محمد الطوزي يرسم خريطة أزمة السياسة ومستقبل الإسلام السياسي في المغرب
أكد عالم الاجتماع والباحث في العلوم السياسية محمد الطوزي أن المغرب يعيش مرحلة ترسخ تدريجي لثقافة سياسية قائمة على التداول عبر الانتخابات، معتبراً أن الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة والمقبلة منحت، “إلى حد ما، شرعية شعبية لأن الصوت أصبح له معنى، ويمكن أن يُفرز تياراً سياسياً للحكم يمكن أن يتعاقب”، وهو ما يشكل في نظره مساراً لبناء ثقافة سياسية للتداول، حتى وإن كان “لا يمكن القول إننا وصلنا إلى مستوى الديمقراطية المكتملة”.
وحل الطوزي ضيفا على القناة الثانية، مساء الأربعاء 11 فبراير الحالي، حيث أوضح أن أهمية اللحظة الراهنة لا تكمن فقط في نتائج الانتخابات، بل في كونها تساهم في إدخال العمل السياسي ضمن روتين مؤسساتي يرسخ علاقة المسؤولية بين المنتخبين والناخبين، ويمنح الممارسة السياسية معنى تراكمياً يتجاوز منطق الربح والخسارة الظرفي.
وأكد عالم الاجتماع أن المشهد السياسي المغربي يمرّ بأزمة مركبة تتجاوز حدود التنافس الحزبي التقليدي، موضحًا أن هذه الأزمة ليست فقط أزمة برامج أو تصورات أو قيادات، بل هي أيضًا أزمة أخلاقية مست العمل السياسي في عمقه وأضعفت ثقة المواطنين في المؤسسات التمثيلية. وقال إن المرحلة الأخيرة كشفت عن “أزمة في التصور، وأزمة في البرامج والاقتراحات، وأزمة في الموارد البشرية والقيادات، لكنها كذلك أزمة أخلاقية بالأساس”، معتبرًا أن هذه الأزمة الأخلاقية أسهمت في إضعاف صورة العمل السياسي وتحويله في نظر جزء من الرأي العام إلى مجال فاقد للجاذبية.
أفول الحركات الإسلامية ليس نهاية القصة
وأوضح الطوزي أن السياق السياسي الذي أعقب انتخابات 2021 تميز بارتباك في التصورات وبمحاولات لإعادة تعريف العلاقة بين السياسة والتنمية، مشيرًا إلى أن الرهان لم يعد يقتصر على التنمية الاقتصادية والسياسية فقط، بل يشمل أيضًا ما سماه “التنمية المواطِنة” التي تتضمن بعدًا أخلاقيًا ضروريًا لإعادة بناء الثقة. وأضاف أن أي ميثاق سياسي جديد ينبغي أن يؤسس لمرحلة تقوم على المصالحة والتعبئة المجتمعية، على غرار المراحل التي عرف فيها المغرب قفزات سياسية مهمة سمحت بإعادة دمج فئات واسعة في الحياة العامة.
وفي معرض حديثه عن مآلات الحركات الإسلامية، شدد الطوزي على أن المغرب لا يمكن فصله عن السياق العالمي، معتبرًا أن القول بانتهاء دور الدين في المجال العام غير دقيق. وقال إن “التعبئة بالدين لم تختفِ وستبقى حاضرة، لأن الدين والتديّن والإيديولوجيا الدينية عناصر مستمرة في المجتمعات، لكنها تتخذ أشكالًا جديدة”. وأوضح أن ما تراجع هو نمط معين من الثقافة السياسية التي تمزج بين الأخلاقي والسياسي في إطار مرجعية مغلقة، مشيرًا إلى أن هذه الثقافة واجهت صعوبات في تدبير الاختلاف والتعدد وفي معالجة قضايا العدالة الاجتماعية.
وأكد أن ما يُوصف أحيانًا بإغلاق قوس الحركات الإسلامية ليس نهاية نهائية، بل تحوّل يفتح المجال أمام أشكال أخرى من التعبير الديني في السياسة. وقال إن “القوس لم يُغلق نهائيًا، لأن هناك إمكانيات لبعث جديد بطرق مختلفة”، مضيفًا أن حضور الدين في الفضاء العام سيستمر، لكن ضمن صيغ أكثر تنوعًا وتعقيدًا. كما أشار إلى أن المحافظة الاجتماعية لم تعد ذات تجلٍّ ديني صرف، بل أصبحت ترتبط أيضًا بعوامل اجتماعية وثقافية أخرى، من بينها تحولات الطبقة الوسطى وبروز نزعات ذكورية وأبوية لا تستند بالضرورة إلى مرجعية دينية مباشرة.
