المغرب ومجلس السلام مكاسب جيوسياسية ومحاذير أمنية
تناسلت القراءات والتأويلات بشأن دواعي تأسيس مجلس السلام وتداعياته على الساحة الدولية، خاصة في ظل الحديث عن أدوار كبرى مفترضة لربما من المحتمل أن تتجاوز وظائف منظمة الأمم المتحدة مع الاخذ بعين الاعتبار تحفظ قوى أوروبية مقابل صمت صيني و روسي أقرب إلى القبول أو عدم الاعتراض، بل يرى البعض أن هذا المجلس يؤشر على إعادة تشكيل خريطة التوازنات والتحالفات وموازين القوى بشكل يتجاوز تلك التي سادت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
آراء أخرى
وعلاقة بهذه “الهيئة الترامبية” الجديدة المرتبطة بشخصية وطموحات الرئيس الأمريكي الحالي، فقد شكل انضمام المغرب إلى مجلس السلام حدثا بارزا، أثار العديد من النقاشات والقراءات والتأويلات، غير أن قراءة انضمام المغرب لهذا المجلس بطريقة متسرعة أو بخلفية ايديولوجية انفعالية ضيقة أو حتى بنزعة تبريرية مغلفة بنزعة وطنية يغلب عليها الانتشاء الظرفي، تظل قراءات سطحية، إذ دون استحضار بعض المعطيات والتحولات والسياقات، تبقى تلك القراءات غير سليمة أو مجرد انطباعات شخصية بعيدة عن التشخيص الواقعي والموضوعي، لذلك، من الضروري أخذ بعين الاعتبار شرطين أساسيين، عام وخاص:
الشرط العام، يرتبط بالسياق الدولي الراهن، والتغيرات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، لاسيما في ظل الحديث عن سيناريو ضربة أمريكية مرتقبة لإيران ومحاولة تغيير ” نظام ولاية الفقيه” وما سيترتب عن ذلك من تحولات جيوسياسية ورهانات استراتيجية جديدة ترتبط أساسا بإعادة رسم خريطة المنطقة، وبناء تحالفات من المرتقب أن تفضي إلى صعود قوى جديدة مقابل تراجع وانكماش قوى أخرى.
لذلك، فالمغرب يتحرك بهواجس ورهانات استراتيجية تضمن له التموقع بشكل جيد في ظل عالم متغير يعيش على إيقاع تحولات متسارعة وهائلة، ويبدو أن الانضمام المغربي بل الانخراط في المسارات الأولى للتأسيس بصفته عضوا مؤسسا لمجلس السلام، يؤشر على وجود قناعة لدى المملكة، بالمضي قدما في التحالفات التي أفرزها الاتفاق الثلاثي في دجنبر 2020، وفق معادلات برغماتية، وبنفس جديد يمزج بين الإمكانات والخيارات المتاحة.
تبعا لذلك، تخوض الرباط “معركة التموقع” وفق حسابات دقيقة ترتبط بالسياقات والاجندات، إذ يقدم المغرب نفسه لشركائه خاصة أمريكا كلاعب ارتكاز يتحرك على الرقعة الدولية بسهولة وأريحية وهو مسنود برصيده التاريخي والديني والعلائقي، ويعمل في نفس الوقت على إرسال إشارات تعكس قدرته وتوفره على ما يكفي من الأوراق التي ستمكنه من اللعب خارج دائرته الجغرافية الكلاسيكية، ومزاحمة القوى الاقليمية بل دفعها إلى اللعب على الهامش.
من الواضح، أن هندسة السياسة الخارجية للمملكة باتت محكومة بعقيدة هجومية تمت بلورتها في سياق التكيف والتموضع الاستراتيجي مع التحولات الجارية، إذ من خلال هذه ” العقيدة” يمكن تحويل واستثمار ” الاتفاق الثلاثي” الذي أصبح في لحظة ما وخلال الحرب على غزة إلى “عبأ ثقيل” على صناع القرار، بل صار الاتفاق مكلفا من ناحية المشروعية المؤسسة للنظام السياسي المغربي، سيما وأنه لم يكن من السهل توقع تداعياته واستشراف سقف تأثيراته على الأقل على المستوى الشعبي الداخلي.
