تحقيق في “هآرتس” يستند إلى آلاف الوثائق الجديدة يكشف كيف استخدمت إسرائيل الإرهاب لتهجير الفلسطينيين عام 1948
يكشف تحقيق مطوّل نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية عن معطيات صادمة تستند إلى آلاف الوثائق التاريخية التي فُتح جزء منها مؤخرًا أمام الباحثين، وتسلّط الضوء على ممارسات العنف والقتل والتهجير القسري التي رافقت قيام دولة إسرائيل سنة 1948.
ويستند التحقيق، الذي أنجزه الصحافي والباحث آدم راز، إلى أرشيف واسع يضم أوامر عسكرية مكتوبة وشهادات ضباط وقادة في الجيش الإسرائيلي خلال حرب 1948، إضافة إلى وثائق ومحاضر محاكمات ومواد أرشيفية ظلت مخفية لعقود. وتكشف هذه المواد، بحسب التحقيق، عن سياسة ممنهجة استُخدم فيها الإرهاب والعنف المنظم ضد السكان الفلسطينيين، بهدف دفعهم إلى الفرار من قراهم ومدنهم، في ما يشكّل أحد أبرز فصول النكبة الفلسطينية.
كما تبيّن الوثائق أن عمليات القتل والترهيب وتدمير القرى لم تكن مجرد تجاوزات معزولة، بل جزءًا من ممارسات ميدانية جرى تنفيذها بعلم قادة عسكريين كبار، وفي سياق خطة أوسع لإفراغ مناطق واسعة من سكانها العرب.
ويكتسب هذا التحقيق أهمية خاصة لأنه يستند إلى وثائق إسرائيلية أصلية وشهادات من داخل المؤسسة العسكرية نفسها، ما يضيف بعدًا جديدًا للنقاش التاريخي حول أحداث عام 1948، ويعيد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة العمليات التي رافقت قيام الدولة الإسرائيلية والظروف التي أدت إلى تهجير مئات آلاف الفلسطينيين من أرضهم.
وفي ما يلي نص التحقيق:
قبل عامين، في أواخر مارس 2024، كانت عالمة الحيوان رونيت زيلبرمان تتنزّه قرب منزلها في حي “رمات هحايل” في تل أبيب. وعندما وصلت إلى شارع “هاغولان”، لفتت نظرها صناديق مكدّسة بآلاف الوثائق كانت قد تُركت إلى جانب حاوية قمامة. أثار الأمر فضولها، فبدأت تتصفّح المواد. أمام عينيها انكشف توثيق استثنائي في حجمه من أيام حرب 1948، شمل وثائق صُنّفت سرّية، وقوائم من عمليات داخل البلاد وفي دول مجاورة، وخرائط وصورًا تاريخية لم تُنشر من قبل (ومن بينها صور ترد في هذا التحقيق). مثل هذا الأرشيف، فكّرت زيلبرمان، جدير بأن يُفحص ويُحفظ في أرشيف منظّم. وعلى الرغم من ثقل الصناديق، تكبّدت زيلبرمان عناء نقلها إلى منزلها.
الخطوة التالية كانت التوجّه إلى معهد “عكيفوت” لأبحاث الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني. وما إن وصل البلاغ، حتى سارع كاتب هذه السطور إلى منزل زيلبرمان وجمع المواد. وسرعان ما تبيّن أنّها تشكّل مجموعة وثائق تعود إلى رافي كوتسر، أحد أوائل المقاتلين في لواء “غولاني” ومن مؤسّسي وحدة الكوماندوز في الكتيبة 12 التي تحوّلت لاحقًا إلى “سرية غولاني الاستطلاعية”. كان كوتسر قد قاد عدّة معارك عام 1948، وأصبح لاحقًا من مؤسّسي منظمة معاقي الجيش الإسرائيلي. جزء من الأرشيف كان شخصيًا، وضمّ يوميات وملاحظات وملخّصات. وجزء آخر وثّق نقاشات حزب “مبام”، بما في ذلك مسائل تتعلّق بالسلاح النووي وبالحكم العسكري. غير أنّ القسم الأهمّ تعلّق بحرب 1948.
ومن بين الوثائق التي أُلقيت في القمامة برز مستند كتبه يتسحاق بروشي، قائد الكتيبة 12 إبّان الحرب. إنها أوامر صدرت في يوليو 1948 صاغها بروشي لقادة السرايا في “غولاني” الذين كانوا يقاتلون آنذاك في شمال البلاد، وحملت عنوان: “السلوك في القرى المحتلّة المأهولة بالسكان”. ما تتضمنه هذه الأوامر لا يشبه ما ترويه كتب التاريخ الإسرائيلية.
كتب بروشي للقادة العسكريين أنه بعد احتلال قرية عربية ستُصدر للسكان بطاقات هوية. وإذا سلّم أحد السكان بطاقته إلى شخص آخر، يجب إطلاق النار عليهما معًا. وإذا لم يمثل أحد سكان القرية في الموعد المحدد للفحص العسكري، فيُطلق عليه النار ويُفجَّر منزله. وإذا عُثر في القرية على “عربي غريب عن القرية”، فيجب إطلاق النار عليه فورًا. وكقاعدة عامة، ينبغي إطلاق النار على “كل رجل عاشر” في قرية مُحتلة يُعثر فيها على غرباء. كذلك يجب إعدام جميع الرجال في البيت الذي يُعثر فيه على ممتلكات سُرقت من يهود.
ووفقًا للأوامر، كان يُقضى بتدمير القرى تدميرًا كاملًا، غير أنّ ذلك لم يكن يُعدّ كافيًا في بعض الحالات. ففي ما يتعلّق بعرب الذبح، وهي جماعة بدوية كانت تقيم في الجليل الأسفل، جرى التشديد على محو وجودهم تمامًا. وجاء في نص الأوامر حرفيًا: “يجب قتل كل عربي من الذبح”. لم تكن هذه تعليمات شفهية أو روايات متناقلة، بل أوامر مكتوبة بوضوح، وقّعها بروشي بخط يده.