وانتقد الطوزي ما اعتبره إخفاقًا لدى النخب ذات المرجعية الإسلامية في استثمار فرصة تجديد الخطاب، سواء السياسي أو الديني، خلال العقود الماضية. وأوضح أن مجتمعًا محافظًا ومتدينًا مثل المجتمع المغربي كان يتطلب من هذه النخب أن تكون في طليعة المجددين، قائلاً إن الخطاب السياسي المنبثق من مرجعية دينية “كان مطالبًا أكثر من غيره بالتجديد”، غير أن هذه الفرصة لم تُستثمر بالشكل الكافي.
هل يسير المغرب نحو العلمنة؟
وفي رده على سؤال الصحفي حول ما إذا كان المجتمع المغربي يشهد مسارًا نحو العلمنة، قال الطوزي إن الواقع اليومي يكشف عن “تعايش وتفاوض يومي بين ما هو ديني وما هو يومي”، حيث يطوّر الأفراد أشكالًا مرنة من التديّن تتكيف مع متطلبات الحياة المعاصرة. واعتبر أن هذا التفاعل كان يمكن أن يشكل مجالًا خصبًا لتجديد الفكر السياسي ذي المرجعية الإسلامية، غير أن هذا التجديد ظل محدودًا.
وشدد الطوزي على أن الإشكال المركزي في الحياة السياسية المغربية اليوم لا يتعلق بوجود الانتخابات في حد ذاتها، بل بضعف ما سماه “التصور السياسي للعمل السياسي”، موضحاً أن الصراع القائم يظل في كثير من الأحيان محصوراً في أساليب التدبير التقني للسياسات العمومية، بدل أن يكون صراعاً حول اختيارات سياسية واضحة. وقال في هذا السياق إن “الصراع السياسي أصبح مقتصراً حتى على أساليب التدبير، وليس على اختيارات سياسية”، معتبراً أن هذه الاختيارات لا يشترط أن تكون إيديولوجية كبرى، لكنها ينبغي أن تتعلق بقضايا ملموسة مثل توزيع الاستثمارات، وأولويات البنيات التحتية، وتنزيل السياسات على المستوى الإقليمي والمحلي. وأضاف أن السياسة تحتاج إلى بعد قيمي يحدد اتجاهها، لأن “الاختيارات السياسية تدخل فيها قضية العدالة الاجتماعية والعدالة المجالية والفوارق الطبقية”، وهي عناصر لا يمكن اختزالها في قرارات تقنية محضة.
عرض سياسي ضعيف
وفي تحليله للسياق العالمي الذي يؤثر في الخيارات الوطنية، أشار الطوزي إلى هيمنة تصور ليبرالي جديد يعتبر أن القطاع الخاص أكثر قدرة على التدبير من الدولة، وأن المصلحة العامة ليست سوى مجموع المصالح الخاصة. واعتبر أن هذا التصور، الذي يخفف من حدة الصراع بين الغنى والفقر ويميل إلى التكيف مع اللامساواة، يجد امتدادات له في الثقافة الاجتماعية، حيث يتم أحياناً التعاطي مع الفوارق عبر الإحسان بدل السياسات العمومية المهيكلة. وقال إن هذا المنحى يجعل العروض السياسية متشابهة في نظر المواطنين، ما دام الهدف النهائي يبدو تقنياً تدبيرياً، وهو ما ينعكس سلباً على المشاركة السياسية، لأن “العرض السياسي ضعيف، ولا يوجد صراع واضح في التصورات اليومية للسياسة”، رغم وجود توافق عام حول التوجهات الكبرى على المدى المتوسط والبعيد.
وضرب الطوزي أمثلة من السياسات القطاعية لتوضيح الطابع السياسي للاختيارات التي تبدو تقنية، متوقفاً عند السياسة الفلاحية ووضع العالم القروي الذي يضم نحو 11 مليون نسمة. وأوضح أن تحسين أوضاع هذا المجال لا يمكن أن يعتمد فقط على مردودية الإنتاج، بل على مقاربة شاملة تشمل المحافظة على المجال الطبيعي واستقرار السكان، منتقداً التركيز المفرط على منطق الأعمال على حساب “الفلاحة الأسرية” التي وصفها بالمهمة. كما استحضر مسألة “العدالة الرقمية” باعتبارها اختياراً سياسياً بامتياز، قائلاً إن ضمان الولوج إلى الخدمات الرقمية في المناطق المحرومة يتطلب استثمارات وقرارات استراتيجية، خاصة وأن الدولة مقبلة على تحول رقمي في خدماتها الإدارية، في حين أن كلفة الاتصال ما تزال مرتفعة مقارنة بدول أخرى.