لكن، الملفت، أن المملكة تمكنت من تحمل تبعات ” الاتفاق” لمدة ثلاث سنوات على المستويين، الشعبي والاقليمي، بالنسبة للمستوى الاول، فيرتبط بالأوضاع الداخلية نتيجة” المعضلة الإنسانية في غزة” وما رافقها من احتجاجات ومظاهرات شبه يومية في بعض المدن المغربية، أما على المستوى الإقليمي، يتعلق بمناورة الجزائر الرامية إلى توظيف و استغلال الوضع المؤجج أنداك لمحاولة عزل المغرب عن محيطه المغاربي وتطويق المصالح المغربية وفق سردية ارتكزت بالأساس على عدة مسميات وذرائع من قبيل ” استقدام الصهيونية” للمنطقة، ” مقايضة فلسطين بالصحراء” وغيرها من الشعارات والادعاءات التي سرعان ما أتبث الواقع والاحداث عدم صدقيتها وزيفها.
على الأرجح، يمكن الإقرار أن تحركات الرباط الأخيرة تؤشر على” الانفراج” وعلى خروجها للتو من وضعية الارتباك واللايقين التي امتدت طيلة فترة الرئيس السابق بايدن بالتزامن مع الحرب على غزة، إذ صارت واثقة أكثر في اختياراتها، وتحاول جاهدة تجاوز تلك المرحلة، والاستثمار في الفرص المتاحة في الظرفية الراهنة، وبلغة السياسة والمصلحة، فالمملكة تجاوزت “عقدة الشريك الموثوق” في نظر الحلفاء، بعدما تمكنت من الحفاظ على ” الاتفاق الثلاثي” في ظرفية صعبة ومعقدة، وتحاول تبعا لذلك، أن تعوض ما فات بلغة أقرب إلى المنطق الاقتصادي وعينها اليوم على المكاسب المحتملة دوليا من خلال لعب أدوار محورية في منطقة الشرق الاوسط.
أما الشرط الخاص المرتبط بتفسير انخراط المغرب في الدينامية الجديدة المتعلقة بمجلس السلام، فهو يتقاطع مع الشرط العام، من حيث إعادة التموقع إقليميا ودوليا وفق معادلات القوة وإعادة قراءة التحالفات الراهنة بنزعة برغماتية، والمساهمة في إعادة تشكيل التوازنات، بغية تحقيق ثلاث أهداف استراتيجية على المدى القريب والمتوسط:
أولا، يعتبر انخراط المغرب في مجلس السلام هو امتداد طبيعي للاتفاق الثلاثي الموقع في دجنبر 2020 بين المغرب وأمريكا وإسرائيل، حيث لا تختلف “الاتفاقية الثلاثية” عن الاتفاقية متعددة الأطراف الخاصة بمجلس السلام إلا في بعض التفاصيل وموضوع الاتفاق، الأولى، ارتبطت بسياق زمني شكلت فيه “اتفاقية ابراهام” الإطار العام، لكن التوقيع كتب بمداد المصالح المتبادلة وبعيدا عن لغة العواطف والشعارات وفق سقف الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء مقابل استئناف العلاقة مع إسرائيل لكسر العزلة العربية وبناء تحالفات على الرقعة الافريقية.
أما مجلس السلام، فمن المحتمل أن يشكل قناة مباشرة للمغرب لخوض معركة تبادل المصالح بواقعية وجرأة بغية تحصين المكاسب المرتبطة بالوحدة الترابية، خاصة فيما يتعلق بتنزيل قرار مجلس الامن رقم 2797 الذي بمقتضاه صار مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الاطار الاممي الوحيد لتسوية النزاع.