في أمرٍ آخر يعود إلى يوليو 1948، وجّه بروشي جنوده إلى البحث عن عربٍ اختبأوا في منطقة جبل طرعان في الجليل الأسفل بعد احتلال المكان. وأمرهم بـ”قتل كل مختبئ”. كما نصّ أمرٌ إضافي عُثر عليه ضمن مجموعة وثائق كوتسر على أنّ “عربًا بأعداد قليلة يتجوّلون في القرى”، على ما يبدو لجمع ممتلكات وطعام. ووفقًا لذلك الأمر، ينبغي “تطهير المنطقة من العرب”. وتحت عنوان “الطريقة” جاء: “كل عربي يُصادَف (هكذا في الأصل) يجب إبادته”.
***
مرّ ما يقارب ثمانين عامًا على حرب 1948، ومع ذلك لا تزال مواد كثيرة في الأرشيفات مغلقة. هذه السرّية الإسرائيلية أبقت واحدة من الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالحرب معلّقة: هل فرّ نحو 800 ألف عربي بمبادرة منهم وبتوجيه من قياداتهم، أم جرى ترحيلهم قسرًا؟ وإذا كانوا قد رُحِّلوا، فما الدور الذي لعبته المجازر وعمليات القتل في تسريع عملية الطرد؟ (وغالبًا ما يُغفل في هذا النقاش أنّ إسرائيل منعت العرب من العودة ودمّرت قراهم، وبذلك ضمنت استمرار تهجيرهم).
بالنسبة إلى كثير من الإسرائيليين، إذا كان العرب قد فرّوا، فإن إسرائيل لا تتحمّل مسؤولية المأساة الفلسطينية. أمّا إذا كانت قد طردتهم، وإذا لم يتردّد جنود الجيش الإسرائيلي في سفك دم من رفض المغادرة، فإن ظلًا ثقيلًا يخيم على أيام قيام الدولة. وإذا لم يكن “طهارة السلاح” في صدارة اهتمامات قادة الجيش، بل هاجس النقاء العرقي، فإن الذاكرة التاريخية في إسرائيل تقوم على سردية زائفة.
من بين الملفات التي رُفع الحظر عنها وتشكل أساس هذا التحقيق، يُعدّ ملف شموئيل لاهيس الأبرز. كان لاهيس قائد سرية في لواء “كرميلي”، وأقدم بيديه على قتل عشرات من سكان قرية حولا، المجاورة لكيبوتس منارة على الجانب اللبناني من الحدود. وهو الجندي الوحيد الذي حوكِم بتهمة قتل عرب خلال حرب 1948، وذلك بإصرار من نائب قائد الكتيبة، دوف يرميا، على محاسبته. لاهيس قال إنه تصرّف وفق أوامر قادته، وحُكم عليه بالسجن عامًا واحدًا. عمليًا لم يُرسل إلى السجن، بل أمضى فترة قصيرة في قاعدة عسكرية، ثم حصل سريعًا على عفو. لاحقًا عُيّن مديرًا عامًا للوكالة اليهودية.
القاضي جدعون إيلات، أحد أعضاء هيئة المحكمة، أشار إلى أن فظائع أشد وقعت خلال الحرب، وأبدى دهشته من أن لاهيس وحده قُدّم للمحاكمة. وكتب أنه لم تُتخذ إجراءات إزاء “جرائم حرب كثيرة ارتكبها قادة وجنود”، ما يوحي بأنه رأى في لاهيس كبش فداء. كلام إيلات لم يكن معزولًا؛ خط دفاع لاهيس، القائم على أنه نفّذ أوامر، حظي بدعم عدد من الضباط الكبار الذين أدلوا بشهاداتهم. هذه الإفادات تُنشر هنا للمرة الأولى، وتصدر في كتاب عن معهد “عكيفوت”. من بين الشهود مردخاي مكلف، ضابط العمليات في الجبهة الشمالية، الذي سيُعيَّن بعد أربع سنوات رئيسًا لأركان الجيش. قال مكلف: “كانت هناك عمليات جرى فيها القضاء على العدو المحتمل، أي على مدنيين. مثلًا في صفصاف، الجش، عيلبون، اللد، الرملة، وفي الجنوب على نطاق أوسع. الهدف كان الطرد. لا يمكن طرد 114 ألف شخص كانوا يعيشون في الجليل من دون إرهاب، وكان لا بد من عنصر إرهاب أولي كي يرحلوا”.
مكسيم كوهين، قائد لواء “كرميلي” خلال الحرب، قدّم شهادة قاسية بدوره: “كيف تُفرغ قرية؟ تُقطع أذن أحد العرب أمام الجميع، فيفرّون جميعًا. عمليًا لم تُخلَ قرية من دون طعن أحد في بطنه أو وسائل مشابهة. انتصرنا بفضل الخوف الذي شعر به العرب، وقد خافوا من أفعال ليست قانونية”.حاييم بن دافيد، ضابط العمليات في لواء “كرميلي” ولاحقًا لواء في الجيش والسكرتير العسكري لبن غوريون، قال إن طرد السكان العرب كان أمرًا مألوفًا، وإن “تطهير المنطقة يتجلّى في عمليات قتل” تبعًا للظروف. وأضاف: “في أوامر العمليات كنا نحرص على عدم ذكر القتل، والتعليمات المتعلقة بالسلوك كانت تُعطى شفهيًا لقادة الكتائب”. ووفقًا له، لم تدعُ الأوامر المكتوبة الصادرة عن القيادة العامة إلى تدمير القرى، لكن ما جرى على الأرض تمّ “بعلم القيادة العليا”. وماذا لو أصرّ ساكن عربي على البقاء في بيته؟ “يتلقى رصاصة”، قال بن دافيد. “كنا نعرف القوانين الدولية، لكنني أعلم أيضًا أننا في مرات كثيرة لم نلتزم بها. استخدمنا وسائل غير قانونية”، وأوضح أن هذه الوسائل وُجّهت كذلك ضد النساء والأطفال. كما أدلى بالشهادة قائد اللواء السابع يوسف إيتان، الذي سيُعيَّن لاحقًا قائدًا للمنطقة الوسطى. وتطرق إلى الفجوة بين الأوامر المكتوبة والتعليمات الشفهية، فقال إنه لم يرَ أمرًا مكتوبًا “بإبادة كل نفس حية”، “لكن كإشارات وتلميحات، نعم”. وأضاف أن قادة الميدان كانت لديهم “صلاحية تفسير الأمر”، موضحًا أن “جنودنا قضوا على سكان” تنفيذًا لأوامر تلقّوها.