وفي تقييمه لخطاب “مشروعية الإنجاز” الذي ترفعه الحكومة، ميز الطوزي بين إنجاز البنيات التحتية وتقديم الخدمات، معتبراً أن بناء المؤسسات الكبرى أسهل من ضمان حسن تشغيلها. واستشهد بإشكال تكوين الأطباء وتدبير هذا الملف بعد انتخابات 2022، واصفاً طريقة التدبير بأنها “كانت كارثية إلى حد ما”، ومشيراً إلى ضعف التواصل مع الطلبة وعدم أخذ مسألة الحركية المهنية للأطباء بعين الاعتبار. وأكد أن المشكلة لا تتعلق فقط بالإنجاز، بل بـ”التعبئة”، أي القدرة على خلق اتفاق عام حول مسارات الإصلاح وقواعده، خاصة في قطاع التعليم الذي يعرف، رغم تعدد الإصلاحات، غياب توافق شامل حول أهدافه ومضامينه ودور المدرسين داخل المنظومة.
صيحة الحركات الاجتماعية
وتوقف الطوزي مطولاً عند عودة الحركات الاجتماعية بقوة في المغرب، مع تسجيل آلاف أشكال الاحتجاج سنوياً، معتبراً أن هذه الظاهرة “صحية على عدة مستويات”. وأوضح أن الاحتجاجات تعكس وعياً بالمصلحة المشتركة وتبني تقنيات سلمية للتعبير، كما تدل على تأقلم السلطة مع مشروعية الحركة الاجتماعية، ما يساهم في إنتاج مجتمع يدبر العنف بشكل سلمي نسبياً. غير أن هذا الحراك يكشف في المقابل “هشاشة الآليات الوسطى”، أي ضعف النقابات والأحزاب كوسائط تمثيلية. وقال إن ظهور التنسيقيات كبديل عن النقابات “علامة على فشل هذه الأخيرة في القيام بدور الوساطة والتمثيل”، كما أن ضعف الأحزاب يجعل المطالب تبقى فئوية وشخصية بدل أن تتحول إلى مطالب سياسية قابلة للتفاوض على مستوى الدولة.
وفيما يتعلق بالعزوف السياسي، ميز الطوزي بين المستويين الوطني والمحلي، مشيراً إلى أن السياسة المحلية تعرف تعبئة أكبر بسبب ارتباطها المباشر بحاجيات المواطنين اليومية. وأوضح أن الانتخابات المحلية غالباً ما تستقطب عدداً كبيراً من المرشحين لأن رهاناتها ملموسة، وتتعلق بالخدمات الأساسية مثل المدرسة والطبيب والطرق. واعتبر أن هذا الشكل من التعبئة، حتى وإن كان في جزء منه مرتبطاً بالأعيان، يظل تعبيراً عن تدبير الشأن العام المحلي، وهو جوهر العمل السياسي. ودعا إلى التفريق في تحليل أزمة السياسة بين ما هو محلي وما هو وطني وما هو إيديولوجي، لأن لكل مستوى دينامياته الخاصة.
عودة وزارة الداخلية
وعن الحديث المتكرر حول عودة قوية لوزارة الداخلية، رأى الطوزي أن المسألة ترتبط أساساً باختلال في توازن الإمكانيات بين المنتخبين والسلطات المحلية. وأوضح أن ضعف الموارد المالية والبشرية للجماعات، خاصة القروية منها، يجعل الدولة ممثلة في أجهزتها الإدارية أكثر قدرة على الفعل على المستوى الترابي. وأشار إلى محدودية ميزانيات العديد من الجماعات، معتبراً أن هذا الواقع يطرح تحديات حقيقية أمام اللامركزية ويؤثر في فعالية العمل الانتخابي المحلي.