وسط هذه المعادلة المعقدة، تسعى الرباط إلى تسريع وثيرة المحادثات تحت المظلة الامريكية، وكسب مساحات ونقاط جديدة مع الاخذ بعين الاعتبار عامل الزمن، سيما وأن الجزائر تراهن على كسب بعض الوقت في انتظار تسجيل اختراقات في مواقف القوى العظمى أو المراهنة على امتصاص الضغط في انتظار نهاية ولاية الرئيس الحالي.
ثانيا، إعادة التموضع الاستراتيجي بشكل شامل، تموضع تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد والتسلح، حيث باتت المملكة تراهن على امتلاك أدوات القوة وتوطين الصناعات العسكرية المرتبطة بالتكنولوجية الحديثة كأحد الخيارات الممكنة وفق السياق الراهن، حيت يأتي انخراط المغرب في الدينامية الدولية كرهان استراتيجي من الممكن أن يساعد على إعادة تشكيل موازين القوى على الرقعتين المغاربية والحوض المتوسطي، من خلال إحداث توازنات جديدة تمنع تشكل معادلات إقليمية من المحتمل أن تكون أداة ضغط على الرباط من الجارتين الجزائر واسبانيا.
تبدو الصورة مركبة، تحالفات تترتب عنها التزامات ومكاسب، وجزء من هذه المكاسب يرتبط استراتيجيا بتحديث الترسانة العسكرية، وامتلاك قدرات تدميرية وفق “نظرية الردع” توظف كرسالة غير مشفرة للأطراف، فالمملكة تدرك أن المكاسب السياسية متغيرة وغير ثابتة وتحتاج الى غطاء “عسكري” لن يتأتى الى بامتلاك الأسلحة المتطورة والقدرة على توظيف القوة للدفاع عن الوحدة الترابية والمصالح العليا.
ثالثا، يحاول المغرب توظيف موقعه الجديد من خلال مجلس السلام للدفاع عن القضية الفلسطينية، فبعدما شكل الاتفاق الثلاثي عبئا سياسيا وشعبيا بالتزامن مع الحرب على غزة، يشكل اليوم الانضمام إلى مجلس السلام فرصة مواتية للقيام بأدواره التاريخية في منطقة الشرق الأوسط، فالإعلان عن ارسال جنود ورجال أمن وإحداث مستشفى ميداني في غزة، هي خطوات من شأنها أن تعزز الدور المغربي في الدفاع عن الفلسطينيين و رد الاعتبار للموقف المغربي الذي تعرض للتشويش إبان التطبيع.
لكن على الأرجح، هذا الانضمام لم يأتي عبثيا وخارج السياق، بل، جاء بالتنسيق مع أمريكا وقوى إقليمية لم ترفع” الفيتو” في وجه المغرب كما فعلت مع بعض الدول. لذا، فالقبول بالدور المغربي هو اعتراف بمكانته ودوره المحوري، مما يؤشر كذلك، على إعادة ترتيب الأدوار والمحاور في تلك المنطقة الاستراتيجية في العالم.
في الأخير، رغم أن معادلات الصراع والمصالح معقدة ولا يمكن التنبؤ بمآلاتها وتداعياتها، ويصعب معها تحصين المكاسب بشكل دائم، إلا أن ارتباط الأهداف الاستراتيجية بمشاريع ومخططات وتصورات وخيارات رغم دقتها وأهميتها، فهو لا يشكل ضمانة لتفادي التقلبات والتحولات، إذ عادة ما تفرز وتطفو على السطح بعض الإشكالات التي تدخل في خانة “غير المتوقع”، هي مآلات وتداعيات من الممكن في بعض الأحيان أن تكون مكلفة ومليئة بالتحديات والمخاطر على الامن القومي ومصالح الدول، بالمقابل، وبلغة الواقع، من الصعب الحصول على المكاسب دون خوض بعض المغامرات أو المخاطر.