“حصل أن جرى القضاء على العدو المحتمل، أي على مدنيين. في صفصاف، الجش، عيلبون، اللد، وفي الجنوب على نطاق أوسع. كانت الغاية الطرد. لا يمكن طرد 114 ألف شخص من الجليل من دون إرهاب، وكان لا بد من قدر أولي من الإرهاب كي يرحلوا”. ـ مُردخاي ميكلف، ضابط العمليات في الجبهة الشمالية، ولاحقًا رئيس أركان الجيش
يسرائيل كرمي، قائد كتيبة في اللواء السابع، روى وقائع احتلال بئر السبع، وأوضح أن الأسلوب كان قتل المدنيين الذين يعارضون التهجير، وأن هذه الطريقة اعتُمدت في الشمال والجنوب على حد سواء. وقال في شهادته: “أنا احتللت المدينة. أثناء تطهير المنطقة أصدرتُ أمرًا بالقضاء على كل من يظهر في الشوارع، سواء قاوم أم لم يقاوم. صدر أمر بإبادة كل شيء. بعد احتلال مركز الشرطة ـ بعد الاستسلام ـ توقّف القتل. حتى ذلك الحين قُتل الجميع: نساء وأطفال والجميع. ثم صدر أمر للناس بالتوجه إلى الخليل. من لم يذهب، ‘أُزيل’ (علامتا التنصيص في الأصل)”.
ملف آخر فُتح للاطلاع يتناول جنودًا اغتصبوا وقتلوا فتاة بدوية في الجنوب عام 1949. وتُظهر وثائق الملف كيف استُخدم قتل المدنيين ليس فقط لتسريع التهجير، بل أيضًا لمنع عودة العرب إلى أراضيهم. أمر عمليات كُتب ووزّع على المقاتلين بعد وقت قصير من اتفاقات وقف إطلاق النار نصّ على “إطلاق النار على كل عربي يوجد في المنطقة حتى خط الهدنة”. ووقّع عليه: “أ. روزنبلوم. نقيب. قائد الخط”.
ـ إحدى الوثائق التي عُثر عليها. “كانت هناك عمليات جرى فيها القضاء على أعداء محتملين، أي مدنيين”
وجاء في الحكم الصادر في القضية أن الأوامر التي أُعطيت للمقاتلين كانت “من دون أي قيد — إطلاق النار على كل عربي، وبالتالي لا فرق إن كان رجلًا أو امرأة، مسلحًا أم غير مسلح، هاربًا أم رافعًا يديه مستسلمًا. إذا رأيت عربيًا أثناء الدورية، فعليك أن تطلق النار عليه”. وبناءً على ذلك، أوضح القضاة أنه يصعب تحميل الجنود مسؤولية القتل، وأن المساءلة ينبغي أن تقتصر على جريمة الاغتصاب: “لو أن الضابط قتل العربية في المكان بدل أن يأخذها معه، فربما لم يكن ليُعدّ مذنبًا أصلًا”.
ملف آخر أُتيح الاطلاع على وثائقه يتناول قتل ثلاثة عرب مسنين ـ امرأتين ورجل ـ في قرية البرج جنوب الخليل. في يوليو 1948 احتُلّت القرية، وبعد ثلاثة أشهر احتار الجنود في كيفية التخلص من أربعة عرب بقوا فيها. الجندي آريه بن شِم من الكتيبة 143 قال إن أحد الأربعة كان يعمل في مطبخ الجنود، فتقرر الإبقاء عليه. أما الثلاثة الآخرون، فبحسب شهادته، أمر الملازم يوسف فيشل بإدخالهم إلى أحد المباني وإطلاق قذيفة “بيات” عليه. “أنهِهم”، قال فيشل.
وعندما أخطأت القذيفة المبنى، تقرر إلقاء قنابل يدوية داخله ثم إضرام النار فيه. وقال أحد الجنود في شهادته: “عندما دخلتُ البيت، كان أحدهم يحتضر فأطلقتُ عليه رصاصة. كانوا ممددين على الأرض. ركلتُ الاثنين الآخرين بأقدامي. لم يستجيبوا”. وشهد جندي آخر بأن “تصفية عرب بأمر من صاحب سلطة لم تكن أمرًا مفاجئًا، إذ سمعت عن حالات كثيرة جرى فيها الأمر على هذا النحو”.
وعلى خلاف لاهيس، الذي حوكم بتهمة القتل على مجزرة حولا، قُدّم فيشل للمحاكمة وأدين بمحاولة قتل. وأوضحت المحكمة أن النيابة قصّرت في أداء دورها ولم تسعَ لإثبات وقوع جريمة قتل أصلًا. وحُكم على فيشل بالسجن 60 يومًا ـ ثم شُدّد الحكم في الاستئناف إلى عام واحد ـ مع الإشارة إلى أن المتهم كان يمكن أن يعتقد أن أفعاله مبرَّرة أخلاقيًا وعسكريًا.
أما محامي فيشل فاستغرب: “على ماذا سيُسجن؟ لأنه بالغ في أفعاله؟ لقد أدّى واجبًا غير سارّ، وتصرف بدوافع في غاية النقاء. ليس ضابطًا واحدًا من يجب أن يُعاقَب — بل مدرسة كاملة”.
