هل هي حرب حضارية بتعبير المهدي المنجرة؟
لم يكن المفكر المغربي الراحل المهدي المنجرة مجرد عالم سوسيولوجيا يرصد التحولات العابرة، بل كان منظرا استشرافياً التقط مبكراً ذبذبات الانزياح في بنية الصراع العالمي. ولم تكن تسميته لأحداث عام 1991 في العراق بالحرب الحضارية الأولى مجرد رغبة في التمايز الاصطلاحي، بل كانت قفزة استشرافية لفك شفرة نظام دولي جديد يتشكل على أنقاض الثنائية القطبية بعد سقوط جدار برلين سنة 1989. اليوم، وبينما تشتد المواجهة في الشرق الأوسط في محاولة لإعادة بنائه على أسس جديدة، يبدو أننا بصدد قراءة فصل جديد من هذه الأطروحة، ولكن بلبوس أكثر حدة يمزج بين الأصولية التقنية والميتافيزيقيا السياسية. إن إعادة قراءة رؤية المهدي المنجرة اليوم تتجاوز استذكار التاريخ لتصبح ضرورة لفهم حاضر يتشكل خارج أطر العقلانية السياسية التقليدية. فنحن لا نعيش مجرد نزاعات جيوسياسية على الموارد، بل نشهد ردّة إبستمولوجية كبرى يعيد فيها الغرب إنتاج نفسه ككتلة لاهوتية-تقنية صدامية. إن هذا المقال يسعى لتفكيك هذا المشهد المعقد، حيث تلتقي طموحات “إسرائيل الكبرى” مع فلسفة “الأنوار المظلمة” في بوتقة واحدة، محذراً من أن المواجهة الحقيقية ليست في الميدان العسكري فحسب، بل في قدرة دول الجنوب على استعادة سيادتها التربوية وبناء نموذجها المعرفي المستقل في وجه مشاريع الإلحاق الحضاري.
آراء أخرى
سوسيولوجيا “صناعة العدو” والاستعباد العلمي
في استشرافه المبكر لعام 1991، لم يرَ المهدي المنجرة في أزمة الخليج نزاعاً عابراً، بل سماها “الحرب الحضارية الأولى”؛ إعلاناً عن انتقال الغرب من صراع الإيديولوجيات إلى صراع الهويات والقيم. يرى المنجرة أن استهداف القوى الإقليمية في الشرق هو في جوهره تطبيق لإستراتيجية الاستعمار العلمي؛ حيث يتم منع أي كتلة حضارية من حيازة التكنولوجيا السيادية لضمان بقاء الجنوب في حالة عطالة معرفية دائمة. وهذا ما يعززه إدوارد سعيد في أطروحته حول الاستشراق، حيث يتم إنتاج الشرق معرفياً ككيان تابع يحتاج دائماً إلى وصاية المركز الغربي لتبرير التدخل والهيمنة.
يؤصل المنجرة في أطروحته للاستعمار العلمي كأداة قمعية عابرة للحدود. إن الحرب على العراق سابقاً، والضغط الرهيب على الشرق الأوسط حالياً، لا ينفصلان عن إرادة الشمال في احتكار المعرفة السيادية. من هذا المنظور، لا يهم الغرب المذهب الديني للدولة المستهدفة، بل تهمه الكتلة الحرجة من المعرفة التي قد تؤدي إلى استقلال حضاري. إنها محاولة لفرض حالة من الاستلاب المعرفي تضمن بقاء دول الجنوب في دائرة الاستهلاك التقني لا الإنتاج العلمي.