وارتباطا بالتوجهات الاستراتيجية للمملكة، فمن غير المستبعد أن تكون لتلك التوجهات في منطقة الشرق الأوسط ارتدادات يمكن اجمالها في ثلاث مستويات:
أولا: التموقع في ظل التحولات الراهنة بمنطقة الشرق الأوسط، خاصة في فلسطين سيدفع بعض الدول الإقليمية الى منافسة ومعاكسة الدور المغربي، إذ تنظر مصر إلى هذا التواجد بنوع من التوجس، خاصة وأن هذا الحضور يأتي في هذه الجغرافيا الحساسة بالتزامن مع التنافس المحموم على الرقعة الافريقية، وإعادة تشكيل تحالفات جديدة كالتعاون العسكري المغربي- الاثيوبي، بالإضافة للتمدد الإسرائيلي في القرن الافريقي، هي مؤشرات يمكن قراءتها كجواب على التحالف المصري-الإيراني –الجزائري، سيما وأن التنافس يجري وفق معادلات جديدة بالتوازي مع محاور قيد التشكل.
ثانيا: التوجه العسكري أو الأمني في منطقة ملتهبة وقابلة للاشتعال في كل لحظة، يشكل تحديا للمغرب، خاصة في ظل وجود نسق سياسي محكوم بعقيدة دينية عبرانية، وتيار يميني يؤمن بحتمية ضم ما تبقى من الضفة الغربية.
لذلك، فالتوجه الميداني عبر تجريدات عسكرية وأمنية وإن كانت بخلفيات تدريبية هي مسألة محفوفة بالمخاطر في ظل الحديث عن ضربة عسكرية أمريكية إسرائيلية مرتقبة ضد إيران، حيث من الممكن أن تغير هذه الضربة معالم المنطقة وارتداداتها ستستمر دون شك لسنوات.
وعلاقة بالضربة العسكرية المرتقبة ضد إيران، فمن غير المستبعد أن توثر سلبا على استقرار دول الخليج بالنظر الى تواجد قواعد عسكرية أمريكية، اذ تبعا لذلك، تصبح دول الخليج هدفا لإيران، وهو ما يجعل بعض حلفاء المغرب في وضعية صعبة، مما يفتح الباب أمام نشر قوات مغربية في إطار الاسناد والدعم اللوجيستي.
سيناريو قد يحتم على المغرب الانخراط في دعم أمن الخليج، لكن التواجد العسكري، وان على سبيل التدريب في غزة، يضع المملكة في خانة المحور السني الجديد الذي قد يتحول الى “درع عسكري” غير “مسيج سياسيا،” وهو الامر الذي لا يخدم مصالحه الاستراتيجية.
ثالثا: التواجد العسكري في غزة دون وجود غطاء سياسي ومؤسساتي يشكل دعامة رمزية كسلطة فلسطينية قوية، وفي ظل ” الصراع الداخلي بين الفرقاء”، مع استمرار “القيادة السياسية” لحماس بالخارج، وأخذا بعين الاعتبار القدرات والبنيات التحتية العسكرية لحماس رغم تراجعها وضعفها، كلها معطيات تجعل التواجد المغربي دون ضمانات حقيقية، مما يستدعي إعادة قراءة هذه المشاركة وفق محاذير وشروط لتجنب المخاطر المحتملة سواء في مواجهة طموح حماس بالعودة مدعومة بقوى إقليمية ترى في التواجد المغربي تهديدا لأمنها القومي، أو في مواجهة النزعة الإسرائيلية لضم غزة والضفة الغربية.
ختاما، فمن الضروري استحضار معطى أساسي يرتبط “بمعركة الصورة ” التي سيوظفها الخصوم والمنافسين من خلال استعمال المنصات الرقمية لشينطة” التواجد المغربي” ومحاولة تقزيم هذا الدور وتصوريه بطريقة سيئة، عبر بروباغندا شبيهة بالحرب الإعلامية والرقمية التي شنت ضد المملكة خلال كأس افريقيا الأخير في ظل افتقارها لاستراتيجية إعلامية من الممكن أن تشكل دعامة وقوة ناعمة للنفوذ والتمدد الاستراتيجي المغربي.
أستاذ العلوم السياسية، جامعة شعيب الدكالي، الجديدة