***
حقيقة أن القتل والتهجير القسري كانا جزءًا من “نهج راسخ” جرى طمسها على مرّ السنين، ولم تظهر في الأبحاث إلا نادرًا. وحتى حين ظهرت، انصبّ التركيز على عملية حيرام لاحتلال الجليل، التي نُفذت في نهاية الحرب. لكن الممارسات التي يعرضها هذا التحقيق بدأت فعليًا في مرحلة الحرب الأهلية (من نوفمبر 1947 حتى مايو 1948)، وتصاعدت أكثر في مرحلة الحرب الإقليمية التي تلتها. وتضخّمت أعمال العنف منذ أبريل–مايو 1948، عندما انتقلت “الهاغاناه” إلى الهجوم. خلال هذين الشهرين سقطت معظم المدن الفلسطينية، وهُجّر سكانها، ثم احتُلّت مئات القرى في الأشهر التالية.
أحد أقدم الإشارات إلى التهجير القسري في البحث التاريخي ورد في دراسة موسعة عن عملية حيرام أعدّها في خمسينيات القرن الماضي الرائد يتسحاق موداعي، الذي أصبح لاحقًا وزيرًا للمالية. الدراسة كُتبت لقسم التاريخ في الجيش الإسرائيلي واستندت إلى وثائق داخلية، ولم تكن موجهة للنشر. ويذكر موداعي أن يغئال يادين، الذي شغل منصب رئيس شعبة العمليات العسكرية وعُيّن لاحقًا رئيسًا للأركان، حدّد في أمر مكتوب وبصراحة تامة: “لسنا معنيين بسكان عرب داخل حدود دولة إسرائيل”.
كما أورد موداعي أنه في المراحل الأخيرة من العملية أبلغ قائد المنطقة الألوية والمناطق بما يلي: “افعلوا كل ما بوسعكم لتطهير سريع وفوري للمناطق المحتلة من جميع العناصر المعادية. ووفقًا للأوامر الصادرة، ينبغي مساعدة السكان على المغادرة”. وخلص إلى أن قوات الجيش سعت إلى إخلاء الجليل من سكانه العرب، “وغالبًا ليس بوسائل قانونية أو لطيفة”.
أمر التهجير الذي اقتبسه موداعي في الخمسينيات كُتب بيد قائد الجبهة الشمالية، اللواء موشيه كرمل. وقد فُتح هذا الأمر للاطلاع من قبل الجمهور في أواخر التسعينيات في أرشيف الجيش، واعتمد عليه المؤرخ بيني موريس في كتابه “تصحيح خطأ”. في كتابه الرائد من أواخر الثمانينيات، “ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، 1947–1949″، أشار موريس إلى التهجير ووصف الوضع آنذاك بأنه “حالة فوضوية من غياب توجيه مركزي وسياسة متسقة”. لكنه عاد في كتابه اللاحق ليصحح هذا التقدير، مستندًا إلى أمر كرمل الذي كُشف عنه، وفيه تأكيد صريح بأن إبعاد السكان “أمر ملحّ للغاية”.
في هذه الأثناء، أُعيدت أوامر التهجير إلى العتمة في أرشيف الجيش، ومعها وثائق أخرى تشير إلى جرائم حرب. ولإدراك مدى ندرة الشهادات والأوامر الواردة في هذا التحقيق، لا بد من التوقف عند سياسة الإخفاء التي تنتهجها إسرائيل. فمن أصل 17 مليون ملف محفوظة في أرشيف الدولة وأرشيف الجيش وأجهزة الأمن، أكثر من 16 مليونًا غير متاحة للجمهور.
وثيقة داخلية لأرشيف الجيش، ظلت محجوبة حتى قبل سنوات قليلة وكشفها معهد “عكيفوت”، شرحت للعاملين في الأرشيف ما ينبغي حجبه. من بين ذلك: “مواد قد تسيء إلى صورة الجيش كقوة احتلال تفتقر إلى أسس أخلاقية، أو تتضمن سلوكًا عنيفًا تجاه السكان العرب وأعمال قسوة (قتل، اغتيال)”. كما شددت على عدم كشف مواد تتعلق بـ”طرد العرب” أو بـ”أوامر إطلاق النار على المتسللين” — أي العرب الذين حاولوا العودة إلى قراهم. وطلبت أيضًا حجب مواد عن “سوء معاملة أسرى خلافًا لاتفاقية جنيف (قتل)”، بل وحتى توجيهات بـ”عدم الالتفات إلى الأعلام البيضاء”.
جهود الإخفاء لم تقتصر على الأرشيفات الرسمية، بل امتدت إلى أرشيفات حزبية ومجموعات خاصة كانت تشكل مصدرًا بديلًا للباحثين والصحافيين. خلال العقدين الأخيرين، تنقل موظفو “المسؤول عن الأمن في المؤسسة الأمنية” بين الأرشيفات وأغلقوا ملفات حساسة أمام الاطلاع، من دون سند قانوني واضح. المحكمة العليا بدورها أيدت سياسة الإخفاء. فعندما طُلب منها السماح بنشر وثائق وصور من مجزرة مجزرة دير ياسين، رفضت الالتماس، وقبلت الادعاء بأن الكشف قد يضر بالسياسة الخارجية لإسرائيل و”بعلاقاتها مع الأقلية العربية”، بحسب نص الحكم.
حتى محاضر جلسات الحكومة ذات الصلة لم تُنشر كاملة رغم مرور ما يقارب ثمانين عامًا، وإن فُتح جزء من المداولات في السنوات الأخيرة تحت ضغط على أرشيف الدولة. ففي نقاش حول أوامر “تطهير المنطقة”، قال الوزير يتسحاق غرينبويم إن “من ينظر إلى هذه الأمور من الخارج لا يستطيع إيجاد تفسير لهروب العرب. من المعقول أنهم دُفعوا إلى الفرار بسبب السلب والاغتصاب والقتل والطرد”. وطلب وقف عمليات الترحيل. أما الوزير مردخاي بنتوف فقال في إحدى الجلسات: “من السهل أن نُهجّر، هتلر كان الأول”، مضيفًا أن “كل ما نفعله يتعارض مع الاتفاقيات الدولية”. واعتبر الوزير موشيه حاييم شبيرا أن عنف المقاتلين الإسرائيليين تجاه العرب تحول إلى وباء.
