج دائما إلى تقديم “كبش فداء“، وقد يدفع التوتر النفسي بالبعض إلى اعتماد أسلوب الإشاعة والكذب بغرض تحطيم من يخالفهم في الرأي، وقد كتب جيل دولوز مرة: “إن الكتابة من أجل الدحض والتحطيم هي أحط أنواع الكتابة“، لأن الدفاع عن قضايا عادلة لا ينبغي أن يكون بأساليب غير شريفة، ولعل هذا من آثار الاستعمال السيء لشبكات التواصل الاجتماعي.
إنني لا أستطيع السكوت عن مظاهر الظلم سواء داخل وطني أو عبر العالم، ولكن في نفس الوقت لا أستطيع انتحال مواقف لا تناسبني ولست مقتنعا بها، كما لا أستطيع الدفاع عنها لأنها ليست مواقفي، سواء أتت من السلطة أو من التيارات السياسية والإيديولوجية أو من التيار العام في المجتمع، ولكنني أحترم من يتبناها ويدافع عنها دون إساءة إلى غيره، لأن تحويل قضية عادلة إلى مناسبة للتهجم على الآخرين والتحريض ضدّهم بشتى الأساليب غير الأخلاقية أمر لا يمكن قبوله. كما لا يمكن مطالبة كاتب أو مثقف بنوع من “الانضباط“ العسكري لتيار إيديولوجي معين، عبر تبني كل تفاصيل موقف ذلك التيار ومفاهيمه حذو النعل بالنعل، لأن هذا قد لا يكون مفيدا في النقاش العمومي. وإذا كان القصد أن يصطف المثقف مع التيار العام أو مع السلطة، فهذا أمر غير ممكن، لأن التيار العام قد يكون مخطئا أيضا، كما تخطئ السلطة بدورها، وهذا ما حدث في قضايا كثيرة.
إن الغريب هو أن بعض التيارات الإيديولوجية لا تريد منك أن تتفق معها على الموقف من إسرائيل وأمريكا فقط، بل تريد منك أن تفعل ذلك وتعبر عنه بنفس المفاهيم والعبارات والجزئيات التي يتبنونها، وهذا نوع من الوصاية غير مقبول، لأن الأساسي هو الاتفاق على المبادئ التحررية الكبرى، أما التفاصيل والجزئيات فلابد أن يختلف فيها الناس اختلافا كبيرا.
هل يمكن محاكمة شخص بسبب مواقفه إذا لم نطلع ونتابع ما يكتب ويقول ؟
بتاريخ السبت 7 مارس على الساعة العاشرة صباحا و49 دقيقة، كتبت أقول: “كثير من الناس يتبعون الموجة، ولهذا لا يحتاجون إلى التفكير، ثم لا يقرأون ولا يستمعون جيدا، لكنهم يتبعون الصورة النمطية السائدة عن شخص معين أو قضية ما، ولهذا ينزعجون عندما يباغتهم الواقع بمعطيات مخالفة لما يعتقدون، وقد يكون رد فعلهم عنيفا فقط بسبب أن ما يرونه أو يسمعونه مخالف لما ترسخ في أذهانهم من خلال النميمة اليومية والإشاعة، والبقاء لفترة طويلة على شبكات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت مجالا للتفريغ والتعويض النفسي، بدل المعرفة والحوار والتبادل“. ولعل هذا النص كاف لتفسير الأسباب التي تجعل بعض الناس ـ بغرض التحريض والشخصنة ـ يسندون لغيرهم مواقف لا يقولون بها.