وفي تقييمه للنموذج التنموي الجديد، الذي ساهم في إعداده، وصفه الطوزي بأنه “منصة جديدة وعقلية جديدة” تهدف إلى تجديد مقاربة تدبير السياسات العمومية. وأوضح أن التقرير قدم تشخيصات عميقة واقتراحات قطاعية في مجالات الماء والتعليم والسياحة والحكامة والعدالة، لكنه أشار إلى أن تفعيل بعض جوانبه، خصوصاً ما يتعلق بالميثاق التربوي، واجه صعوبات مرتبطة بالظرفية السياسية. وبيّن أن فوز حزب معين بأغلبية كبيرة في الانتخابات خلق تداخلاً بين برنامجه الخاص والحاجة إلى ميثاق وطني جامع، ما أثر في دينامية تنزيل بعض توصيات النموذج، في سياق انتقال من مرحلة سياسية اتسمت بتوازنات خاصة إلى مرحلة يغلب عليها هاجس النجاعة التقنية.
ويخلص تحليل الطوزي إلى أن المغرب بلغ “مرحلة نضج سياسي كبيرة” تتجلى في حيوية المجتمع وقدرته على الاحتجاج السلمي والمشاركة المحلية، لكنه في الوقت نفسه يواجه تحدياً يتمثل في إعادة بناء الوساطة السياسية وتقوية الخطاب الحزبي القادر على بلورة اختيارات واضحة. فبين توافق عام على الاتجاهات الكبرى، وحاجة ملحة إلى تحديد الأولويات وترتيبها، تبقى مهمة النخب السياسية، في نظره، هي تحويل المطالب المتفرقة إلى مشاريع سياسية متماسكة تمنح للعملية الديمقراطية مضموناً فعلياً يتجاوز التدبير التقني نحو أفق قيمي وتنموي أشمل.
دلالات التظاهرات الرياضية الكبرى
وتوقف الطوزي مطولًا عند الدلالات الاجتماعية والسياسية للتظاهرات الرياضية الكبرى، مستحضرًا تجربة تنظيم المنافسات الكروية في المغرب وما رافقها من تعبئة جماهيرية. وأوضح أن هذه الأحداث أظهرت قدرة البلاد على تقديم صورة تنظيمية إيجابية، حيث قال إن الإخراج التقني والتنظيمي كان “جميلًا إلى حد بعيد” على مستوى الإنتاج والملاعب والبنية التحتية، ما ساهم في تسويق صورة إيجابية عن المغرب في الخارج.
ورأى أن هذه التظاهرات كشفت أيضًا عن حضور قوي للدولة في امتدادها التاريخي، معتبرًا أن الصورة التي برزت كانت صورة دولة تتمتع باستمرارية مؤسساتية وبمشروع واضح. وأشار إلى أن الأجواء التي رافقت هذه الأحداث اتسمت بما يشبه “العرس الوطني”، حيث برزت لحمة وطنية قوية وشعور جماعي بالفخر، وإن كان هذا الشعور قد اتخذ أحيانًا طابعًا تعبويًا مبالغًا فيه.
غير أن الطوزي نبّه في المقابل إلى بعض الجوانب السلبية المرتبطة بما وصفه بالشحن الإعلامي والشوفينية التعبوية، محذرًا من أن الإفراط في التعبئة قد يولّد توترات ويمنح خصوم البلاد فرصًا لاستثمار هذه الأجواء. واعتبر أن النهاية الصادمة لبعض المنافسات، رغم قسوتها على الجمهور، كانت في نظره “أفضل سيناريو ممكن”، لأنها جنّبت تضخم التوقعات إلى مستويات غير واقعية، وأعادت التوازن إلى الخطاب العام.
وأشار إلى أن ردود فعل الدولة في مواجهة بعض مظاهر العنف أو التوتر اتسمت بقدر من الرصانة، مؤكدًا أن بيانات المؤسسات الرسمية جاءت متوازنة نسبيًا وسعت إلى احتواء الانفعالات. كما لفت إلى أن التداخل بين الرياضة والسياسة ليس حكرًا على المغرب، مستشهدًا بتجارب دول أخرى حيث تتحول المنافسات الرياضية إلى مناسبات للتعبير عن رهانات سيادية وصراعات سياسية داخلية وخارجية.
وخلص الطوزي إلى أن قراءة هذه الظواهر، سواء تعلق الأمر بالأزمة السياسية أو بتحولات الحركات الإسلامية أو بالدلالات الاجتماعية للتظاهرات الرياضية، تكشف عن مجتمع في طور إعادة التشكل، يبحث عن توازن جديد بين الأخلاق والسياسة، وبين الدين والحداثة، وبين التعبئة الجماعية ومتطلبات الرصانة المؤسساتية. وأكد أن التحدي الأساسي يكمن في القدرة على تحويل هذه التحولات إلى فرص لإعادة بناء الثقة وتعزيز المشاركة المواطنة ضمن أفق ديمقراطي متجدد.