***
من بين الأمور التي تتكرر في الوثائق التي سُمِح الآن بنشرها، تبرز تعليمات واضحة بعدم أخذ أسرى. ويتضح أن تعريف “الأسرى” كان واسعًا جدًا، وامتد أحيانًا ليشمل نساءً وأطفالًا أيضًا. هذه المسألة شكّلت جزءًا من خط الدفاع الذي تبنّاه المتهم لاهيس، إذ قال إن نقل سكان القرية التي احتُلّت إلى قاعدة خلفية كان “مخالفًا للأمر” الذي تلقّاه من قائده، والذي نصّ على “أننا لا نحتاج إلى أخذ أسرى، وأن علينا تطهير المنطقة كلها من العدو”.
“أنا احتللت بئر السبع. أصدرت أمرًا بقتل على كل من يخرج الى الشارع، سواء قاوم أم لم يقاوم. قتل الجميع. بعد استسلام المدينة توقّف القتل. حتى ذلك الحين قُتل، رجال، نساء وأطفال، بلا إستثناء. بعدها طُلب من الناس التوجه إلى الخليل. من لم يذهب، تم تصفيته.”
ـ يسرائيل كرمي، قائد كتيبة في اللواء السابع
أفاد ضابط العمليات حاييم بن دافيد من لواء “كرميلي” أن التعليمات في هذا الشأن نُقلت إلى الجنود شفهيًا، وأن الرسالة كانت واضحة تمامًا. قال: “كان الأمر مفهومًا للجميع. لم يسأل أحد ماذا يعني ألّا نأخذ أسرى”. وبحسبه، خلال الحرب لم يُعتبر الشبان “مدنيين”، وكان بالإمكان قتلهم. الجندي يتسحاق سوروكا أوضح أن الأوامر نصّت على قتل الرجال الذين لا يفرّون من القرى. وعندما سُئل عن الأعمار، قال إنه تلقّى في إحدى المرات “أمر مهمة يحدّد السن ابتداءً من 15 عامًا”.
كما تطرّق ضابط استخبارات يُدعى يعقوب د. (حُجب اسمه الكامل عند فتح الوثائق) إلى قتتل عرب اعتُقلوا في القرى، وقال: “هذا أمر واضح ومعروف لي من دورة ضباط الاستخبارات — عندما يُقال إنه لا ينبغي أخذ أسرى، فالمقصود ليس طردهم، بل قتلهم”. وأضاف أنه في الحالات التي أُخذ فيها أسرى، جرى قتلهم لاحقًا. وذكر أن القادة تلقّوا توجيهات بقتل من يبقى في القرى، وأن ذلك نُفّذ فعليًا “في غير قرية”.
كثيرًا ما تطرّق الشهود إلى مسألة القانون الدولي. قال بن دافيد: “كنا نعرف القوانين الدولية، لكنني أعلم أيضًا أننا في مرات كثيرة لم نلتزم بها. استخدمنا وسائل غير قانونية”. ووفق شهادته، جرى ذلك بموافقة القيادة العليا، بل بأوامر منها. مردخاي مكلِف قال إن الجنود لم يكونوا يعرفون ما الذي تنص عليه اتفاقية جنيف، بينما أشار قائد اللواء السابع يوسف إيتان إلى أنه ربما وُزّع على الوحدات كتيّب عن “قوانين لاهاي”، “لكننا لم نولِ الأمر اهتمامًا خاصًا”. أما يسرائيل كرمي، قائد كتيبة في اللواء االسابع، فأقرّ بأن التعامل مع الأسرى لم يكن “وفق اتفاقية جنيف”، وقال قائد اللواء مكسيم كوهين إنه حتى في أيام “الهاغاناه” صدرت أوامر تقضي بـ”قتل عرب غير مسلحين”.
وأضاف كرمي أنه في بعض الأحيان كانت تُعطى تعليمات “بعدم إثقال كاهل الاستخبارات”، والمقصود بذلك قتل من يتم اعتقالهم. وبالنسبة له، فإن كل “رجل له يدان ورأس يشكّل خطرًا”، وكان يقرر مصيرهم “بحسب الوجوه”، بين الرحمة والهلاك. وإذا انطبعت لديه قناعة بأن من أمامه خطر، كان يقتله في الحال.
وإلى جانب قتل الأسرى، تكشف الوثائق في أكثر من حالة عن قتل مدنيين حاولوا العودة إلى قراهم بعد احتلالها. من ذلك مواد محاكمة جرت عام 1951 تناولت قتل مدنيين عرب في بلدة مجدل عسقلان — أشكلون اليوم — عام 1949. تمحورت القضية حول جنود من سرية تمركزت في المكان لمنع عودة العرب إلى البلدة. وخلصت المحكمة إلى أن “الجنود كانوا ينفلتون أحيانًا. وكان بينهم من اعتقد أنه حر في أن يفعل بالعرب، خصوصًا المتسللين، ما يشاء”. ووفق شهادات عدّتها المحكمة موثوقة، كان قتل العرب “يُعتبر قانونيًا” في نظر الجنود، بل إن من يقتل كان يُنظر إليه بين رفاقه باعتباره “شابًا جدعًا”.
وتناول الحكم حادثة تسلل فيها شبان عرب إلى مجدل عسقلان لزيارة ذويهم الذين بقوا في البلدة. الجنود الذين ألقوا القبض عليهم أعدموهم. وبصورة نادرة، وبما أن الأهل بقوا داخل حدود إسرائيل، فقد أدلوا بشهادتهم أمام المحكمة. قال الأب: “ابني جاء من غزة إلى بيتي في المجدل (عسقلان). قلت له: بعد انتهاء حظر التجول سأُسلّمك لليهود”. ثم وصف كيف عثر على جثة ابنه: “رأيت طلقات في صدره وثلاث أو أربع رصاصات في رأسه وظهره. أُغمي عليّ وسقطت. وكانت على جسده آثار ضرب”.