الانزياح الفلسفي من سيولة ما بعد الحداثة إلى اللاهوتية الصدامية
يشهد الفكر الغربي الناظم تحولاً جذرياً؛ فبعد عقود من “ما بعد الحداثة” التي فككت السرديات الكبرى، نجد الغرب يرتد نحو السردية اللاهوتية. يحلل تشارلز تايلور في كتابه “عصر علماني” كيف أن العلمانية لم تمحُ الرغبة في المقدس، بل أعادت تشكيله في قوالب جديدة غيرت أساليب التعامل مع الدين لكنها لم تستبعده من دائرة اهتمام المجتمعات. هنا يبرز تيار “الأنوار المظلمة” (Dark Enlightenment) أو “الرجعية الجديدة” (Neoreaction)، بقيادة منظّريه نيك لاند وكورتيس يارفين، كغطاء فلسفي راديكالي لظاهرة حديدة. يحاول هذا التيار نزع القداسة عن قيم الأنوار التقليدية مثل المساواة والديمقراطية بوصفها عراقيل تعيق تفوق العرق والحضارة. تتمثل خطورة هذا المسار في كونه يوفر مشروعية فكرية لممارسة الإقصاء الحضاري؛ فالحرب لم تعد دفاعاً عن الديمقراطية، التي يراها هذا التيار فاشلة، بل هي دفاع عن الهيمنة التكنولوجية والتفوق الحضاري الغربي في مواجهة الآخر غير الغربي.
إن الانخراط الحماسي في تأجيج الصراع لا يمكن فهمه بعيداً عن “المسيحية الصهيونية”. إننا هنا أمام ما يسميه المنجرة بعجز التواصل الحضاري، حيث يتم استدعاء الذاكرة الصليبية كوقود روحي للصراع. فمشاركة إسرائيل العلنية والمحرضة تحول المواجهة من صراع جيوسياسي على الموارد إلى دراما لاهوتية تستهدف الكرامة الحضارية للمنطقة. هذا التزاوج بين من جهة براغماتية التاجر الذي يجد سنده الفكري في تيار الأنوار المظلمة، ومن جهة أخرى نبوءات الإنجيليين يعيد إنتاج روح الحروب الصليبية ولكن بأسلحة سيبرانية وصواريخ فرط صوتية.
وهنا يلتقي تيار “الأنوار المظلمة” مع “المسيحية الصهيونية”. النتيجة هي تحالف هجين بين التقنية الفائقة والنبوءة القديمة. وهو ما يعضد ما ذهب إليه جورج أغامبين في كتابه “الملك والمجد” حينما برهن بأن الأصول اللاهوتية لا تزال تحكم دواليب الاقتصاد والسياسة في الغرب تحت غطاء الحداثة.
إن الانزياح نحو المسيحية الصهيونية في عهد ترامب ينقل الصراع من حيز الدولة القومية إلى حيز القدر اللاهوتي. فالسياسة الخارجية لم تعد تُصاغ في أروقة مراكز الأبحاث فحسب، بل في مخيلة تؤمن بحتمية الصدام الحضاري كما صاغها صامويل هنتنغتون، ولكن بنكهة “هرمجدونية” (Armageddon). إقحام إسرائيل كطرف محرض ومركزي في هذه المواجهة يعيد إنتاج “المخيال الصليبي”، حيث تصبح الحرب فعلاً تطهيرياً يهدف إلى حماية القلعة الغربية من المد الحضاري الشرقي، وهو ما يجسد قمة الغطرسة القيمية التي ناهضها المنجرة.