***
الشهادات التي يوردها هذا التحقيق لم تأتي من فراغ. خلال الخمسة عشر عامًا الماضية صدرت موجة من الأعمال التي تناولت تهجير العرب عام 1948، لكنها لم تتجمع في رواية واحدة متماسكة، ولم تُحدث نقاشًا عامًا واسعًا. بعض هذه الأعمال لم يُترجم حتى إلى العبرية.
المواد جاءت من مصادر متعددة: دراسات إسرائيلية مثل أبحاث ألون كونفينو وشاي حزكاني، وأخرى فلسطينية مثل أعمال صالح عبد الجواد وعادل مناع؛ روايات عربية لكتّاب مثل إلياس خوري وسلمان ناطور؛ تحقيقات صحافية، بينها ما نشرته هاغار شيزاف في هذا الملحق؛ كتب غير روائية مثل “My Promised Land” لآري شافيت، الذي تناول طرد عرب اللد؛ أفلام وثائقية مثل “1948 — لنتذكر ولننسَ” لنيتاع شوشاني، و”طنطورة” لألون شفارتس، و”على جدول الأعمال: محو” لعينات فايتسمان؛ إضافة إلى نشاط منظمات مجتمع مدني مثل “زوخروت” ومعهد “عكيفوت”. صورة
كتاب آري شافيت، الذي أثار صدى واسعًا في الولايات المتحدة ولم يُنشر بالعبرية، يسرد بتفصيل قضية احتلال اللد استنادًا إلى سلسلة طويلة من المقابلات مع قادة جيش وجنود. يروي شافيت كيف سقطت المدينة سريعًا، ثم جُمِع آلاف السكان في مسجدين وكنيسة. في اليوم التالي دخلت إلى المدينة، عن طريق الخطأ، مدرعتان أردنيتان، ما أشعل موجة جديدة من العنف بعدما ظنّ بعض السكان أن قوة عربية جاءت لنجدة البلدة. ردّ الجيش بإطلاق نار عشوائي، وإلقاء قنابل يدوية داخل البيوت، وإطلاق قذيفة “فيات” على أحد المسجدين حيث احتمى جمع من الأهالي. ويورد شافيت اعترافًا على لسان الجندي الذي أطلق القذيفة، ويخلص إلى أنه خلال ثلاثين دقيقة قُتل نحو 200 مدني. ثم يضيف أنه بعد أن هدأ إطلاق النار، أمر بن غوريون يغئال ألون بطرد السكان. وينقل أمرًا خطيًا لإسحاق رابين إلى لواء يفتاح، عُمّم بعد ذلك بقليل: “يجب طرد سكان اللد بسرعة، من دون اعتبار لأعمارهم”.
قذيفة “الفِيات” التي يذكرها شافيت تَرِد أيضًا في مواد محاكمة لاهيس المنشورة هنا. فبحسب قائد الكتيبة يسرائيل كرمي: “في اللد أُدخل مئات العرب إلى المسجد وأُطلقت قذائف فيات إلى داخله”.
ويتطرق فيلم “1948 ـ لنتذكر ولننسَ” للمخرجة نيتاع شوشاني إلى ما جرى في اللد. ينقل الفيلم مقطعًا من يوميات مشتركة لجنود في لواء يفتاح: “بعد الإفطار ظهر فجأة مدرعتان للعدو وبدأتا بالاقتراب. على الفور برزت فوهات البنادق من كل نافذة. تمرّد. تغلّبنا على العدو، لكن سقط نحو 15 جريحًا وثلاثة قتلى. اشتعل الرفاق غضبًا، وكانوا مستعدين للقتل في الحال. صدرت أوامر بإجراء تطهير شامل، ونُفّذ التطهير. رائحة نتنة صعدت ولفّت كل زاوية. بقية اليوم مرّت بهدوء نسبي، عدا الفرح الذي صنعناه”.
كما تعرض شوشاني في فيلمها شهادة قاسية تسلّط ضوءًا إضافيًا على إحدى أكثر وقائع الححرب فظاعة ـ مجزرة الدوايمة في منطقة “لخيش”. هذه الشهادة، التي سبق أن لفتت انتباه مؤرخين، أُخفيت لاحقًا من قبل موظفي جهاز الأمن. وهي رسالة كتبها ناشط من حزب “مابام” يُدعى ش. كابلان إلى محرر صحيفة “عال همشمار” إليعزر بيري، ينقل فيها شهادة عيان لجندي اسمه مئير عفرون: “الجندي، وهو من جماعتنا، مثقف وموثوق مئة في المئة، وصل إلى القرية فور احتلالها. لم تكن هناك معركة ولا مقاومة. القتلة الأوائل قتلوا بين 80 و100 عربي، نساءً وأطفالًا. أحد القادة أمر خبير متفجرات بإدخال امرأتين عربيتين مسنتين إلى منزل معين وتفجيره عليهما. جندي آخر تفاخر بأنه اغتصب امرأة عربية ثم أطلق النار عليها.امرأة عربية كانت تحمل رضيعًا لم يتجاوز يومه الأول أُجبرت على أعمال التنظيف. أبقوها تخدمهم ليوم أو يومين، ثم أطلقوا النار عليها وعلى طفلها.
“كيف تُفرِّغ قرية من أهلها؟ تقطع أذن أحد العرب أمام الجميع، فيفرّون كلهم. لم تُخلَ قرية من دون طعن أحد في بطنه أو استخدام أساليب مشابهة. انتصرنا فقط بفضل الخوف الذي زرعناه فيهم، وهذا الخوف جاء من أفعال لم تكن وفق القانون.”
ـ مكسيم كوهين، قائد لواء “كرميلي”
فيلم وثائقي آخر هو “الطنطورة” للمخرج ألون شفارتس أضاف معطيات مهمة حول المجزرة التي وقعت في القرية الساحلية. يعرض شڤارتس في فيلمه شهادات مباشرة. قال أحد قدامى لواء ألكسندروني: “لم أتحدث مع أحد عن ذلك. ماذا أقول، إنني كنت قاتلًا؟” وجاء في شهادة أخرى: “أحدهم أخذهم وقتلهم داخل الحظائر. ما جرى في طنطورة كان فوضى مرعبة”. شاهد ثالث قال ببساطة: “قُتل كثيرون. أنا دفنتهم”.
وفيما تناول عدد من المخرجين اليهود النكبة في أفلام وثائقية، اختار كتّاب عرب أن ينقلوا ذاكرة الناجين عبر الأدب. هذا الشكل السردي، الخالي من الهوامش والمراجع، أتاح لمؤرخين إسرائيليين التنصل من تلك الشهادات ووصمها بعدم الموثوقية. في كتابه “الذاكرة تحدّثني وترحل” الذي صدر قبل نحو عقد، قدّم سلمان ناطور مشهد إعدام يكاد يطابق ما ترويه الوثائق التي يستند إليها هذا التحقيق. في المقطع المترجم إلى العبرية بقلم يهودا شنهاف-شهراباني، يُروى ما حدث في قرية دخلها جنود لتوّهم:
“ارفعوا أيديكم!” رفعوا أيديهم. “اركعوا!” ركعوا على الأرض. “قفوا!” وقفوا. “سلّموا السلاح!” لم يكن معهم سلاح. “أنت، وأنت، وأنت، وأنت. تعالوا معي.”
أربعة شبان لم يبلغوا الثلاثين. أمر أحد الجنود بأن يأخذهم بعيدًا. ابتعد بهم نحو خمسين مترًا. “ارفعوا أيديكم. وجوهكم إلى الحائط.” تراجع خطوات قليلة وضغط الزناد. سُمع همس: “اصمتوا… اصمتوا يا حمير.”
طَلْقة. أخرى. ثالثة. رابعة. وبعد لحظات كانت الجثث ممددة أمام الأعين.
وهذه شهادة أخرى، تكاد تكون انعكاسًا مباشرًا، لجندي عن مجزرة حولا، من محاكمة لاهيس: “الملازم أول شموئيل لاهيس طلب مني خمسة عشر رجلًا من السكان العرب. انتقى الشبان بنفسه. قال لي أن آخذهم إلى بيت منفرد في القرية. كان قائد السرية يحمل مسدسًا ورشاش “ستِن”، وأنا كانت معي بندقية. عندما وصلنا، أبلغتهم بأمره أن يولّوا وجوههم إلى الحائط. استداروا نحو الحائط. ثم طلب مني لاهيس أن أسألهم أين السلاح. قالوا إنه لا سلاح لديهم. عندها بدأ يطلق النار عليهم بالستِن. أطلق رشقات متتالية، وكانوا يصرخون ويتوسلون، ثم سقطوا أرضًا. الصراخ والتوسلات لم تؤثر في أحد”.
وفي شهادته قال لاهيس إن قائد الكتيبة أبراهام بيلِد قرر أن السرية “ستخرج لتثأر لرفاقها”. ولاهيس نفسه توجّه إلى الجندي إفرايم هوبرمان قائلًا: “إذا أردت الانتقام، ما زال هناك عرب أحياء، خذهم وانتقم”.
أما المؤرخ شي حزكاني ففي كتابه “مولدِت يِكارا (أي: وطني العزيز) — حرب 1948: الرسائل المحجوبة”، فيورد رسالة خاصة لجندية زارت الجليل، تسلط ضوءًا آخر على مناخ الانتقام. كتبت: “احتلال كهذا لم يفعله الشيطان، الجثث بلغت حد الركبتين”. انتقدت سلوك الجنود ووصفت ما جرى بأنه “وحشية مروعة”، لكنها أضافت أنها تتفهمهم بسبب ما عاناه “المستوطنين الأوائل في الجليل. من حقهم أيضًا أن ينفجروا ويقتلوا هكذا، بدافع الانتقام واللذة”.
***
القراء بالعبرية المهتمون بتاريخ الحرب اطّلعوا على أعمال مؤرخين ومخرجين وثائقيين إسرائيليين. لكن ماذا عن كتّاب التاريخ الفلسطينيين؟
لسنوات طويلة أحجم باحثون فلسطينيون عن جمع الشهادات والخوض في فظائع الحرب. تعددت الأسباب: الانشغال بالصمود والبقاء في السنوات التي تلت التهجير، تركيز الجهد على النضال والعمل الوطني، الخشية من ملاحقة إسرائيل لمن يتكلم، الشعور بالعار، إضافة إلى تشتّت الشعب الفلسطيني في أنحاء العالم، من الشرق الأوسط إلى التشيلي. ومع مرور عقود على النكبة، برز من بادروا إلى توثيق شهادات الناجين، وكسروا ذلك الصمت الطويل.
قائد كتيبة في لواء غولاني عمّم أمرًا خطيًا يقضي بإطلاق النار على كل رجل عاشر في قرية محتلة يُعثر فيها على غرباء، وإعدام جميع الرجال في أي منزل يُكتشف فيه ممتلكات سُرقت من يهود. وفي حالة عرب الزبّح، وهي جماعة بدوية عاشت في الجليل، وجّه تعليمات بألا يُترك أثر: “كل عربي من الزبّح يجب قتله”.
في عام 2017 صدر بحث للمؤرخ الفلسطيني المقيم في إسرائيل عادل مناع بعنوان: “النكبة والبقاء: قصة الفلسطينيين الذين ظلّوا في حيفا والجليل 1948–1956”. خلص مناع في كتابه إلى أن “المجازر التي ارتُكبت في عملية حيرام نُظِّمت من الأعلى، وكان هدفها دفع السكان إلى الفرار”. المؤرخ بيني موريس انتقد الكتاب، مدعيًا أن “لا سند لدى مناع يربط بين هذه الأمور”. غير أن الأدلة التي تتراكم تباعًا تشير إلى أن مناع كان على حق: الجيش بادر إلى ارتكاب مجازر وعمليات قتل لتسريع الهروب. وكما قال مردخاي مكلِف في شهادته: “كان لا بد من عنصر رعب أولي كي يرحلوا”.