ميتافيزيقيا “إسرائيل الكبرى” وأوهام التطبيع
إن الحديث الصريح عن مشروع “إسرائيل الكبرى” من طرف سياسيين غربيين من بينهم السفير الأمريكي مؤخرا، يمثل تجسيداً سياسياً لعقيدة “هرمجدون” (Armageddon) كما تؤمن بها المسيحية الصهيونية. تُشكل هذه العقيدة حجر الزاوية في التفكير الجيوسياسي لليمين الديني الغربي؛ حيث لا تُعتبر مجرد واقعة لاهوتية مؤجلة، بل هي مُحرك إستراتيجي للسياسة الخارجية. تؤمن هذه الجماعات، استناداً إلى تفسير حرفي لسفر الرؤيا، أن نهاية العالم تقتضي حتمية وقوع ملحمة عسكرية كبرى في وادي “مجدو” بفلسطين، تجمع جيوش الأرض في صراع نهائي بين الخير والشر. وتكمن خطورة هذا المعتقد في ربطه بعودة المسيح، التي تشترط وفق أدبياتهم: قيام دولة إسرائيل، وتجميع اليهود فيها، وإعادة بناء الهيكل. لذا، فإن الدعم المطلق للحروب في المنطقة وتأجيج الصراع ضد أقطاب “الشر” كما يُصنفون القوى المعادية لإسرائيل يُنظر إليه كواجب ديني لتسريع هذه النبوءة. وفي هذا السياق، يصبح التطبيع أداة لتفكيك المناعة الحضارية لدول الشرق الأوسط وإلحاقها بالمركزية المسيحية الصهيونية. فهو يتجاوز كونه مجرد مناورة دبلوماسية ليصبح شكلاً من أشكال “الاستعباد الطوعي “؛ حيث تقبل بعض النخب والدول الانضواء تحت المظلة الصهيونية-الغربية بحثاً عن أمان متوهم أو بسبب إكراهات جيواستراتيجية ضاغطة. إن هذا الاستعباد، بتعبير إتيان دي لا بويسي، لا يفرض بالقوة الغاشمة فحسب، بل يتم عبر صناعة قابلية الاستعمار وتزييف الوعي. المنجرة كان يرى أن هذا القبول الطوعي بالتبعية هو الوجه الآخر للهزيمة، لأن المعركة الحقيقية هي معركة “قيمة القيم”؛ أي الدفاع عن المنظومة الأخلاقية والكرامة الثقافية للذات.
السيادة التربوية كأداة للنهضة المستدامة
إن الرد النسقي على هذا التغول لا يكون إلا ببناء نموذج معرفي مستقل. المنجرة اعتبر المنظومة التربوية هي الأمن القومي الحقيقي، داعياً إلى تفكيك “عولمة العولمة” التي تسعى لنمذجة التعليم وفق معايير السوق الغربية. ولتحقيق نهوض حضاري، لا بد من توطين العلم باللغات الوطنية، وأنسنة التقنية لمواجهة توحش الأنوار المظلمة، وبناء تربية استشرافية قادرة على صناعة المستقبل بدلاً من انتظاره.
إن بناء نموذج معرفي قادر على مواجهة “الأنوار المظلمة” ومشاريع الهيمنة “الهرمجدونية” لا يبدأ من المختبرات فحسب، بل من المدرسة. المنجرة كان يؤكد أن دول الجنوب تعاني من استلاب تربوي يجعل تعليمها مجرد صدى للنماذج الغربية، وهو ما يكرس الفجوة المعرفية والاستعباد العلمي.
ولتحقيق نهوض حضاري مستدام، يجب أن ترتكز المنظومة التربوية للمستقبل على ثلاثة أركان: أولا، توطين العلم باللغات الوطنية إذ كان المفكر المغربي المهدي المنجرة يرى أن التدريس بلغة الوطن هو شرط الإبداع وليس مجرد النقل بواسطة لغات أجنبية. ذلك أن السيادة اللغوية هي المدخل الإلزامي للسيادة المعرفية. ثانيا، أنسنة التكنولوجيا، إذ لمواجهة التطرف التقني الغربي الذي يجرد الإنسان من قيمته، يجب بناء منظومة تربوية تدمج بين الذكاء الاصطناعي والقيم الأخلاقية الحضارية. فيصبح التعليم ليس منظومة لتخريج أدوات إنتاج، بل لتخريج فاعلين حضاريين. ثالثا، الاستثمار في الذكاء البشري وبهذا الخصوص كان المهدي المنجرة يطالب بتخصيص 3% على الأقل من الناتج الداخلي الخام للبحث العلمي، لأن المنظومة التربوية القوية هي التي تحول الانفجار الديموغرافي في الجنوب، و الذي بدأ يتلاشى، إلى قوة ابتكارية تكسر احتكار الشمال للمعرفة.