لكن ما مدى اتساع حمّام الدم هذا؟ موريس أحصى 24 مجزرة. كاتب هذه السطور قدّر في ملحق هذا الصحيفة سابقًا أن العدد يدور حول عشرات كثيرة. اليوم يبدو أن ذلك التقدير كان حذرًا ومحافظًا أكثر مما ينبغي. من أبرز الدراسات حول النكبة تلك التي أنجزها فريق باحثين من جامعة بيرزيت بقيادة المؤرخ الفلسطيني صالح عبد الجواد. اعتمد بحث عبد الجواد، الذي استمر سنوات، على 300 مقابلة مطوّلة مع ناجين أُجريت منذ أواخر التسعينيات. بل إن الباحثين قرروا أن تُؤخذ الشهادات تحت القسم. ثم جرى تقاطع الروايات بعضها مع بعض، ومقارنتها بوثائق متنوعة. في البداية قدّر عبد الجواد عدد المجازر بأكثر من 70. لكن في السنوات الأخيرة، وفي دراسة متابعة استندت إلى مصادر إضافية وشهادات جديدة، بات يؤكد أن عددها لا يقل عن 100 مجزرة. أي إن واحدة من كل خمس قرى احتُلّت شهدت ذبح مدنيين.
ويمكن تصنيف هذه المجازر إلى ستة أنماط: قتل واسع وشامل (الدوايمة)؛ قتل عشوائي أثناء الاحتلال (بئر السبع)؛ قتل متعمّد بدافع الانتقام لمقتل مقاتلين (بلد الشيخ)؛ إعدام انتقائي لمجموعة من الرجال المدنيين أمام الجدران (مجد الكروم)؛ إعدام جميع الأسرى الرجال (حولا)؛ وقتل مدنيين حاولوا العودة إلى بلداتهم (مجدل عسقلان).
تتيح الأدبيات البحثية الحديثة رسم خريطة لجزء كبير من المجازر بدرجة عالية من اليقين. وفي ما يلي قائمة جزئية بأبرز الحوادث: أشدّ ثلاثة أحداث دموية، قُتل في كل واحد منها مئة مدني أو أكثر، وقعت في دير ياسين، والدوايمة، واللد. ستّ مجازر أخرى حصدت ما بين 50 و100 ضحية: في الجش عند سفوح جبل ميرون، وفي صفصاف وعين الزيتون في منطقة صفد، وفي صالحة على الحدود اللبنانية، وفي أبو شوشة بمنطقة الرملة، وفي قرية بُرير شمالي غزة. عشرات المدنيين ذُبحوا كذلك في الطنطورة، وبئر السبع، وكفر عنان في منطقة صفد، والطيرة في منطقة حيفا، وحولا على الحدود اللبنانية. نحو عشرين ضحية سُجّلوا في عيلبون غرب بحيرة طبريا، وفي ناصر الدين قرب طبريا، وفي قرية سبارين المجاورة لحيفا، وفي البصّة شمالي عكا، وفي تجمّع بدوي كان قائمًا جنوب عكا. ومن المجازر البارزة الأخرى ما وقع في مجد الكروم، وكفر سابا، وفي رحوفوت (في قرية زرنوغا)، وجنوب نهاريا، وبالقرب من ما اصبحت كيبوتسات: كابري (قرية الكابري المهجرة)، وكيبوتس نغبا، وكفار مناحم.
قبل أربعة أعوام نُشر مختارات من الشهادات التي جمعها فريق صالح عبد الجواد في كتاب بعنوان “Voices of the Nakba: A Living History of Palestine”. قراءة هذا العمل تقلب الأحشاء، وتتقاطع مع شهادات من الجانب الإسرائيلي نفسه. وبالاستناد إلى هذه الروايات، حدّد عبد الجواد نمطًا متكررًا في أثناء الاحتلال، تألف من أربع مراحل: تطويق القرى من ثلاثة اتجاهات مع بثّ رعب شامل عبر إطلاق النار والقصف؛ فتح ممرّ للفرار نحو الدول المجاورة؛ قتل من بقي من السكان، ولا سيما الرجال والفتيان بين 16 و50 عامًا؛ ثم تفجير المباني وإحراقها عمدًا، أحيانًا بينما كان بعض السكان لا يزالون في داخلها. تلك أيضًا صفحة من إرث حرب الاستقلال.
***
يكاد يمرّ ثمانية عقود على تلك الوقائع الدامية، ومع ذلك ما زالت هوّة سحيقة في إسرائيل تفصل بين الذاكرة والصورة الذاتية من جهة، والواقع من جهة أخرى. جرائم الحرب تُخفى وتُقمع، وثقافة صمت تُسدِل ستارها عليها. إلى حدّ بعيد، فإن الاعتراف بجرائم الماضي — وبالإنكار الذي رافقها — شرطٌ لفهم حاضر إسرائيل. مجتمع يقمع طوال أجيال ما اقترفه من مجازر وقتل وتهجير، يسهل عليه أن يغمض عينيه عمّا يجري في غزة خلال العامين الأخيرين.
هذا الخلل في الذاكرة الجمعية لم ينشأ صدفة، ولا يمكن تعليق المسؤولية على كتب التعليم وحدها. إنه موقف المنظومة بأكملها: السياسية، والقضائية، والإعلامية. حتى الأوساط الأكاديمية الإسرائيلية شاركت، بدرجات متفاوتة، في سياسة الإخفاء والإنكار — أحيانًا بدافع التماهي، وأحيانًا بدافع الكسل أو اللامبالاة.
وكما كان الأمر آنذاك، هو اليوم أيضًا: يُقتل “غير المتورطين”، تُوارى الجرائم، ويُتجنَّب تقديم المسؤولين إلى المحاكمة. هذه هي القاعدة منذ ذلك الحين حتى الآن. لقد تسببت إسرائيل في مقتل نحو مئة ألف فلسطيني في غزة، ومع ذلك لم يُوجَّه الاتهام إلى جندي واحد بتهمة القتل أو التسبب بالموت. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، قُدِّم جندي واحد فقط للمحاكمة بتهمة النهب. إن إنكار جرائم 1948 غذّى عقودًا طويلة من الصراع. فماذا سيجلب علينا إنكار جرائم غزة؟
ـ المصدر: موقع “هآريتس”