إن الفكر المهيمن الذي يستند إليه تيار “الأنوار المظلمة” يراهن على تحويل شعوب الجنوب إلى مستهلكين رقميين فاقدي الهوية. هنا تصبح المنظومة التربوية درعاً حضارياً إذا هي كرست نقد المركزية الغربية من خلال تعليم الأجيال كيفية تفكيك الخطاب الاستعماري الجديد، وركزت على التربية على الاستشراف عبر تعليم “صناعة المستقبل” لتمكين الشباب من تخيل سيناريوهات تتجاوز ظاهرة العقم الحضاري الذي يسم دول الجنوب.
سيناريوهات المستقبل والاتجاهات الجيوستراتيجية
انطلاقاً من الاتجاهات الكبرى الحالية، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات لمستقبل هذا الصدام الحضاري المتدثر بغطاء سياسي واقتصادي:
1. السيناريو المتشائم أو الصدام الشامل: يفترض هذا السيناريو انتصار تيار “الأنوار المظلمة” واليمين المتطرف عالمياً، مما يؤدي إلى انفجار “الحرب الحضارية الثانية” بشكل مباشر. ستكون مواجهة مدمرة تستخدم فيها التكنولوجيا الفائقة ضد أعداء الاستعباد الغربي الجديد، مع محاولة قسرية لفرض مشروع “إسرائيل الكبرى” كواقع جيوستراتيجي، مما قد يؤدي إلى فوضى إقليمية طويلة الأمد. يمكننا إضافة بُعد لهذا السيناريو المتشائم، حيث يتحول الغرب إلى “ثيوقراطية تكنولوجية”، تنغلق على نفسها وتعتبر بقية العالم “أعداء للرب” أو “عقبات أمام النبوءة”. في هذا المسار، تسقط كل حقوق الإنسان والقوانين الدولية أمام “النص المقدس” الموظف سياسياً، وهو ما قد يشكل انتحاراً حضارياً للغرب وتدميراً للمشترك الإنساني.
2. السيناريو الواقعي أوالتعددية القطبية القلقة: استمرار حالة “الحرب الباردة الحضارية” المتمثلة في فشل الغرب في فرض هيمنته المطلقة بسبب المقاومة التقنية للصين والصلابة الجيوسياسية لبعض القوى الإقليمية. في هذا السيناريو، ستعيش دول المنطقة حالة من الانقسام بين محاور “الاستعباد الطوعي” ومحاور “المقاومة الحضارية”، مع بقاء التوتر “الهرمجدوني” قائماً دون حسم عسكري شامل.
3. السيناريو المتفائل أو النهضة الحضارية للجنوب: وهو السيناريو الذي كان ينشده المنجرة؛ ويقوم على استعادة دول الجنوب لزمام السيادة العلمية، من خلال النجاح في بناء تكتل اقتصادي وتكنولوجي يفرض الندية الحضارية على الغرب، مما يجبر القوى الإمبريالية على التخلي عن أوهام “الهرمجدونية” والقبول بحوار حقيقي يقوم على احترام التعددية الثقافية والسياسية.
كرامة المستقبل
إن الصراع اليوم ليس على الأرض فحسب، بل على المخيال الفردي. وكما أكد المهدي المنجرة، فإن التحرر من التبعية يبدأ من التحرر من الاستعمار الذهني. إن مواجهة مشاريع “إسرائيل الكبرى” وفلسفة “الأنوار المظلمة” تتطلب بناء نموذج معرفي مستقل يرفض أن يكون مجرد ملحق في نبوءات الآخرين.
إن معركة القرن الحادي والعشرين هي معركة “القيم والمعرفة” التي تتطلب بناء إنسان يمتلك مفاتيح التكنولوجيا دون أن يفقد بوصلته الحضارية. فالمستقبل، بتعبير المنجرة، لا يورث بل يبنى بالسيادة العلمية والكرامة الثقافية.
